«ياباني في مكة»... مشاهد ثقافية واجتماعية من رحلة عمرها 9 عقود

بدت مكة في كتاب الرحالة الياباني زاخرة بالمشاهد الاجتماعية والثقافية الغنيَّة بالمعاني والصور (واس)
بدت مكة في كتاب الرحالة الياباني زاخرة بالمشاهد الاجتماعية والثقافية الغنيَّة بالمعاني والصور (واس)
TT

«ياباني في مكة»... مشاهد ثقافية واجتماعية من رحلة عمرها 9 عقود

بدت مكة في كتاب الرحالة الياباني زاخرة بالمشاهد الاجتماعية والثقافية الغنيَّة بالمعاني والصور (واس)
بدت مكة في كتاب الرحالة الياباني زاخرة بالمشاهد الاجتماعية والثقافية الغنيَّة بالمعاني والصور (واس)

«على قمة جبل الرحمة آلاف الحجاج، وعند أقدام الجبل تراصت الخيام، وامتدت عبر الوادي. كانت الخيام مختلفة الأحجام، ما بين كبيرة وصغيرة، وأشكالها متنوعة، وفي أعلى كل خيمة راية، علامة لكل جماعة من الحجيج، خيام في خيام على مرمى البصر، ما يقرب من 50 ألف خيمة. هذا المنظر لا يمكن أن تعبِّر عنه الكلمات. الخيام الصغيرة تجنبنا ضوء الشمس المباشر فقط؛ لكنها لا تمنع عنا الحرارة المحرقة، ورغم حرارة الجو الشديدة، فإن المسلمين الحجاج هنا على درجة كبيرة من الإيمان بالله والثقة».

بهذه الكلمات، وصف الأديب والرحالة الياباني تاكيشي سوزوكي، تفاصيل المشهد الإيماني الآسر الذي اجتذبه ودفعه للكتابة عنه قبل نحو 9 عقود، عندما أرخ تفاصيل رحلته إلى مكة المكرمة في عام 1356 للهجرة، الموافق 1938 للميلاد.

وصف الرحالة الياباني تفاصيل المشهد الإيماني الآسر الذي اجتذبه ودفعه للكتابة قبل 9 عقود (مكتبة الملك عبد العزيز)

يشكِّل كتاب الرحالة والباحث الياباني تاكيشي سوزوكي الذي دخل الإسلام وحمل اسم «الحاج محمد صالح» صورة من صور أدب الرحلات الياباني، لشخصية يابانية اعتنقت الإسلام، بعد أن عاشت بين المسلمين في جزر إندونيسيا عدة سنوات. وقد أدى سوزوكي مناسك الحج 3 مرات، ما بين 1935 و1938. وبعد رحلته الثالثة ألف كتابه «الحج إلى مكة المكرمة» وأصدره باليابانية في عام 1943.

في كتابه، تحدث سوزوكي عن سفره إلى مكة المكرمة بالباخرة من اليابان إلى مصر، مروراً بقناة السويس، ثم وصوله إلى السعودية وأدائه مناسك الحج. ووصف في فصل مستقل لقاءه بالملك عبد العزيز، كما رصد في طيات كتابه ملامح عن الإسلام ومبادئه، وعن مقاصد العبادات في الإسلام، وشرح رؤيته للعادات العربية الأصيلة التي لمسها عن قرب خلال رحلاته الثلاث للمشاعر المقدسة، وعن الرحلة الأخيرة والظروف التي دفعته إلى القيام بها. وركَّز في حديثه على الأمور الجغرافية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية.

ويُعد كتاب الباحث الياباني تاكيشي سوزوكي الذي نشر أول مرة في 1943 باللغة اليابانية، ثالث أقدم وثيقة لأدب الرحلات التي كتبها يابانيون قصدوا مكة المكرمة للحج، ونقلها إلى العربية سمير عبد الحميد إبراهيم، وسارة تاكاهاشي، عام 1999، لمكتبة الملك عبد العزيز، بهدف حفظ ما وثقته المذكرات عن طبيعة وتفاصيل الحياة في الأراضي المقدسة عند المسلمين، من وجهة نظر يابانية في ثلاثينات القرن العشرين.

وثَّق الرحالة الياباني رحلته منذ 9 عقود حيث بدأت ملامح العهد السعودي تتضح في مكة المكرمة (واس)

«الأرض المقدسة... أرض أحلامي»

بهذا العنوان الفرعي، يضع الرحالة اسماً لفصل رحلته إلى مكة المكرمة التي بدأت -حسبما دوَّنه- من ميناء مدينة كوبيه اليابانية. وهي مدينة ساحلية عالمية، بمثابة ميناء صغير قبالة خليج مقاطعة أوساكا، لافتاً في كتابه إلى أنه اضطر إلى التحايل من أجل الدخول إلى مصر، بسبب ظروف سياسية متصلة بإقليم منشوريا (شمال شرقي الصين). وبعدها رافق سوزوكي بعثة منشوريا إلى الحج، وركب سفينة من مصر باتجاه السعودية، حتى بلغ البوابة البحرية لمكة المكرمة.

وبعد أن رست سفينته في مدينة جدة الساحلية، انتقل مروراً بمحافظة بحرة إلى الحرم المكي، وهناك استقرت روحه في رحاب المشاعر المقدسة، وبدأ رحلته الإيمانية، محفوفاً بفضاء اجتماعي وإيماني كبير.

ويسرد الباحث الياباني في كتابه المشهد الذي رافق استقبال الحجاج من جميع مشاربهم لإخوانهم المسلمين اليابانيين، وكيف ذابت في تلك اللحظة جميع الفوارق رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية والعرقية. وقال: «لقد امتدت الأيدي بالسلام، أيادٍ بيضاء، وأيادٍ سمراء، لم تتوقف الأيدي إلينا بالمصافحة».

ووصف سوزوكي في الكتاب مظاهر احترام الكبير، والتأدب عند الحديث إلى الوالدين، وعن أثر تعاليم الدين الإسلامي في أخلاق الناس عموماً، وعند التواصل فيما بينهم، والتزامهم الدقيق بهذه القيم الحميدة.

كما دوَّن تاكيشي مشاهد من عادات الزواج العربية؛ إذ تيسَّرت له رؤية جوانب من ثقافة وتقاليد الزواج، وكيف يمهر الزوج عروسه بما يتم الاتفاق عليه، بالإضافة إلى استعراض الأثر الذي تركته تضاريس الصحراء في نفوس العرب، وما شكلته في طبيعتهم من نباهة ذهنية وقوة جسمانية وجسارة في مواجهة المشاق والتحديات.

‏الملك عبد العزيز يلقي كلمة حفل استقبال رؤساء وفود الحج وبجواره الملك سلمان بن عبد العزيز عام 1939 (دارة الملك عبد العزيز)

قائد أمة وموحد بلد كبير

بهذه الصورة البديعة التي كتبها الرحالة الياباني في نحو 300 صفحة لرحلته الإيمانية منذ 9 عقود؛ بدأت ملامح العهد السعودي تتضح في مكة المكرمة التي يؤمها ملايين المسلمين سنوياً من أصقاع العالم، ويشهدون في كل رحلة مشهداً جديداً من التطوير والتحسين الذي عرفته قِبلة المسلمين في العهد السعودي.

ووصف الرحالة الياباني في مؤلفه التأثير الذي يتركه الملك عبد العزيز آل سعود في نفس وذهن كل من يلتقيه. وأسهب في الحديث عن شخصيته الفذَّة التي مكنته من تأسيس البلاد وتوحيدها، وجعلت منه قائد أمة، وموحِّد بلد كبير، وأن الخبرة السياسية التي نمت معه منذ صغره انعكست على شخصيته ودوره في بناء كيان سياسي فذٍّ.

ورسم الرحالة الياباني صورة للملك عبد العزيز الذي شاهده عن قرب والتقى به، وقد خصه الملك دون غيره من الحجاج باللقاء أطول وقت ممكن. وكتب عن حياة الملك عبد العزيز الأولى، وعن كفاحه حتى استرد مُلك آبائه، وتمكن من توحيد أجزاء البلاد، وتأسيس المملكة الحديثة. وقال: «جاء الناس للقاء الملك ابن سعود والسلام عليه. كانوا جميعاً في ملابس جميلة، وهم يمثلون مختلف بلاد العالم. وكانت أزياؤهم المختلفة الأشكال والألوان عجيبة جداً بالنسبة لنا؛ لكن يبدو أنها غالية جداً. وتنوعت هذه الأزياء ما بين الأزياء الأفريقية، والأزياء الهندية، والأزياء الإندونيسية، والأزياء الأفغانية، وغيرها. أكثر من 24 وفداً يمثلون أكثر من 24 دولة. يقف هؤلاء الآن في أزيائهم القومية كما لو كنا في معرض للقوميات».

ويضيف في الصفحة 243: «لو لم يظهر ابن سعود إلى عالم الوجود، لما تحققت وحدة الجزيرة العربية حتى اليوم... لا زلت أتذكر ابن سعود بجسمه القوي، وقامته الفارعة، والتعبير الحار الذي يملأ قسمات وجهه. ولا أزال أتذكر سنوات حياته التي تشبه المصباح الياباني الملون الذي يدور مع هبوب الرياح، فيكشف عن كثير من الألوان والأشكال. أحداث النصف الأول من حياته تدور أمامي الآن كما يدور هذا المصباح... إنه الملك ابن سعود العظيم المهيب. والمملكة العربية السعودية بلد مهم جداً لجميع البلدان الإسلامية جغرافياً ودينياً. ويحتل الملك ابن سعود مكانة طيبة في قلوب 400 مليون مسلم. لا يمكن أن أنسى ما حييت أسعد اللحظات التي شاهدت فيها الملك ابن سعود، فهو يمثل عظمة التاريخ».



إسماعيل ياسين يعود للواجهة في معركة «حق الأداء العلني»

إسماعيل ياسين مع نجله ياسين (خاص لـ«الشرق الأوسط»)
إسماعيل ياسين مع نجله ياسين (خاص لـ«الشرق الأوسط»)
TT

إسماعيل ياسين يعود للواجهة في معركة «حق الأداء العلني»

إسماعيل ياسين مع نجله ياسين (خاص لـ«الشرق الأوسط»)
إسماعيل ياسين مع نجله ياسين (خاص لـ«الشرق الأوسط»)

ما زالت تداعيات معركة تفعيل «حق الأداء العلني» تتصاعد، وهو المقترح الذي تقدّم به الفنان ياسر جلال، النائب بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، للجنة الثقافة والإعلام بالمجلس خلال مايو (أيار) الماضي، إذ أعاد تصريح للفنان يحيى الفخراني لوسائل إعلام محلية على خلفية الأزمة، الفنان الراحل إسماعيل ياسين إلى الواجهة مجدداً، ليتصدر اسمه «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد.

وكان الفخراني قد صرح بأن «حق الأداء العلني مهم للفنان وللورثة»، لافتاً إلى أن «ابن إسماعيل ياسين لم يكن لديه ما يعينه على الحياة، وأن والدته تحدثت معه بهدف تشغيله، رغم أن والده كان يعمل كثيراً، لكنه مات أيضاً وهو بحاجة إلى المال».

وبدورها، أوضحت سارة ياسين، حفيدة إسماعيل ياسين، عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، أنه رغم وفاة جدها في سبعينات القرن الماضي، فإن سيرته وحكاياته ما زالت مستمرة، مؤكدة أنه لم يرحل فقيراً، لكنه مرّ خلال سنواته الأخيرة بأزمات مادية ومهنية ونفسية.

ونوّهت سارة ياسين إلى أن عمل جدها في الملاهي الليلية «مونولوجست» كان المجال الوحيد المتاح له في تلك الفترة، وكان يؤديه على أمل عودة الأضواء إليه مجدداً، واستعادة المكانة التي صنعها على مدار سنوات طويلة.

يحيى الفخراني في منزل إسماعيل ياسين (خاص لـ«الشرق الأوسط»)

وأشارت سارة ياسين إلى أن جدها دخل في اكتئاب حاد خلال آخر 12 يوماً من حياته، بعد سماعه خبر وفاة صديقه المخرج فطين عبد الوهاب، مؤكدة أنه كان يملك منزلًا في حي الزمالك، بعدما ترك فيلته التي كانت ضمن عمارته في شارع محمد مظهر، وظل يمتلكها حتى وفاته.

وقالت سارة إن والدها الفنان والمخرج ياسين إسماعيل ياسين، عانى مثل بعض صناع السينما، فاتجه أكثر إلى التلفزيون، وقدم عدداً من الأعمال، كان آخرها مسلسل «بنات عمري»، وفي عام 2008 أصيب بسرطان الرئة وتوفي.

وذكرت سارة أن «قصة إسماعيل ياسين أكثر من مجرد حكاية فنان كوميدي أضحك الملايين، فهي قصة إنسان عاش قمة الشهرة، وعرف النجاح والثراء، ثم واجه تقلبات الزمن والفن والحياة، وعاش الوجه الآخر للنجومية عندما تراجعت الأضواء».

سارة ياسين حفيدة إسماعيل ياسين (الشرق الأوسط)

وأضافت سارة ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن منشورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي كان بهدف توضيح بعض الحقائق للرأي العام، وليس رداً على ما قاله الفنان يحيى الفخراني، خصوصاً أن سيرة جدها ليست ملكاً لأسرته فقط، بل لجمهوره في أنحاء العالم، مشيرة إلى أن الفخراني كان صديقاً لوالدها، الذي كان يملك كثيراً من الإمكانات، لكنه كان قليل الظهور في الأعمال نظراً لطبيعة الإنتاج.

وعن جدل «حق الأداء العلني» المُثار حالياً، أكدت سارة ياسين أنها مع تفعيل القانون لأنه سيسهم في رفع العبء عن النقابات المهنية، لافتة إلى أنها عضو في جمعية «أبناء الفنانين»، ومؤيدة للقانون بشكل كبير.

واستشهدت سارة ياسين بحديث الفنانة الراحلة مريم فخر الدين مع والدها مطلع الألفية الجديدة، إذ أكدت له حينها أنه سيكون المستفيد الأكبر من هذا القانون؛ نظراً لأن والده يملك تاريخاً فنياً بارزاً، موضحة أن تفعيل القانون ضروري لحفظ كرامة الفنانين كبار السن وأسرهم.

وفي السياق، أكد بيان «غرفة صناعة السينما» أن المنتج هو مَن يتولى إنتاج الشريط، ويتحمل مسؤوليته، وأن المنتجين داعمون لأعضاء النقابات الفنية، ولكن لا إلزام عليهم بالتعامل مع نماذج عقود موحدة معدة من أي جهة أو كيان.

بينما أصدرت «نقابة السينمائيين»، وكذلك «الممثلين»، و«جمعية مؤلفي الدراما»، و«جمعية أبناء الفنانين» بياناً صحافياً قبل أيام، حول ما أثير بشأن «حق الأداء العلني»، مؤكدين تمسكهم بـ«تفعيل قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة، حفاظاً على حقوق وكرامة الفنان».

وأشار إلى أن بيان «غرفة صناعة السينما» تضمن تفسيرات وتأويلات تهدف إلى تفكيك وحدة العاملين في مجال الدراما، خصوصاً أن تفعيل القانون لن يضر أو يتعارض مع المنتجين.


الرياض تقطف ثمار الإبداع وتُتوّج فرسان «الشريك الأدبي» الجمعة

الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة سيقام بـ«مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض الجمعة (هيئة الأدب)
الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة سيقام بـ«مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض الجمعة (هيئة الأدب)
TT

الرياض تقطف ثمار الإبداع وتُتوّج فرسان «الشريك الأدبي» الجمعة

الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة سيقام بـ«مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض الجمعة (هيئة الأدب)
الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة سيقام بـ«مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض الجمعة (هيئة الأدب)

تتويجاً لمسيرة صاغت تفاصيلها رؤية وطنية طموحة، وجعلت من الثقافة أسلوب حياة؛ تستعد هيئة الأدب والنشر والترجمة لتنظيم الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة (2025-2026)، الجمعة المقبل في «مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين وشركاء المبادرة وممثلي الجهات الثقافية والإعلامية، في أمسية تحتفي بالمنجز الثقافي، وتستعرض أثر المبادرة في تعزيز حضور الأدب في المجتمع.

ويأتي هذا الحفل ليتوّج مسيرة عام حافل بالعطاء الثقافي والأدبي، الذي شهد قفزة نوعية وتوسعاً كبيراً في مسارات المبادرة؛ وإلى جانب مسار «المقاهي»، استحدثت المبادرة في هذه النسخة 4 مسارات جديدة، شملت أندية الهواة الثقافية، والجمعيات، ودور النشر، والمساحات المشتركة.

وأكّد الدكتور عبد اللطيف الواصل، الرئيس التنفيذي للهيئة، أن مبادرة «الشريك الأدبي» أصبحت نموذجاً وطنياً يُبرز نجاح الشراكة بين الهيئة والقطاعين الخاص وغير الربحي في دعم الحراك الأدبي، مشيراً إلى أن النسخة الخامسة حققت أثراً نوعياً في تعزيز حضور الأدب في الفضاءات العامة، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، وترسيخ الثقافة بوصفها جزءاً من الحياة اليومية.

مع ازدياد عدد المقاهي المنضوية ضمن المبادرة اتسع النطاق الجغرافي لها وشمل المدن الرئيسية والمحافظات (واس)

ويتضمن الحفل عرضاً مرئياً يوثق مسيرة المبادرة، وأبرز محطاتها ومنجزاتها، إلى جانب تكريم الشركاء وتتويج الفائزين بجوائز مالية يتجاوز مجموعها مليون ريال (266.6 ألف دولار).

وتهدف المبادرة إلى تعزيز قيمة الأدب في حياة الفرد، وجعل الثقافة أسلوب حياة، وتعزيز دور مؤسسات القطاع الخاص وغير الربحي في النهوض بالقطاع الثقافي، وإلهام الأفراد للإنتاج الأدبي والثقافي، إضافة إلى دعم انتشار الكتاب السعودي محلياً وعالمياً، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تنمية القطاع الثقافي وتعزيز حضوره المجتمعي.

ويُنتظر أن يشكّل الحفل الختامي منصة للاحتفاء بالمنجزات واستعراض قصص النجاح، وتعزيز التواصل بين الشركاء والمهتمين بالشأن الثقافي، بما يؤكد استمرار مبادرة «الشريك الأدبي» في ترسيخ مكانتها بوصفها إحدى المبادرات الوطنية الرائدة في بناء شراكات ثقافية مستدامة، وتعزيز حضور الأدب في مختلف مناطق المملكة.


معرض سعودي يعيد اكتشاف العين... من أداة للرؤية إلى لوحة تروى

صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)
صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)
TT

معرض سعودي يعيد اكتشاف العين... من أداة للرؤية إلى لوحة تروى

صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)
صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)

قبل أن تكون العين نافذة يرى الإنسان منها العالم، يعتقد المصور السعودي أشرف حبيب أنها عالمٌ كامل يستحق أن يُكتشف. فعندما تُكبَّر قزحية العين عشرات المرات، لا تبدو مجرد عضو بيولوجي، بل تتحول إلى تضاريس تتشابك فيها الخطوط والألوان، فتشبه صحراء رسمتها الرياح، أو مجرةً تدور في فضاء بعيد، أو لوحةً تجريدية يصعب تصديق أنها تسكن داخل إنسان.

هذه الفكرة هي التي قادت أشرف حبيب إلى إطلاق معرض «بوابة الإبصار» في جدة، بالتعاون مع نادي ركائز الفوتوغرافي التابع لمنصة هاوي، في تجربة يصفها بأنها الأولى من نوعها في المملكة والشرق الأوسط، تجمع بين الفن والمعرفة، وتدعو الزائر إلى تأمل أكثر تفاصيل الإنسان قرباً منه، وأكثرها غموضاً في الوقت نفسه.

المصور أشرف حبيب في معرضه بوابة الإبصار (الشرق الأوسط)

لا يبدأ المعرض بالكاميرا، بل بسؤال: ماذا لو توقفنا عن النظر بالعين... وبدأنا ننظر إليها؟ على مدى 3 سنوات، كرّس المصور السعودي جهده لتصوير القزحية، بعد رحلة مهنية امتدت لأكثر من 15 عاماً في التصوير الفوتوغرافي، اشتهر خلالها بفن الرسم بالضوء. لكنه هذه المرة لم يكن يبحث عن مشهد خارجي، بل عن الجمال المختبئ داخل الإنسان.

يقول أشرف حبيب لـ«الشرق الأوسط»: «أردت أن أُري الناس الجمال الموجود داخل العين قبل أن ننظر بها إلى العالم. المعرض ليس معرضاً فنياً فقط، بل هو معرض فني وعلمي في الوقت نفسه، يكشف جماليات العين ويُظهر جمال صنع الخالق».

صورة تجمع أشكالاً وألواناً متعددة لقزحيات العين (الشرق الأوسط)

ورغم أن فكرة تصوير القزحية شاهدها في تجارب خارج المملكة، فإنه لم يتعامل معها باعتبارها تجربة فوتوغرافية فقط، بل بدأ أولاً بالبحث والقراءة لفهم اختلاف ألوان العيون وأشكالها، ودور الميلانين والعوامل الوراثية في تكوينها، قبل أن يلتقط أول صورة.

داخل المعرض، لا تبدو أي قزحية شبيهة بالأخرى. فكل عين تحمل تكويناً مختلفاً، وتفاصيل لا تتكرر، وخطوطاً صنعتها الوراثة، وأحياناً ظروف صحية نادرة، لتبدو كل صورة وكأنها عالم مستقل بذاته.

يؤكد حبيب أنه ليس طبيباً، وأن ما يقدمه هو قراءة فنية وبصرية، لكنه يعترف بأن آلاف الصور التي التقطها جعلته يكتشف أن العين تخبئ من التفاصيل أكثر بكثير مما يظنه الناس.

صورة توضح التشابه بين لون العين وزهرة دوار الشمس (الشرق الأوسط)

ويتابع: «نسافر حول العالم لنصور الجبال والبحار والتضاريس، بينما هناك تضاريس كاملة موجودة داخل أعيننا، لكنها أقرب إلينا من أي مكان»، ورغم أن كثيرين ينجذبون إلى العيون الفاتحة، اختار حبيب أن يمنح العيون الداكنة المساحة الأكبر من مشروعه، لأنها، على حد قوله، الأكثر تعرضاً لسوء الفهم.

قزحية لشخص يعاني من مرض مناعي نادر يستهدف الأنسجة التي تحتوي على صبغة الميلانين (الشرق الأوسط)

ويضيف: «كثير من الناس يعتقدون أن عيونهم سوداء، ثم يفاجأون عندما يشاهدون صورها مكبرة، فيكتشفون أنها بنية، وتضم تفاصيل وألواناً مدهشة لم يكونوا يرونها من قبل. بعد ذلك يبدأون في حب عيونهم أكثر.

ومن بين مئات العيون التي مرت أمام عدسته، بقيت إحدى الحالات النادرة عالقة في ذاكرته؛ إذ غيّر مرض نادر توزيع الميلانين داخل القزحية، فرسم تكويناً لونياً لم يشاهد مثله من قبل، حتى بدت العين وكأنها عمل فني أنجزته الطبيعة.

قزحية لشخص تضررت أعصابه الدقيقة المرتبطة بحركة البؤبؤ إثر تعرضه لحادث (الشرق الأوسط)

لكن أكثر ما يلفت انتباهه ليس الصور نفسها، بل اللحظة التي يواجه فيها أصحابها أعينهم للمرة الأولى، يصمت بعضهم طويلاً، ويقترب آخرون من الصورة أكثر من مرة، بينما يردد كثيرون العبارة نفسها: لم أكن أعلم أن عيني بهذا الجمال.

يبتسم حبيب وهو يروي تلك اللحظات قائلاً: «كثير منهم يشعر كأنه يرى نفسه من الداخل، وليس مجرد عينه»، ولا يختزل المصور مشروعه في الجانب الجمالي وحده، بل يرى أن لكل إنسان فرادته التي تنعكس في قزحية عينه، ويقول: «كل إنسان يحمل في عينه بصمة لمسيرة حياته، وهي ليست مجرد بصمة جمالية».

في نهاية الجولة، يغادر الزائر وهو ينظر إلى عيون من حوله بطريقة مختلفة. بعد هذه التجربة، لا تعود العين مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل تصبح عالماً قائماً بحد ذاته، يختزن تفاصيل لا تُرى إلا عندما نمنحه الوقت الكافي لننظر إليه.