حتى أينشتاين وقع فيها... ماذا نعرف عن «متلازمة المحتال» ولماذا هي إيجابية؟

الأفراد الاستثنائيون يقللون أيضاً من شأن إنجازاتهم (بي بي سي)
الأفراد الاستثنائيون يقللون أيضاً من شأن إنجازاتهم (بي بي سي)
TT

حتى أينشتاين وقع فيها... ماذا نعرف عن «متلازمة المحتال» ولماذا هي إيجابية؟

الأفراد الاستثنائيون يقللون أيضاً من شأن إنجازاتهم (بي بي سي)
الأفراد الاستثنائيون يقللون أيضاً من شأن إنجازاتهم (بي بي سي)

يريد الجميع أن يشعر بالانتماء، أكان في علاقاته وحياته أو عمله. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يريدون التفوق غالباً ما يجدون أنفسهم يسعون باستمرار لتحقيق الإنجازات.

ولكن مع هذا الدافع قد يشعر المرء بالقلق من عدم كونه جيداً بما فيه الكفاية، أو ما هو أسوأ من ذلك، قد يخشى أن يكتشف شخص ما أنه مخادع، بحسب تقرير لموقع «سايكولوجي توداي».

وتعد مشاعر عدم الكفاءة هذه شائعة بشكل كبير. في الواقع، وجدت مراجعة شاملة أجريت عام 2020 لـ62 دراسة شارك فيها أكثر من 14000 مشارك أن نسبة مذهلة تتراوح بين 56 في المائة إلى 82 في المائة من الأفراد، بجنس وخلفيات وأعمار مختلفة، عانوا مما يعرف بـ«متلازمة المحتال» في مرحلة ما.

ووفق الدراسة، فإن الأفراد الاستثنائيين يقللون أيضاً من شأن إنجازاتهم. على سبيل المثال، مايا أنجيلو، التي قالت بعد تأليف 11 كتاباً: «لقد أديت لعبة على الجميع وسوف يكتشفونني».

وكان ألبرت أينشتاين ينتقد إنجازاته بالقدر نفسه؛ حيث قال: «إن التقدير المبالغ فيه الذي تحظى به حياتي يجعلني أشعر بعدم الارتياح الشديد. أشعر بأنني مضطر إلى التفكير في نفسي بوصفي محتالاً غير طوعي».

وظهر مصطلح «ظاهرة المحتال» أو «متلازمة المحتال» لأول مرة في عام 1978 من قبل عالمي النفس بولين روز كلانس وسوزان إيمز. ورغم أن هذا المفهوم يمتد إلى زمن بعيد في التاريخ، فإنه يُفهم اليوم على أنه تجربة عاطفية معقدة. ويتجلى ذلك في الدافع الصحي للتفوق، ولكن عند تحقيق الأهداف قد يشعر الشخص بالذنب أو الخوف من المزيد من النجاح، أو أفكار مثل «ما الذي يمنحني الحق في أن أكون هنا؟».

في حين أن «متلازمة المحتال» تميل إلى التأثير على النساء والأقليات بدرجة أكبر، فإنها تحمل وصمة عار سلبية للجميع. وتنبع هذه المشاعر من ضعف احترام الذات، وليس من نقص القدرة أو الدافع.

بالنسبة لأي شخص عانى من «متلازمة المحتال»، يمكن أن تكون لحظات عدم الراحة وعدم اليقين علامة إيجابية. يجب أن تكون بمثابة تذكير بالفوائد والجوانب الإيجابية التي تأتي مع «الارتقاء بالمستوى» وتسليط الضوء على إمكانية ظهور تجارب «المحتال» بشكل مختلف.

1-معايير عالية

وغالباً ما تشير مشاعر «عدم كونك جيداً بما يكفي» إلى التزام الشخص بمعايير عالية، ما يدفع هذا الشخص لفهم أن التعلم هو عملية تستمر مدى الحياة. وهو يتناقض مع تأثير دانينغ-كروجر، الذي يمكن أن تؤدي فيه المعرفة أو المهارة المحدودة إلى خلق شعور متضخم بالكفاءة.

فعندما تعكس «متلازمة المحتال» الرغبة في الإنجاز، فإن تأثير دانينغ-كروجر قد ينبع من تصور خاطئ للإتقان.

2-يسلّط الضوء على الالتزام

يمكن أن تشير تجربة عدم اليقين أو عدم الراحة إلى مستوى عالٍ من الاستثمار في النتيجة. غالبًا ما تعكس هذه المشاعر الرغبة في التميز، وفي بعض الحالات، دافعاً نحو الكمال. يمكن أن يؤدي هذا الدافع إلى التحسين المستمر ويدل على الالتزام العميق بالنمو الشخصي.

3-الدفع نحو النمو

يمكن أن تكون الرغبة في تجنب أوجه القصور المتصورة حافزاً قوياً لتنمية المهارات واكتساب معارف جديدة. وتعمل هذه العملية على تحسين الذات، وتشير الدراسات إلى أن الأفراد ذوي عقلية النمو هم أكثر عرضة لرؤية التحديات على أنها فرص للتحسين، ما يؤدي إلى زيادة الحافز لتنمية المهارات.

4-مفتاح اكتشاف الذات

قد يؤدي التشكيك في قدرات الفرد إلى بدء عملية التنظيم الذاتي الحاسمة لاكتشاف الذات. ومن خلال التقييم والتعديل، يكتسب الأفراد نظرة ثاقبة حول نقاط قوتهم ومجالات التطوير والشعور العام بالذات.

وتسلط الأبحاث الضوء على وجود صلة بين الوعي الذاتي والقدرة على إدارة «متلازمة المحتال»، مع التركيز على أهمية التأمل الذاتي في التغلب على الشك الذاتي.

5-يبني المرونة

إن التنقل في لحظات الشك الذاتي يعزز المرونة المتجذرة بعمق في الوعي والكفاءة. إن فهم الشخص لنقاط قوته ومجالات التحسين يسمح بتوقعات واقعية والقدرة على المثابرة عند ظهور التحديات.

للتغلب على هذا الانزعاج وتسخير هذه المشاعر للنمو، فكر في الخطوات التالية:

-تواصل مع شخص تثق به وشاركه مشاعرك واكتسب منظوراً جديداً.

-قم بتعليم أو إرشاد الآخرين لتعزيز معرفتك وإبراز التقدم الذي تحرزه.

-تحدَّ الأفكار السلبية من خلال التركيز على التأثيرات الإيجابية وإمكانات النمو.

-قم بتدوين نقاط قوتك وإنجازاتك التي يمكن أن تساعد في مواجهة الشكوك وتوضيح أين تتفوق وأين يمكنك التحسن.

-صوب على أهداف عالية ولكن ليس إلى الكمال، واحتفل بنجاحاتك بدلاً من التوقف عند العيوب البسيطة.

-ابتعد عن نسب نجاحك إلى الحظ وابدأ في الاعتراف بعملك الجاد وقدراتك.

وتذكر أن هذه المشاعر لا تنشأ من نقص القدرة، بل من المعايير العالية والتحديات الطبيعية للنمو. إن فهم هذا الانزعاج والاعتراف علناً بمشاعرك، مع إدراك أن الكثيرين يشاركونك هذه الشكوك، يمكن أن يذكرك بأنك تنتمي حقاً إلى هذا المستوى الجديد.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.