حفل الأوسكار منح «أوبنهايمر» ومخرجه 7 أوسكارات

بعدما تحوّل إلى مسرح استعراضي

روبرت داوني جونيور وداڤين جوي راندولف وإيما ستون وسيليان ميرفي يرفعون جوائز الأوسكار (إ.ب.أ)
روبرت داوني جونيور وداڤين جوي راندولف وإيما ستون وسيليان ميرفي يرفعون جوائز الأوسكار (إ.ب.أ)
TT

حفل الأوسكار منح «أوبنهايمر» ومخرجه 7 أوسكارات

روبرت داوني جونيور وداڤين جوي راندولف وإيما ستون وسيليان ميرفي يرفعون جوائز الأوسكار (إ.ب.أ)
روبرت داوني جونيور وداڤين جوي راندولف وإيما ستون وسيليان ميرفي يرفعون جوائز الأوسكار (إ.ب.أ)

القول إن حفل الأوسكار الـ96 الذي أقيم مساء يوم الأحد، لم يحمل جديداً. الأفلام والشخصيات التي توقعنا فوزها هنا، وتوقع فوزها رهطٌ كبير من الإعلاميين الأجانب، هي التي تسلمت جوائزها فعلاً. أولئك الذين لم يصعدوا المنصّة لتسلم التمثال المذهّب، لم يُتوقع لهم الفوز أساساً إلا بنسبة محدودة.

استقبال الصحافة والإعلام للحفل حصل بدوره ككل عام. النتائج موجودة في مقالات وكتابات لمن فاته مشاهدة الحفل على الشاشة الصغيرة، عن مقدّم الحفل وما قام به، وعن مفاجآت ومواقف، ومن ثمّ عن المرشحين الذين تم تجاهلهم فسقطوا في أخدود ما بين مقاعد المتفرجين ومنصّة الفائزين.

معظم الكتابات انصبّت على الحفل نفسه وليس على بضع مئات من المتظاهرين ضد الاعتداءات الإسرائيلية على غزة. هذه كانت رسالة قويّة لكنها طاشت إعلامياً وانتهت بعد قليل من انتهاء الحفل.

سيليان مورفي يحصد جائزة أفضل ممثل عن دوره في «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان (أ.ب)

فوز وحيد

فاز فيلم «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان بـ7 أوسكارات، وهذا كان في قمّة التوقعات. فمنذ انطلاقه للعروض التجارية في 3 سبتمبر العام الفائت، دخل عرين المنافسات بقوّة وارتفعت إثر ذلك التوقعات المحيطة به. وهو لم يُخب أمل أحد عندما التقط 7 من الجوائز الـ11 التي رُشح لها بما فيها جائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل «سيليان مورفي» وأفضل ممثل مساند «روبرت داوني جونيور» وأفضل تصوير «هويت ڤان هويتيما» وأفضل توليف «جينيفر لامي».

الفيلم التالي حسب عدد الجوائز التي فاز بها هو «أشياء مسكينة»، الذي خرج بـ4 جوائز هي: أفضل تصميم ملابس وأفضل تصميم إنتاجي وأفضل تجميل (Make Up) وأفضل ممثلة في دور أول «إيما ستون»، التي كان فوزها من تلك النتائج غير المتوقعة بقوة. وكنا أعربنا هنا عن بعض الريبة من أن يكون دور الممثلة ليلي غلادستون المهمّش إلى حد في فيلم «كيلرز أوف ذَ فلاور مون» كافياً لمنحها الأصوات المطلوبة لفوزها بالفعل؛ رغم ذلك، توقع فوزها كان سائداً بين الجميع إلى أن جاءت النتيجة على عكس ذلك.

الممثلة الأفرو - أميركية داڤين جوي راندولف (أ.ب)

الممثلة الأفرو - أميركية داڤين جوي راندولف، نالت بالفعل ما توقعه الجميع لها وهو جائزة أفضل ممثلة مساندة عن فيلم «المستمرون»، وهو الفوز الوحيد للفيلم الذي ترشّح بوصفه أفضل فيلم وأفضل ممثل أول «بول جياماتي»، وأفضل سيناريو أصلي (نالها فيلم «تشريح سقوط») وأفضل توليف (التي خطفها «أوبنهايمر» أيضاً).

شتيمة عارية

خروج روبرت داوني جونيور بأوسكار مستحق بوصفه أفضل ممثل مساند (عن «أوبنهايمر») دفع بمنافسيه، وهم مارك روفالو وسترلينغ براون وروبرت دي نيرو ورايان غوزلينغ، للخروج من المولد بلا حمص. لكن من باب التعويض غنّى غوزلينغ مبرهناً على بعض الموهبة في ذلك المجال.

المناسبة كانت احتفاء استعراضياً بفيلم «باربي» الذي ظهرت فيه مارغوت روبي التي لم تُرشّح أساساً، وصفّق الحاضرون سعداء في حين علّق مقدّم الحفل جيمي كيمل موجهاً حديثه للحاضرين: «تصفقون الآن لكنكم أنتم من حرم (المخرجة) غريتا غرويغ الجائزة».

مقدّم الحفل جيمي كيمل (رويترز)

تعليق كيمل هو واحد من تلك التعليقات الجافّة التي تجاوب الحاضرون لها ضاحكين أو صامتين، وهناك العديد من مثل هذه المواقف التي تذكّرنا، عاماً بعد عام، بأن الأوسكار صار أشبه باستعراض مسرحي توزّع فيه الجوائز.

من بعض ما ادخرته الأكاديمية من «مفاجآت» تقديم ممثل مغمور، اسمه جون سينا، جائزة «مصممي الإنتاج»، وهو عار تماماً باستثناء الورقة التي كُتب عليها أسماء المرشّحين. هذا يذكّر بواقعة حصلت سنة 1974 خلال المناسبة الـ46 من حفل الأوسكار عندما شوهد رجل عار يركض من يمين المسرح إلى يساره خلف الممثل البريطاني ديڤيد نيفن الذي عهد إليه تقديم الحفل.

أرنولد شوارتزنيغر جنباً إلى جنب مع الممثل داني ديڤيتو (أ.ف.ب)

العام الحالي، ظهر كل من أرنولد شوارتزنيغر جنباً إلى جنب مع الممثل داني ديڤيتو (أحد أقصر ممثلي السينما) معاً لتقديم إحدى الجوائز. كانا اشتركا في بطولة فيلم «توأم» (أحد أسوأ كوميديات 1988). كذلك مثّل كلٌ منهما، منفصلاً عن الآخر، دور الشرير في «باتمان يعود» (1992).

حضور أجنبي

لم تكن كل لحظات الحفل على هذا النحو الدعائي الساخر بل كانت هناك بضع لحظات جمد فيها الجميع متعجبين. إحداها كانت عندما تقدّم الممثل آل باتشينو إلى المنصّة لتقديم الفائز بأفضل فيلم (تلك التي ذهبت كما تقدّم لـ«أوبنهايمر»). فتح باتشينو المغلّف الذي يحتوي على عناوين كل الأفلام المتنافسة هذا العام (عشرة) وتجاهل ذكرها جميعاً (كما جرت العادة) وقفز إلى الفيلم الرابح وحده. التصفيق كان للفيلم وليس لاختصاره الذي بدا مقصوداً.

فوز إيما ستون كان لحظة عاطفية في مكانها (أ.ب)

فوز إيما ستون كان لحظة عاطفية في مكانها أيضاً. كما مرّ آنفاً توجهت جائزة أفضل ممثلة لإيما ستون بدل ليلي غلادستون. اللقطة التي تركّزت على وجه إيما ستون لفوزها عن «أشياء مسكينة» عبّرت أكثر من مائة كلمة عن دهشتها.

فرانشيسكا ومارتن سكورسيزي في حفل ما بعد الأوسكار «فانيتي فير» (إ.ب.أ)

بالعودة سريعاً إلى «باربي»، لم يكن الفيلم الوحيد الذي لم يحظ بجائزة رئيسية ما، بل صاحبه بذلك فيلم مارتن سكورسيزي «كيليرز أوف ذَ فلاور مون» الذي سجل صفر جوائز. وكان الفيلم رُشح لـ10 جوائز.

في لفتة تقدير واضحة للإنتاجات الأوروبية فاز «منطقة الاهتمام» بأوسكار أفضل فيلم عالمي وبأوسكار أفضل صوت، في حين خسر سباق أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو مقتبس.

كذلك فاز «تشريح سقوط» بأوسكار واحد (من أصل 5 ترشيحات) أفضل سيناريو أصلي. بدوره كان مرشّحاً لأوسكار أفضل فيلم وأفضل إخراج لكن «أوبنهايمر» ومخرجه كريستوفر نولان كانا الجوكر الذي حصد كل شيء.

جونا هيث تحصد جائزة الأوسكار لأفضل تصميم إنتاج عن فيلمها «أشياء مسكينة» (إ.ب.أ)

لكن الفوز الأكثر تعدداً لفيلم غير أميركي كان من نصيب «أشياء مسكينة» الذي خرج بـ4 جوائز أهمّها تلك التي نالتها إيما ستون عن بطولتها لذلك الفيلم.



مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».