مهى فتوني... غناءٌ بعد صمت وشهرةٌ بعد خجل

ديو مفاجأة مع أحمد سعد و«الصبر جميل» صارت «ترند»

حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)
حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)
TT

مهى فتوني... غناءٌ بعد صمت وشهرةٌ بعد خجل

حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)
حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)

في غرفةٍ مزدحمة بالخرائط والمساطر والحواسيب وسائر أدوات الهندسة، كانت تجلس مهى فتوني عندما انتصرت جرأتُها على مخاوفَ عمرها 22 سنة. حدث ذلك خلال جائحة كورونا والحجر المنزليّ. قررت أن تُخرج صوتها من القمقم وتشاركه مع الناس، أصدقاءَ كانوا أم غرباء، عبر منصة «تيك توك».

كل ما حصل بعد ذلك لم يُشبه ما سبقه في حياة الشابة اللبنانية. أحدثُ تلك التحوّلات تقديمُها استقالتها من وظيفتها كمهندسة داخليّة في الكويت، وإصدارها منذ أسابيع ديو مع الفنان المصري أحمد سعد كان بمثابة مفاجأة لمتابعيها.

«لم يخطّط أحد للأغنية»، تؤمن فتوني بأنّ الصُدفة غالباً ما تأتي بأفضل النتائج. في حديثها مع «الشرق الأوسط»، تكشف كواليس التسجيل. كان سعد في زيارة إلى ستوديو في القاهرة حيث كانت تسجّل إحدى أغانيها. هو على معرفة سابقة بصوتها ويتابعها على «تيك توك». تقول: «سجّلنا على سبيل التسلية. حتى فيديو الأغنية هو تصوير عفويّ ومن دون تعديلات». أثمرت هذه العفويّة مئات آلاف المشاهَدات، كما أنها جمعت فتوني بفنانٍ لطالما ردّدت أغانيه وأعادت تسجيلها بصوتها.

المغنية اللبنانية مهى فتوني والفنان المصري أحمد سعد (صور فتوني)

تمرين عبر التلفزيون

كانت فتوني مُقدّرةً للدرس، وللدرس فحسب. هي الآتية من عائلة تؤمن بالعلم ومن أبوين مدرّسَين، لم يكن الفنّ احتمالاً وارداً بالنسبة إليها. ومع أنهما ربّياها على الطرب وصوت فيروز، هي لم تسمع يوماً أحداً يقول لها: «صوتك حلو». لم تقف على خشبة مسرح المدرسة لتغنّي في حفلة نهاية السنة؛ «خانتني الجرأة، وخجلي كان أقوى». احتفظت بصوتها لنفسها، لكنها صقلته سراً، على طريقتها؛ «كنت أتابع برنامج ستار أكاديمي وأتدرّب عبر شاشة التلفزيون برفقة الأستاذة التي كانت تعلّم الطلّاب».

الفتاة التي لم يؤمن أحد بموهبتها كبرت اليوم لتتشارك المسارح مع «نجوم الصف الأول»، ولتحصد أغانيها ملايين الاستماعات. لكنّ ذلك لم يكن ليتحقق، لولا لحظة الجرأة تلك التي قلبت حياتها رأساً على عقب عام 2020. جمعت كل ما في حنجرتها من شغف بالموسيقى، وجلست أمام عدسة «تيك توك» مغنّيةً «ذكريات كدّابة» للفنان المصري تامر عاشور. خلال أيام، كان الفيديو قد جمع أكثر من 50 ألف مشاهَدة.

حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)

«الصبر جميل»

الأغنية جرّت وراءها أغنيات، والمئات صارت ملايين. أدركت فتوني حينها أنّ جدران الغرفة الصغيرة التي سجنت صوتها بينها، تحطّمت إلى الأبد. والفتاة الصارمة والجادّة التي لم يتوقّع لها أحدٌ بأن تطأ مجال الفن، انتشر صوتها بسرعة في العالم العربيّ.

تفسّر ثورتها الصغيرة تلك بالقول إنها لطالما وُضعت في مقارنة مع أشقّائها، بينما لم تكن ميّالةً إلى الدرس مثلهم؛ «أردت أن يكون لديّ ما يميّزني عن محيطي. في البداية لم يأخذني أهلي على محمل الجدّ، لكنهم اليوم في طليعة الداعمين».

تسجّل مهى فتوني حالياً مجموعة من الأغاني الخاصة، كما تستعدّ لإحياء حفل في جدّة بعد أيام. إلا أنها حتى الآن، لا تحب أن يُطلق عليها لقب «فنانة». تفسّر هذا التمنّع بالقول: «صحيح أن أغنيتي (الصبر جميل) حقّقت 100 مليون استماع على (يوتيوب) وتحوّلت إلى ترند، صحيح كذلك أنني غنّيت أمام 10 آلاف شخص في جدّة إلى جانب النجمَين رامي صبري ورامي جمال، لكن بالنسبة لي فأنا أبدأ للتوّ. قد ينجح الأمر وقد لا ينجح».

بكثير من العقلانيّة، تتعامل فتوني مع الشهرة المستجدّة والأرقام الخياليّة. تعلّق: «هذا زمن فيه فنانو (سوشيال ميديا) وفنانو صف أول. الشاطر هو الذي سيستطيع أن يخرج من (السوشيال ميديا) ويسلك الطريق الذي يؤدّي به إلى الصف الأول».

حفل فتوني الأول في مسيرتها كان في جدّة أمام 10 آلاف متفرّج (إنستغرام)

لا تنكر أن منصّة «تيك توك» سرّعت في انتشارها ومنحتها الأرضيّة للانطلاقة، لكنها لن ترضى أبداً بلقب «فنانة تيك توك». تقول إنّ انتقالها من عالم «السوشيال ميديا» إلى العالم الواقعيّ بدأ للتوّ، وهو يتكرّس بتفاعل الناس مع أغانيها الخاصة وبخروجها من شرنقة إعادة الأغاني المعروفة. وقد يكون الأهمّ من ذلك كله، الخروج من الشاشة الافتراضيّة إلى فضاء المسرح الحقيقيّ.

مصريّة الهوى

في رصيد مهى فتوني بعض الأغاني الخاصة التي تميّزت من بينها «الصبر جميل»، مشكّلةً نقطة تَحوّل. عن سابقِ شغفٍ وتأثّر بكل ما هو مصري، اعتمدت اللهجة. ومَن لا يعرفها، يظنّها مصريّة عندما تغنّي. حتى أحمد سعد قال لها: «مبيّنة مننا».

في وقتٍ يتعثّر فنانون معروفون في إقناع الجمهور المصريّ، اخترقت فتوني القلوب بسهولة. مردّ ذلك برأيها أنها منغمسة منذ الصغر في فن بلاد النيل، وهي تتماهى مع الأغنية المصريّة. تذكر من بين الفنانين الذين أثّروا بها وطبعوا صوتها، شيرين وأنغام وتامر عاشور.

تلبّي نداءً في داخلها يشدّها صوب القاهرة: «أحتاج إلى زيارتها كل فترة، وفي استوديوهاتها أسجّل أغانيّ». لكنّ هذا التفرّغ للأعمال المصريّة لا يعني أنّ فتوني لن تغنّي بلهجة بلدها لاحقاً. ومهما اختلفت اللهجات، يبقى الأساس بالنسبة إليها تقديم محتوى موسيقي راقٍ، و«أن تلمس الأغنية الروح وألّا يكون كلامها ركيكاً».

من يسمع أداء فتوني الغنائي يظنّها مصريّة لشدّة تأثّرها بالموسيقى المصرية (صور الفنانة)

إلى جانب اللهجة المصريّة، يطبع الحزن أغاني مهى فتوني وصوتها. لا يزعجها أن يرتبط اسمها بالأغاني الحزينة: «فنانون كثُر أمضوا أولى سنوات مسيرتهم في غناء اللون الحزين، وانتقلوا لاحقاً إلى أنواع موسيقية أخرى. ثم إن هويّة صوتي تميل إلى الكلام الحزين وإيقاع المقسوم».

من الواضح أن المغنّية الشابّة تبني لنفسها هويّةً كما لو أنها ترسم مخططاً هندسياً. أما مقوّمات تلك الهويّة فهي الحفاظ على بصمة صوتيّة خاصة، وعلى هندام بسيط ومحتشم. تأتي الجرأة لتكمّل ذلك، فعندما تُسأل فتوني عن أهمّ إنجازاتها حتى الآن تجيب: «يكفي أنني خرجت من ثوب مهى القديم... ثوب الخجل».


مقالات ذات صلة

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

يوميات الشرق عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)

أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

حظي الحفل بتعليقات متنوّعة أشادت بأداء أنغام وإحساسها في الغناء...

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)

«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

عادت الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للواجهة، بسبب صورة مزيفة، وتصدرت «التريند»، على موقع «إكس»، الخميس، في مصر.

داليا ماهر (القاهرة)

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله، إذ توفي في 30 مارس (آذار)، 1977، بعد حياة فنية حافلة، ومعاناة طويلة مع المرض.

وانتقدت أسرة عبد الحليم حافظ، في بيان نشرته على حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك»، الجمعة، «الطبيب الذي ظهر في فيديو مصور وأساء للعندليب وأعماله الفنية»، مؤكدة أن «إساءته غير مبررة، والرد عليها سيكون بالقانون، وأن الفيديو تمت صناعته من أجل جذب المشاهدات، وتصدر (الترند)».

وقال الطبيب، ويدعى ضياء العوضي، في الفيديو، «إن عبد الحليم حافظ أفسد أجيالاً بسبب أغنياته الرومانسية، مستنكراً حزن البعض عليه وقت رحيله، كما ذكر بعض الأمور زعم أنها من حياة عبد الحليم الخاصة على الملأ».

وأشادت الأسرة في بيانها بجمهور «العندليب الأسمر»، وكيف تصدوا له عبر تعليقات «سوشيالية»، واستنكروا ما يردده، لافتة إلى «أن المستشار ياسر قنطوش محامي العائلة، بدأ في اتخاذ إجراءات قانونية بالفعل، ومقاضاة الطبيب».

وأكَّدت الأسرة، في بيان آخر أن «جهات رسمية بدول عدة تداوم على الاحتفاء بالفنان المصري الراحل، من خلال إقامة حفلات غنائية، والحرص على عرض مقتنياته، والاهتمام باسمه الفني، لمعرفتهم الجيدة بقيمة فنه وقوته الناعمة، وتأثيره على وجدان الشعوب، إلى جانب حرص جمهوره من كل دول العالم على زيارة منزله ومقبرته بشكل خاص».

«العندليب الأسمر» تحل ذكراه خلال أيام (فيسبوك)

ويؤكِّد الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن الإساءة للفنان الراحل عبد الحليم حافظ بأي شكل من الأشكال غير مقبولة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فناناً كبيراً بحجم وموهبة وأهمية عبد الحليم حافظ، أكبر من أي تشويه، بل يستحق الثناء والإشادة، بعد سيرة كبيرة ومهمة وحافلة».

وتساءل شوقي: «هل يصح في الوقت الذي يهتم باسمه الناس في كل أنحاء العالم ويحرصون على الاحتفاء به في كل مناسبة، أن نجد هذه الإساءة؟».

ولفت شوقي إلى أن «عبد الحليم حافظ ليس الفنان الأول ولن يكون الأخير، فهناك فئات حريصة على الإساءة للرموز الفنية بين الحين والآخر، إذ تعرض نخبة منهم لمغالطات، وأخبار كاذبة وتشويه متعمد، لكنهم برغم ذلك ما زالوا في قلوب وعقول محبيهم، ولن يستطيع أحد هز عرشهم الفني».

ونوَّه بأن الجمهور له دور كبير مع الأسرة، والجهات المعنية في التصدي للإساءة، والتعبير بأكثر من طريقة عن رفضه لما يدور من خلال التفاعل السريع على «السوشيال ميديا»، «من أجل الحفاظ على تاريخنا الفني، وتراثنا من العبث والاستباحة من معدومي الموهبة والفن والثقافة»، حسب تعبيره.

وقبل أزمة إساءة الطبيب، تعرَّض اسم الفنان عبد الحليم حافظ لإساءات متكررة خلال الآونة الأخيرة، إذ أكَّدت الأسرة تصديها لما يحدث بشكل قانوني، مثل أزمة «العندليب الأبيض»، وانتهاك «حقوق الملكية الفكرية» لاسمه وصورته من قبل إحدى الشركات الفنية، وكذلك أزمة «الخطاب» الذي نشرته الأسرة على موقع «فيسبوك»، ويشير إلى عدم زواج «العندليب»، من «السندريلا»، سعاد حسني، وشائعة بيع منزله لثري مصري، وغير ذلك.

وفنياً، قدَّم عبد الحليم حافظ والملقب بـ«العندليب الأسمر»، خلال مشواره حفلات، وأغنيات كثيرة، من بينها «على قد الشوق»، و«توبة»، و«موعود»، و«رسالة من تحت الماء»، و«قارئة الفنجان»، و«جانا الهوى»، و«صورة»، و«عدى النهار»، و«أحلف بسماها»، إلى جانب أفلام سينمائية غنائية، من بينها، «معبودة الجماهير»، و«لحن الوفاء»، مع شادية، و«الوسادة الخالية»، مع لبنى عبد العزيز، و«شارع الحب»، مع صباح، و«أبي فوق الشجرة»، و«الخطايا»، مع نادية لطفي، و«أيامنا الحلوة،» مع فاتن حمامة، و«يوم من عمري» مع زبيدة ثروت.


أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.


لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
TT

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

وكشفت الدراسة عن أنماط معقّدة من الحرارة والجسيمات المشحونة كهربائياً في الشفق القطبي لزحل، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سبيس فيزيكس».

ولطالما حيَّر زحل العلماء، خصوصاً بعد قياسات أجرتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة «ناسا» عام 2004، والتي أشارت إلى أنّ معدل دوران الكوكب يتغيَّر مع الوقت، وهو أمر غير منطقي علمياً؛ إذ لا يمكن لكوكب أن يُسرّع دورانه أو يُبطئه بهذه الطريقة.

وعام 2021، توصَّل فريق بقيادة عالم الفلك توم ستالارد من جامعة ليستر البريطانية إلى أنّ التغيُّر الظاهري لا يتعلّق بدوران زحل نفسه، بل ينتج عن رياح في غلافه الجوّي العلوي تولّد تيارات كهربائية تعطي إشارات مضلّلة في الشفق القطبي. لكن السؤال الأهم بقي: ما الذي يُسبِّب هذه الرياح أصلاً؟

وخلال الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل بشكل متواصل خلال يوم كامل على الكوكب. ومن خلال تحليل الإشعاع تحت الأحمر الصادر عن جزيء يُعرف باسم «ثلاثي الهيدروجين الموجب»، والذي يعمل مقياساً طبيعياً لدرجة الحرارة، تمكَّن الفريق من إنتاج أول خرائط عالية الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة، تميَّزت هذه القياسات بدقة غير مسبوقة؛ إذ كانت أكثر دقة بـ10 مرات من القياسات السابقة، ممّا سمح برصد تفاصيل دقيقة لعمليات التسخين والتبريد في الغلاف الجوّي.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط الحرارة والكثافة تتطابق بشكل كبير مع توقّعات النماذج الحاسوبية القديمة، ولكن بشرط أن يكون مصدر الحرارة في المناطق نفسها التي يدخل منها الشفق القطبي إلى الغلاف الجوّي.

«مضخّة حرارية كوكبية»

ويعني ذلك، وفق الفريق، أنّ الشفق القطبي في زحل ليس مجرّد عرض ضوئي جميل، فهو يلعب دوراً نشطاً في تسخين الغلاف الجوّي في مناطق محدّدة، وهذا التسخين يولّد رياحاً، وهذه الرياح بدورها تنتج تيارات كهربائية تغذي الشفق القطبي مجدّداً، لتنشأ حلقة مستمرة ذاتية التغذية.

ووصف الفريق هذه الظاهرة بأنها «مضخّة حرارية كوكبية»؛ إذ يُسخّن الشفق الغلاف الجوّي، فتتولد الرياح، ثم تنتج هذه الرياح تيارات كهربائية تعزّز الشفق مرة أخرى.

وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما يحدث في الغلاف الجوي لزحل يؤثّر مباشرة في غلافه المغناطيسي، وهي المنطقة الواسعة من الفضاء التي يهيمن عليها المجال المغناطيسي للكوكب، والتي تعيد بدورها ضخّ الطاقة إلى الغلاف الجوّي، وقد يساعد هذا التفاعل المتبادل في تفسير استقرار هذه الظاهرة واستمرارها لمدّة طويلة.

ويؤكد الفريق أنّ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات بين الغلاف الجوّي والمجالات المغناطيسية في الكواكب الأخرى، وربما يكشف عن ظواهر مماثلة في عوالم بعيدة داخل وخارج نظامنا الشمسي.