هل يفتح التأمّل الذهني باب الاستقرار النفسي والجسدي؟

أثبتت الدراسات الحديثة أن لـmindfulness أو «التأمّل الذهني» فوائد كثيرة على الصحة النفسية والجسدية (رويترز)
أثبتت الدراسات الحديثة أن لـmindfulness أو «التأمّل الذهني» فوائد كثيرة على الصحة النفسية والجسدية (رويترز)
TT

هل يفتح التأمّل الذهني باب الاستقرار النفسي والجسدي؟

أثبتت الدراسات الحديثة أن لـmindfulness أو «التأمّل الذهني» فوائد كثيرة على الصحة النفسية والجسدية (رويترز)
أثبتت الدراسات الحديثة أن لـmindfulness أو «التأمّل الذهني» فوائد كثيرة على الصحة النفسية والجسدية (رويترز)

​Mindfulness، التأمّل الذهني، اليقظة الذهنية، الحضور الواعي... تعدّدت التسميات والمعنى واحد؛ مساعدة الذهن والجسد على البقاء متجذّرَين في اللحظة الحاليّة، وعدم التلهّي باسترجاع الماضي، أو باستباق المستقبل، أو بأي أفكار سلبيّة. يتحقق ذلك من خلال ممارسة تمارين تنفّس وتأمّل معيّنة، كما يمكن الانطلاق من أساليب أكثر بساطة، كالانتباه إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، مثل الأكل والمشي والتنظيف، أو غيرها من الأنشطة البديهيّة.

تضاعفت شعبيّة هذا المفهوم في الآونة الأخيرة، فعلى منصة «تيك توك» وحدها بلغت مشاهَدات الفيديوهات المرتبطة بهاشتاغ mindfulness نحو 7 مليارات. يُرجع مدرّب اليوغا والتأمّل نزيه وهبة تلك الشعبيّة المستجدة إلى «الأبحاث العلميّة التي أثبتت مؤخراً فعاليّة تمارين الـmindfulness على الصحة النفسية».

@emilieleyes.hypnosis

Replying to @shnarkysquirrel quick thought experiment #psychologyfacts #psychologytricks #mentalhealth #mindfulness #emilieleyes #neuroplasticity #meditation #mindfulnesspractice #grounding mindfulness brain training meditation mindful grounding exercise to reduce stress

♬ original sound - Emilie Leyes • Hypnosis

من الملاعب الرياضية إلى ثكنات الجيش

ليس روّاد وسائل التواصل الاجتماعي وحدَهم من يتهافتون على استكشاف الـmindfulness، فقد تبنّاها مديرو شركات عالميّة كبيرة، وفِرَقٌ رياضيّة، وحتى جنودٌ على جبهات القتال. ومع أنّ أصولها تعود إلى عصور قديمة، ورغم أنّ فعاليّتها الصحية بدأت تتبلور خلال ثمانينات القرن الماضي، فإنها لم تكتسب أهمية شعبيّة سوى مؤخراً، في وجه السرعة الجنونيّة لإيقاع الحياة العصرية، والتي تتحكّم فيها التكنولوجيا وضغوط الوقت والمال.

يشير وهبة الذي يعطي دوراتٍ في «الحضور الواعي» وهي الترجمة المفضّلة لـmindfulness بالنسبة له، إلى أنّ «غالبيّة المستشفيات والمؤسسات الصحية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، افتتحت مراكز خاصة بالحضور الواعي، وأدخلته ضمن البروتوكولات العلاجيّة». ويضيف في حديث مع «الشرق الأوسط» أن بعض الجامعات اعتمدته جزءاً من منهاج علم النفس، كما أنّ عدداً من المدارس بدأ في تعريف التلامذة الصغار عليه.

مدرّب اليوغا والـmindfulness نزيه وهبة (الشرق الأوسط)

ما هو الـmindfulness؟

التأمّل الذهني هو حالة من الانتباه إلى اللحظة، أي مراقبة الأفكار والمشاعر من دون تفسيرها أو الحُكم عليها. أما المكوّنان الأساسيان له فهما الوعي والتقبّل؛ الوعي من خلال القدرة على الانتباه للّحظة الآنيّة، والتقبّل من خلال القدرة على مراقبة الأفكار والمشاعر من دون الحكم عليها.

يوضح وهبة أهمية اعتماد كلمة «الانتباه بدل التركيز في تمارين الحضور الواعي؛ لأن لا شيء يحصل بالقوّة؛ بل يجب التصالح مع فكرة أنه من الطبيعي أن يتشتّت الذهن، وليس من المحبّذ استرجاع الانتباه بعصبيّة أو بالإكراه».

التأمّل الذهني هو حالة من الانتباه إلى اللحظة (أ.ف.ب)

مجموعة من التمارين اليوميّة

ينصح وهبة الراغبين في اكتشاف «الحضور الواعي» واعتمادِه أسلوبَ حياة، بأن يطّلعوا عليه من خلال دورة تدريبيّة. غالباً ما تمتدّ تلك الدورات على شهرَين، يخرج بعدَها المتدرّب ملمّاً بالتقنيات، وقادراً على ممارستها بمفرده إذا تحصّن بما يكفي من الإرادة.

صحيح أن الدورة التدريبية المحترفة على درجة عالية من الأهمية؛ لكن هذا لا يعني أنّه لا يمكن أن يبدأ الفرد بممارساتٍ بسيطة تساعده على التعامل مع الواقع كما هو، من دون إطلاق أحكامٍ مسبقة، ومن دون توقّعات وفرضيّات.

* «عَيش اللحظة»

المرحلة الأولى -وهي الأبسط- يختصرها وهبة بأنها «تدريب الفكر على الشعور بالجسد». أما أبرز تمارين هذه المرحلة فهو «عَيش اللحظة». يبدأ ذلك من خلال أبسط الأنشطة اليوميّة، كأن يتنبّه المرء إلى أدقّ تفاصيل عملية غسل اليدين مثلاً، من فتح الصنبور، إلى مراقبة حركة المياه، والإصغاء إلى خريره، وصولاً إلى ملمس الصابون على اليدَين ورائحته. لا يقتصر الأمر على غسل اليدَين؛ بل يمكن أن يمتدّ إلى أي نشاطٍ يومي عادي، كالاستمتاع الحسّي بالطعام أو بالطهو أو بالمشي.

المفتاح هنا هو الانتباه، ومحاولة استرداده من أي أفكارٍ قد تأتي لتشتّته عن عملية المراقبة الحسية.

من الأكل إلى المشي إلى غسل اليدين... كلّها أنشطة يوميّة بسيطة يمكن أن تتحوّل إلى تمارين على التأمّل الذهني (رويترز)

* تمرين الإرادة

على المستوى الجسدي كذلك، يبرز تمرين الإرادة. يشرح وهبة: «إذا اشتهيتَ قطعة حلوى فلا تنهض فوراً لتتناولها. لا تدع أفعالك تكون عبارة عن ردود فعل سريعة». يساعد ذلك في تقوية طاقة التحمّل الذهنيّة، وقد لا يستغرق الأمر أكثر من دقيقتَين وفق وهبة: «أوقف شهيّتك، راقبها، أجّلها واعداً نفسك بأنك ستأكل قطعة الحلوى؛ لكن ليس على الفور. اشغل نفسك لدقيقتَين، ثم قرر ما إذا كنت ستأكلها فوراً أم ستؤجّل من جديد».

* الأساس في الأنفاس

من بين الأساليب السهلة التي تساعد على التأمّل الذهني، تمارين التنفّس البسيطة. فعندما تجتاحك الأفكار السلبيّة، اجلس وخُذ نفساً عميقاً وأنت تغمض عينَيك. ركّز على الشهيق والزفير، وعلى تكرار حركة دخول النفَس وخروجه من جسدك.

الانتباه إلى حركة الشهيق والزفير جزء أساسي من التأمّل الذهني (أ.ف.ب)

* التمرين الذهني

المرحلة الثانية في الطريق إلى «الحضور الواعي» أكثر دقّة من الأولى، ويصفها وهبة بالذهنيّة، أي الانتباه إلى الأفكار التي تعبر الذهن؛ «ما هي؟ هل هي ضرورية أو حقيقية؟». وإذ يسهل تغيير الأفكار وطردها، يكون الانتباه إليها أكثر صعوبة. لكن وفق وهبة، فإنّ التمارين الحسية والجسدية تساعد في بلوغ مرحلة الانتباه إلى الأفكار غير الضرورية، والتجذّر في اللحظة الآنيّة.

ومن ضمن تقنيات التأمّل الذهني في مراحله المتقدّمة، تفحُّص الجسد التأمّلي من خلال الاستلقاء على الظهر، وفتح الذراعَين والقدمَين، وتركيز الانتباه على كل عضو من أعضاء الجسد من أخمص القدمَين إلى أعلى الرأس. وخلال عمليّة التنفّس والتركيز على أعضاء الجسد المختلفة، لاحظ ما إذا كان ثمة شعورٌ بالألم أو الانزعاج في أحدها.

تفحُّص الجسد التأمّلي من خلال الاستلقاء على الظهر وفتح الذراعَين والقدمَين وتركيز الانتباه على كل عضو من أعضاء الجسد (إنستغرام)

يشدّد وهبة على أهمية المتابعة اليوميّة من خلال تمارين التنفّس، والتي يمكن تخصيص 5 دقائق لها في البداية، على أن تبلغ ساعة بحدّ أقصى في المراحل المتقدّمة. ويضيف أن هذه التمارين مجتمعة تؤدّي في المرحلة الثالثة إلى «التعرّف على نقاط الضعف الشخصية والنفسية، كمحطّات كلام متكرّرة أو ردود فعل عصبيّة».

فوائد الـmindfulness

يؤكد وهبة أن «أكثر من استفادوا من تمارين الحضور الواعي، هم الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية متقدّمة، مثل اضطراب ثنائي القطب».

ومن المعروف أصلاً أن منافع الـmindfulness كثيرة على المستوى النفسي. فإضافة إلى أنها تساعد في تحقيق السلام الداخلي ومع الآخرين، فهي تخفّف من التوتّر والقلق والإحباط والأرق، ما ينعكس إيجاباً كذلك على الصحة الجسدية؛ إذ إن التجارب والدراسات أثبتت أثرها الإيجابي على الأمراض والآلام المزمنة.



طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
TT

طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)

ربما تلفت أنظار الزوار المتنزّهين على ضفاف نهر ليا، في هاكني مارشز ببريطانيا، سلسلة من اللافتات المُثبتة على الأشجار، تحمل كلّ منها حكاية طريفة وغريبة. وخلف هذه اللافتات فتاة لم يتجاوز عمرها 11 عاماً، وقد أمضت العام الماضي في نزهاتها العائلية، بينما ينسج خيالها قصصاً لكلّ شجرة.

ويضمّ المشروع المُسمّى «مجموعة الأشجار الناطقة» شخصيات مميّزة، من بينها هامبل ديك، الذي تقول قصته: «في حرب عام 1952 بين مجموعة من نبات القراص ومجموعة من الشتلات الصغيرة على رقعة من الأراضي الشجرية، كان البروفسور هامبل ديك الرابع الشجاع آخر مَن صمدوا».

وهناك شخصية أخرى تُدعى برنارد، الشجرة التي تجمع القمامة، والتي وُصفت بأنها «تنتمي إلى سلالة من عائلة أسطورية من دعاة حماية البيئة»، مستوحاة من الأفلام الوثائقية عن الطبيعة.

وقالت الصغيرة نيوفي لـ«بي بي سي لندن»: «بدأ الأمر قبل نحو عام، عندما كنا نتجوَّل في المستنقعات ورأينا أشجاراً غريبة الشكل. وانطلقنا في تأليف قصص، ثم منحناها شخصيات وأسماءً».

اللافت أنَّ كل شجرة تستمد قصتها من مظهرها؛ على سبيل المثال، إذا كانت الشجرة بها انبعاج، تتخيَّل نيوفي كيف حدث ذلك.

والمثير أنَّ ما بدأ مثل لعبة بسيطة خلال نزهات عائلية مع كلبتهم «كوكو»، تطوَّر منذ ذلك الحين إلى مسار صغير غير رسمي لتعليم القراءة والكتابة. وتُنسب اللافتات مجهولة المصدر فقط إلى «مجموعة الأشجار المُتكلّمة»، ممّا جعل هوية مؤلّفها لغزاً حتى كشفت نيوفي عن هويتها. وقد ساعدها والدها، دوغ، على صنع اللافتات، لكنه حرص على ترك معظم العمل الإبداعي لنيوفي.

وعن ذلك، قال: «اقتصر عملي في الغالب على التغليف والطباعة، في حين تركت الإبداع لنيوفي»، مضيفاً: «أعتقد أنَّ الأخبار صعبة جداً في الوقت الراهن، لذا من الجميل القيام بشيء أكثر بهجة».

ومن المتوقَّع أن تبقى اللافتات معروضة لأسابيع، لتمنح المارّة لمحةً سريعةً عن عالم نيوفي.


مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)
المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)
TT

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)
المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)

عادت سينما «متروبوليس» البيروتية إلى العمل بعد إقفال فرضته الحرب، حاملةً معها مسرحيتَيْن، بين عروض أخرى، تبدوان كأنهما كُتبتا لهذه اللحظة. «بالنسبة لبكرا... شو؟» (1978) و«فيلم أميركي طويل» (1980) لزياد الرحباني، عادتا من الأرشيف بصفة مواجهة. في الصالتين، امتلأت المقاعد على نحو يُذكّر بسنوات كان فيها الجمهور يذهب إلى المسرح فيما القصف قريب، لإيمان بأنّ الثقافة شكل من أشكال الاحتماء، والعودة إلى نصوص تعرف هذا البلد أكثر من نفسه محاولة لفَهْم ما يتكرَّر من دون أن يُسمَّى.

في العتمة تجلس بيروت لتشاهد نفسها من بعيد (الشرق الأوسط)

المفارقة أنّ المسرحيتَيْن، رغم المسافة الزمنية، تبدوان متداخلتَيْن إلى حدّ الذوبان. مقهى «بالنسبة لبكرا... شو؟» ومصحّ «فيلم أميركي طويل» مرحلتان من الحالة نفسها. في الأول، يتّخذ القلق شكل بطالة متفاقمة وأحلام مُعلَّقة ومدينة تُغري الوافدين إليها قبل أن تضعهم أمام واقع ضاغط يُبدِّل مساراتهم. في الثاني، يتكثَّف هذا القلق حتى يصير اضطراباً داخلياً، كأنّ ما كان يحدث في الشارع انتقل إلى الرأس. بين المكانين، يمكن قراءة امتداد كامل من التعب الاجتماعي إلى التشظّي النفسي، ومن الانتظار إلى الاختلال.

ما يفعله زياد الرحباني في هذين العملين يتجاوز تسجيل اللحظة. هو يُفكّكها من الداخل ويضع اليد على الأعصاب التي تتحرَّك تحت الجِلْد الجماعي. يرى الفقر خلخلة في منظومة العلاقة مع الذات، بينما يراه آخرون نقصاً في المال، ويُعرِّف البطالة على أنها تصدُّع في الإحساس بالدور. الغربة داخل المدينة في مسرحه تتخطَّى الابتعاد الجغرافي نحو الإحساس بأنّ المكان لا يتعرَّف إلى أهله. وسط هذا المناخ، يصبح الكلام اليومي مادةً درامية، وتتحوَّل النكتة وسيلةَ توازن، وتغدو السخرية لغةً موازية للبقاء.

في العتمة تجلس بيروت لتشاهد نفسها من بعيد (الشرق الأوسط)

في «بالنسبة لبكرا... شو؟»، يشتغل النصّ على فكرة التعليق الدائم. الغد حاضر في الجُملة وغائب في الواقع. كلّ شيء مُرحَّل إلى لحظة لاحقة تظلُّ بعيدة. هذا المشهد الذي عكس في زمنه مرحلة اقتصادية واجتماعية مضطربة، يبدو اليوم مُطابقاً لواقع بلد يترنَّح على حافة الانتظار. تتبدّل التفاصيل، وتبقى البنية نفسها القائمة على وعود تتقدَّم دائماً خطوة إلى الأمام، وحياة تُدار على قاعدة الاحتمال.

أما في «فيلم أميركي طويل»، فيبلغ التفكيك مستوى أعلى حدّة، حيث يتحوّل المصحّ مساحةً كاشفة تُبيّن كيف يتغلغل الاضطراب العام داخل الأفراد. لا مكان للعلاج في بنية أصابها اعتلال من جذورها، ولا مرجعية ثابتة تملك حقّ تعريف العقل في زمن مختلّ. فالجنون امتداد طبيعي لمحيط فَقَد توازنه يصدر عن الأفراد وينعكس عليهم. والسُّلطة التي تُشخِّص وتُصنِّف تبدو بدورها جزءاً من الخلل، تُكرِّسه وهي تظنّ أنها تضبطه، لتفقد اللغة، التي يُفترض أن تشرح وتُحدِّد، قدرتها على الإحاطة، وتتحوَّل أداةً عاجزة عن تثبيت المعنى، تدور حوله وتُضاعف غموضه.

اللافت في استعادة هذين العملين اليوم أنهما يخرجان من حدود السياق الذي وُلدا فيه. الحرب التي شكّلت خلفيتهما الأولى تُعيد رسم صورتها في الحاضر، حيث تتكرَّر ملامحها ضمن سياقات جديدة.

يتكلَّم التعب الذي تعجز الشوارع عن قوله (الشرق الأوسط)

يُخيِّم مناخ متقلِّب على الفضاء العام، ويضغط الاقتصاد على الحياة اليومية، بينما الناس يتنقّلون بين التكيُّف والإنهاك. ضمن هذا الواقع، تبدو المسرحيتان كأنهما نصّ واحد يتكلَّم بصيغتين؛ واحدة تلتقط الخارج وهو يتشقَّق، وأخرى تلتقط الداخل وهو ينهار.

تكمن أهمية استعادة هذا الإرث اليوم في ما يتجاوز قيمته الفنّية المباشرة. أجيال تلقَّت هذه الأعمال عبر الصوت وحفظت مقاطعها حتى استقرّت في الذاكرة الجماعية، من دون أن تلامسها في حضورها البصري كما هو. لذا؛ يفتح العرض السينمائي باباً لعودة الجسد المسرحي إلى الواجهة، فتستعيد التفاصيل البصرية مكانها ويُقرأ الإيقاع بعين مختلفة.

حين تضيق المدينة... يتّسع المسرح (الشرق الأوسط)

مما يمنح هذه العودة معناها الأشدّ تأثيراً قدرةُ زياد الرحباني على كتابة نصوص تتقدَّم الزمن الذي خرجت منه. لم ينشغل بمتابعة الحدث في ظاهره، فاتّجه إلى تفكيك بنيته الكامنة ورصد منطقه الداخلي، كاشفاً آليات تشكُّل السؤال من داخل التجربة نفسها. لهذا؛ تبدو مسرحياته كأنها تتحرّك مع البلد، تتبدَّل قراءتها كلّما تبدَّل السياق، وتحتفظ بقدرتها على الإضاءة كلّما اشتدَّ العتم.

تُقدِّم سينما «متروبوليس» المسرحيتَيْن خارج إطار الاستعادة، وتريدهما امتداداً مباشراً للحاضر. الجمهور الذي ملأ صالتَيْها على وَقْع قلق يُثقل الشوارع، يدرك أنّ حضوره يتجاوز فعل المُشاهدة. يذهب ليُعاين المسافة بين الضحك والاختناق، وبين الفَهْم والعجز.


البكاء لا يُريح دائماً... دراسة تُفكِّك الوهم الشائع

ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)
ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)
TT

البكاء لا يُريح دائماً... دراسة تُفكِّك الوهم الشائع

ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)
ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)

يسود اعتقاد شائع بأنّ البكاء يساعد في تخفيف التوتّر ويُحقق الراحة النفسية، ولكن دراسة حديثة أُجريت في النمساً أثبتت أنّ الأمر ليس بهذه البساطة.

وسجَّل فريق بحثي من جامعة كارل لاندشتاينر للبحوث الطبية في النمسا 315 نوبة بكاء، بغرض فَهْم الأسباب التي تدعو إلى ذرف الدموع، وما يتبع هذه النوبات من انفعالات ومشاعر.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية علمية متخصّصة في طبّ النفس ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، استخدم الباحثون تطبيقاً إلكترونياً يعمل على الهواتف من أجل إتاحة الفرصة للمشاركين في التجربة، للكشف عن طبيعة مشاعرهم بعد نوبة البكاء مباشرة، ثم مرة أخرى بعد 15 و30 و60 دقيقة.

وخلص الباحثون إلى أنّ البكاء لا يجلب دائماً شعوراً فورياً بالارتياح؛ بل إن كثيرين يشعرون بأنهم أصبحوا أسوأ حالاً بعد توقُّف الدموع.

ووجد الباحثون أنّ البكاء بسبب الشعور بالتوتّر أو الوحدة أو الضغوط النفسية عادة ما يرتبط بمشاعر سيئة بعد توقُّف الدموع، أما البكاء بسبب الاستماع إلى قصة مؤثّرة أو مُشاهدة فيلم درامي مثلاً، فعادة ما يعقبه شعور بالارتياح.

وتوصّلوا إلى أنّ المرأة عادة ما تبكي أكثر وبشكل أكثر حدّة، وعادة ما يكون هذا البكاء ناجماً عن الشعور بالوحدة، في حين أنّ الرجال يبكون على الأرجح عند الشعور بالعجز عن التصرُّف، أو عند مشاهدة بعض المواد الإعلامية.

ويرون أيضاً أنّ أي تأثير انفعالي ناجم عن البكاء، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، عادة ما يتبدَّد في غضون ساعات.

وصرّح أعضاء فريق الدراسة لموقع متخصص في البحوث الطبية، بأنه «لا توجد أي دلائل علمية مؤكدة تُثبت أنّ البكاء يجعل الأشخاص يشعرون بأنهم أفضل حالاً من طبيعتهم المُعتادة».