شخصيات «أومبا-لومباس» في فيلم «ونكا» تفتح جدلاً قديماً

محاولات لتفادي تهمة العنصرية التي وُصم بها كاتب الرواية روالد دال

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
TT

شخصيات «أومبا-لومباس» في فيلم «ونكا» تفتح جدلاً قديماً

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)

نيويورك: روبرت إيتو*

ماذا نفعل مع «أومبا لومباس»؟

هذا هو السؤال الذي تشابك معه صناع الأفلام والكتاب منذ عام 1964 لأول مرة منذ ظهور العمال الصغار الذين لا يحصلون على أجر إلى حد كبير في كتاب أطفال روالد دال المحبوب «تشارلي ومصنع الشوكولاته».

في رواية دال الأصلية، كان «أومبا-لومباس» من الأقزام الأفارقة الذين يتضورون جوعاً، حيث كانوا يعيشون إلى حد كبير على مجموعة من اليرقات الخضراء ولحاء الأشجار حتى «أنقذهم» ويلي ونكا. وقام بتهريب القبيلة بأكملها من أفريقيا في صناديق التعبئة للعيش والعمل، والغناء والرقص، في مصنع الشوكولاته.

قال دال في مقابلة أجريت معه عام 1988: «لم يخطر ببالي أن تصويري لقبيلة (أومبا-لومباس) كان عنصرياً».

في العقود الخمسة التي تلت الظهور الأدبي، خاضت «أومبا-لومباس» سلسلة من التحولات لزعزعة قصتهم من جذورها الاستعمارية. كانت بعض الإصلاحات تجميلية بصورة واضحة (في الطبعات اللاحقة من الكتاب، جعل الرسامون رجال القبائل ببساطة من أصحاب البشرة البيضاء). أما المحاولات الأخرى فلم يمكن عدّها إصلاحات على الإطلاق: ففي فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» لعام 2005، قام المخرج تيم بيرتون بتحويل القارات، ونقل قبيلة «أومبا-لومباس» من أفريقيا إلى مكان يشبه أميركا الجنوبية بشكل غامض، كما تصوره مخرج أفلام مغامرات من خمسينات القرن الماضي.

ملصق فيلم «ونكا» الصادر هذا الشهر

وفي فيلم «ونكا» من وارنر برذرز، التي افتتح هذا الشهر، يتناول صناع الفيلم الجوانب الاستعمارية بشكل مباشر.

ومن نواحٍ عديدة، سمحت النسخة التمهيدية - التي تصور نضال ونكا (تيموثي شالاميت) للنهوض بمشروع الشوكولاته وتشغيله - لصانعي الأفلام بتجنب العناصر الأكثر إثارة للاشمئزاز في الكتاب. وبدلاً من الخدم المبتسمين، هناك فرد واحد من «أومبا لومبا»، وهو أشبه بذئب منفرد، وهو عدو أكثر غرابةً ومعلم في نهاية المطاف أكثر من كونه خادماً خاضعاً مطيعاً. ببساطة، إنه هيو غرانت. أما بالنسبة لظروف العمل السطحية لـ«أومبا-لومباس» (هل يدفع لهم فقط بالشوكولاته؟) والأسئلة حول كيف وأين يحصل ونكا على كل حبوب الكاكاو هذه لصنع الشوكولاته اللذيذة، إنه يسرقها عن غير قصد - من «أومبا-لومباس»! - وهو يصنع الحلوى بنفسه (في هذه المرحلة من القصة، لا يزال صانع حلوى بكميات صغيرة).

قال بول كينغ، مخرج الفيلم والكاتب المشارك: «لقد كنت مهتماً حقاً بفكرة حكم (أومبا-لومباس) على (ونكا) لسرقته حبوب الكاكاو الخاصة بهم، وفرض العقوبات عليه».

وأخيراً يقدم الفيلم الجديد جانب «أومبا-لومباس» من هذه القصة التي كانت غير متكافئة. رغم ذلك، كانت هناك شكاوى حول «أومبا-لومباس» حتى قبل افتتاح هذا الفيلم الأخير، مع بعض الممثلين الذين انتقدوا قرار تقديم غرانت في دور يلعبه تقليدياً الممثلون الأقزام.

انتقد الباحثون كتب دال للأطفال على مدى عقود، مشددين على حالات من القوالب النمطية العنصرية والجنسية. هذا العام، أشعلت دار «كتب بوفين» عاصفة نارية عندما أصدرت نسخاً جديدة منقحة من كلاسيكيات دال، بما في ذلك «تشارلي ومصنع الشوكولاته» و«ماتيلدا»، التي أزالت، من بين أمور أخرى، إشارات إلى لون البشرة وحجم الجسم والعبودية. ولأعوام عديدة، ظل كُتاب السيرة الذاتية يهجمون دال ذاته، ويصفونه بمعاداته للسامية وبمعاملته القاسية إلى حد مذهل لزوجته الأولى، الممثلة باتريشيا نيل الحائزة على جائزة «الأوسكار».

أومبا لومباس في نسخة عام 1971 من فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» (imdb)

لذا، ليس من المستغرب أنه عندما قام مبدعو فيلم «ويلي ونكا ومصنع الشوكولاته» في عام 1971، من بطولة جين وايلدر، بتكييف قصة دال»لأول مرة، كانوا يبتعدون بأقصى سرعة ممكنة وأبعد ما يستطيعون عن رواية «العبد السعيد» في الكتاب.

بعد أعمال الشغب العرقية في بريطانيا في خمسينات القرن العشرين وحركة الحقوق المدنية الأميركية في ستينات القرن نفسه، قالت كاثرين كيزر، أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة ساوث كارولينا ومؤلفة مقالة «أطفال الحلوى ومصانع الشوكولاته: روالد دال، والعنصرية، والصناعة العالمية»: «ليست هناك طريقة للمبالغة في تقدير أن ذلك لم يكن مؤاتياً لتلك اللحظة».

في نسخة وايلدر، تحولت شخصيات «أومبا-لومباس» من السكان الأصليين الجائعين من «أعمق وأظلم جزء في أفريقيا» إلى رجال برتقاليي الوجوه، ذوي شعر أخضر في أزياء أوروبية غريبة. وقد تغير موطنهم الأفريقي إلى دولة لومبالاند الخيالية؛ وبدلاً من تهريبهم من الأدغال في صناديق، جرى نقلهم كبشر محترمين.

في عام 1971 وظف صانعو الفيلم فنانين يعانون من التقزم ولوّنوهم باللون الأخضر، وهو قرار أزعج دال. قال ماثيو دينيسون، مؤلف كتاب السيرة الذاتية الذي نال استحساناً النقاد بعنوان «روالد دال: راوية اللامتوقع». (قال: كره دال نسخة الفيلم، جزئياً، لأنه لم يستطع تحمل جين وايلدر، لأسباب لا أفهمها).

كما تعرض دال للضغط لإعادة صياغة «أومبا-لومباس» في طبعات لاحقة من كتبه. أعاد رسامون مختلفون تخيل صور الرسام جوزيف شيندلمان للسكان الأصليين السود المبتسمين على أنهم عفاريت ذوو بشرة فاتحة مع شعر أشقر، أو هِيبِيز ملتحون.

بالنسبة لكيزر، فإن محاولات الروائي «نزع الزنجية» (كلمات دال) عن شخصياته الخاصة، تحت الضغط المعروف، جعلتهم، من بعض النواحي، أقل إنسانية.

شخصية أومبا لومباس كما ظهرت في فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» من إخراج تيم بيرتون عام 2005 (imdb)

على مر السنين، استمرت «أومبا-لومباس» في التحول. في عام 2005 أعاد تيم بيرتون صنع فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته»، تم اختيار ممثل واحد، ديب روي، ليلعب كل أفراد «أومبا-لومباس»، حيث استخدمت التقنية الرقمية لخلق نسخ طبق الأصل من العمال الذين يغنون ويرقصون ويسبحون في ملابس زاهية ومتطابقة (استخدمت الروبوتات أيضاً في بعض المشاهد). على خشبة المسرح في عدد لا يحصى من إنتاجات المدارس، كان الأداء من قبل الأطفال يرتدون الشعر المستعار باللون الأخضر، مع أو بدون وجه برتقالي، وفي ويست آند لندن من قبل هجين من نصف إنسان ونصف دمية.

من الواضح أنه كان هناك الكثير من المواد البصرية لدى كينغ ليختار منها. ومع ذلك، فإن شخصيات دال الأصلية، الأقزام الأفارقة، لم تكن أبداً موضع اعتبار.

وقال كينغ: «لقد كان اختياراً جيداً لتغيير ذلك. شعرت بالارتياح الشديد لقرار دال».

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (وارنر بروذارز)

إنه دور صغير نسبياً لهيو غرانت، ولكنه دور يلعب في رؤية كيزر لقصة من شأنها أن تعوض قبيلة «أومبا-لومباس»، وهو دور يُروى من وجهة نظرهم. وقالت: «أعتقد أن أومبا-لومباس كانت طريقة لجعل العولمة ذات الإطار الاستعماري تبدو مريحة وممتعة وجذابة. ولكن ربما لو كان بوسعك الحصول على (رواية التشكيل) من منظور فرد واحد يدعى أومبا لومبا، مما يمنح أومبا لومبا طابعاً داخلياً ومسمى، مما من شأنه أن يصلح هذه المعضلة».

في النهاية، يقدم غرانت دور أومبا-لومبا تحية إجلال لذكرى الرواية الأصلية التي يعود إلى عام 1971، حتى عندما مُنح نوعاً من السلطة والاستقلال لم يكن بوسع أولئك الخدم الأصليين إلا أن يحلموا به.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)

ميل غيبسون يحلم بالجزء الخامس من «سلاح مميت»... لكن هل فات الأوان؟

يعترف ميل غيبسون هذه الأيام بأن مشروعه المؤجل منذ سنوات ما زال في مرحلة التطوير، وأنه لا يوجد موعد محدد بعد لبدء تصويره أو انتقاله من صفحات السيناريو إلى…

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما «العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)

ريما الرحباني: زياد توفي بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير»

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
TT

ريما الرحباني: زياد توفي بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير»

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)

بعد نحو عام على رحيل الموسيقار اللبناني زياد الرحباني، عادت شقيقته المخرجة ريما الرحباني إلى الواجهة بمنشور مطوّل عبر صفحتها على «فيسبوك»، كشفت فيه للمرة الأولى روايتها بشأن الأيام الأخيرة من حياة شقيقها، ووجّهت اتهاماً مباشراً إلى أطباء قالت إن زياد كان يثق بهم، محمّلة إياهم مسؤولية ما وصفته بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير».

ويأتي منشور ريما بعد فترة طويلة من الصمت، وفي ظل تداول واسع لمعلومات وتكهنات حول صحة زياد وظروف وفاته. وكانت ريما قد عادت إلى التواصل عبر «فيسبوك» في يونيو (حزيران) الماضي، بعد غياب طويل، قبل أن تتوالى منشوراتها المتعلقة بشقيقها وبإرث العائلة.

صورة لريما الرحباني مع شقيقها زياد تتصدر صفحتها في «فيسبوك»

وفي أحدث منشوراتها، قالت ريما إن الموضوع كان في الأصل شأناً عائلياً خاصاً، وإنها لم تكن ترغب في كشف تفاصيله، لكنها اضطرت إلى الحديث بعدما، بحسب تعبيرها، جرى تداول معلومات وتكهنات على نطاق واسع وتحويلها إلى «حقائق» في الإعلام ومواقع التواصل.

زياد لم يمت بسبب الكبد

وبدأت ريما بتفنيد عدد من الروايات التي قالت إنها انتشرت بعد وفاة شقيقها، مؤكدة أن زياد لم يتوفَّ بسبب مشكلة في الكبد أو البنكرياس، ولم يكن قد وصل إلى مرحلة زراعة الكبد.

كما نفت أن يكون زياد قد كان بحاجة إلى أموال من أي جهة، سواء من الدولة أو من غيرها، رافضة بشدة ما وصفته بالشائعات المتعلقة بوضعه المالي.

وشددت على أن والدته، الفنانة فيروز، وشقيقته (ريما) كانتا إلى جانبه طوال حياته، لا سيما في الفترة الأخيرة، مؤكدة أن علاقتهما به لم تنقطع، وأنهما بقيتا إلى جانبه حتى النهاية.

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

وفي أكثر أجزاء المنشور حساسية، رفضت ريما الروايات التي توحي بأن زياد استسلم لمرضه أو فقد الرغبة في الحياة.

وأكدت أن شقيقها «لم يستسلم ولم يملّ من الحياة ولم يقرر الرحيل»، واصفة إياه بأنه كان متعلقاً بالحياة، يحبها ويخاف الموت، بل ويخاف على نفسه منه.

وقالت إن زياد كان، على الرغم من شخصيته الثورية والمتمردة، مؤمناً على طريقته، مشيرة إلى أنه كان يردد الصلاة المسيحية «السلام عليك يا مريم» بصورة متواصلة منذ نحو 15 عاماً، أمام أفراد عائلته.

عاد إلى بيت العائلة بعد آخر حفلاته

وكشفت ريما أن زياد أقام مع والدته وشقيقته بعد آخر حفلة له في رحبة (شمال لبنان)، في إشارة إلى المرحلة الأخيرة من حياته.

وأشارت إلى أن شقيقها، الذي غادر منزل العائلة في وقت مبكر من حياته ولم يعد إليه، اختار في مرحلة مرضه وتعبه أن يبقى إلى جانب أسرته، لأنه كان يخشى أن يبقى وحيداً.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وفي وصف شديد العاطفة لعلاقتهما، قالت ريما إن زياد كان يحتاج إلى وجود والدته وشقيقته إلى جانبه، موضحة أن والدته كانت تحبه حباً مطلقاً، بينما كانت هي تشعر به وتفهمه من دون الحاجة إلى كثير من الكلام، معتبرة أن هذا النوع من التواصل كان تحديداً ما يحتاج إليه في تلك المرحلة.

خطأ أو إهمال طبي

ثم انتقلت ريما إلى النقطة الأكثر إثارة في منشورها، إذ قالت إن زياد «رحل نتيجة خطأ أو إهمال طبي من أطباء كان يثق بهم»، مضيفة أنه كان يرفض بصورة قاطعة استشارة أطباء آخرين.

وبحسب روايتها، فإن هؤلاء الأطباء «لم يؤمنوا به» كما كان هو يثق بهم، معتبرة أن ما حصل كان «خطأ كبيراً جداً».

وأعربت ريما عن غضبها الشديد من المسؤول عن ذلك، قائلة إنها، رغم كونها مسيحية وما يفرضه ذلك من دعوة إلى المسامحة، تجد نفسها للمرة الأولى غير قادرة على المسامحة.

وأضافت، في وصفها لشقيقها، أن زياد لم يكن شخصاً «يُخطأ معه»، حتى لو كان مريضاً وعنيداً ومتعباً، في إشارة إلى اعتقادها بأن حالته كانت تستدعي تعاملاً طبياً مختلفاً.

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

ولم تقدم ريما تفاصيل أكثر. وكان مستشفى فؤاد خوري في بيروت قد أعلن وفاة زياد الرحباني في 26 يوليو (تموز) 2025، من دون أن يتضمن الإعلان الرسمي المنشور تفاصيل تثبت هذه الرواية.

عودة ريما إلى الواجهة بعد صمت طويل

وتكتسب عودة ريما الرحباني إلى الحديث عن شقيقها أهمية إضافية في سياق عودتها التدريجية إلى مواقع التواصل بعد فترة من الغياب.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، نشرت ريما مقطعاً من أغنية فيروز «راحوا»، في ذكرى والدها عاصي الرحباني، في أول ظهور لافت لها بعد رحيل شقيقيها زياد وهلي الرحباني، وهو المنشور الذي أثار تفاعلاً واسعاً.

ثم عادت في نهاية يونيو إلى الحديث بصورة مباشرة عن علاقتها بزياد، واضعة حداً لما وصفته بالشائعات المتعلقة بوجود قطيعة دائمة بينهما، ومؤكدة عمق العلاقة التي جمعتهما، رغم الخلافات التي وقعت بينهما في مراحل مختلفة.

وفي يوليو (تموز)، تصاعد حضورها الإعلامي مجدداً مع موقفها الرافض إقامة مبادرات لتكريم زياد في الذكرى الأولى لرحيله، مؤكدة أن موقفها مرتبط باحترام إرادته وإرثه الفني.

ريما الرحباني... دفاع مستمر عن إرث العائلة

ولا يمكن فصل موقف ريما الأخير عن مسار طويل من دفاعها عن إرث عائلة الرحباني، وفي مقدمته إرث والدها عاصي الرحباني ووالدتها فيروز وشقيقها زياد.

فريما لطالما تعاملت بحساسية شديدة مع كل ما يتعلق بالأعمال الفنية والحقوق المرتبطة بإرث العائلة، ودخلت خلال السنوات الماضية في سجالات علنية حول طريقة تقديم أعمال الرحابنة وإعادة استخدامها وتكريم أصحابها.

وفي مواقفها الأخيرة، بدا هذا الهاجس أكثر وضوحاً، إذ رفضت ما اعتبرته محاولات لاستغلال اسم زياد أو إعادة تقديم أعماله بعيداً عن رؤيته وإرادته. وقد أثارت مواقفها قبيل الذكرى الأولى لرحيله جدلاً واسعاً، خصوصاً بعدما أعلنت رفضها لأي مبادرات تكريمية لا تتوافق مع ما كان يريده شقيقها.

صاحب الحق يصحح

وفي ختام منشورها، قالت ريما إنها لم تكن ترغب في كشف هذه التفاصيل، لأن ما جرى كان شأناً خاصاً لا يعني أحداً، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى التدخل بعدما كثرت الروايات والأخبار والتكهنات، وتحولت، بحسب تعبيرها، إلى معلومات يتعامل معها البعض باعتبارها حقائق.

وأكدت أنها ستكتفي بما سمّته «العناوين»، معربة عن أملها في ألا تضطر مستقبلاً إلى نشر «النشرة الكاملة» التي تتضمن تفاصيل أكثر.


محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
TT

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

لا يُذكَر الممثل بعدد أعماله، بِقَدر ما يُحفَر اسمُه ووجهُه في ذاكرة الجمهور لجودة اختياراته وأدائه الآسِر. على هذه القاعدة يسير الفنان السعودي محمد الدوخي متأنياً في إطلالاته، وتاركاً بصمة من الصعب محوُها مع كل شخصيةٍ يقدّمها.

هو «فهد القضعاني» في فيلم «مندوب الليل»؛ ذاك الشاب الذي يصارع الدنيا وحيداً، متأرجحاً بين طيبةٍ طفوليّة وغضبٍ دفين فرضته قسوة الحياة. وإن كان مروره أسرع في السلسلة القصيرة «الخلّاط +»، فلا تقلّ شخصية صاحب الدكّان الكفيف والغامض أهميةً. مزج الدوخي فيها ما بين الغرابة والباطنيّة ليبقى «أبو مرداع» عالقاً في الأذهان. أما الكوميديا، المكان الذي انطلق منه، فعاد إليها الدوخي عام 2025 بشخصية «سطّام» في فيلم «رهين» من إخراج أمين الأخنش والذي يُعرَض حالياً على «نتفليكس».

الدوخي إلى جانب الفنان السعودي الراحل محمد الطويان في أحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

البطولة ليست أولويّة

يحمل الدوخي كل شخصياته في قلبه وسجلّه بفخر، لكنه يرغب دائماً في السير إلى الأمام. في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول الممثل السعودي إنه يريد الغوص في مناطق متعددة داخله، متجنّباً «تكرار الدور نفسه بأسماء وملابس مختلفة». مخطّطُه للسنوات المقبلة من مسيرته واضحٌ أمام عينيه: «أبحث عن الشخصية التي تجعلني أشعر بشيء من الخوف، وتدفعني إلى تحدّي نفسي والتساؤل ما إذا كنت قادراً بالفعل على تقديمها».

في فيلمَيه الأخيرَين، لعب الدوخي بطولةً مطلقةً. رغم ذلك، فهو لا يهجس بمفهوم البطولة: «صحيح أنني قدَّمت تجربتين سينمائيَّتين بطلاً أول، لكني لا أبحث عن البطولة لمجرّد أن يظهر اسمي في مقدّمة العمل». ويضيف ألّا إشكالية لديه في تقديم دور أصغر، شرط أن يكون مؤثّراً ومكتوباً بأسلوب جيّد.

الدوخي في كواليس تصوير فيلم «مندوب الليل» (صور الفنان)

«مندوب الليل»

رغم النجاح الذي حقَّقه «مندوب الليل» حاصداً إعجاب النقّاد والجمهور وأرقاماً استثنائية على شبّاك التذاكر وعلى منصة «نتفليكس»، فإنّ الدوخي لا يتعامل معه على أنه لحظة مجدٍ واحتفال فحسب. ينظر الممثل إلى تلك التجربة وكأنها درس من دروس المهنة: «في (مندوب الليل) تعلّمت أن أعيش داخل الشخصية، وأن أتقبّل ألّا أكون محبوباً أو مضحكاً طوال الوقت». هذا بعضُ ما أخذه الدوخي من «فهد القضعاني»، لكنّ الفيلم منحَه المزيد. لا يُنكر الفنان السعودي أنّ «مندوب الليل» شكَّل نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرته: «لأنه قدّمني إلى الجمهور والوسط السينمائي بصورة أكثر جدّيّةً وتعقيداً ممّا ألِفوه سابقاً»، بعيداً عن الشخصية الكوميدية التي ارتبط بها لسنوات.

ليس من السهل نسيان «فهد القضعاني» ولا تجربة «مندوب الليل»، التي رفعت من توقعات الجمهور العربي حيال الدوخي والسينما السعودية على حدٍّ سواء. لكنّ بقاء الفيلم عالقاً في الأذهان، لا يعني بالضرورة بقاء الممثل عالقاً في وهج الشخصية خوفاً من ألّا يقدّم أفضل منها، «تفكير مثل هذا قد يدفعني إلى تقليد التجربة السابقة بدلاً من التطوّر»، يقول الدوخي. فالنجاح الحقيقي بالنسبة إليه «ليس في تكرار الفيلم نفسه، بل في تقديم شخصية مختلفة تماماً يصدّقها الجمهور أيضاً». ويضيف: «أريد أن يصبح (مندوب الليل) محطةً مهمةً في المسيرة، لا العمل الوحيد الذي يختصر المسيرة».

«أبو مرداع»

بين محمد الدوخي والمخرج السعودي علي الكلثمي شراكة استراتيجيّة أثمرت أعمالاً مميزة، وأغنَت استوديوهات «تلفاز 11» المنغمسة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، ذات المحتوى الدسِم والخارج عن المألوف. معاً خاضا العالميّة بوصول «مندوب الليل» و«الخلّاط» إلى «نتفليكس».

الدوخي والمخرج علي الكلثمي تحضيراً لأحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

عن شخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+»، يقول الدوخي إنها منحته «مساحة كبيرة للتجريب واللعب، لكنها في الوقت ذاته أثبتت أن الكوميديا ليست سهلة كما يبدو». وسط أجواء تمزج ما بين الغرابة والتشويق والأكشن والجريمة والكوميديا السوداء، وتحت إدارة المخرج عزيز الجسمي، تَحرَّك «أبو مرداع» بنظّارتَيه السوداوَين زارعاً مفاجأةً في كل مشهد. فهكذا هي روح «الخلّاط»، أنه «يضع الشخصيات في مواقف مألوفة، ثم يدفعها إلى أقصى الاحتمالات»، وفق الدوخي.

وهكذا يفعل كاتب العمل ومنتجُه المخرج علي الكلثمي الذي يدفع بالممثلين إلى أقصى قدُراتهم الأدائيّة. يصِف الدوخي علاقتهما بأنها أبعد من مجرّد شراكة مهنيّة وفنية، بل «رفقة عمر وأخوّة». ويضيف: «علي يعرف كيف يكتشف مساحةً مختلفةً داخل الممثل، وأحياناً يُبصر فيه ما لا يراه الممثل في نفسه». ويتوقع الدوخي لتلك العلاقة أن تستمر «ما دامت ثمة شخصيات وأفكار نستطيع من خلالها مفاجأة الجمهور». وعن ذلك الجمهور تحديداً يقول إنه صار صديقَه، بِغَضّ النظر عمّا إذا كانت هناك شخصيات وأعمال جديدة أم لا.

محمد الدوخي بشخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+» (صور الفنان)

مسيرة الدوخي محفوفة بالتحوّلات

لطالما سار محمد الدوخي على إيقاع التحوّلات الاستراتيجية في حياته ومهنته. لم يَكن المسار يوحي بدايةً بأنه سيخوض الفن، إلّا أنّ الشغف انتصر على سائر الاحتمالات الأخرى، فدخل الفنان السعودي عالم صناعة المحتوى من بابه العريض. تحوّل إلى نجم كوميدي أول على المنصات الرقميّة، وهو يبدو ممتنّاً لتلك المرحلة، إذ يقول: «لم أتعامل مع صناعة المحتوى على أنها جسر يأخذني إلى السينما أو التلفزيون. لكنها كانت بمثابة مدرسة وجامعة تعلمت فيها كيف أصل إلى الجمهور، وكيف أصنع الشخصية، وأفهم الإيقاع والتوقيت الكوميدي».

ثم جاءت النقلة إلى الشاشة الواقعية وتحديداً إلى عالم السينما، فكان «التحدّي الأصعب التخلّص من بعض العادات التي اكتسبتها في المحتوى القصير وتقديم الأداء بناءً على رؤية المخرج»، وفق تعبير الدوخي.

ملصق فيلم «رهين» من بطولة الدوخي ويُعرَض حالياً على «نتفليكس» (إنستغرام)

من الكوميديا إلى الدراما والتشويق

نقلة نوعيّة أخرى سجّلتها مسيرة الدوخي الفنية، يوم خطا الممثل باتّجاه الدراما والتشويق بعد مشوار طويل في عالم الكوميديا. انطلاقاً من رغبةٍ لديه في التنويع وعدم البقاء محصوراً ضمن إطارٍ واحد، تجرّأ على نوعٍ آخر من الأداء: «الدراما والتشويق يعتمدان أكثر على الصمت والنظرة والحالة الداخلية للشخصية على غرار ما حصل في (مندوب الليل)». لا يُخفي الدوخي أنَّ ذلك الانتقال أثار قلقَه، «لكنه خوفٌ صحّي». يضيف مؤكّداً أنَّ الدراما والأكشن لن يأخذاه كُلياً من الكوميديا، لتبقى السينما هي الأساس بالنسبة إليه لأنها «تمنح الممثل فرصةً مختلفةً لبناء الشخصية وتركِ أثرٍ يبقى طويلاً في ذاكرة الجمهور».

لحظة سعوديّة استثنائيّة

يفرح محمد الدوخي لكونه جزءاً من «لحظةٍ سعوديةٍ استثنائية تشهد نهضةً» ثقافية وفنية غير مسبوقة، لكنه يتعامل بواقعيّة مع الأمر: «صحيح أنّ ما يحصل يمنحنا شعوراً بالفخر، لكنه يضع علينا مسؤولية في الوقت ذاته. لا يكفي أن نكون جزءاً من النهضة، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الفرصة ونصنع أعمالاً تعيش وتعبّر عن المجتمع بتنوّعه، لا مجرّد أعمال مرتبطة بحماسة المرحلة». يأتي هذا التفكير المنطقيّ نتيجةً لمعرفته بـ«الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً وتطلّباً».

الدوخي في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» عام 2025 (إنستغرام)

الدوخي مقتنع بأنّ «النهضة لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بجودتها وقدرتها على البقاء وصناعة هوية حقيقية للسينما السعودية». وهو مُدركٌ أنَّ أجمل ما في «التجربة السعودية الحاليّة أنها انطلقت من قصص شديدة المحَلّية، واستطاعت الوصول إلى جمهور عربي وعالمي».

بهويّتها الأصيلة ولهجتها الحقيقيّة، ومن خلال إنتاجاتٍ وحكاياتٍ تحترم عين المُشاهِد وعقلَه، سافرت السينما السعوديّة خارج المملكة. استقطبت جمهوراً غريباً عن البيئة السعودية، لكنه لم يجد صعوبةً في التماهي والتعاطف مع شخصياتٍ مثل «فهد القضعاني»، الذي أمسى بطلاً عابراً للحدود.


«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.