جاك مخباط... الطبيب الممثّل الذي وجد دواءه على خشبة المسرح

أخصّائي الأمراض الجرثوميّة يمثّل إلى جانب المحترفين منذ ربع قرن

البروفسور جاك مخباط بين العيادة والمسرح... هنا إلى جانب الممثلة والمخرجة بيتّي توتل
البروفسور جاك مخباط بين العيادة والمسرح... هنا إلى جانب الممثلة والمخرجة بيتّي توتل
TT

جاك مخباط... الطبيب الممثّل الذي وجد دواءه على خشبة المسرح

البروفسور جاك مخباط بين العيادة والمسرح... هنا إلى جانب الممثلة والمخرجة بيتّي توتل
البروفسور جاك مخباط بين العيادة والمسرح... هنا إلى جانب الممثلة والمخرجة بيتّي توتل

هذا الوجه الذي يطلّ إلى جانب الممثلة بيتّي تَوتِل في مسرحيّة «مونوبوز» مألوفٌ جداً، لكنّه خارج إطاره المعتاد. غالباً ما يظهر على الشاشات في عيادةٍ مرتدياً ثوبه الأبيض، ومعلّقاً على جائحة كورونا أو شارحاً أعراض فيروسٍ ما. لكن، ماذا يفعل الدكتور جاك مخباط هنا على خشبة مسرح «دوّار الشمس» في بيروت، منتحلاً شخصيّة «أبو خالد»؟

ليس أمراً اعتيادياً أن يحلَّ أحد أشهر أطبّاء الأمراض الجرثوميّة في لبنان والعالم العربي، بطلاً على مسرحيّة. لكن بين مخباط والخشبة علاقة ربع قرنٍ وأكثر، وفق ما يخبر «الشرق الأوسط». لم يتخلَّ عن الطب من أجل الفنّ، لكن في المقابل لم تُثنِه انشغالاته الطبية الكثيرة عن الاستثمار في موهبته. يعرف أنّ في الطبّ قضيّته، وفي المسرح مساحة الهروب التي يتوق إليها.

أحدث أدوار مخباط شخصية «أبو خالد» في مسرحية «مونو بوز» (فيسبوك)

«أبو خالد» المُلهِم

العلاقة مع المخرجة والممثلة والأستاذة المسرحيّة بيتّي توتل عمرُها 4 مسرحيّات. لفتتهُ في شخصية «أبو خالد» فطرتُها وبساطتُها؛ «حياته مختلفة تماماً عن حياتي اليوميّة، هو ساذجٌ اجتماعياً، ينظر إلى الأمور ببساطة ومن دون تعقيدات. اكتشفت خلال أدائي هذا الدور إلى جانب بيتّي، أنني أحب أن أكون مثل أبو خالد، الأمر الذي ليس متاحاً في مهنةٍ كمهنتي».

لم يتمسّك د. جاك مخباط بمسيرته المسرحيّة بحثاً عن مزيدٍ من الشهرة، فعندما يُسأَل عن سرّ شغفه هذا يجيب: «يوميّاتنا كأطبّاء ليست سهلة، وقد هربتُ من هذا الواقع بواسطة المسرح». يرى فيه مكاناً ثلاثيّ الأبعاد، إذ يسمح له بالانتقال من شخصيّة الطبيب إلى الممثّل ثمّ إلى الدور الذي يؤدّيه الممثل؛ «جميلٌ الإحساس بأنّني أعيش حياتَين، إضافةً إلى حياتي كطبيب، أجد في الأمر نقلة نوعيّة».

مخباط: «هربتُ من الواقع بواسطة المسرح» (فيسبوك)

ردّ فعل المرضى

عندما يكتشف مرضاه أنّ الطبيب الذي اعتادوا معايناته ووصفاته، هو ممثّل بدوامٍ جزئيّ، يتفاعلون مع الأمر بإيجابيّة. يروق ذلك لمخباط: «يفرحون ويهنّئوني، لكن الأهمّ أنهم يكتشفون بُعداً جديداً في شخصيّتي، وإنساناً يشبههم وأقرب إليهم من الطبيب الذي قد يرونه بعيداً عنهم».

لا يمرّ تصفيق مرضاه وطلّابه وزملائه الأطبّاء له مرور الكرام، فهذه الألفة المستجدّة متّنت العلاقة بينه وبين المحيطين به. ولا تنتهي منافع المسرح عند هذا الحدّ بالنسبة إلى الطبيب مخباط. يقول إنّ هذه الخبرة ساعدته في التغلّب على خجله، كما أنها علّمته أن «يسمع الكلمة»؛ «من رئيس دائرة الطبّ الداخلي في أهمّ المستشفيات الجامعيّة بلبنان والذي يعلو رأيُه على سواه من آراء، ومن طبيبٍ يحدّد العلاج للمرضى، إلى ممثّلٍ يمتثل لتعليمات المخرج ومدير المسرح».

مخباط متخصص في الأمراض الجرثومية وتنقّل بين أهمّ المستشفيات اللبنانية (حسابه الشخصي)

بين العيادة والخشبة

ما زال الدكتور مخباط يتوجّه كل يوم صباحاً إلى عيادته، يتابع شؤون مرضاه والملفّات التي يشرف عليها واستشاراته لمنظّمة الصحة العالمية وسواها من هيئات صحية. وفي المساء، يخلع الثوب الأبيض ويدخل العالم الذي عثر فيه على علاجه الخاص.

يرسم الحدود بدقّة بين الشخصيّتَين، فهو لم ينقل المسرح إلى العيادة يوماً ولا العيادة إلى الخشبة. «لم ألعب شخصيّة طبيب ولن أفعل ذلك، كي لا يحصل لغط ولا يُفهم أي نقد للجسم الطبّي بشكل خاطئ»، يؤكّد مخباط. مع أنّه يوم اكتشف المسرح للمرة الأولى، ذهب إليه بصفته طبيباً ودخل بواسطة بطاقة مجّانيّة. كان في فرنسا آنذاك يتابع تخصّصه في علم الجراثيم، وكان من بين مهامّه الدراسيّة الوجود في قاعة مسرحيّة لتقديم الإسعاف في الحالات الطارئة.

سرعان ما تحوّل الواجب إلى هواية، وفي الولايات المتّحدة حيث انتقل لاستكمال التخصّص، تعرّف مخباط إلى مسرح «برودواي». العودة إلى لبنان وممارسة المهنة تحت القصف ووسط التهجير وويلات الحرب، فرضت استراحة قسريّة من الاهتمامات المسرحيّة. لكن يوم أخذ مخباط على عاتقه حملة التوعية على مرض نقص المناعة المكتسب (HIV) في مطلع التسعينات مطلِقاً «البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز»، عادت به الطريق إلى المسرح. فخلال حضوره إحدى المسرحيّات، خطر له أن يتعهّدها بهدف جمع المال لشراء أدوية الإيدز.

لطالما وظّف مخباط اهتماماته المسرحية في خدمة التوعية بمرض الإيدز (فيسبوك)

المسرح في خدمة الطبّ

تحوّل الأمر إلى طقسٍ سنويّ بالتعاون مع المخرجة نادين مقدسي، ووجد الطبيب نفسه منتِجاً لمسرحيّاتها متولّياً كل التفاصيل اللوجيستيّة والتقنيّة. حتى عام 1998، لم يكن قد وطئ الخشبة ممثلاً، إلى أن غاب أحد الممثلين في إحدى أمسيات تلك السنة، فاضطرّ مخباط إلى الحلول مكانه. اقتصرت الإطلالة على جملة واحدة، لكنها كانت كافية كي يصاب بسهم المسرح.

في العام التالي، اتّسعت مساحة الدور قليلاً؛ «شعرتُ حينها بفرح كبير خلال التمارين وفي التواصل مع الزملاء والحضور، كما أنّ قلق ما قبل العروض زاد من حماستي كأنّه مادّة مخدّرة زوّدتني بالغبطة». ومنذ عام 2005 انتظمت الروزنامة المسرحيّة، فشارك الطبيب في مسرحيّتَين سنوياً، وكان معظمها باللغة الفرنسية إلى جانب المخرج الفرنسي آلان بليسون. في الأثناء، واظب على جمع الإيرادات وأَجره الشخصي لمرضى الإيدز كلّما سنحت الفرصة.

يحاول مخباط المشاركة في مسرحيّتَين سنوياً رغم انشغالاته الطبية (فيسبوك)

الضحكة أوّلاً

رغم برنامجه الحافل في المستشفى، فإنّ مخباط وجد الوقت للخضوع لدورات تدريبيّة في المسرح، كما أصغى بإمعانٍ لإرشادات المسرحيّين المحترفين الذين تعاون معهم، أمثال بليسون وتوتل. من تجربته مع هؤلاء، يحتفظ بمجموعة من الأدوار التي حفرت في ذاكرته؛ «أحببت دَور الكاهن الأعلى الذي لعبته في مسرحيّة (الإنجيل حسب بيلاطس) مع آلان بليسون، كما جمعتنا تجربة خارجة عن المألوف في (منطق الطير) وهي عبارة عن قصيدة صوفيّة ممسرَحة. أما مع بيتّي، فإضافةً إلى دور (أبو خالد)، لا أنسى شخصية الرجل العجوز في مسرحيّة (الإربعا بنصّ الجمعة)».

قدّم الأنواع المسرحيّة جميعها تقريباً، لكنّ قلبه يميل إلى الأدوار الكوميديّة، هو المتأثّر بحسن علاء الدين (شوشو)، وجورج خبّاز، ولويس دي فونيس. فأكثر ما يسعى إليه الدكتور جاك مخباط من خلال المسرح هو الضحكة، والفرح الذي يعرف مسبقاً أنّه مؤقّت وأنه مهما اتّسع فوق الخشبة، فلن ينافس حتماً سعادة النجاح في شفاء مريض.


مقالات ذات صلة

«أقفز قبل فوات الأوان»... جيمس كاميرون يشرح كيف كان سينجو من «تيتانيك»

يوميات الشرق مِن صانع «تيتانيك»... خطة نجاة لم تُجرَّب أبداً (شاترستوك)

«أقفز قبل فوات الأوان»... جيمس كاميرون يشرح كيف كان سينجو من «تيتانيك»

كشف المخرج الأميركي جيمس كاميرون، صاحب فيلم «تيتانيك» الشهير (1997)، عن رؤيته لكيفية النجاة افتراضياً من غرق السفينة الأسطورية عام 1912.

«الشرق الأوسط» (هوليوود)
يوميات الشرق تراث إنساني مرتبط بروح المغامرة والصمود (شاترستوك)

3 ملايين جنيه إسترليني لإنقاذ فيلا في جورجيا

بدأت أعمال الترميم في جزيرة «جورجيا الجنوبية» الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، لإنقاذ «فيلا مدير سترومنيس»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «إل بي سي آي» تكفّلت بمصاريف حفليْ زفاف مباشرة على الهواء (إنستغرام)

لبنان يستقبل 2026 بأجواء احتفالية وحفلات ضخمة

استقبل اللبنانيون عام 2026 بحفلات غنائية وبرامج تلفزيونية وجوائز مالية وعينية، وسط تفاعل واسع في بيروت والمناطق الأخرى.

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا الشرطة ورجال الإطفاء يضعون حواجز حول حانة «لو كونستيلاسيون» (أ.ف.ب)

مقتل 40 وإصابة 115 جرّاء انفجار بحانة في منتجع تزلج سويسري

قال الرئيس السويسري إن حريق عيد رأس السنة الدموي في حانة بمنتجع كرانس مونتانا للتزلج في جبال الألب يعد من أسوأ الكوارث التي شهدتها البلاد.

«الشرق الأوسط» (كرانس - مونتانا )
يوميات الشرق جورج وأمل كلوني يحصلان على الجنسية الفرنسية لإسهاماتهما الثقافية (رويترز)

فرنسا تدافع عن منح كلوني الجنسية رغم الانتقادات

فرنسا دافعت عن منح جورج وأمل كلوني الجنسية رغم الانتقادات واتهامات بتلقيهما «معاملة تفضيلية».

«الشرق الأوسط» (باريس)

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.