«الجبال المتحركة»... رؤية فنية تحوّل تضاريس السعودية لمشهد مسرحي

الفنانة عهد العمودي لـ«الشرق الأوسط»: أعود باستمرار إلى طبيعة المملكة لتغذية سردي القصصي

من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)
من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)
TT

«الجبال المتحركة»... رؤية فنية تحوّل تضاريس السعودية لمشهد مسرحي

من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)
من أعمال عهد العمودي المعروضة في «الجبال المتحركة» (الشرق الأوسط)

استلهاماً من المثل الإنجليزي «تحريك الجبال»، الذي يأتي للتعبير عن الجهد الجبار المتطلب لتحقيق ما يبدو مستحيلاً، تقدّم الفنانة السعودية عهد العمودي معرضها الفردي «الجبال المتحركة»، الذي يُقام حالياً في حي جميل بجدة، ويستمر إلى 26 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مستمداً فكرته من قوة ومتانة الطبيعية الجغرافية الغنية في السعودية، في أعمالٍ تصفها الفنانة بأنها أشبه بمشهد مسرحي حيّ.

يقدم المعرض مقاطع فيديو تتناول أفكار التفاعل غير العقلاني (الشرق الأوسط)

ويبدو لافتاً في المعرض، اعتماد عهد العمودي على خلفيتها في التلاعب بالصور الرقمية، إذ طبعت صوراً عدّة جمعتها من موقع «غوغل إيرث» لجبال مختلفة من أنحاء المملكة، بعضها هُدمت أو عُمّرت، والبعض الآخر منها ما زال قائماً وصامداً حتى الآن، لتصنع مظلة تشبه جبلاً كبيراً حياً يلعب فيه الأطفال، بالمعنيين الحرفي والمجازي، لاستكشاف دور البشرية في دورات البناء والتعمير والتغيير المستمر.

تتحدث عهد العمودي لـ«الشرق الأوسط» عن ذلك، قائلة: «التضاريس الجغرافية في السعودية هي السياق الذي أعمل ضمنه، ويكمن جمالها في حقيقة أنها تجذبك نحو منطقة معينة، وفي الوقت نفسه تدفعك بعيداً عن الزمن الذي وُجدت فيه، وهذان العاملان من الأسباب التي تجعلني أعود باستمرار إلى المناظر الطبيعية في السعودية وأشير إليها في أعمالي الفنية».

حاولت عهد العمودي الاستلهام من تميّز تكوينات الجبال السعودية (الشرق الأوسط)

مشهد مسرحي

ويحتوي «الجبال المتحركة» على 6 أعمال، ثلاثة منها هي قطع حديثة كلّفتها فنّياً مؤسسة عبد اللطيف جميل، وثلاثة من أعمالها القديمة، وحسب اعتقادها، فلا فرق واضح بين جميع الأعمال، وهذا تحديداً ما يميزها ويمّيّز العرض، إذ تشترك جميعها في التغذية الفنية والموضوعية والفلسفية، لنكوّن هذا المشهد المسرحي. وتتابع عهد: «جميع الأعمال تسعى نحو شيء ما، وأنا حقاً أستمتع بحقيقة وجود هذا السّعي غير المعروف».

ولأن عهد العمودي هي ابنة مدينة جدة، التي سبق أن عكست في أعمالها البحر والنخيل، وها هي اليوم تغوص في عالم الجبال، فكان لا بدّ من سؤالها عن تشكّل هذه العلاقة بينها وبين الأرض والمكان، تجيب: «جذبتني المناظر الطبيعية ولطالما كنت مهتمة وواعية بها، جذبتني الأرض، والوطن، والرسائل التي تحملها هذه الأماكن وما تحويه من معانٍ، وكيف أكون جزءاً من هذا المكان. فلا يمكن أبداً أن يحصل لي انفصال حقيقي، أو قطيعة بلا رجعة، فالمكان جزءٌ مني، بوصفه مرجعاً أغذّي من خلاله سردي للقصص وإعادة التكيّف معها».

تفاعل غير عقلاني

يلحظ المتلقي في المعرض عدداً من الشخصيات المقدمة في مقاطع فيديو، وهي تتفاعل بشكل غير عقلاني مع عناصر عدّة، فهناك محاولة لمنع الجليد من الذوبان في الصحراء، أو زرع نخلة بلاستيكية داخل أرض صلبة، أو تحريك الجبال الضخمة من أماكنها. وبين هذه التضاريس المتغيرة، تستكشف الفنانة رموزاً تقليدية شعبية وتُبحر في معانيها المتعددة التي تمتد إلى واقعها الخاص: بين المستويين الرقمي والواقعي؛ وبين أن تكون جماداً، وحياً، وميتاً؛ وبين أعماق التاريخ والمعاني المختلفة التي تحملها، وبين التّحولات الكلّية من عنصر إلى آخر.

ففي فيديو «قيل لي إن الجليد لن يذوب في الحر»، يدور رجل يرتدي ثوباً أبيضَ تقليدياً، حول هيكل كبير من كتل الجليد في الصحراء القاحلة، على مدار أكثر من أربع ساعات، بعد أن طُلب منه أن يحاول منع الجليد من الذوبان، فيربت ويمسح ويجمع بقايا الجليد المتكسرة معاً في محاولة لمنع ذوبانه في الحرارة الشديدة، ورغم بذله أقصى جهوده بقناعة شديدة وصمود لتنفيذ المستحيل، إلا أنه أثبت في النهاية استحالة تنفيذ المهمة.

عهد العمودي (الشرق الأوسط)

أول معرض فردي

«الجبال المتحركة» هو أول معرض فردي مؤسّسي لعهد العمودي، وبسؤالها عن أصدائه تقول: «جانب رئيسيّ من تطوير المعرض هو أنني حقاً أردت أن يُنظر إلى الموقع كمسرح، بحيث يواجه المشاهدون (المشاركون) خيار مغادرة المكان إما كشهود على هذه الأعمال أو كمؤدين فنيين بشكل مؤقت لها». وتردف: «كان من المثير للاهتمام رؤية كيف أراد الناس التنقل في العرض، سواء كان ذلك بالاتصال بالأعمال أو عدم التواصل تماماً بها».

وعن تأثير إقامة مثل هذه المعارض على تعزيز حركة الفن المعاصر والحوارات الفنية في البلاد، ترى عهد العمودي أنها تقدّم مساحة للتأمل، وتخلق تداعيات في المشهد الفني بما يوفر مساحات للمشاركة والتعبير والحوار، وهو ما تؤكد أنه جزء أساسي في النظام البيئي الفني، وتضيف: «لا يمكن وصف المعارض بأنها جهد فردي، بل هي جزء من جهد جماعي. ونحن معاً ندفع أنفسنا للأمام، ومن خلال ذلك نخلق أُسساً أقوى للمساعي المستقبلية».

جدير بالذكر أن عهد العمودي (مواليد 1991) هي فنانة سعودية تقيم بين جدة ولندن، تتناول أعمالها التاريخ والإثنوغرافيا والتمثيل، وتستخدم التصوير الفوتوغرافي والفيديو والتركيبات المطبوعة للتلاعب بالكليشيهات والاستعارات البصرية والتصورات التقليدية، وغالباً ما يكون ذلك بطريقة فكاهية لإعادة تفسير عمليات التّرحيل التاريخية للثقافة الإصلاحية. وعهد العمودي حاصلة على بكالوريوس في الاتصال المرئي من جامعة دار الحكمة في جدة، وماجستير في الطباعة من الكلية الملكية للفنون في لندن.


مقالات ذات صلة

«ألعاب الحظ»... معرض مصري يستدعي حكايات ملوك القوة الأربعة

يوميات الشرق جانب من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«ألعاب الحظ»... معرض مصري يستدعي حكايات ملوك القوة الأربعة

في معرضه الأحدث «ألعاب الحظ» يستدعي الفنان التشكيلي المصري وليد قانوش حكايات وأساطير ومشاهد مستدعاة من الخيال.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «صهر الذاكرة» (نور الرياض)

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم؟

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)
الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)
TT

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)
الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

​للمرة الثانية في مسيرته السينمائية الحافلة والمتوّجة بجائزتَي أوسكار، يجتمع الممثل أدريان برودي أمام كاميرا واحدة مع زميله في النجاحات والجوائز شون بن. بعد 28 سنة على «The Thin Red Line» الذي جمعهما عام 1998، يقفان أمام عدسة المخرج دوغ ليمان ليقدّما فيلم «Snake Island» (جزيرة الأفعى) الجاري تصويره حالياً في كرواتيا.

يسترجع الفيلم عملية تخريب خطوط أنابيب الغاز «نورد ستريم» في أعماق بحر البلطيق في سبتمبر (أيلول) 2022، وهي إحدى أكثر الحوادث إثارة للجدل في سياق الحرب الأوكرانية الروسية. ويروي الفيلم قصة فريق سرّي من الغوّاصين الأوكرانيين الذين ينطلقون في مهمة خطيرة تحت الماء، في ظلّ تصاعد التوتّرات بين روسيا وأوكرانيا.

ليست البطولات السينمائية والجوائز القاسم المشترك الوحيد بين برودي وبن، فالاثنان معروفان باعتمادهما طريقة التمثيل المنهجي، التي يذهب فيها الممثّل إلى حالاتٍ قصوى خلال تحضيره للدور. ولعلّ آخر تجارب برودي في هذا الإطار هي من بين الأصعب والأكثر غرابة.

يُعرف أدريان برودي وشون بن باعتماد أسلوب التمثيل المنهجي خلال تحضير أدوارهما (رويترز)

عزلة 5 أشهر في فندق

أُسدلَ الستار في برودواي قبل أسابيع على أوّل عمل مسرحي يقدّمه الممثل الأميركي أدريان برودي (53 سنة) في مسيرته. من أجل شخصية «نيك يارس» المقتبسة من قصة حقيقية، خاض الممثل إحدى أقسى التجارب التي يمكن أن يختبرها فنان، فألزمَ نفسه بعزلة تامة عن الناس استمرّت 5 أشهر.

يؤدّي برودي في مسرحيّة «The Fear of 13» (الخوف من 13)، شخصية سجين أمضى 22 عاماً خلف القضبان منتظراً حكم الإعدام بتهمة قتل لم يرتكبها. استعداداً لأداء تلك الشخصية الواقعية، عزل الممثل نفسه في غرفة فندق خلال 5 أشهر متواصلة، باستثناء يوم الأحد الذي كان يخرج فيه لزيارة عائلته.

في حوار مع مجلّة «إنترفيو» حول هذه التجربة الفريدة، قال برودي إنّ ثمة «حاجة للتضحية ببعض وسائل الراحة والحرّيات من أجل أدوار كهذه»، مضيفاً أنها ليست المرة الأولى التي يقوم فيها بأمر كهذا، ولن تكون الأخيرة.

أدريان برودي في مسرحيته الأولى بشخصية سجين بريء محكوم بالإعدام (إنستغرام)

عندما خاض برودي حمية التجويع

تماماً كما قال برودي، فإنّ المسرحيّة لم تكن العمل الفنّي الأوّل الذي يستعدّ من أجله بأقسى الأساليب. ولعلّ أصعب تمرين خاضه في هذا الإطار، كان خلال تحضيره لشخصية «فلاديسلاف زبيلمان» في فيلم «عازف البيانو» (The Pianist)، والذي استحقّ عنه أوسكاره الأوّل عام 2002.

يخبر برودي في حواره مع «إنترفيو» أنّ ما عاشه حينها لا يُقارَن بأي تجربة أخرى: «وضعتُ كل أغراضي في مخزن وتركتُ بيتي. بعتُ سيارتي وأطفأت هاتفي. توقفتُ عن الاستماع إلى الموسيقى التي أحبّ مثل (الهيب هوب)، وأغرقتُ نفسي في الموسيقى الكلاسيكية. تعلّمتُ أن أعزف مقطوعات شوبان، وخضتُ حمية التجويع. كان تحوّلاً جذرياً. وعندما انتهى الفيلم كان عليَّ أن أعيد ترميم حياتي من الصفر».

هذا كلّ ما فعله أدريان برودي من أجل ذلك الفيلم الأسطوري. خسرَ 14 كيلوغراماً خلال 6 أسابيع؛ لأنه كان يجب أن يظهر بغاية النحافة نتيجة اختبار الشخصية المُجَوَّعة. إلا أنه لم يجوِّع نفسه من أجل خسارة الوزن فحسب؛ بل كي يلمس المعنى الحقيقي للجوع، ويجسّد يأس «زبيلمان» على حقيقته.

أما دراسة البيانو فتعامل معها بجدّيّة كبيرة، وكان يتمرّن ساعاتٍ يومياً. إلا أنّ تلك التجربة لم تمرّ من دون عواقب؛ إذ دخل في موجة اكتئاب وأرق واضطراب ما بعد الصدمة، استمرّت عاماً بعد الانتهاء من التصوير، نظراً للتحوّلات الجسمانية والعاطفية التي عبَرَها.

أدريان برودي وأوسكار أفضل ممثل عن فيلم «The Pianist» عام 2003 (رويترز)

برودي سجين السترة

من بين التجارب المتطرّفة التي خاضها أدريان برودي، كانت خلال التحضير لفيلم «السترة» (The Jacket) عام 2005. أدّى حينها شخصية جندي شارك في حرب الخليج، وأُودِعَ في مصحّة نفسية عن طريق الخطأ. طلب من طاقم العمل أن يحبسوه ويتركوه مقيّداً داخل سترة تقييد حقيقية، من تلك التي تُستخدَم مع المرضى في المصحّات العصبيّة. مارس ذلك التمرين فترات طويلة بين المَشاهد، في مسعى لاختبار شعور الخوف من الأماكن المغلقة، والعجز الذي تعاني منه الشخصية.

مشهد من فيلم «The Jacket» الذي تحضَّر له برودي بتكبيل نفسه في سترة التقييد (يوتيوب)

تجنيد عسكري

تحضيراً لشخصيته في دراما الحرب (The Thin Red Line) عام 1998، شارك أدريان برودي في مخيّم تدريب عسكري، وخاض كل التمارين المفروضة على الجنود. أما على جبهة التحضير النفسي، فقد وضع نفسه في حالٍ من الخوف الدائم. استثمر كثيراً في هذا الشعور الذي استلزمته شخصية «الرقيب جيفري فايف»، إلى درجة أنه لم يستطع التخلّص بسهولة من الخوف بعد انتهاء التصوير.

برودي في مشهد من فيلم الحرب «The Thin Red Line» (شركة 20th Century Fox)

تسريحة أشواك في شوارع نيويورك

عندما عرض عليه المخرج سبايك لي شخصية مغنّي الروك «ريتشي» في فيلم «صيف سام» (Summer of Sam) عام 1999، كان أدريان برودي لا يزال ممثّلاً صاعداً ومبتدئاً. ولكنه منذ ذلك الحين كان قد قرّر اعتماد أسلوب التمثيل المنهجي تحضيراً لأدواره.

لم يكن يعرف شيئاً عن موسيقى «البانك روك» قبل ذلك الدور، إلا أنه انغمس في هذه الثقافة، وتلقّى دروساً يومية في العزف على الغيتار الكهربائي. كما غيّر مظهره بشكل جذري، وصار يخرج إلى شوارع نيويورك ويقابل الناس بتسريحة شعره الشائكة الشهيرة، وبالعُرف الأشقر مرتدياً ملابس «البانك» ومتقمّصاً الشخصية.

أدريان برودي في أحد أدواره الأولى كمغنّي روك في فيلم «Summer of Sam» (يوتيوب)

برودي أكل النمل والديدان

خلال تحضيره لشخصية «الجندي رويس» في فيلم «ذا بريداتورز» عام 2010، لم تنحصر استعدادات برودي بقراءة كتبٍ عن التمارين العسكريّة والتعمّق في التعاليم البوذيّة. كان يمضي وقتاً طويلاً في الغابة؛ حيث ينام بمفرده، كما أنه كان يخضع لتمارين رياضية قاسية 6 أيام في الأسبوع. ومن أجل ذاك الدور، كان على برودي أن يرفع وزنه 10 كيلوغرامات.

برودي في آخر أفلامه «The Brutalist» الذي نال عنه الأوسكار (يونيفرسال بكتشرز)

في مسيرته التمثيلية الممتدة منذ الطفولة، لم يتخلّ أدريان برودي يوماً عن تقنيته المتطرّفة تلك في التحضير للأدوار. وإذا كان الأوسكار الثاني عن فيلم «ذا بروتاليست» (2024) قد كلّفه تعلّم اللغة المجَريّة، فإنّ فيلم «محطّم» (Wrecked) عام 2010 جعله يذهب إلى أقصى الواقعيّة الجسديّة. أكل النمل والديدان الحيّة أمام الكاميرا، أثناء تجسيده شخصية رجل يستيقظ مصاباً بفقدان الذاكرة، ومحاصراً في سيارة محطمة وسط غابة.


هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
TT

هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)

اعتمدت الحكومة المصرية أخيراً خطة لتخضير القاهرة، بعد انتقادات حادة طالتها بسبب قطع أشجار عتيقة بشارع «جامعة الدول»، الشهير بالجيزة، وأعلنت محافظتا القاهرة والجيزة عن إعادة تشجير الشوارع بآلاف الأشجار الجديدة، مما أثار انتقادات وتساؤلات عن جدوى زراعة الأشجار الجديدة وقدرتها على تعويض الأخرى المقطوعة.

وأعلنت محافظة الجيزة بدء تنفيذ أعمال تشجير جديدة ضمن مبادرة «100 مليون شجرة»، مؤكدةً أن التوسع في الزراعة سيجري وفق أسس علمية تراعي اختيار الأنواع الملائمة للظروف المناخية، إلى جانب وضع آليات لصيانة الأشجار وريها لضمان استدامتها.

وتتزامن التحركات في الجيزة مع توسع مماثل في القاهرة؛ إذ قال محافظ القاهرة إبراهيم صابر، خلال جولة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الأحد، إن المحافظة تستهدف زراعة مليون نبتة خلال عام، بينها 60 ألف شجرة، بواقع لا يقل عن 1500 شجرة في كل حي وفق مساحته والأماكن المتاحة للزراعة، إلى جانب 800 ألف من النباتات والشجيرات.

وأضاف صابر أن المحافظة زرعت بالفعل أكثر من «3 آلاف شجرة ونحو 700 ألف من الشجيرات والنباتات»، مشيراً إلى الاستعانة بمكتب استشاري متخصص لوضع خطة التشجير واختيار الأنواع الملائمة.

رئيس الوزراء المصري يتفقد عدداً من مشروعات الزراعة والتشجير في محافظة القاهرة (رئاسة الوزراء)

لكن الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، يرى أن تعويض الأشجار القديمة «لا يمكن قياسه بأعداد الأشجار الجديدة وحدها»، وأن المسألة ترتبط بنوع الأشجار المختارة وعمرها والوظيفة البيئية التي تؤديها داخل المدينة، منتقداً أن «بعض الأشجار الجديدة التي بدأت زراعتها لتعويض الأشجار القديمة لم تُراعَ في اختيارها الوظائف البيئية التي كانت تؤديها الأشجار المقطوعة، من بينها توفير الظل وخفض درجات الحرارة»، مستشهداً بزراعة «النخيل في بعض المواقع بدلاً من الأشجار ذات التيجان الواسعة».

ويقول نور الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن النخيل لا يعطي ظلاً ولا يخفف الحرارة بالشكل الذي تؤديه أشجار الظل، موضحاً أن التشجير في المدن يفترض أن يراعي توفير الظل خلال الصيف، وتجديد الهواء والتخفيف من تأثير عوادم السيارات، إلى جانب البعد الجمالي، عبر اختيار أنواع مزهرة تتلاءم مع الشوارع.

ولا تتوقف صعوبة التعويض، وفق نور الدين، عند اختيار نوع الأشجار، وإنما تمتد إلى الفارق الزمني الكبير بين الأشجار المقتلعة والشتلات التي تحل محلها، ويستشهد بما شهدته منطقة المهندسين (غرب القاهرة)، قائلاً إن «أصغر شجرة اقتُلعت في المهندسين كان عمرها نحو 70 عاماً»، وإن الأشجار القديمة في المنطقة كوّنت على مدى عقود مجموعاً جذرياً مستقراً، بينما تبدأ الأشجار الجديدة بجذور محدودة وتحتاج إلى سنوات حتى تصل إلى حالة مماثلة.

جانب من عمليات قطع أشجار شارع جامعة الدول في المهندسين (الشرق الأوسط)

ويضيف أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى رعاية وري منتظمين «لمدة لا تقل عن عشر سنوات»، حتى تتمكن جذورها من الامتداد وتستقر في التربة، وهو ما يجعل، وفق رأيه، «المقارنة العددية بين ما أزيل من أشجار وما تتم زراعته من شتلات جديدة غير متكافئة»، فلا تعوّض الشتلة بمجرد زراعتها ما كانت توفره شجرة عمرها عشرات السنين من ظل وكتلة خضراء وتخفيف للحرارة وعوادم السيارات.

ويرى نور الدين أن المشكلة تمتد إلى غياب جهة واحدة تدير ملف الأشجار وفق خطة متكاملة، مشيراً إلى أن المسؤولية ما زالت موزعة بين المحليات ووزارة الزراعة، رغم أن التعامل مع الأشجار المعمرة يحتاج، وفق رأيه، إلى إشراف زراعي متخصص يحدد ما يمكن الحفاظ عليه أو نقله وما تستدعي الضرورة إزالته.

وكانت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، قد وجهت، مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، بحصر الأشجار التي قُطعت في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان وأعمال التطوير.

وتتجه محافظة القاهرة في خطتها الأحدث إلى تبني معايير أكثر تحديداً في التعامل مع التشجير؛ إذ أعلنت خلال الشهر الجاري الاستعانة بخبراء ومتخصصين، ثم بمكتب استشاري، لاختيار الأنواع المناسبة للبيئة المصرية، مع التركيز على الأشجار قليلة استهلاك المياه، إلى جانب الحفاظ على الأشجار القائمة وعدم تقليمها إلا للضرورة ووفق المعايير الفنية.

شجرة عتيقة مقطوعة (الشرق الأوسط)

ومن جانبه، يقول المهندس الزراعي أحمد هلال: «يستحيل أن تحل الأشجار الجديدة محل الأشجار التي سبقتها بعشرات السنين»، موضحاً أن «الشجرة المعمرة تكون قد احتاجت سنوات طويلة لتكوين مجموع جذري مستقر في التربة، بالتوازي مع نمو الجذع والتاج والمساحة الورقية، بينما تبدأ الشتلات الجديدة دورة نمو تحتاج إلى سنوات قبل تكوين كتلة خضراء مماثلة».

ويضيف هلال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تمتلك رصيداً من الأشجار المعمرة، وإزالة الأشجار لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية لمشروعات التطوير»، مشيراً إلى أن «الاستعانة بخبرات التخطيط والزراعة قبل تنفيذ المشروعات كان من شأنها تقليص حجم الخسائر، في ظل وجود أساليب علمية للتعامل مع الأشجار القديمة والحفاظ عليها».

ويرى أن الفارق لا يتعلق بعمر الشجرة فقط، وإنما بما أصبحت «تؤديه بعد سنوات من النمو؛ فحجم المجموع الخضري واتساع التاج وامتداد الجذور عوامل تجعل الأثر البيئي للشجرة الناضجة مختلفاً عن أثر الشتلة الجديدة، حتى إذا زُرعت أعداد كبيرة منها، وهو ما يجعل عملية التعويض مرتبطة بالزمن وليس بارتباطها بعدد الأشجار المزروعة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
TT

هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)

قال الممثل المصري هشام عاشور إن شخصية «غالب» التي يجسدها في مسلسل «الهدف» (High Value Target) تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرته الفنية؛ لأنها دفعته إلى اكتشاف جانب جديد في تجربته كممثل، موضحاً أنه اكتشف خلال التحضير للدور أنه لا يكتفي بحب الشخصيات المركبة، وإنما يجد نفسه شغوفاً بتفاصيلها وطريقة بنائها، خصوصاً عندما تحتاج الشخصية إلى دراسة تقنيات مختلفة للوصول إلى دوافعها الداخلية.

وأضاف هشام عاشور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن صعوبة شخصية «غالب» جاءت من كونها لا تتحرك في اتجاه واحد، فهو ضابط عراقي يحتاج إلى حضور صارم وقوي، لكنه في الوقت نفسه يحمل خلفية دينية وموقفاً خاصاً من الأحداث التي عاشها العراق خلال تلك المرحلة، لافتاً إلى أن بناء الشخصية تطلب منه البحث عن المساحة الإنسانية الموجودة خلف صورة الضابط، حتى لا يتحول إلى مجرد أداة داخل الأحداث أو نموذج نمطي لشخصية عسكرية.

وأكد أن بناء دور «غالب» لم يعتمد على مشاهدة نماذج لضباط عراقيين في أفلام هوليوودية أو أعمال سابقة، لكونه تعمد ألا يربط الشخصية بصورة جاهزة سبق أن شاهدها، وإنما استند إلى خبراته التي اكتسبها من الحياة والسفر والاحتكاك بثقافات مختلفة، إلى جانب قراءته الدقيقة للمشاهد، مشيراً إلى أنه حاول أن يفسر «غالب» من داخله، وأن يصل إلى نواياه ودوافعه من خلال النص نفسه.

مسلسل «الهدف» دراما تشويقية من 8 حلقات، تتناول التحقيقات التي أعقبت القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ديسمبر 2003، وتستند إلى مذكرات جون نيكسون، محلل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الذي قاد جلسات استجوابه، لتعيد بناء واحدة من أكثر مراحل الغزو الأميركي للعراق تعقيداً من خلال المواجهات والتحقيقات التي جرت بعد القبض عليه.

ورأى أن التحدي الحقيقي لم يكن في تقديم «غالب» كضابط عراقي فحسب، وإنما في إظهار إنسانيته، وتعقيد علاقته ببلده وبالأطراف الموجودة حوله، موضحاً أن الشخصية لديها موقف من نظام صدام حسين، لكنها في الوقت نفسه شخصية عراقية، وتحمل مشاعر تجاه وطنها، وهذا التناقض كان مهماً بالنسبة له؛ لأنه يثبت أن الموقف السياسي أو الطائفي لا يمكن أن يختصر الإنسان بالكامل.

اختبارات أداء

وأوضح أن اختياره لشخصية «غالب» جاء بعد رحلة طويلة من اختبارات الأداء، بعدما علم لاحقاً أن أكثر من 30 ممثلاً من جنسيات مختلفة كانوا يتنافسون على الدور، بينهم أميركيون وعراقيون ولبنانيون وغيرهم، لافتاً إلى أن مراحل الاختبار بدأت بتسجيل ذاتي، ثم اختبار أمام المخرج، قبل أن يصل إلى الاختبار الثالث أمام المخرج ليزلي جريف.

وأرجع صعوبة الاختبار الأخير إلى مطالبته بأداء مشاهد طويلة أمام مجموعة كبيرة من العاملين، ثم إعادة المشهد مرة أخرى بطريقة مختلفة موضحاً أن الممثل قد يشعر بعد المرة الأولى بأنه قدم كل ما لديه، لكن إعادة المشهد تضعه أمام اختبار جديد، لكنه خرج من التجربة بشعور قوي بأنه قدم ما يستطيع، قبل أن ينتظر شهرين أو ثلاثة دون أن يعرف النتيجة.

هشام عاشور في تحضيرات التصوير (الشرق الأوسط)

وقال هشام عاشور إن وصول خبر اختياره للدور كان لحظة شديدة السعادة بالنسبة له، خصوصاً أن الطريق إلى هذه التجربة العالمية بدأ بالنسبة إليه منذ سنوات، وأن الوقوف داخل لوكيشن أميركي جعله يستعيد حلماً قديماً ظل يعمل من أجله منذ عام 2012 مع التأكيد على أن اختلاف اللغة والمكان وطبيعة العمل نفسها جعل التجربة تحمل له إحساساً خاصاً، يتجاوز مجرد المشاركة في مسلسل جديد.

وقال إن العمل إلى جانب الممثل السويدي الأميركي جويل كينمان أضاف إليه كثيراً على مستوى الأداء، موضحاً أن كينمان لم يكن حاضراً كممثل فقط، وإنما كان أيضاً منتجاً للعمل، ويمتلك معرفة دقيقة بحركة الكاميرا وطريقة إدارة المشهد.

وأشار إلى أن بعض ملاحظاته البسيطة في أثناء التصوير كانت تفتح أمامه مساحات جديدة في الأداء، مؤكداً أن التعامل مع ممثل محترف بهذا المستوى يجعلك تتعلم حتى في اللحظات التي لا يكون فيها التعلم مباشراً.

ورأى أن التعامل مع قصة العراق داخل إنتاج درامي عالمي يفرض بطبيعته تعدداً في وجهات النظر، موضحاً أن العمل لا يستطيع، من وجهة نظره، أن يقدم العراق أو الولايات المتحدة باعتبار أي منهما على صواب كامل طوال الوقت، وأن المشاهد يعرف جزءاً من السياق التاريخي، لكن هناك جوانب كثيرة من قصة الغزو والتحقيقات وما جرى في تلك الفترة لا تزال غير معروفة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور، وهو ما يجعل تقديم أكثر من زاوية أمراً أساسياً.

وشدد على أن الممثل في النهاية يظل ملتزماً بالنص الذي يقدمه العمل، حتى عندما تكون لديه رؤيته الخاصة تجاه بعض التفاصيل، موضحاً أن وجوده داخل منظومة إنتاج عالمية يعني احترام رؤية المخرج والسيناريو.

وقال إن أحد أصعب تحديات التجربة لم يكن مرتبطاً بالأداء وحده، وإنما بما تعرض له جسدياً في أثناء تصوير المشهد الطويل، موضحاً أنه سقط بعد تصوير الجزء الأول من المشهد، وأصيب إصابات بالغة، وأول ما فكر فيه لحظة سقوطه هو أن الحلم الذي ظل يعمل من أجله منذ عام 2012 قد انتهى، قبل أن يكتشف أن عليه استكمال بقية المشهد رغم الإصابة.