لا تزال الحرب اللبنانية تشكل هاجساً عند أجيال من اللبنانيين عاشوا مُرّها وذاقوا مرارتها، فتكلفتها البالغة عليهم لم تقتصر على ضحاياها، بل طالت أيضاً حالاتهم العاطفية والنفسية. ويأتي الوثائقي «اعترافات من الحرب» ليفتح من جديد جراحاً لم تلتئم بعد. وبشهادات يتضمنها الفيلم لعدد ممن شاركوا على الأرض، يحاول إيجاد السبل لختمها نهائياً، فيركز على المسامحة والتوبة وأهميتها لقلب صفحة حرب عبثية.
يستغرق الفيلم 45 دقيقة، وموضوع الحرب اللبنانية ينطبق على حروب أخرى. فمهما تعدّدت الأسباب تبقى نتيجة الحروب واحدة. وهو ما دفع المنتجين الثلاثة للفيلم لتصويره كي يكون بمثابة وسيلة توعوية.
فجميع من شاركوا بحرب لبنان حاربوا في سبيل قضية ومن أجل لبنان أفضل. لكنهم اكتشفوا بالنهاية، وكما يذكرون في الفيلم، أنهم دمروا بلدهم.

المنتجون الثلاثة للفيلم هم الأميركي جيروم غاري واللبنانيان ليون شهابيان ودنيز جبور. فيما تولى الإخراج شون تومسون ودافيد ماكيلوب منتجاً منفذاً. وقد اختير موعد عرضه في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تزامناً مع الذكرى الـ34 لآخر فصول النزاع في لبنان. ووجهت دعوة إلى أهل الإعلام لحضوره في صالات سينما «سيتي» وسط بيروت.
ومن مختلف أطراف النزاع في لبنان ومن أحزاب عدة، نستمع إلى شهادات كوليت طنوس، وزياد صعب، وربيع المغربي، وعلي أبو دهن وغيرهم. وعدّ هؤلاء في بيان مشترك أن مساهمتهم في الفيلم هي للإخبار عما حدث معهم. فيروون رحلتهم الشخصية في حرب امتدت من عام 1975 لغاية 1990.
وتقول المنتجة دنيز جبور في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «اعترافات من الحرب» هو فيلم وثائقي يعطي مساحة آمنة للتكلم عن الحرب. «فهي بقيت جراحها مفتوحة وعنوانها الكبير عفا الله عما مضى. وهو ما أنتج نهاية مبهمة لأن اللبنانيين لم يتصالحوا مع بعضهم. ولم يتوجه زعماء الحرب ولا بكلمة مواساة إلى أهالي الضحايا. وبقوا يكملون حياتهم بصورة طبيعية وكأن شيئاً لم يكن». وتتابع جبور في سياق حديثها: «كل هذه الجروح بقيت تنزف ولم تضمد وتعالج كما يجب. ومع شهادة هؤلاء المحاربين القدامى يحاولون توعية جيل جديد كي لا يلجأ إلى السلاح لحل مشاكله».

ولدت فكرة هذا الفيلم عام 2011 عندما كان المنتج جيروم غاري يصور فيلماً عن مجموعة شباب أميركان يقومون برحلة في منطقة الشرق الأوسط. وبعد مدة تصوير استغرقت نحو أسبوع في لبنان أبدى أحد المشاركين اللبنانيين فيه اهتمامه بالحرب الأهلية اللبنانية. ولفت لأنه لم يسبق أن تحدث أحدهم عنها، وأن ذلك هو بمثابة واجب لتجاوزها والتغلب على تداعياتها. فكانت هذه الفكرة بمثابة حافز لإنجاز هذا الفيلم لدى جيروم غاري: «حفزتني هذه الملاحظة لإنجاز الفيلم، ووجدت أن دعم مخرجين لبنانيين في تصوير فيلم وثائقي عن حرب لبنان ستكون فكرة جيدة. فلدى لبنان أمثولات يعلمنا إياها جميعاً فآثار الحرب كانت مدمرة على الجميع من دون استثناء».
وتوضح جبور لـ«الشرق الأوسط»: «أنا ممن ولدوا وعاشوا الحرب اللبنانية. لمَ أنتم يوماً إلى حزب أو عقيدة ورأيت الحلو والمر في هذه الحرب. وعندما علمت بفكرة الفيلم لم أتردد في الإسهام بإنتاجه لأنه يمثل خطوة نحو المصالحة».
تأثرت جبور بتجارب المقاتلين القدامى بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. وتشرح: «تأثرت بوجعهم وبحزنهم وكانوا لا يزالون مراهقين في عمر الـ14 عاماً عندما شاركوا فيها. ولذلك نحاول من خلال هذا الفيلم إيصال ثقافة السلام والحوار. فالمطلوب أن نتعلم المشاركة بغض النظر عن حرية إبداء آرائنا. وما ورد في الفيلم هو عبارة عن (هدية للبنان والعالم) كي يتعرفوا إلى بشاعة الحرب. بلدان كثيرة تعيش هاجس الحروب، وبعضها تحدث حالياً على أرضهم. فنسهم من خلال (اعترافات من الحرب) على ثني الأجيال عن الوقوع في الأخطاء نفسها مرة جديدة».
يتضمن الفيلم مشاهد وصوراً عن الحرب اللبنانية. ويتناول كذلك الصحافة المصورة والدور الذي لعبته خلالها. «سنرى في الفيلم تجارب إنسانية بحتة نتعلم منها الدروس. نحن لا نريد أن ندين أحداً بل نشارك في نقل تجارب شخصية في حرب لم تصل إلى أي مكان».
وعن كيفية اختيار أسماء أصحاب الشهادات من محاربين قدامى للمشاركة في الفيلم، تختم جبور: «بدأنا مع جمعية تعرف في لبنان بـ(المحاربون من أجل السلام). وتعنى بتفكيك ما أنتجه زمان الحرب على كل المستويات. انطلاقاً من منطق يؤكد أن نهاية الحرب لا تكون مع توقف إطلاق النار، ولكن حين تحل ثقافة السلام. ومعهم توسعت الخيارات والأسماء التي أسهمت في إكمال الفيلم وتنفيذه».



