برانكوزي «أبو النحت الحديث» في معرض شامل بمركز بومبيدو الباريسي

الفنان الروماني أهدى فرنسا محتويات مشغله الذي يراه الزائر طبق الأصل

وجوه بملامح مبسّطة (موقع مركز بومبيدو)
وجوه بملامح مبسّطة (موقع مركز بومبيدو)
TT

برانكوزي «أبو النحت الحديث» في معرض شامل بمركز بومبيدو الباريسي

وجوه بملامح مبسّطة (موقع مركز بومبيدو)
وجوه بملامح مبسّطة (موقع مركز بومبيدو)

بعض المَعارض يجعلك تتوقّف أمام كل عمل، وتدقّق في تفاصيله. لكن المعرض الذي يستضيفه مركز جورج بومبيدو في باريس حالياً وحتى بداية يوليو (تموز) المقبل، يضعك أمام نوع مختلف من الفنّ، حيث تجد البساطة في أبدع تجلّياتها العبقرية؛ أي السهل الممتنع في النحت. خطوط واضحة، نظيفة، واستدارات ملساء، وفكرة تأخذ من الطبيعة ما قلَّ ودلَّ. هذا معرض استعاديّ شامل للفنان الروماني قسطنطين برانكوزي، أو برانكوشي كما يُلفَظ اسمه بلغته، يضمّ 120 منحوتة، وما مجموعه 400 عمل، ما بين تخطيط وصور فوتوغرافية وأفلام ومقتنيات تعود لمن يحمل لقب «أبو النحت الحديث».

الديك 1935 (موقع مركز بومبيدو)

من جماليات مركز بومبيدو، تلك الجدران الزجاجية التي تتيح للمتجوّل في صالات العرض أن يطلّ، من الأعلى، على المباني القديمة لحيّ الهال؛ قلب المدينة التاريخي. هنا كان يقع سوق الخضراوات واللحوم والأسماك الرئيسي في العاصمة، أو ما يُسمَّى «معدة باريس». ثم مُسِح السوق ونُقل إلى الضاحية الجنوبية، ليترك المكان لحدائق خضراء ولمبنى تجاري حداثيّ. ومن خلال الجدران الشفّافة للمعرض، تجتمع أمام الناظر منحوتات أعادت تعريف معنى النحت وجردّت الأشكال من تفاصيلها وزخارفها من جهة، وعمارة متقشّفة من جهة أخرى، تعود لقرنين من الزمن، وتفتقر لبذخ المباني التي خطَّط لها المهندس هوسمان في أحياء المال والمصارف والمتاجر الكبرى.

الأميرة إكس 1916 (موقع مركز بومبيدو)

من مفاجآت المعرض أيضاً أنّ الزائر يجد فيه صالة تعيد تأثيث الفضاء الشاعريّ لمشغل برانكوزي كما كان عليه في الواقع، أوائل القرن الماضي. كتلٌ من طين، ورخام، وقماش، وقوالب، وسلالم، وأزاميل، ومساند خشبية لا ينقصها سوى فنان موهوب ذي لحية كثّة، يرتدي صدرية بيضاء ويتحرّك بينها. كانت ورشته هي مكان عيشه وقراءاته ولقاءاته وتأملاته. وفيها نجد قوالب عدد من أشهر أعماله الرخامية والبرونزية.

من أعماله عام 1926 (موقع مركز بومبيدو)

وُلد برانكوزي عام 1876 في رومانيا عندما كانت إمارة تتبع الامبراطورية العثمانية قبل سنتين من استقلالها، وتوفي في باريس عام 1957 بعدما أقام فيها طويلاً ونال الجنسية الفرنسية. وكان والداه فلاحين مقتدرين مالياً، يعيشان من إدارة مزارع دير بلدة تسمانا، أحد أشهر رموز الكنيسة الأرثوذكسية. ولاحقاً، تحوّل البيت الريفي حيث وُلد إلى متحف تذكاري للفنان. درس في صباه بمدرسة الفنون والصنائع في كرايوفا، ثم في الجامعة الوطنية للفن في بوخارست، قبل أن ينطلق مشياً لوداع والدته واستكمال تأهيله في باريس عام 1903. كانت فيينا واحدة من محطاته حيث عمل في تزيين الأثاث، وزار المتاحف، وتعرّف إلى التماثيل الفرعونية التي تركت بصمتها على منحوتاته. لكن إصابته بمرض في الرئة ودخوله المستشفى، أجبراه على وقف السير على قدميه وركوب القطار لبلوغ العاصمة الفرنسية. فيها دخل المدرسة الشهيرة للفنون الجميلة وأقام مشغله في شارع رونسان المسدود الذي يجمع عدداً من ورشات الرسامين، ويقع في الدائرة الـ15، وبقي يعمل فيه حتى وفاته. لاحقاً، أزيل الشارع، وأضيف إلى مبنى مستشفى «نيكر» الشهير للأطفال.

ثلاثة ديكة (موقع مركز بومبيدو)

أراد برانكوزي التدرُّب في مشغل النحات رودان، لكنه لم يبقَ معه سوى شهر واحد. وقال قولته الشهيرة: «لا شيء ينمو في ظلّ شجرة كبيرة». ولعله كان على حقّ، فبعد فترة وجيزة من مفارقة معلّمه، أنجز عمله الأشهر «القبلة». كان متديّناً يرتاد الكنائس ويتأمّل التماثيل، ويعيد إنتاج منحوتات تكتفي باللب فحسب. ومن أعمال تلك المرحلة، منحوتتا «الصلاة» و«رأس طفلة». وكانت منحوتته «الملهمة الغافية» أقرب إلى تكوين البيضة البرونزية الكبيرة منها إلى «البورتريه» التقليدي. وهو الشكل الذي تكرّر لديه لاحقاً.

حمامتان (موقع مركز بومبيدو)

وفي عام 1916، أنجز منحوتة «الأميرة إكس» التي عُرضت في نيويورك من دون أن تثير اعتراضاً، لكنه واجه انتقادات عندما عرضها في صالون المستقلّين بباريس، إذ رأى ماتيس أنها تشبه عضواً تناسلياً. اضطر القائمون على الصالون إلى سحبها قبل مرور الوزير الذي افتتح المعرض، فعلّق النحات على الأمر بالقول: «المنحوتة هي تحليل للمرأة أو الأنثى الخالدة كما وصفها الفيلسوف غوته، مختصرةً إلى خلاصتها. وطوال 5 سنوات، اشتغلتُ على تقويل المادة ما لا يمكن التعبير عنه. وأعتقدُ أنني نجحت في نهاية المطاف في تجاوزها».

منحوتة «الملهمة الغافية» 1910 (موقع مركز بومبيدو)

في الثلاثينات، طلبت رابطة المرأة في رومانيا من برانكوزي عملاً لتخليد ذكرى ضحايا الحرب العالمية الأولى، فاقترح ثلاثية تجمع ما بين «عمود بلا نهاية»، و«بوابة القبلة»، و«طاولة الصمت»؛ ولا تزال المنحوتة معروضة ضمن تقاطع طرق في «تيرغوجيو».

جانب من المعرض الاستعادي (موقع مركز بومبيدو)

مِن النقاد مَن يرى أن برانكوزي تفوّق على رودان في جماليات أشكاله وأصبح من أكثر الفنانين تأثيراً على جيل تالٍ من النحاتين. دفع بالتجريد، أي تخليص الكتل من الزوائد، نحو درجة لم يبلغها فنان قبله في تقاليد الحداثة، ومهَّد الطريق نحو النحت السوريالي والتبسيطي الذي انتشر في ستينات القرن الماضي. بل أنه أدرك الأثر الذي سيكون لفنّ الفوتوغراف على الفنون البصرية، لهذا التقط منذ فترة مبكرة مئات الصور لمنحوتاته، مؤمناً بأنّ الكلمات، أي الوصف، تعجز عن التعبير عن العمل التشكيلي.

حتى النهاية، بقي برانكوزي وفياً لباريس. وقد فارق الحياة في مشغله بشارع رونسان، ودُفن في مقبرة مونبارناس القريبة، بعدما أوصى بإهداء الدولة الفرنسية جميع محتويات مشغله من مواد وأرشيفات وصور. وهو المشغل الذي أُعيد تأليفه، طبق الأصل، في المعرض الحالي بمركز بومبيدو.


مقالات ذات صلة

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

يوميات الشرق باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

معرض «أطياف الحرمين» يوثّق رحلة المصوّرة السعودية سوزان إسكندر في تصوير الحرمين الشريفين.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية سارة العبدلي في معرض «مهد الأسطورة» (حافظ غاليري)

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

تظهر المدينة كائناً يتأرجح بين الأسطورة والتاريخ، ويحتفظ في كل تحول بأثر مَن عاشوه ومرّوا به، وتركوا فيه شيئاً من حكاياتهم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.