الاسم الفني لجوزيف عبود هو زاف؛ يشعر بأنه أشدّ اختزالاً لخصوصيته الموسيقية. قبل أيام، جمع أصدقاءه في فندق بيروتي للاحتفاء بإطلاق ألبومه «أول كلمة». اكتظّ الشارع القريب من بدارو والمتحف بمَن حضروا لمقاسمة الفنان الشاب لحظاته والتقاط الصور. يُشارك «الشرق الأوسط» ولادة ألبوم من 5 أغنيات تملك إمكان التأثير. وهو تأثير مُستمدّ من بساطتها وتعمُّدها اللاافتعال. بمثابة المحكي في اليوميات، يصبح هذا الغناء المُجمَّل بالعفوية.
ذلك الخجول في الصغر، وجد ملاذه في الموسيقى: «من خلالها، أدركتُ أنّ التعبير ممكن من دون كلام. رحتُ أغنّي وأرسم وأحفر على الصابون. شعرتُ بأنّ الفن هو الجدوى».
ولأنّ صداقة جمعت جدّه بصباح فخري، عبَقَ المنزل بجوّ الطرب. نشأ زاف وهو يسمع الموسيقى، وحين كبر تخصَّص بما يمتّ للفن. المرة الأولى التي جنى فيها المال من العزف على الغيتار، صديق مشاويره، كانت في جبيل. هو من تلك المدينة المتّكئة على البحر، بجانب القلعة القديمة. بينما يتسكع، افترش الرصيف وراح يعزف. مرَّ عابر، ورمى العملة. وراح المال يزيد، فقدّمه إلى أمه. استجوبته: «من أين لك هذا؟»، فأخبرها. بلهجة المراهق بـ«الراتب» كثّفت الرغبة في الاتكال على النفس.
بهذه الصدفة، انطلق. اليوم يقول: «الموسيقى أولويتي. هي مساري وخريطة طريقي». يعلم أنّ الفنّ الذي يقدّمه لا يزال جديداً في العالم العربي. فهو ممن يحفرون هوية فنية، تماماً كما حفر مشاعره على الصابون. تنقّله بين الأنماط؛ بوب وروك وميتال، صبغ التجارب بثراء خاص. واللافت في فن زاف هي البساطة. كلمات أغنياته من المُتداوَل على الألسن، فيسعده القول إنها لا تتطلّب قاموساً لتفسيرها. رغم سهولتها الظاهرة، فإنّ ولادتها جاءت عسيرة: «الكلام السهل صعب. والأصعب هو أن يصل. الموضوع واحد، لكنّ النظرة إليه تختلف. أشعر بنجاح الأغنية حين يقرأها كلٌ من وُجهته. الفن شاسع، وأحياناً شخصي. حين تصل الكلمات إلى الجميع، على طريقتها، فهذه هي النتيجة المنشودة».
قبل عامين، رنَّ زاف لشريكة قلبه الفنانة ستيفاني عطا الله بواسطة الفيديو. هي في اليونان، وهو في الاستوديو. مرَّت ساعات قبل أن تراوده كلمات «أول كلمة». اتصل يدندنها، فأدمعتْ. شجّعته لاستكمال المشروع، وقبل أيام، في بيروت، شاركته فرحة إطلاقه.
بدأت القصة من اللقاءات والوداعات في المطار، فيُخبر: «تسافر باستمرار لضرورات عملها، ولا أجد أبلغ من كلمة (بحبك) لإعلان المستور في القلب. من هنا، انطلقتُ. (بحبك أول كلمة ببلش فيها/ وبحبك آخر كلمة بختم فيها/ وكل الكلام الباقي تيعبّي موسيقى)». الفن عند زاف تخمُّر تجارب. حين أطلق أغنية «البكلة»، لم يخطر لكثيرين أن يغنّي فنان لتلك المجموعة من الخيطان التي تعانق شَعر امرأة. زاف وستيف، كما يسمّيها، يصنعان فناً مما لا يتردّد دائماً على البال. تُلهمه كتابة الأفكار وغناءها، وتطلّ معه لإضافة لمسة الأنوثة والموهبة والحُسن.
بالنسبة إلى زاف، تحدث الأشياء بتلقائية: «ما أشعر به ويعيشه مَن حولي، يشكلان موضوع أغنياتي. آخذ الفكرة وأصقل قالبها الفني. لأيام وليالٍ، أنتظر بلوغ لحظة مفادها (ها هي! وأخيراً وجدتها!). هنا فقط أستريح. ستيف محرّكة خيالاتي والمرأة المُلهمة. ما يراه الآخرون على مواقع التواصل هو جزء صغير من علاقتنا الكبرى. هي رفيقة الطريق واتكاؤنا الجميل أحدنا على الآخر».
بالحديث عن الطرق، يخطر سؤال: هل الخيارات الفنية القائمة على مزاج كلمات وموسيقى لا يشبه السائد والمُكرَّر، قرار؟ يردّ: «ليست المسألة تعمُّداً أو قراراً بقدر كونها إحساساً وهوية. ما يخرج مني هو ما يتداخل بي، لا ما أدفعه إلى الخروج. لا أحبّذ تصميم الأشياء من أجل إنجاحها. النجاح يتحقق بخياراتي المبنية على القناعة».
يدرك أنّ الطريق تطول، وإثبات النفس لا يحصل في يوم وليلة. هو مراحل. زاف يراكم، حتى بلوغ الحصاد. فيديوهات حذفها وأعاد تصويرها لإحساسه بأنها لن تنجح. يتوقف عند «تصحيح الأخطاء»: «بذلك أتقدّم نحو الأفضل. لا أعتقد أنّ ما أفعله هو الجيد من المرة الأولى. أبذل جهداً أكبر للوصول أبعد. عدم الاكتفاء بمسودات الأغنيات يجعلها أشدّ قدرة على نيل الإعجاب حين تنضج».
بشَعر مستعار باللون الأشقر، تطلّ ستيفاني عطا الله في كليب زاف، بدور مذيعة أخبار. العمل من توقيع إيلي فهد، الباحث عن أفكار متجدّدة. إنها «نهاية العالم» والمذيعة تنعى كلمة «بحبك» بعد حذفها من القواميس. فالبشر آلات، أشباه جثث، بقايا روح؛ لا يكترثون لاستعمالها. انقراضها، يحمّل زاف حاجة إلى إعادة توليدها. الأغنية دافئة، تُغلّب الحميمية على البرودة والعناق على الفراق.
بدأت علاقة زاف بإيلي فهد من «لايك» و«كومنت» على مواقع التواصل. ولما أراد مُخرجاً يطرح فكرة فريدة، اتصل. «توافقنا منذ اللقاء الأول، وشيء من السحر سهَّل التواصل». قدَّم مشهدية الخوف من المجهول مع آلية دفاعية قوامها الحب. فالأغنية التي كتبها زاف بمشاركة أنطوني خوري، تحوّلت جمالاً قد يُلمس. الجمال البسيط المُرهَف.