«أيام الموسيقى العربية» من برلين: التباعُد مهزوماً بالقوة العاطفية للنغم

الفن توق إلى المعرفة والجمال والنور

أنغام العود صدحت لتعانق النغم المتصاعد من الساكسفون والآلات الموسيقية الوترية (بيتر أداميك)
أنغام العود صدحت لتعانق النغم المتصاعد من الساكسفون والآلات الموسيقية الوترية (بيتر أداميك)
TT

«أيام الموسيقى العربية» من برلين: التباعُد مهزوماً بالقوة العاطفية للنغم

أنغام العود صدحت لتعانق النغم المتصاعد من الساكسفون والآلات الموسيقية الوترية (بيتر أداميك)
أنغام العود صدحت لتعانق النغم المتصاعد من الساكسفون والآلات الموسيقية الوترية (بيتر أداميك)

بين 13 و17 سبتمبر (أيلول) الحالي، استضافت برلين النسخة السابعة من «أيام الموسيقى العربية» واحتفت بقائد الأوركسترا العالمي دانيال بارنبويم. لخمسة أيام، صدح جمال النغم العربي في أرجاء «بيار بوليز»، قاعة الموسيقى الشهيرة في العاصمة الألمانية، من تصميم المهندس المعماري فرانك جيري.

ذلك غايته تعزيز الحضور العربي في الأصقاع، ما يفسّر كلام مؤسِّسة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، المؤسِّسة والمديرة الفنية لـ«مهرجان أبوظبي»، هدى إبراهيم الخميس؛ عن «عراقة التقاليد الموسيقية وأصالة الثقافة العربية المعاصرة في تعبيرها الخلّاق عن الهوية». فالحدث المُقام ضمن فعاليات «مهرجان أبوظبي في الخارج»، بالشراكة مع «أكاديمية بارنبويم – سعيد»، يعزّز حوار الثقافات والتواصل الإنساني عبر الفن.

احتفال «أيام الموسيقى العربية» بالمايسترو بارنبويم ومَنْحه وسام فريدريك الثاني من الجمعية الألمانية العربية تقديراً لعمر كرّسه لقيم التلاقي ونداء السلام، يحاكي رسالة الخميس في اللَّم وتقريب المسافة. بالنسبة إليها، منطلق الرسالة التمسّك بـ«إيماننا العميق بالتنوّع والتعايش، وهي قيم رسّختها الإمارات في مجتمعها المتعدّد». حديثها لـ«الشرق الأوسط» يُعلي شأن الفنون بكونها «الأداة الأكثر قرباً إلى القلب»، فتقول: «الموسيقى تُقرّب وتُوحّد، تُحرّك المشاعر وتسكن الوجدان، وتفتح أبواباً للحوار. الفنون توقٌ للمعرفة والرقي والجمال والنور. هي اللغة التي يفهمها العالم ويلتقي حولها».

«أيام الموسيقى العربية» شاءت الاحتفاء بالعود وموقعه في الثقافة المعاصرة (بيتر أداميك)

تتحدّث عن «الالتزام بالعمل على النهضة العربية عبر إنتاج روائع التراث الموسيقي العربي العريق». فتعمُّد تقديم خيارات عربية راقية ضمن المهرجان، هو «لأجل أن تبقى بصمتنا الحضارية متفرّدة ومتجدّدة للتاريخ والإنسانية».

ملأت نغمات أبرز العازفين من بيت العود العربي الأرجاء. فـ«أيام الموسيقى العربية» شاءت الاحتفاء بالعود وموقعه في الثقافة المعاصرة. أنغام هذه الآلة، بأنواعها، صدحت لتعانق النغم المتصاعد من الساكسفون والآلات الموسيقية الوترية. من خلال أحمد شمة وإسلام طه، وثلاثي بيت العود في القاهرة بقيادة شيرين تهامي، وثلاثي بيت العود في أبوظبي، ونهاد السيد؛ بلغت الحفلات مرتبة الأناقة.

تُرِك الختام لقيادة معلّم العود العراقي نصير شمة فرقَ أوركسترا العود وعازفين من بيوت العود في القاهرة وأبوظبي؛ التي أنشأها لتكون مراكز تعليمية تُضيء على الفنون البصرية والأفلام والأدب والحرف والشعر، وتعكس الرؤى حول الثقافة العربية المعاصرة. وتضمّن الحدث ورشة عمل ومعرضاً، فتَشَارك صانعو الآلات الموسيقية أفكارهم حول هذه الحرفة؛ إلى عرض أفلام وإطلالة شعراء عرب، من بينهم فوزية أبو خالد من السعودية ولوركا سبيتي من لبنان.

الشاعرة اللبنانية لوركا سبيتي تُمسرح القصيدة في برلين (بيتر أداميك)

استثمار بارنبويم في الشباب والتعليم، دفعه لتأسيس فرقة أوركسترا الديوان الغربي والشرقي. يُخبر «الشرق الأوسط» عن آماله منذ افتتاح قاعة «بيار بوليز» عام 2017، بأن تصبح «موطناً أوروبياً لموسيقى العالم الناطق بالعربية ومنصّة لتنوّع الفنون وثراء الثقافة العربية المعاصرة».

7 سنوات مرَّت على ولادة «أيام الموسيقى العربية» والتعاون مع نصير شمة، فيقول بارنبويم: «لا يشكل هذا الحدث جزءاً مهماً من الهوية الفنية للقاعة فحسب، بل هو مثال للتأثير الإنساني الذي يمكن أن تُحدثه الموسيقى في البشر. ننسى غالباً القوة العاطفية الهائلة للموسيقى. يمكنها أن تتغلّب على الانقسام والكراهية وتكون أقوى من الخلافات».

لا بدّ من سؤال الشاعرة السعودية فوزية أبو خالد عن استطاعة الشعر عبور الخرائط والوصول إلى الثقافات الأخرى. فتجيب: «يستطيع ذلك بجناحين: جناح الخيال الجامح والرؤية وحرية التعبير والجرأة الخلّاقة في العلاقة بين شكل الشعر ومضمونه وبين إيقاع القلب وإيقاع القصيدة. وأيضاً جناح الترجمة الإبداعية القادرة على استيعاب الثقافتين؛ التي يُنقل منها والتي يُنقل إليها». تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحضور في هذه المشاركات الثقافية هو نتيجة جهود أدبية خلّاقة أتاحت للمثقفين السعوديين مكاناً على المسرح العالمي في الشعر والنثر والفكر بعد ثلث قرن وأكثر من الصعوبة، حيث لم يكن اجتراح ذلك سهلاً كما الحال الآن. كثيراً ما كان التقدّم الثقافي للمنصة العالمية، بل العربية، يعتمد على اختراقات فردية شجاعة. من الناحية الأخرى تثمّن هذه الدعوة وجود منتج ثقافي يخرج من أعماق المجتمع السعودي، فيمدّ جسور التواصل الإبداعي مع أطياف الأرض الثقافية، ويتيح المساواة على هذا المستوى بين الرجل والمرأة».

حضورها تمثيلٌ لريادة قصيدة النثر الباكرة في السعودية والخليج، بما يزيد على 12 ديواناً أطلق شرارتها «إلى متى يختطفونكِ ليلة العرس» الصادر في منتصف السبعينات. وهي تقاسمت بهجة هذه المشاركة مع موسيقيين وشعراء، منهم لينا الطيبي، والموسيقية سلمى مختار، والعازفة عزة مندولين، والعازفان إسلام طه ومايكل أنسي، بمشاركة الإماراتية عزة القبيسي بمعرض النحت التشكيلي لأدوات الأوركسترا العربية.

تلقت لوركا سبيتي رسالة من نصير شمة عبر «فيسبوك» تتضمّن الدعوة إلى برلين. هي أمسيتها الأولى في أوروبا، فتُشارك «الشرق الأوسط» انطباعها: «المسرح ضخم ومستدير، ناسه يتقنون الإصغاء. طلبوا منّي القصائد التي سألقيها في 3 أمسيات ضمن المهرجان، لترجمتها وإرفاقها بكُتيّب يسهّل على الحضور الفهم. كنتُ نفسي، أتحرّك وأُمسرِح الشعر. ألمان لم يفهموا قصائد أضفتُها إلى المُترجَم، وصل إليهم إحساسي. اللغة أداة. الروح حلاوة الإنسانية».


مقالات ذات صلة

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

يوميات الشرق ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق بطلة فيلم «هجرة» السعودي تتسلم جوائزه (مهرجان مالمو)

فيلمان من السعودية ومصر يتقاسمان جوائز «مالمو للسينما العربية»

تقاسم الفيلمان المصري «كولونيا» والسعودي «هجرة» صدارة جوائز الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، بعدما حصدا 5 جوائز في حفل الختام.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من حكاية تقليدية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.