«الجبال المتحركة»... رؤية فنية تحوّل تضاريس السعودية لمشهد مسرحي

الفنانة عهد العمودي لـ«الشرق الأوسط»: أعود باستمرار إلى طبيعة المملكة لتغذية سردي القصصي

من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)
من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)
TT

«الجبال المتحركة»... رؤية فنية تحوّل تضاريس السعودية لمشهد مسرحي

من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)
من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)

استلهاماً من المثل الإنجليزي «تحريك الجبال»، الذي يأتي للتعبير عن الجهد الجبار المتطلب لتحقيق ما يبدو مستحيلاً، تقدّم الفنانة السعودية عهد العمودي معرضها الفردي «الجبال المتحركة»، الذي يُقام حالياً في حي جميل بجدة، ويستمر إلى 26 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مستمداً فكرته من قوة ومتانة الطبيعية الجغرافية الغنية في السعودية، في أعمالٍ تصفها الفنانة بأنها أشبه بمشهد مسرحي حيّ.

يقدم المعرض مقاطع فيديو تتناول أفكار التفاعل غير العقلاني (الشرق الأوسط)

ويبدو لافتاً في المعرض، اعتماد عهد العمودي على خلفيتها في التلاعب بالصور الرقمية، إذ طبعت صوراً عدّة جمعتها من موقع «غوغل إيرث» لجبال مختلفة من أنحاء المملكة، بعضها هُدمت أو عُمّرت، والبعض الآخر منها ما زال قائماً وصامداً حتى الآن، لتصنع مظلة تشبه جبلاً كبيراً حياً يلعب فيه الأطفال، بالمعنيين الحرفي والمجازي، لاستكشاف دور البشرية في دورات البناء والتعمير والتغيير المستمر.

تتحدث عهد العمودي لـ«الشرق الأوسط» عن ذلك، قائلة: «التضاريس الجغرافية في السعودية هي السياق الذي أعمل ضمنه، ويكمن جمالها في حقيقة أنها تجذبك نحو منطقة معينة، وفي الوقت نفسه تدفعك بعيداً عن الزمن الذي وُجدت فيه، وهذان العاملان من الأسباب التي تجعلني أعود باستمرار إلى المناظر الطبيعية في السعودية وأشير إليها في أعمالي الفنية».

حاولت عهد العمودي الاستلهام من تميّز تكوينات الجبال السعودية (الشرق الأوسط)

مشهد مسرحي

ويحتوي «الجبال المتحركة» على 6 أعمال، ثلاثة منها هي قطع حديثة كلّفتها فنّياً مؤسسة عبد اللطيف جميل، وثلاثة من أعمالها القديمة، وحسب اعتقادها، فلا فرق واضح بين جميع الأعمال، وهذا تحديداً ما يميزها ويمّيّز العرض، إذ تشترك جميعها في التغذية الفنية والموضوعية والفلسفية، لنكوّن هذا المشهد المسرحي. وتتابع عهد: «جميع الأعمال تسعى نحو شيء ما، وأنا حقاً أستمتع بحقيقة وجود هذا السّعي غير المعروف».

ولأن عهد العمودي هي ابنة مدينة جدة، التي سبق أن عكست في أعمالها البحر والنخيل، وها هي اليوم تغوص في عالم الجبال، فكان لا بدّ من سؤالها عن تشكّل هذه العلاقة بينها وبين الأرض والمكان، تجيب: «جذبتني المناظر الطبيعية ولطالما كنت مهتمة وواعية بها، جذبتني الأرض، والوطن، والرسائل التي تحملها هذه الأماكن وما تحويه من معانٍ، وكيف أكون جزءاً من هذا المكان. فلا يمكن أبداً أن يحصل لي انفصال حقيقي، أو قطيعة بلا رجعة، فالمكان جزءٌ مني، بوصفه مرجعاً أغذّي من خلاله سردي للقصص وإعادة التكيّف معها».

تفاعل غير عقلاني

يلحظ المتلقي في المعرض عدداً من الشخصيات المقدمة في مقاطع فيديو، وهي تتفاعل بشكل غير عقلاني مع عناصر عدّة، فهناك محاولة لمنع الجليد من الذوبان في الصحراء، أو زرع نخلة بلاستيكية داخل أرض صلبة، أو تحريك الجبال الضخمة من أماكنها. وبين هذه التضاريس المتغيرة، تستكشف الفنانة رموزاً تقليدية شعبية وتُبحر في معانيها المتعددة التي تمتد إلى واقعها الخاص: بين المستويين الرقمي والواقعي؛ وبين أن تكون جماداً، وحياً، وميتاً؛ وبين أعماق التاريخ والمعاني المختلفة التي تحملها، وبين التّحولات الكلّية من عنصر إلى آخر.

ففي فيديو «قيل لي إن الجليد لن يذوب في الحر»، يدور رجل يرتدي ثوباً أبيضَ تقليدياً، حول هيكل كبير من كتل الجليد في الصحراء القاحلة، على مدار أكثر من أربع ساعات، بعد أن طُلب منه أن يحاول منع الجليد من الذوبان، فيربت ويمسح ويجمع بقايا الجليد المتكسرة معاً في محاولة لمنع ذوبانه في الحرارة الشديدة، ورغم بذله أقصى جهوده بقناعة شديدة وصمود لتنفيذ المستحيل، إلا أنه أثبت في النهاية استحالة تنفيذ المهمة.

عهد العمودي (الشرق الأوسط)

أول معرض فردي

«الجبال المتحركة» هو أول معرض فردي مؤسّسي لعهد العمودي، وبسؤالها عن أصدائه تقول: «جانب رئيسيّ من تطوير المعرض هو أنني حقاً أردت أن يُنظر إلى الموقع كمسرح، بحيث يواجه المشاهدون (المشاركون) خيار مغادرة المكان إما كشهود على هذه الأعمال أو كمؤدين فنيين بشكل مؤقت لها». وتردف: «كان من المثير للاهتمام رؤية كيف أراد الناس التنقل في العرض، سواء كان ذلك بالاتصال بالأعمال أو عدم التواصل تماماً بها».

وعن تأثير إقامة مثل هذه المعارض على تعزيز حركة الفن المعاصر والحوارات الفنية في البلاد، ترى عهد العمودي أنها تقدّم مساحة للتأمل، وتخلق تداعيات في المشهد الفني بما يوفر مساحات للمشاركة والتعبير والحوار، وهو ما تؤكد أنه جزء أساسي في النظام البيئي الفني، وتضيف: «لا يمكن وصف المعارض بأنها جهد فردي، بل هي جزء من جهد جماعي. ونحن معاً ندفع أنفسنا للأمام، ومن خلال ذلك نخلق أُسساً أقوى للمساعي المستقبلية».

جدير بالذكر أن عهد العمودي (مواليد 1991) هي فنانة سعودية تقيم بين جدة ولندن، تتناول أعمالها التاريخ والإثنوغرافيا والتمثيل، وتستخدم التصوير الفوتوغرافي والفيديو والتركيبات المطبوعة للتلاعب بالكليشيهات والاستعارات البصرية والتصورات التقليدية، وغالباً ما يكون ذلك بطريقة فكاهية لإعادة تفسير عمليات التّرحيل التاريخية للثقافة الإصلاحية. وعهد العمودي حاصلة على بكالوريوس في الاتصال المرئي من جامعة دار الحكمة في جدة، وماجستير في الطباعة من الكلية الملكية للفنون في لندن.


مقالات ذات صلة

«فنون الميديا» و«التجهيز في الفراغ» يسطعان في المعرض العام المصري

يوميات الشرق عملان من المجموعة الفنية «الوجه الآخر» للدكتور أشرف رضا (الشرق الأوسط)

«فنون الميديا» و«التجهيز في الفراغ» يسطعان في المعرض العام المصري

يتميّز المعرض في نسخته الحالية بالتنوّع الشديد في الرؤى والتقنيات، ويرتبط ذلك بمشاركة أجيال الأساتذة والوسط والشباب ضمن الحركة المصرية التشكيلية.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
أوروبا زوار أمام شعار معرض يوروساتوري الدولي للدفاع الجوي والأمني في فيلبينت إحدى ضواحي باريس الشمالية 17 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

فرنسا: محكمة تعلق قرار استبعاد الشركات الإسرائيلية من معرض الأسلحة يوروساتوري

أمر القضاء الفرنسي، الثلاثاء، الجهة المنظمة لمعرض يوروساتوري لشركات الأسلحة المنظم بالقرب من باريس، «بتعليق» منع مشاركة الشركات الإسرائيلية فيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق معرض «آرت بازل» بسويسرا 13 يونيو (إ.ب.أ)

معرض «آرت بازل» اختبار لصحة سوق الفن عالمياً

شهد معرض «آرت بازل» للفن المعاصر المُقام هذا الأسبوع في سويسرا مرة جديدة مبيعات ضخمة تخفي تطوّراً غير منتظم لسوق الفن التي لا تزال في «وضع سيئ»، بحسب الخبراء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مسرح البيكاديللي يتوسط المعرض (الشرق الأوسط)

معرض «أمل في عصر ديستوبيا» اليأس ممنوع

هنا العالم ملوّن تحكمه الريشة بدل الفساد... والفوضى تبحث عن مخرَج لها لأنها تشعر بالاختناق. 

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيُدشّن «كتاب المعلقات» باللغة الكورية (واس)

احتفاء عالمي بالثقافة السعودية وكنوزها الفنية والتراثية

تفتح الثقافة السعودية نوافذ لعرض ألوان من فنونها وكنوزها التراثية وتجاربها الفكرية والإنسانية لزائري معرضي بكين وسيول للكتاب.

عمر البدوي (الرياض)

أحكام بالسجن بحق «أغنى عائلة في بريطانيا» بعد إدانتها بـ«استغلال الخدم»

براكاش هندوجا (بلومبرغ)
براكاش هندوجا (بلومبرغ)
TT

أحكام بالسجن بحق «أغنى عائلة في بريطانيا» بعد إدانتها بـ«استغلال الخدم»

براكاش هندوجا (بلومبرغ)
براكاش هندوجا (بلومبرغ)

حُكم على 4 أفراد من أغنى عائلة في المملكة المتحدة بالسجن بتهمة استغلال الموظفين الذين تم جلبهم من الهند للعمل خدماً في الفيلا الخاصة بهم بجنيف.

وأدانت محكمة سويسرية براكاش وكمال هندوجا، وكذلك ابنهما أجاي وزوجته نامراتا، بالاستغلال والعمل غير القانوني، وحكم عليهم بالسجن لمدة تتراوح بين 4 إلى 4 سنوات ونصف السنة. وقد تمت تبرئتهم من التهمة الأكثر خطورة، وهي الاتجار بالبشر.

وقال محامو المتهمين إنهم يعتزمون استئناف الحكم. وأضاف روبرت أسيل، محامي المتهمين، خارج المحكمة: «أشعر بالصدمة... سنقاتل حتى النهاية المريرة»، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وزعم 3 عمال تم جلبهم من الهند أن الأسرة دفعت لهم 7 جنيهات إسترلينية (8 دولارات) للعمل 18 ساعة يومياً - أي أقل من عُشر المبلغ المطلوب بموجب القانون السويسري - وصادرت جوازات سفرهم.

وزعموا أيضاً أن العائلة - التي تقدر ثروتها بنحو 37 مليار جنيه إسترليني - نادراً ما سمحت لهم بمغادرة المنزل، الواقع في حي كولونيا الفاخر بجنيف.

وخلال المحاكمة، زعم ممثلو الادعاء أن الأسرة أنفقت على كلبها أكثر مما أنفقته على خدمها. ورد الدفاع بأن الموظفين حصلوا على «مزايا عديدة»، ولم يتم عزلهم وكانت لديهم الحرية في مغادرة الفيلا.

ولم يحضر الزوجان الأكبر سناً، وكلاهما يزيد عمرهما على 70 عاماً، إجراءات المحاكمة، بحجة اعتلال صحتهما. وحضر أجاي ونامراتا إلى المحكمة لكنهما لم ينتظرا سماع الحكم.

وبعد صدور الحكم، طلبت النيابة إصدار أمر اعتقال فوري للزوجين الأصغر سناً من عائلة هندوجا، لكن القاضي رفض ذلك.

وتمتلك عائلة هندوجا مجموعة «هندوجا»، وهي مجموعة متعددة الجنسيات لها مصالح في النفط والغاز والخدمات المصرفية. كما تمتلك العائلة أيضاً فندق «رافلز» في لندن.