متى بدأ البشر في اعتماد «القبلة» كدليل للرومانسية؟ وكيف تطورت عبر العصور؟

رجل يطلب يد خطيبته بمناسبة عيد الحب أمس (أ.ف.ب)
رجل يطلب يد خطيبته بمناسبة عيد الحب أمس (أ.ف.ب)
TT

متى بدأ البشر في اعتماد «القبلة» كدليل للرومانسية؟ وكيف تطورت عبر العصور؟

رجل يطلب يد خطيبته بمناسبة عيد الحب أمس (أ.ف.ب)
رجل يطلب يد خطيبته بمناسبة عيد الحب أمس (أ.ف.ب)

«التقاء الشفتين هو الإحساس الأكثر كمالاً الذي يُمنح للبشر، وهو الحد الأسمى للسعادة». هكذا كتب المؤلف الفرنسي غي دي موباسان الذي عاش في القرن التاسع عشر في قصته القصيرة عام 1882 بعنوان «القبلة». لم يكن هو الوحيد الذي فكّر بالقبل، بل لطالما تم الاحتفال بالقبلات الرومانسية في الأغاني والقصائد والقصص، وتم إحياء ذكراها في الفن والسينما.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، لا أحد يعرف على وجه اليقين متى اكتشف البشر لأول مرة أن الاتصال من الفم إلى الفم يمكن استخدامه للرومانسية، لكن العلماء أفادوا في مايو (أيار) 2023 أن أقدم قبلة بشرية مسجلة تعود إلى نحو 4500 عام، أي قبل 1000 عام مما كان يعتقد سابقاً، وفق دراسة نشرت في مجلة «science».

وقال مؤلف الدراسة الرئيسي الدكتور ترويلز بانك أربول، وهو أستاذ مساعد في علم الآشوريات - دراسة آشور وبقية بلاد ما بين النهرين – في جامعة كوبنهاغن: «لقد تمت ممارسة التقبيل لفترة أطول بكثير مما أدركه الكثير منا». بقيت آلاف الألواح الطينية من بلاد ما بين النهرين حتى يومنا هذا؛ وذكر الباحثون أن إشاراتهم إلى التقبيل تسلط الضوء على العلاقات الرومانسية في العالم القديم.

قال عالم الأحياء التطورية الدكتور جوستين غارسيا: «تضيف دراسة الحالة الرائعة هذه إلى مجموعة متزايدة من الأبحاث العلمية حول التقبيل الرومانسي، وتساعدنا على فهم أصول التقبيل في السلوك الاجتماعي البشري وفي الحياة الرومانسية على وجه التحديد».

وقال غارسيا للشبكة: «تعد تجارب السلوك الرومانسي جزءاً من أنماط أكبر من السلوك الاجتماعي البشري»، مضيفاً أن «فهم كيفية تعبير هذه السلوكيات عن نفسها وتغيرها وتطورها يساعدنا على فهم أفضل لما نحن عليه اليوم».

عندما كتب دي موباسان وصفه الصادق للقبلات المحبة، ربما لم يكن يفكر ملياً في كيفية نشوء التقبيل في المقام الأول وسط حضارات الماضي. لكن أصول هذا الإحساس متجذرة بعمق في تاريخ البشرية وتطورها، ومن المحتمل أن يكون هناك الكثير حول دورها وأهميتها في الثقافات القديمة التي لم يتم اكتشافها بعد، كما كتب مؤلفو الدراسة.

قبلات عاطفية

في السابق، كان أقدم دليل مسجل على التقبيل يُنسب إلى «الفيدا»، وهي مجموعة من النصوص المقدسة الهندية التي يعود تاريخها إلى نحو 1500 قبل الميلاد، وهي أساس الديانة الهندوسية. أحد المجلدات، ريج فيدا، يصف الأشخاص وهم يلمسون شفاههم معاً. لذلك استنتج العلماء المعاصرون أن القبلات الرومانسية نشأت على الأرجح في الهند.

ولكن من بين علماء الآشوريات، كان من المعروف على نطاق واسع أن الألواح الطينية من المنطقة ذكرت التقبيل حتى في وقت أبكر مما تم وصفه في الهند، حسبما قال أربول للشبكة. وأضاف أنه مع ذلك، خارج الدوائر الأكاديمية المتخصصة، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الناس يعرفون بوجود مثل هذه الأدلة. وفي الدراسة، كتب أربول والمؤلفة المشاركة الدكتورة صوفي لوند راسموسن، زميلة باحثة في قسم علم الأحياء بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، عن قبلات منقوشة على ألواح بلاد ما بين النهرين يعود تاريخها إلى 2500 قبل الميلاد.

ممارسة شائعة في بلاد ما بين النهرين

من الممكن أن يكون التقبيل الرومانسي قد تطور لدى الرئيسيات كوسيلة لتقييم اللياقة البدنية لدى الشريك المحتمل، «من خلال الإشارات الكيميائية التي يتم توصيلها في اللعاب أو التنفس»، كما كتب أربول وراسموسن.

لكن التقبيل ليس مجرد مؤانسة ومرح وسرور. أحد الآثار الجانبية الأقل متعة للتقبيل عند البشر هو انتشار الأمراض المعدية. ذكرت دراسة أخرى، أجراها في يوليو (تموز) 2022 أكثر من عشرين باحثاً من مؤسسات في أوروبا والمملكة المتحدة وروسيا، أن الارتفاع السريع لسلالة فيروس الهربس البسيط «HSV-1» في أوروبا منذ نحو 5 آلاف عام، «يحتمل أن يكون مرتبطاً» إلى إدخال ممارسات ثقافية جديدة مثل ظهور التقبيل الرومانسي، وذلك في أعقاب موجات الهجرة إلى أوروبا من الأراضي الأوراسية.

لكن أربول وراسموسن شككا في أن التقبيل الرومانسي أصبح مقبولاً في أوروبا في العصر البرونزي، وليس بسبب الهجرة وحدها. وكتبا أنه من الأرجح أن ممارسة التقبيل كانت مألوفة بالفعل على الأقل لدى الناس في أوروبا لأنها كانت شائعة في بلاد ما بين النهرين - وربما في أجزاء أخرى من العالم القديم - ولم تكن مقتصرة على الهند فقط. وقال أربول: «لا بد أنها كانت معروفة في الكثير من الثقافات القديمة. لا تمارس بالضرورة، ولكن التقبيل كان معروفاً على الأقل».

التقبيل آنذاك والآن

على عكس القبلات المشتركة بين الآباء والأطفال، التي يُعتقد أنها «منتشرة في كل مكان بين البشر عبر الزمن والجغرافيا»، فإن القبلات الرومانسية ليست شائعة في كل مكان. حتى اليوم، تتجنب العديد من الثقافات التقبيل الرومانسي، حسبما أفاد أربول وراسموسن.

في دراسة أجريت في سبتمبر (أيلول) 2015، شارك في تأليفها غارسيا، قام الباحثون باستطلاع آراء 168 ثقافة حديثة في جميع أنحاء العالم، ووجدوا أن 46 في المائة فقط من تلك المجتمعات تمارس التقبيل الرومانسي. أفاد الباحثون أن مثل هذا التقبيل كان أقل شيوعاً بكثير في المجتمعات العاملة، وكان من المرجح العثور عليه في المجتمعات التي لديها طبقات اجتماعية متميزة، «مع كون المجتمعات الأكثر تعقيداً أكثر عرضة للتقبيل بهذه الطريقة».

في حين تشير دراسة أربول وراسموسن إلى أن التقبيل الرومانسي لم يكن أمراً غير معتاد في بلاد ما بين النهرين القديمة، يشير المؤلفون إلى أنه لا تزال هناك محظورات حول من يمكنه التقبيل وأين يمكنه القيام بذلك - وأن التقبيل الرومانسي لم يكن تجربة عالمية في جميع الثقافات.

وقال أربول إنه إذا كان التقبيل في العالم القديم منتشراً على نطاق أوسع مما كان يُعتقد من قبل، فإنه «ربما كان أكثر عالمية مما كان عليه في العصر الحديث»، مضيفاً: «الأمر يفتح بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام للبحث المستقبلي».



«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.


«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
TT

«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)

يحتفي الفنان المصري أحمد رجب صقر في معرضه «ألف وجه ووجه» -المُقام في غاليري «المشهد»- بالقصص والمشاعر العميقة التي ينقلها الوجه البشري، ما دفع المتلقي إلى التساؤل: من هؤلاء الأشخاص؟ ماذا يريد الفنان أن نعرف عنهم؟ إلى أي مدى تكشف عن رؤى الفنان تجاه الوجه الإنساني بوصفه حقلاً للذاكرة والهوية والتعبير الوجودي؟

تزخر لوحاته بوجوه تنبض بتعبيرات متعددة ومشحونة بالحياة، وتحدّق إلينا عيونها، متسعة كانت أم ضيقة، مستديرة أم مربعة أم مستطيلة، مسالمة أم حادة، غائرة أم جاحظة؛ إذ تبدو العيون في أعماله قادرة على التحدّي والتأمل، وعلى الإخفاء والبوح.

جانب من معرض (ألف وجه ووجه)

من هنا تبدو أعماله التي تبلغ نحو 50 عملاً، وكأنها استكشاف بصري لمرونة الإنسان، تلك القوة الهادئة التي تظهر في لحظات الضعف والشجاعة والتحول العاطفي.

ولا تلتقط كل لوحة مجرد تعبير، أو إحساس عابر، بل قصة إنسان يواجه تحديات الحياة بطريقته الخاصة، لكنها في جوهرها تبقى وجوهاً تحتفي بالروح الإنسانية.

ويقول صقر لـ«الشرق الأوسط»: «المعرض ليس مجرد معرض للوجوه، بل هو بمثابة جوقة من الأصوات البصرية التي تُلامس أعماق النفس وتترك أثراً عميقاً في الذاكرة».

ويتشابه مفهوم الوجه عند صقر مع مفهومه عند المفكر وعالم الاجتماع الألماني جورج زيمل؛ الذي رأى أن الوجه هو كيان اجتماعي بالغ الأهمية، ولكنه غامض في الوقت نفسه، فهو كشف لحظي وإخفاء مُتعمد، يقدم لنا لمحة عن تقلبات اللحظة الراهنة، ودواخل الشخص الدائمة؛ ما يجعله محوراً لفهم الفردية وسط غموض الحياة الحضرية.

الفنان المصري أحمد رجب صقر (إدارة الغاليري)

ويقول صقر: «نعم، إن مفهوم الوجه بالنسبة لي يقترب من تصور زيمل؛ إذ يُعدّ الوجه نقطة تماس بين الفرد والمجتمع، فهو ليس مجرد ملامح، بل مرآة للروح ومسرح للتبادل الإنساني، وعنصر لفهم الفرد وتأثير البُنى الثقافية فيه. وقد شكّلت هذه العلاقة الجدلية محفزاً ومحركاً لهذه التجربة الفنية».

ويتابع: «خلال السنوات القليلة الأخيرة نفذت مجموعات من الوجوه بتقنية لصق الرمال البيضاء على خلفيات بلون واحد، تزيد على الألف وجه وقناع، وذات يوم تأملت طويلاً هذه الأعمال، وقارنت البدايات والنهايات؛ فإذا بي أجد أنني قد اتجهت تدريجياً من رسم الوجوه إلى رسم الأقنعة».

دعوة للتأمل في تعددية الوجوه (إدارة الغاليري)

وسمِّ هذه اللوحات ما شئت، وجوهاً أو أقنعة، لكنها في النهاية تُمثل مرايا لشخصيات متعددة؛ إذ إن كل تفصيلة تشريحية فيها، من العينين إلى الأنف والشفتين، تروي الكثير عن شخوص نعرفهم أو لا نعرفهم.

كما أنها تُعد مساحات مكثّفة تختزل الفكرة عبر تركيزه على الجوهر والتكثيف، وتزخر في الوقت ذاته بالنقوش والحروف والرموز والطلاسم والأشكال، التي توحي أحياناً بالغموض وإثارة التساؤلات، وأحياناً أخرى بالتماهي مع التراث والحضارات والرسوم البدائية على جدران الكهوف؛ وهو ما يزوّد المتلقي بطاقات تعبيرية وشحنات وجدانية تولّدها صياغات تشكيلية مجردة وألوان صريحة.

وفي أعماله لا يمكن إغفال البناء المعماري ذي السمة الهندسية الواضحة، والتكوينات التي تجمع في سياقها بين النحت والعمارة، وهنا تكتشف تأثر الفنان بالصروح المعمارية للمعابد والأهرامات.

لقد استوعبها جيداً، واستحضرها وأعادها بإيقاع آخر جديد يجمع بين الخط الصريح المتعامد والمسطح الغني بالتفاصيل والمعالجة العصرية المحملة بالشفرات التي لا يسع المتلقي أمامها سوى محاولة فك أسرارها.

البورتريه في تداخل مع الحروفية (إدارة الغاليري)

وتحمل بعض اللوحات دعوة من الفنان للتأمل في تعددية الوجوه بوصفها انعكاساً لتنوع التجارب الإنسانية، وكأن كل وجه مرآة لوجه آخر. ففي العمل الواحد يقدّم عدة وجوه متكررة، لكل منها حكايتها وانفعالاتها الخاصة، لكنها تلتقي جميعاً في تجسيد روح الإنسانية وجوهرها، من دون أن تقع في رتابة التكرار أو ملل النسخة الواحدة.