فاطمة الربيعي لـ«الشرق الأوسط»: أبكي حينما أستعيد مشواري

عدت زوجها المخرج محمد شكري جميل «مؤسس السينما العراقية»

الربيعي خلال حضورها للتحكيم بمهرجان بغداد السينمائي (بغداد السينمائي)
الربيعي خلال حضورها للتحكيم بمهرجان بغداد السينمائي (بغداد السينمائي)
TT

فاطمة الربيعي لـ«الشرق الأوسط»: أبكي حينما أستعيد مشواري

الربيعي خلال حضورها للتحكيم بمهرجان بغداد السينمائي (بغداد السينمائي)
الربيعي خلال حضورها للتحكيم بمهرجان بغداد السينمائي (بغداد السينمائي)

قالت الفنانة العراقية فاطمة الربيعي إن زوجها المخرج محمد شكري جميل يتطلع لتصوير أحدث أفلامه «الجحيم» الذي يروي قصة تحرير مدينة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عام 2017، مؤكدة أنه من غير المعقول أن تقدم السينما الأميركية فيلماً عنها، ولا نقدم نحن كعراقيين عاشوا أحداثها ما يكشف حقيقتها.

وأكدت الربيعي في حوار لـ«الشرق الأوسط» أن دموعها تنساب تلقائياً حين تستعيد ملامح 50 عاماً من الفن تمثل مشوارها، قائلة إنها حازت محبة الشعب العراقي التي لا تقدر بثمن، معبرة عن تطلعها لتقديم نماذج أخرى للمرأة العراقية الناجحة على غرار المعمارية العراقية زها حديد.

وبدأت فاطمة الربيعي مشوارها الفني أواخر ستينات القرن الماضي وقدمت أعمالاً عدة، ما بين المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية ومن بينها «لما مات وطن»، و«طريق نعيمة»، و«غربة وطن»، كما قدمت عدداً من الأفلام السينمائية على غرار «إلى بغداد»، و«حب في بغداد»، و«المسألة الكبرى»، وحازت ألقاباً عدة مثل «عاشقة بغداد»، و«نخلة العراق الشامخة» و«سيدة المسرح العراقي»، حيث شبهها نقاد بالفنانة المصرية سميحة أيوب، وقدمت الربيعي عروضاً مسرحية منذ بداية مشوارها الفني مثل «أبو الطيب المتنبي»، و«جلجامش».

وتشارك الفنانة العراقية بعضوية لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان بغداد السينمائي في دورته الأولى التي شهدت تكريم زوجها المخرج الكبير محمد شكري جميل خلال حفل الافتتاح ومنحه جائزة «إنجاز العمر» على مسيرته كمخرج.

الربيعي مع زوجها المخرج محمد شكري جميل والفنان قاسم الملاك بحفل افتتاح بغداد السينمائي (بغداد السينمائي)

وتُبدي الربيعي تفاؤلها بانطلاق مهرجان «بغداد السينمائي» مؤكدة أن المهرجانات السينمائية فرصة للتلاقي والتواصل بين الفنانين العرب، مثلما تقول: «هذا رونق المهرجان وهدفه لنتحدث عن تجاربنا ويتحقق الاحتكاك الفني وتبادل الخبرات»، وعن السينما في العراق تقول: «السينما في العراق شبه متوقفة منذ سنوات، هناك بداية (متلكئة) لكن الأمل لا يغيب في أن نحقق نهضة جديدة ثقافية وسينمائية، وعلى كل المستويات، هكذا العراق كلما يخبو ينهض من جديد».

وحول تكريم زوجها المخرج محمد شكري جميل تقول: «هو مؤسس السينما العراقية، وقدم للسينما الكثير من الأفلام الوثائقية والروائية الطويلة، حاز بها جوائز مهمة وكدنا نصل للعالمية عبر أفلامه التي قدم خلالها كثيراً من الفنانين الذين صاروا أبطالاً ويشكلون جانباً مهماً من تاريخ الحركة السينمائية في العراق».

وكشفت الربيعي أن جميل يطمح لتقديم أحدث أفلامه «الجحيم» الذي يتناول «تحرير مدينة الموصل العراقية»، نافية أن يكون التمويل هو أزمة الفيلم، مؤكدة أن «العراق يستطيع، لكن الأمر يستلزم الإرادة القوية لإعادة السينما لمكانتها الحقيقية»، مؤكدة أن «جميل يتطلع لبدء تصويره، ولديه كثير من تلاميذه الذين صاروا نجوماً يمكن أن يقوموا بمساعدته في تصوير مشاهد قد تكون صعبة عليه بحكم السن، مشددة على أنه قادر على إنجازه ومتحمس له».

وتتساءل الربيعي بدهشة: «هل معقول أن تقدم أميركا فيلماً عن (تحرير الموصل) ونحن أصحاب الحقيقة لم نفعل الأمر ذاته»، مشددة على أنه «لا يمكن لأحد أن يحكي عن أهل الموصل وما عاشوه سوى العراقيين أنفسهم الذين شهدوا ما جرى».

وحول وقع تكريمه عليها تقول: «أسعدني هذا التقدير بالطبع، لكن إنجاز الفيلم يسعدني أكثر، فلدينا حكايات أفرزتها الحرب وسنوات الاحتلال، وبرغم أنني أكثر ممثلة عراقية قدمت أعمالاً تلفزيونية وسينمائية ومسرحية عن المرأة مثل شخصية (نسيبة) أول طبيبة في الإسلام، وحصلت بها على جائزة أفضل أداء لممثلة عربية بتونس، وفي فيلم (المسألة الكبرى) قدمت دور (أم الثوار) لكن لا زلت أتطلع لتقديم مزيد من وجوه المرأة العراقية المتفردة على غرار الشخصيات المؤثرة وفي مقدمتهن زها حديد، العراقية التي غزت مشاريعها العالم. كوني امرأة أحب أحكي عن هذه النماذج سواء تاريخية أو عصرية، وسأظل أطمح كفنانة إلى تقديم المزيد عنها حتى آخر يوم في عمري».

الربيعي في أحد مشاهدها الدرامية (بغداد السينمائي)

وشاركت الربيعي في بطولة أفلام من إخراج زوجها من بينها «المسألة الكبرى»، وتقول عن ذلك: «محمد لقربه مني يعرف إمكاناتي كممثلة، فكان يختارني لأدوار تتلاءم مع شخصيتي وملامحي العراقية، وقد بدأت في حقبة كان العنصر النسائي محدوداً، لا شك الموهبة من عند رب العالمين لكن الدراسة تصقل الموهبة، ودرست في معهد الفنون وساندتني والدتي كثيراً، فقد كنت أعود متأخرة ليلاً وكنت أول امرأة عراقية تحصل على رخصة قيادة بالعراق».

تعترف الربيعي بفضل كل مجال فني برزت به قائلة إن الإذاعة قوَمتها لغوياً وجعلتها تعتني بمخارج الحروف، مؤكدة أنها «لا تحفظ قواعد النحو، لكن الخطأ اللغوي يجرح أذنها»، حسبما تقول، وترى أن التلفزيون حقق لها انتشاراً كبيراً، بينما السينما هي التي تنقل العراق إلى الخارج، أما المسرح فهو الرعب بعينه، مبررة ذلك بأن أي خطأ في السينما أو التلفزيون يمكن إعادة تصويره، أما المسرح فلا توجد به «فرصة ثانية».

الربيعي تلقب بـ«سيدة المسرح العراقي» (بغداد السينمائي)

نصف قرن من التمثيل تستعيدها الفنانة العراقية الكبيرة بطريقة الـ«فلاش باك»، ويبدو التأثر على وجهها وهي تقول: «مرات أبكي من دون ما أشعر، تنساب دموعي بشكل تلقائي حين أتذكر أنني نجحت في تحطيم كثير من القيود الاجتماعية، وهناك رسائل ماجستير ودكتوراه لشباب الفنانين تتناول مسيرتي، والأهم أنني حصلت على احترام وتقدير ومحبة الشعب العراقي، هذا الحب لا يباع ولا يشترى ولا يقدر بثمن، لأنه نابع من قلوبهم، وثمرة جهد وإصرار، ومساندة أمي».


مقالات ذات صلة

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

يوميات الشرق الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الروابط الأسرية تعيد طبيباً فقد الثقة بالمستقبل إلى التمسُّك بالحياة.

انتصار دردير (الجونة )
يوميات الشرق المخرج المغربي يعتبر تكريمه في الجونة محطة مهمة (الشرق الأوسط)

فوزي بنسعيدي: تكريمي في «الجونة» محطة مهمة لتأمل مشواري

قال المخرج المغربي فوزي بنسعيدي إن تكريمه في مهرجان «الجونة السينمائي» بمصر، يمثل لحظة للتأمل في تجربته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمهور يتعلّم الخروج عن المألوف (متروبوليس)

«متروبوليس»... 20 عاماً من المشاكسة السينمائية

ما يبدو برنامجاً طبيعياً في إحدى السينماتيك الأوروبية، هو في بيروت حدث يستحقّ التوقّف عنده...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.