50 عاماً أمضاها ابن مدينة زحلة إيلي أبو طعان يجمع صورَها ويعتني بها. يُشبّه العملية بـ«الأشغال الشاقة»، لكنها الممتعة. حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، هاجر عمُّ والدته حليم فاخوري إلى الصقيع الكندي للنجاة من لهيب بيروت. كان مصوّراً؛ تطارد كاميرته الأحداث الكبرى والحكايا وغرائب الأشياء. اشتدّ القصف وهدَّد منزله، فسألَ أبو طعان إمكان الاعتناء بصوره ريثما يعود. طال البُعد، ومرَّت السنوات، فأمّنه على الإرث وشدّد على عدم التفريط به.
اليوم، يقول أبو طعان لـ«الشرق الأوسط»: «وعدتُ ووفيت. ظلّت الصور بأيدٍ أمينة، وحفظتُها من التآكل والتلف». يستريح داخلُه بعدما أخرج الأرشيف الثمين إلى الضوء. فبعنوان «زحلة بعدسة الزمن»، استضافت «مطرانية سيدة النجاة» في المدينة معرضاً يُشبه رحلة عبر العصور لأكثر من 100 عام من تاريخها، عرضَ الصور العائدة بأكثريتها لفاخوري، تُضاف إليها أخرى بعدسات غير مصوّرين، خلف لقطاتهم قصص يحلو سردها.

لثلاثة أيام، تجوّل أبو طعان مع فريق العمل في المعرض، وشرح لزوّاره الحكاية وراء الصور. همُّه إخبار الشباب بمآثر الأجداد، وإطلاعهم على بُناة المدينة وحُماتها. فالصور الممتدة على مدى قرن، من 1850 إلى 1950 التقط فاخوري، الراحل قبل 30 عاماً، معظمها، وطرق أبو طعان منازل كبار السنّ للسؤال عن قصصها ولجمع مزيد منها. «لم أترك ختياراً إلا وزرته. رحلة التوثيق شاقة، لكنها بديعة. متعتُها لا تفارقني. كنتُ أسأل مَن ظهروا شباباً في الصور عما يذكرون من تلك الأيام. بعضهم أهداني صوراً لم يعد يريد الاحتفاظ بها. كل ما سمعتُه من الكبار، أطلعتُ جيل (الأونلاين) عليه. أريدهم أن يعرفوا ماهية الجذور، ويدركوا التضحيات التي بذلها أجدادهم لإعلاء مكانة المدينة على الخريطة اللبنانية».

أحبَّ الصور، ومثل أب يهدهد أولاده، اعتنى بها: «كنتُ أسافر إلى فرنسا لشراء الأدوية والبودرة، فأحميها من التلف. حين توحّشت الحرب، تعذّرت الأسفار. رحتُ أحفظُ كل (نيغاتيف) بمغلّف، فأعزله عن بعضه البعض. هكذا حافظتُ على نقاوتها وجمالها».
بعد 50 عاماً من هواية وُلدت بالمصادفة، لإحساسٍ بأنه مُؤتَمن على كنز، يقول: «هذا الأرشيف ملكي. أسّسه حليم فاخوري، وأنا أكملتُ الطريق». الحب الكبير مردُّه التعلّق بمدينة رفض مغادرتها تحت أعتى ظرف: «عُمر زحلة 300 عام فقط، ومع ذلك أنجزت كثيراً على مستوى العمران والتطوُّر، لتحلّ ثالثةً بعد بيروت وطرابلس. وهي شهدت قيام أول جمهورية في الشرق، بعَلَمها ودستورها وخِتْمها. مدينة صغيرة، تطوّرت بسرعة غريبة».
وُلدت فكرة المعرض بينما كان أبو طعان وشريكته نيكول صدقة يناقشان أهمية الأرشيف. قالا معاً: «لِمَ لا؟ فلنُقم معرضاً يُخبر الحكاية». لستة أشهر، تكثّفت التحضيرات من تنظيم صدقة و«مجلة أصداء زحلة والبقاع». فُرزَت الصور وفق الموضوعات: زحلة عموماً، أحياؤها، فنادقها، كنائسها، نهر البردوني الشهير، مهرجان الزهور، الأدباء والشعراء والشخصيات... «كان العمل منهكاً، لكن النتيجة رائعة. بدا المعرض مُنظَّماً والصور مُرقَّمة، تحت كل منها أسماء مَن فيها، وأخبرنا الحضور بأي ظرف التُقطت».

كما لا يفرّق الأب بحُبّ أبنائه، يُساوي أبو طعان بين الصور، ويعدّها جميعاً «خاصة ومؤثرة، لديها جمالها وتاريخها». الأهم بالنسبة إليه أنّ «لكل صورة قصة»، ومن بين القصص يختار «ثورة اللحّامين». تقول حكايتها إنّ سلطات الانتداب الفرنسي رفعت سعر كيلو اللحم قرشاً ونصف قرش. حينها، غصّت شوارع زحلة بالمظاهرات، وفرضَ المحتجّون عودة السعر إلى ما كان عليه. يتحسّر أبو طعان: «اليوم، أسفٌ على الأحوال. يتلاعبون بالأسعار والفوضى سارية».
ويروي حكايات «قبضايات زحلة»، وقد قضى بعضهم في معارك: «منهم الهاربون من أعمال السخرة أو الظلم العثماني، فإذا بمدينة (الجبلين والنهر) تصبح ملجأهم. ذلك كلّه موثّق بالصور ويستحق أن يُروى».
يرى المعرض «حاجة إلى إبقاء الذاكرة حيّة، تحية للعدسة التاريخية ولجمال المدينة الزمني». يُكمل أنّ الصور بإبقائها في الجوارير، لا بدّ سيلفحها النسيان: «لذا أقمناه لإنقاذها من مرور الزمن ولجعلها تنبض من جديد».

يذكُر أبنية تحوّلت أوتوسترادات، وكنائس لم تعد موجودة إلا بين كادرات صور فاخوري. وتضمّن المعرض أيضاً مشاركة الحضور كاميراته، فاصطفّت في صناديق زجاجية بجانب مجسمات لفنادق وبيوت أعدّها الفنان نبيل علاء الدين. يأمل إيلي أبو طعان تعميم التجربة، منطلقاً من مبدأ أنّ «مَن لا تاريخ له، لن يكون له حاضر ولا مستقبل».
يُشعره الإرث بـ«العبء»، ويشغله الحفاظ عليه في حياته وبعد رحيله. قابل بالرفض عروضاً من جامعات وجمعيات لشراء الأرشيف: «أريده أن يبقى في زحلة، وأسلّمه من بعدي لأهل ثقة فيكملون الطريق. لن أأتمن عليه سوى زحلاويين».







