الممثلة التي حوّلت السرطان إلى ضحكة

سوسن شوربا تداوي إدمان المورفين بمسرحيّة «مورفين»

ملصق مسرحية «مورفين» من بطولة سوسن شوربا وتأليف يحيى جابر (إنستغرام الممثلة)
ملصق مسرحية «مورفين» من بطولة سوسن شوربا وتأليف يحيى جابر (إنستغرام الممثلة)
TT

الممثلة التي حوّلت السرطان إلى ضحكة

ملصق مسرحية «مورفين» من بطولة سوسن شوربا وتأليف يحيى جابر (إنستغرام الممثلة)
ملصق مسرحية «مورفين» من بطولة سوسن شوربا وتأليف يحيى جابر (إنستغرام الممثلة)

«غيّر السرطان حياتي إلى الأفضل». بهذه الجملة القصيرة وغير المألوفة، تختصر سوسن شوربا رحلة 13 سنة مع المرض الذي يثير الذعر لمجرّد ذكره. أما هي، فلا تسمّيه بصوتٍ مرتفع وتروّضه فحسب، بل تُصعدُه معها إلى خشبة المسرح.

تنقّلَ المرض في جسد الممثلة اللبنانية من الثدي إلى العظام فالرئتَين والغدد، وهو مستقرّ حالياً في الكبد. أخذ منها شعرها وصحّتها، لكن من الواضح أنه منحَها الكثير في المقابل. فهي تروي لـ«الشرق الأوسط» أنها طبّقت القول بالفعل وصارت تعيش يومها كأنه الأخير، مستفيدةً من كل لحظة حياة؛ «بسبب السرطان أعدتُ المسرح إلى حياتي بعد فترة انقطاع».

تداوي سوسن مرضها مستعينةً بشغفها الفني وحبّها للحياة (إنستغرام الممثلة)

جلسة علاج وجلسة تمرين

اليوم، وبين جلسة علاجٍ كيميائيٍ وأخرى، تُمضي سوسن أيامها في التمرين. تتحضّر لمسرحيّة جديدة بعنوان «مورفين» من كتابة وإخراج يحيى جابر. تقرّ بأن العلاج المتزامن مع التدريبات اليومية متعب جداً، «لكن متعتي بالمسرح تمنحني قوّة خارقة».

قد يوحي عنوان المسرحية وتاريخ الممثلة الحافل مع المرض، بأنّ العمل الفني على قدرٍ عالٍ من الدراما أو بأنه محاضرة عن السرطان، إلا أنّ المفاجأة التي تنتظر الجمهور هي الكوميديا التي بُنيَ عليها النص. «مثل عدد من المخرجين الذين تعاملت معهم، لاحظ يحيى جابر قدراتي الكوميدية»، توضح الممثلة التي لطالما حلمت بالعمل تحت إدارة جابر. وتضيف أن تجربتها مع السرطان ستوضع هذه المرة في قالبٍ يُضحك الناس بدل أن يُبكيهم.

تقول سوسن شوربا إن حلمها تحقق بالعمل مع الكاتب والمخرج يحيى جابر (إنستغرام الممثلة)

سموم الحبّ والسرطان

في المسرحية، تطلّ سوسن وحدها على الخشبة مؤدّيةً شخصيتَين؛ شخصية «سهير» قريبتها التي قتلَها إدمانها على الأدوية المهدّئة بسبب علاقة عاطفية سامّة، وشخصيتها هي التي لا تريد أن تلقى مصير سهير رغم إدمانها المورفين بسبب الغزو السرطانيّ.

مَن لم يعثر بعد على أثرٍ للكوميديا، تطمئنه سوسن قائلةً إن الضحك مضمون بما أن «المسرحيّة غرائبيّة، والغرابة فيها ناتجة عن الهذيان العبثي الذي تجسّده شخصيّتا سوسن «المورفينيّة»، وسهير المقيمة داخل ذكرياتها في بيروت السبعينات ومع أصدقائها فريد الأطرش، وعبد الحليم، وفاتن حمامة، ونجوى فؤاد.

من بروفة التمرين: سوسن بشخصيّة «سهير» (الشرق الأوسط)

وضع جابر ثنائيّة الحب والمرض، وثنائية المهدّئات والمورفين في سياقٍ غير متوقّع. الكاتب المعروف بنصوصه النخبويّة والشعبيّة في آنٍ معاً، يحرص على أن يجد كل متفرّج انعكاساً له في الحكاية. فمن بين المواضيع التي تعالجها المسرحيّة بأسلوب طريف: تعقيدات النفس البشريّة، والفساد الأخلاقي، واستضعاف المرأة، والحبّ الهدّام.

ماكياج وطلاء أظافر... واستئصال الثدي

ليست المرة الأولى التي تصطحب فيها سوسن المرض معها إلى المسرح، لكنْ بين مسرحيّتَي «فولار» و«مورفين» اختلافٌ كبير. في الأولى، تناهى بكاء المتفرّجين إلى مسامع الممثلة وهي تؤدّي دورها، أما هذه المرة فهي تضرب لهم موعداً مع الضحك.

ملصق مسرحية «فولار» التي قدّمتها سوسن شوربا عام 2022 (إنستغرام الممثلة)

لكن، من أين تأتي الضحكة إذا كان المرض المتوحّش بطلاً على الخشبة؟ تجيب سوسن أنها تسمح لنفسها بأن تتحدّث عن السرطان بطريقة مضحكة كونها صاحبة التجربة. تقول: «لا أستخفّ بآلام شخصٍ آخر. هذا وجعي أنا وإذا هزئت منه في المسرحيّة، فهذا شأني وقصّتي.»

من باب الضحكة، تخبر الجمهور مثلاً كيف أنها توجّهت إلى جراحة استئصال الثدي بكامل أناقتها وتبرّجها، وهي لم تنسَ يومها أن تضع الطلاء على أظافرها رغم علمها المسبق بأنه ستجري إزالته قبل الجراحة.

تحرص سوسن على التبرّج ووضع طلاء الأظافر قبل كل جلسة علاج (إنستغرام الممثلة)

علاج المورفين بـ«مورفين»

لا تُمانع سوسن شوربا الظهور على المسرح حليقة الرأس، وهي متصالحة مع الأمر وفق ما تُظهر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن في «مورفين» ستطلّ بشعرٍ مستعار، تجنّباً لإثارة المشاعر واستفزاز الحضور وحفاظاً على الهويّة الكوميديّة للعمل.

رهانها كبير على مسرحيّةٍ ربّما تنقذها من إدمانها على المورفين، والذي فرضته عليها الآلام المبرّحة. بالعادة، يقتضي العلاج من المورفين الدخول إلى المستشفى، لكنّ سوسن أخذت على عاتقها التخفيف من جرعات الدواء. «من أجل (مورفين)، أتحمّل عواقب ألم التخلّص من المورفين. خفّفت الكمية من 40 إلى 5 مليغرام يومياً، وأشعر بأن المسرحيّة ستشفيني منه تماماً».

لا تخشى نسيان سطورها أو التلعثم بسبب التعب والأدوية، فهي تدرّبت على التحمّل. تتذكّر كيف أنها أصرّت على السفر والتمثيل في أقصى فترات الوجع والتدهور الصحي، من دون أن تدع أحداً يشعر بأنها تتألّم.

خفّفت سوسن من جرعات المورفين اليوميّة من أجل المسرحيّة الجديدة (إنستغرام الممثلة)

تحدّي الألم بالأمل

بين 9 و25 فبراير (شباط)، تطلّ سوسن شوربا على مسرح «المونو» في بيروت لتزرع في رؤوس الحاضرين سؤالاً: «إذا استطعتُ تحويل مصيبتي إلى كوميديا، فلماذا تحوّلون حياتكم إلى دراما؟».

منهم مَن سيأتي فضولاً لمشاهدة ممثلة مصابة بالسرطان وهي تقدّم مونولوغاً طويلاً على الخشبة، ومنهم مَن سيحضر تقديراً للفنّ، لكن مهما اختلفت الدوافع فإنّ هدف سوسن شوربا ويحيى جابر واحد؛ تحدّي الألم بالأمل.

لا تفتعل سوسن شيئاً في هذا الإطار، فصلابتها الشخصيّة ومناعتها الروحيّة جاءتا بالفطرة. وما اعترافها هذا سوى تأكيد على الأمر: «يوم علمتُ منذ 13 سنة بأنّي مصابة بالسرطان، لم يكن ردّ فعلي قاسياً. حتى الآن لم أبكِ ولم أتذمّر مرّةً بسبب المرض».

كواليس التدريبات برفقة يحيى جابر (الشرق الأوسط)

تلمع عيناها كلّما أثنى أحدٌ على قوّتها التي أعادتها إلى شغفها الأوّل، أي المسرح. يُحمّلها الإعجاب والإطراء مسؤوليّة المضيّ قدُماً رغم حساسية الموقف، لكنها تتسلّح بسلامها الداخليّ وبقدرتها على الصمود.

موسيقى ورقص

لا ديكور يُذكَر على المسرح باستثناء بيانو تجلس أمامه سوسن مراراً لتعزف. «في المسرحيّة كثيرٌ من الموسيقى والرقص»، توضح الممثلة التي عزفت على البيانو منذ الصغر، وتخصصت في تأليف الموسيقى وتاريخها بالتزامن مع دراستها الفنون المسرحيّة.

للموسيقى مساحة كبرى في المسرحيّة (الشرق الأوسط)

هي التي تؤمن بأن صوت الفنان الأرمني الفرنسي شارل أزنافور شفاها من سرطانها الأوّل، تسمع قلبها وهو يقول لها إن الشفاء هذه المرة سيكون عن طريق الضحكة.


مقالات ذات صلة

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الضغط النفسي الناتج عن مواجهة السرطان يؤدي إلى ارتفاع مستمر في مستويات الكورتيزول (بيكلسز)

مارسه صباحاً ومساءً… نشاط يومي قد يبطئ السرطان

بعض أنواع السرطان لا يمكن تجنّبها، إلا أن تغييرات بسيطة في نمط الحياة قد تساعد على الوقاية منها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك زوجان يقفان على صخرة يواجهان غروب الشمس على شواطئ خليج إنجلش في فانكوفر (أرشيفية– رويترز)

التأمل مرتين يومياً قد يحدّ من تطور السرطان وانتشاره

أشارت دراسة علمية إلى أن ممارسة التأمل صباحاً ومساءً، قد تسهم في تقليل احتمالية تطور السرطان وانتشاره لدى المرضى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك ما فوائد شرب عرق السوس يومياً؟

ما فوائد شرب عرق السوس يومياً؟

يحتوي جذر عرق السوس على نحو 300 مركب، ولكن مركبه النشط الرئيسي هو الجليسيريزين، وهو المسؤول عن مذاقه الحلو، بالإضافة إلى خصائصه المضادة للأكسدة والالتهابات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».