الإزهار الأول للانطباعيين ما زال منعشاً بعد 150 عاماً

«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
TT

الإزهار الأول للانطباعيين ما زال منعشاً بعد 150 عاماً

«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

كان فصل الربيع في باريس، قبل 150 عاماً، وكان هناك شيء جديد يجري على قدم وساق، شيء جديد، شيء جذري. أصدرت مجموعة مؤلفة من 31 فناناً رداً على الصالون السنوي للفنون، الذي يقام تحت رعاية الدولة والمتميز بنظام هيئة محلفين نخبوي ولوحات تقليدية مزخرفة، عبر إقامة معرض مستقل للفن الحديث للغاية، أو هكذا تقول الرواية.

لوحة للفنان الفرنسي كاميل بيسارو في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

الآن، يتذكر متحف أورسيه هذه اللحظة من خلال معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية». وهذا المعرض، الذي نُظّم بالتعاون مع المعرض الوطني للفنون في واشنطن، حيث ينتقل هناك في الخريف، يُعد نجاحاً فائقاً لأشهر اللوحات الفنية المحبوبة والمرتبطة بالحركة الانطباعية. نجد هنا «إدغار ديغا»، مع لوحاته عن راقصات الباليه على المسرح وفي البروفة، في تنوراتهن القصيرة الشبيهة بالحلوى والشرائط السوداء تزين أعناقهن. وهنا أيضاً «بيير أوغست رينوار»، مع زوجيه البرجوازيين في ملابسهما المسائية الفاخرة، وهما يستمتعان بأمسية مسرحية لطيفة من موقعهما في بلكون يرتفع عن خشبة المسرح. وطبعاً، هنالك «كلود مونيه»، الذي يدعوه البعض «أبو الانطباعية»، بلوحاته المرسومة خارج الاستديو في الهواء الطلق، متميزة بضربات فرشاته القصيرة والحيوية، ورقعة ألوانه التي يغلب عليها اللون الأزرق الباهت. لكن المعرض يعبر أولاً وقبل كل شيء عن فحص دقيق للحظة تاريخية ذات تعقيد أكبر وتنوع فني أكثر مما هو مفهوم في المعتاد.

لوحة للفنان كلود مونيه في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

تؤكد القيّمتان على المعرض «آن روبينز» و«سيلفي باتري» على السياق لتوضيح كيف أن الفنانين وأعمالهم هم نتاج عصرهم. وما كان يجري خارج جدران ما صار يعرف ب‍«المعرض الانطباعي الأول» كان بنفس القدر من الأهمية لما كان يحدث في الداخل.

في أوائل أبريل (نيسان) 1874، بدأت المقالات في وصف معرض مثير، وغير تقليدي على نحو واضح، تظهر في صحف باريس. وفي الفترة من 15 أبريل إلى 15 مايو (أيار)، أعلنت الصحف أن الزائرين يمكنهم الحضور ليلاً ونهاراً لقاء فرنك واحد فقط. وجاء في مقال: «إن إضاءات الغاز الموضوعة بمهارة فنية سوف تُمكن محبي الفن الذين يشغلهم عملهم طوال النهار من المجيء (طوال المساء) وفحص الأعمال الفنية للجيل العصري». كانت أوقات العرض المسائية من الحداثة الحضرية حقاً آنذاك.

لوحة «القراءة» للفنانة الفرنسية بيرت موريسو في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

شُكلت الجمعية التعاونية التي نظمت المعرض (الجمعية المساهمة للفنانين، والرسامين، والنحاتين، والحفارين)، في العام السابق، وذلك لأسباب مالية بالأساس، إذ أراد الفنانون تحديد كيفية وميعاد عرض أعمالهم، وكذلك بيعها، إلى سوق مزدهرة من جامعي الأعمال الجدد. بمبادرة من رينوار، ومونيه، وكاميل بيسارو، وألفريد سيسلي، وإدوار بيليار، نمت الجمعية سريعاً. إذ دفع الشركاء مبلغ 60 فرنكاً في السنة في خزائن الجمعية، بهدف تمويل المعارض المنتظمة. أولى هذه الفعاليات كان في 35 شارع كابوسين بباريس، أسفل الشارع المزدحم بزوار الأوبرا المشيدة حديثاً، بواجهتها ذات العمدان والتماثيل الرمزية.

لوحة «السكة الحديدية» للفنان الفرنسي كلود مونيه في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (إ.ب.أ)

اليوم، يجتمع كثير من الأعمال من ذلك المعرض الرائد، وتعرض معاً للمرة الأولى منذ عام 1874، ما يكشف عن عرض مذهل. كانت ردود الأفعال على المعرض المبتكر مختلطة، فقد أشار النقاد إلى المجموعة باعتبارها «عُصبة من العدميين»، و«المعاندين»، حتى «المجانين». بينما أعرب آخرون عن تقديرهم لظهور أسلوب جديد بين أهم العارضين، وانبثقت تسمية «الانطباعيين» عندما وصف أحد النقاد كيف أن هذه الأعمال، مع ضربات الفرشاة الفضفاضة والتشديد على الفورية، تخلق الشعور بالتجربة، بدلاً من التمثيل المباشر. ركّز كثير من المراجعين اهتمامهم على لوحة «الانطباع، شروق الشمس» لمونيه (1872)، وهو منظر لشروق الشمس الضبابي فوق ميناء لو هافر، حيث تشرق الشمس البرتقالية البراقة عبر سماء بنفسجية ضبابية. برغم أن الفنان قد سمى لوحته في عجالة، إلا أن الوصف ظل عالقاً.

لم يحقق المعرض ناجحاً مالياً، وانحلت الجمعية بعد ذلك بوقت قصير. ثم أقيمت 7 معارض انطباعية أخرى، كل منها مختلف في الشكل والمضمون، نظّمت من قبل مجموعات مختلفة من الفنانين الذين يمارسون المهنة تحت المظلة الفضفاضة للمصطلح، (لم يظهر سوى «كاميل بيسارو» في المعارض الثمانية).

عرض افتراضي يأخذ زوار معرض الانطباعية إلى عوالم يطغى عليها التصوير الحرفي (جيمس هيل - نيويورك تايمز)

اليوم، يقيم متحف أورسيه، الذي يضم أكبر مجموعة من الفن الانطباعي في العالم، معرضاً يتحدى الأساطير حول أصول الحركة ورَجعِيَّة همومها الجمالية. غير أنه كان هناك جزء آخر للمعرض، يمكن النظر له باعتباره معرضاً مصغراً داخل المعرض الأصلي. ففي أسفل الردهة، كان ينتظرنا عرض «الليلة مع الانطباعيين»، وهي تجربة واقعية افتراضية تأخذ الزوار للهواء الطلق حيث يرسم الفنانون بحرية على ضفاف نهر السين، وإلى شرفة فندق في لو هافر حيث نرى مع مونيه غروب الشمس، وما وراءها. بعد 45 دقيقة، بهرني الذهول والارتباك. كان الفنانون كلهم قصيرين للغاية. بدا أن «سيزان» له لكنة آيرلندية. مشيت عبر الماء. وركض حصان عبر جسدي. تجسدت شخصيات شبحية صلعاء (زملائي المجربين في عالم الواقع الافتراضي) تلقائياً ثم اختفت. اصطحبتني مرشدتي الافتراضية، فنانة طموحة اسمها ماري، إلى أسطح منازل باريس حيث شاهدت الألعاب النارية تنطلق من الأعلى. كان أمراً ممتعاً، ولكن الاهتمام بالتسلسل القصصي والتصوير الحرفي الذي قدّمته التجربة الافتراضية بدا متعارضاً مع معرض مخصص لاستكشاف الأحاسيس والمعاني البسيطة المتضمنة أو الانطباع في مواجهة الواقع. وهذا يختلف في نهاية المطاف بالنسبة لكل ناظر. لا تزال اللوحات الأكثر شهرة تلهم الخيال وتقدم شيئاً جديداً مع كل زيارة، حتى بعد 150 عاماً على تنفيذها.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.