دخل المخرج الفرنسي تييري فيرنييس إلى العالم العربي من باب الحبّ والإعلانات المصوّرة. فبالتزامن مع إنجاز أول دعاية في لبنان عام 2001، تعرّف إلى مَن ستصبح زوجته وأم أولاده. وما هي إلا شهور قليلة، حتى لمع اسمُه في عالم الأغاني العربيّة المصوّرة. كان فيرنييس من أول المخرجين الأجانب الذين تعاونوا مع فنانين من العالم العربي في أعمال الفيديو كليب.
من راغب علامة، إلى إليسا، مروراً بكاظم الساهر، وزينة عماد، وليس انتهاءً بكارول سماحة التي كانت لها الحصّة الكبرى من كاميرا فيرنييس. يخبر في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه حطّم الرقم القياسي مع سماحة متعاوناً وإياها في 16 فيديو كليب من إخراجه. أما أحدث أعماله فكان تصوير أغنية «زينة أيامي» لنوال الكويتيّة في جنوب فرنسا. الكليب الذي صدر منذ أسابيع شكّل مفاجأة لجمهور نوال، فهم لم يعتادوا عليها في إطلالة بهذا الزهو والرقص والبهجة والحركة.
القرب الإنساني أوّلاً
اللقاء الأوّل الذي جمع المخرج الفرنسي بالنجمة الكويتية حصل منذ 3 سنوات. يعود بالذاكرة إلى ذلك اليوم الذي صوّرا خلاله إعلاناً لأحد العطور: «لفتَني لطفها وإنسانيّتها. فتحت قلبها بسهولة ومنحتني ثقتها في العمل معاً. أكثر ما يهمّني في علاقتي مع الفنانين هو هذا القرب الإنساني، كي نتمكّن من أن نحكي قصة من خلال كليباتهم».
انقضت السنوات الثلاث لتفاتح الفنانة فيرنييس برغبتها في تصوير إحدى أغانيها تحت إدارته. أرادت صورة مختلفة عمّا سبق أن قدّمت، صورة لا يتوقّعها الناس منها، فكان لها ما شاءت.

لا يُنكر فيرنييس أن العالم العربي زاخرٌ بالطاقات الإخراجيّة الممتازة، لكنه يفسّر استعانة الفنانين العرب بمخرجين أجانب بالقول: «إذا كان الفنانون العرب يقصدونني، فلأنهم يحبّون صورتي. هم يبحثون عن فَرقٍ ما، عن مقاربة ووجهة نظر مختلفتين. تماماً كما يفعل الفنانون الغربيون عندما يلجأون إلى مخرجين عرب».
تحطيم الحدود
رغم كونه فرنسياً وعدم إتقانه اللغة العربيّة، فإنّ فيرنييس لا يجد صعوبة في تجسيد معاني الأغاني العربية من خلال صورته. يدع الموسيقى تقوده إلى المعنى، أما عمَلياً فيطلب ترجمة للكلمات إلى الفرنسية أو الإنجليزيّة. لا يدع الحواجز الجغرافيّة أو اللغويّة تعترض طريقه، فهو يؤمن بكَونيّة المشاعر الإنسانيّة، وبأنّ «الطبيعة البشريّة، مهما اختلفت الثقافات، هي ذاتها». يوضح فيرنييس: «كلنا بشر ونتشابه في دواخلنا ومشاعرنا».

تنعكس هذه القناعة لدى فيرنييس كذلك من خلال أعماله المصوّرة، فهو اعتاد أن يختار وجهات بعيدة وجديدة للتصوير. لعلّ كليب «راجعالك» لكارول سماحة، الذي كان باكورة تعاونهما عام 2009 أكبر دليل على ذلك. سافر الفريق حينذاك إلى جزر المالديف حيث أطلّت سماحة في إطار متجدّد. يعلّق فيرنييس قائلاً: «أحبّ تحطيم الحدود الجغرافيّة، لذلك غالباً ما أقصد أماكن بعيدة لأصوّر فيها، ولأكتشف عوالم جديدة من خلال عدستي». يتابع المخرج المخضرم الذي بات في جعبته أكثر من 500 فيديو كليب: «المتعة الكبرى في الإخراج هي اختراق ثقافات متعدّدة والتعرّف إلى شخصيات مختلفة».
كارول... من فنانة إلى صديقة
من بين تلك الشخصيات الفنية التي تعاون معها فيرنييس، كارول سماحة هي أكثر من أسَرته وأثّرت فيه. يتحدّث عن لطفها وروحها المرحة، ويؤكّد أن العلاقة بينهما باتت أقرب إلى الصداقة منها إلى المهنة. يقول: «عندما نصوّر معاً لا نشعر بأننا نعمل، بل نتسلّى. خلفيّتها المسرحيّة وقدراتها التمثيليّة تسهّل المشاهد كثيراً. كما أنها لا تعترض على الجنون الفنّي الذي من الممكن أن يطرأ في إطار التصوير».

تكاد لا تمرّ سنة من دون أن يوقّع فيرنييس عملاً مصوّراً للفنانة اللبنانية: «ما بخاف»، و«أقول أنساك»، و«خلّيك بحالك»، و«وتعوّدت»، وغيرها الكثير من الأغاني. يتوقّف المخرج بالتحديد عند فيديو كليب «وحشاني بلادي» (2015) الذي عشقَ العمل عليه، وفق ما يروي، وغاص في عالم تلك الأغنية التي تحمل رسالة وقضيّة. أما عن أغنية «الشرق العظيم»، فيقول: «أظنّنا حطّمنا كل القواعد في هذا الكليب ولا شكّ في أنه أبرز ما صوّرتُ لكارول».
يؤكد فيرنييس أنه لا يفرض رأيه أو رؤيته إطلاقاً على الفنانين؛ «عندما يُقبلون على التعاون معي، يأتون محمّلين برغبة في التغيير. أما إذا فضّلوا البقاء ضمن الإطار الكلاسيكي، فلا أعترض ولا أمانع». لكن مهما تنوّعت الأساليب، فإنه يصرّ على البصمة الشرقيّة التي تعكسها عدسته، وعلى القيم الخاصة بالحضارة العربية.
5 أعمال مع سيلين ديون
عالمياً، تعاون فيرنييس مع أسماء كبيرة في عالم الأغنية مثل سيلين ديون، ولارا فابيان، وفلوران بانيي، وباتريك فيوري، وكيللي رولاند، وغيرهم الكثير. رغم تلك المروحة الواسعة والمتعددة الهويّات، فإنه لا يلمس أي فارق بين فنّاني الغرب والعالم العربي على المستوى الإنساني. يوضح الأمر قائلاً: «وحدَها النغمة تختلف وحكاية الأغنية. العلاقات البشريّة هي ذاتها، والجميع يتطلّع إلى الأحلام ذاتها. رغبتهم مشتركة في أن يعكسوا صورة جميلة من خلال أعمالهم... أكانت سيلين ديون أم لارا فابيان أم نوال الكويتيّة أم كارول سماحة».

لا شكّ في أن التعاون مع سيلين ديون من أهمّ محطّات فيرنييس المهنيّة. صوّر لها 5 أعمال، من بينها: Parler à mon père وS’il n’en restait qu’une. يصفها بالسيّدة العظيمة. إلا أنّ «تلك التجارب العالميّة لا تعني أنّ سواها من خبرات في العالم العربي أقلّ أهمية وقيمة»، هذا ما يؤكّده المخرج الفرنسي.
تعاون فيرنييس مع مئات الفنانين مُتفاوتي الانتشار والشهرة، «لكنّي في كل تلك التجارب أعطيت أفضل ما لديّ، بغضّ النظر عن اسم الفنان»، يقول المخرج.
بعد أكثر من 30 عاماً في المجال، ما زال يطمح للمزيد، ومن بين الفنانين العرب الذين يتمنّى أن يقفوا أمام عدسته، يذكر عمرو دياب وصابر الرباعي.
أما حالياً وبالتزامن مع تحضيره مشروعاً جديداً مع كاظم الساهر، يخصص فيرنييس جزءاً كبيراً من وقته لإعداد مسلسلين فرنسيين من المفترض أن يُبصرا النور قريباً.






