لوسي ليتبي... من امرأة عادية لقاتلة أطفال هزت بريطانيا

لحظة القبض على لوسي ليتبي يوم الخميس الماضي في مانشستر (أ.ف.ب)
لحظة القبض على لوسي ليتبي يوم الخميس الماضي في مانشستر (أ.ف.ب)
TT

لوسي ليتبي... من امرأة عادية لقاتلة أطفال هزت بريطانيا

لحظة القبض على لوسي ليتبي يوم الخميس الماضي في مانشستر (أ.ف.ب)
لحظة القبض على لوسي ليتبي يوم الخميس الماضي في مانشستر (أ.ف.ب)

احتلَّت أخبار قضية الممرضة القاتلة لوسي ليتبي التي أُدينت أمس بقتل 7 أطفال حديثي الولادة والشروع في قتل المزيد، الصفحات الأولى للصحف البريطانية بمختلف اتجاهاتها، كما كانت العنوان الرئيسي في كل نشرات الأخبار على التلفزيون. وتوالت المعلومات حول جرائم ليتبي في حق أطفال خدج بوحدة حديثي الولادة في مستشفى كونتيس تشيستر، مع تفاصيل مرعبة عن عمليات القتل، وشهادات من أطباء تقدموا مراراً لإدارة المستشفى بشكوكهم حول الممرضة ليتبي، غير أن الإدارة لم تستمع لهم وأمرتهم بالاعتذار للممرضة.

وفي حديث لموقع «بي بي سي»، قال المستشار الرئيسي للوحدة الدكتور ستيفن بريي إنه باح بمخاوفه بشأن ليتبي في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 غير أن إدارة المستشفى لم تتخذ أي إجراء حيال ليتبي التي استمرت في مهاجمة 5 أطفال آخرين، مما أسفر عن مقتل اثنين.

بداية جرائم ليتبي

قبل يونيو (حزيران) 2015، كان هناك نحو حالتين أو 3 وفيات للأطفال سنوياً في وحدة حديثي الولادة في مستشفى كونتيسة تشيستر. لكن في صيف 2015، حدث شيء غير عادي. في شهر يونيو (حزيران) وحده، توفي 3 أطفال في غضون أسبوعين. كانت الوفيات غير متوقَّعة، لذلك دعا الدكتور ستيفن بري، المستشار الرئيسي في وحدة الأطفال حديثي الولادة، إلى اجتماع مع مدير الوحدة ومديرة التمريض بالمستشفى. يقول الدكتور بريي لـ«بي بي سي»: «لقد حاولنا أن نكون دقيقين قدر الإمكان». كشف تحليل الموظفين أن لوسي ليتبي كانت في الخدمة لجميع الوفيات الثلاث؛ يقول: «أعتقد أنني أستطيع أن أتذكر أنني قلت: «أوه... لا، لا يمكن أن تكون لوسي اللطيفة».

لكن بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2015، تغيرت الأمور. مات طفلان آخران وكانت ليتبي في نوبة عمل لكليهما. عند هذه النقطة، شعر الدكتور بري بالقلق من أن ليتبي قد تؤذي الأطفال. اتصل مرة أخرى بمديرة الوحدة، ولكنها لم تشاركه مخاوفه، وأرجعت العلاقة بين وجود لوسي والوفيات إلى «الصدفة».

دفتر مذكرات الممرضة القاتلة لوسي ليتبي (أ.ف.ب)

ولكن الدكتور بري لم يتوقف عن محاولاته؛ ففي الشهر ذاته (أكتوبر 2015) نقل مخاوفه بشأن ليتبي إلى مديرة التمريض أليسون كيلي، لكنه لم يسمع أي رد. ولم يكن بري الوحيد، فقد كان زملاؤه من الاستشاريين قلقين أيضاً بشأن ليتبي، وليس فقط بسبب الوفيات غير المتوقَّعة، فقد كانت هناك حالات مريبة، حيث كان أطفال آخرون يعانون من انهيارات غير مميتة، مما يعني أنهم بحاجة إلى الإنعاش الطارئ أو المساعدة في التنفُّس، دون أي تفسير سريري واضح، وكانت ليتبي في الخدمة في كل هذه الحالات.

في فبراير (شباط) 2016، قال استشاري آخر، الدكتور رافي جيارام، إنه رأى ليتبي واقفة تراقب أحد الأطفال وقد توقف عن التنفس، وقتها اتصل الدكتور بري بأليسون كيلي والمدير الطبي للمستشفى إيان هارفي لطلب اجتماع عاجل. في أوائل شهر مارس (آذار)، كتب أيضاً إلى إيريان باول: «ما زلنا بحاجة إلى التحدث عن لوسي».

بعد 3 أشهر ووفاة طفلين آخرين، نجح الدكتور بري في الاجتماع مع كبار المديرين. قال لـ«بي بي سي»: «لم يكن هاك شك بشأن مخاوفي أثناء ذلك الاجتماع، لكن كان هناك آخرون في حالة إنكار». قال الدكتور بري إن المديرين استمعوا بشكل سلبي له وهو يشرح مخاوفه بشأن ليتبي، لكن سُمح لها بمواصلة العمل.

بحلول أوائل يونيو 2016، انهار طفل آخر. بعد ذلك، في نهاية الشهر، توفي اثنان من 3 توائم مبتسرين بشكل غير متوقَّع في غضون 24 ساعة من بعضهم. كانت ليتبي في نوبة عمل في كل مرة. بعد وفاة الطفل الثالث، حضر الدكتور بري اجتماعاً للموظفين المصابين بصدمة يذكر لـ«بي بي سي» أنه بينما بدا أن الآخرين «ينهارون أمام عينيك تقريباً»، تجاهلت ليتبي تعليقه بأنها يجب أن تكون متعبة أو مستاءة، وقالت له: «لا... سأعود إلى الوردية غداً». يقول: «كانت سعيدة للغاية وواثقة من العودة للعمل». بالنسبة للدكتور بري وزملائه الاستشاريين، كانت وفاة التوائم الثلاثة نقطة تحول. في ذلك المساء، قال الدكتور بري إنه اتصل بالمديرة التنفيذية المناوبة كارين ريس وطالَب بإقالة ليتبي من الخدمة، ولكنها رفضت.

يقول الدكتور بري إنه تحداها بشأن ما إذا كانت تتخذ هذا القرار ضد رغبات 7 استشاريين للأطفال - وسأل عما إذا كانت ستتحمل المسؤولية عن أي شيء قد يحدث للأطفال الآخرين في اليوم التالي. ويقول إن السيدة ريس ردَّت بـ«نعم». في اليوم التالي، كاد طفل آخر يموت، مرة أخرى بينما كانت ليتبي في الخدمة. عملت الممرضة 3 نوبات أخرى، قبل أن يتم إخراجها أخيراً من وحدة حديثي الولادة، بعد مرور أكثر من عام على الحادثة الأولى، ثم توقفت حالات الوفاة والانهيار المشبوهة. ولم يتم الاتصال بالشرطة لمدة عام آخر تقريباً بعد ذلك.

لوسي ليتبي أثناء التحقيق معها (رويترز)

الشرطة تحقق

في ربيع عام 2017، تسلمت شرطة شيشاير خطاباً من الرئيس التنفيذي لمستشفى كونتيسة تشيستر، الذي شهد ارتفاعاً غير مبرَّر في الوفيات وانهيارات شبه مميتة للأطفال الخدج في وحدته الخاصة بحديثي الولادة. كان الأطباء في حيرة من أمرهم؛ فقد تحدَّت الوفيات التفسير وتزايدت المخاوف من حدوث شيء شرير. وبلغت الأحداث التي أعقبت ذلك ذروتها في واحدة من أحلك المحاكمات الجنائية في بريطانيا، وإدانة لوسي ليتبي قاتلة الأطفال الأكثر غزارة في البلاد في العصر الحديث. وقال ضابط التحقيق الكبير ديت سوبت بول هيوز: «الثقل الهائل من الأدلة يقودنا إلى معرفة أنها قاتلة، وباستخدام كلماتها، فهي شريرة».

تم القبض على ليتبي لأول مرة في منزلها في تشيستر، يوليو (تموز) 2018، شمل التحقيق ما يقرب من 70 ضابطاً وموظفاً مدنياً، حيث جمع المحققون نحو 32000 صفحة من الأدلة، وفرزوا رزماً من السجلات والبيانات الطبية. قبل محاكمة ليتبي في أكتوبر، جرى التحدث إلى نحو 2000 شخص وتم التعرف على ما يقرب من 250 شخصاً بوصفهم شهوداً محتملين. مراراً وتكراراً، أدت جميع الأدلة إلى الممرضة الشابة التي تتحدث بلطف من هيريفورد، والتي غالباً ما كانت تعمل وقتاً إضافياً لأنها خطت خطوات مبكرة في حياتها المهنية.

حققت الشرطة مع ليتبي على مدى 30 ساعة لم تظهر خلالها أي محاولات للتعاطف أو إظهار أي مشاعر. وُصفت إجاباتها بأنها «إكلينيكية»، وأنها «بلا عاطفة».

عنبر الأطفال المبتسرين حيث عملت لوسي ليتبي (رويترز)

قالت المحققة نيكولا إيفانز لـ«بي بي سي» إنها لم تجد شيئاً غير مألوف في ليتبي، وصفتها بأنها هادئة جداً، مضيفة: «لوسي ليتبي، بالنسبة لي كانت امرأة عادية في العشرينات من عمرها وتعيش حياة طبيعية. كانت لديها حياة اجتماعية، ودائرة من الأصدقاء، وعائلة. لقد استخدمت هذا الوضع الطبيعي لتكوين الثقة ثم أساءت استخدام هذه الثقة. من الواضح أنه كان هناك شيء مخادع للغاية بشأن ذلك. لقد منحها هذا الوضع الطبيعي غطاء لارتكاب الجرائم التي ارتكبتها». مع إغلاق الشبكة حول ليتبي، بقي شيء واحد غير واضح: لماذا تريد الممرضة التي كرست حياتها المهنية لرعاية الأطفال الأكثر مرضاً قتلهم الآن؟ «لا أعتقد أننا نعرف لماذا فعلت لوسي ليتبي هذا، وقد لا نعرف أبداً السبب، وهذا أمر صعب حقاً».

ورقة بخط يد لوسي ليتبي (رويترز)

بدأت المحاكمة في 10 أكتوبر في مانشستر (شمال). وتم التعريف عن الأطفال فقط بالحروف، من A إلى Q، لحماية أسرهم. وأدلى أهل الضحايا بشهاداتهم خلال المحاكمة، بعضهم بكى خلالها. وبحسب المدعي العام، عمدت لوسي ليتبي أيضاً إلى تزوير بعض الملاحظات الطبية لتغطية آثار جرائمها. وقال إنها في ذلك الوقت، وبعد أن قتلت ضحاياها من دون لفت الانتباه، أصبحت امرأة «لا يمكن السيطرة عليها». وكتبت الممرضة في مذكرة عُثر عليها بمنزلها في عام 2018: «أنا لا استحق أن أعيش. لقد قتلتهم عن قصد لأنني لستُ جيدة بما يكفي لرعايتهم. أنا شخص فظيع».


مقالات ذات صلة

في الصباح أم على مدار اليوم... متى يُفضّل تناول الألياف؟

صحتك تناول كميات كبيرة من الألياف دفعة واحدة قد يسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي (بيكسلز)

في الصباح أم على مدار اليوم... متى يُفضّل تناول الألياف؟

تُعدّ الألياف الغذائية عنصراً أساسياً في أي نظام غذائي صحي، لما لها من دور مهم في دعم صحة الجهاز الهضمي، وتعزيز الشعور بالشبع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين (بيكسلز)

كيف تخفّض الدهون الثلاثية؟ احذر هذه المشروبات أولاً

عند الحديث عن صحة القلب والأوعية الدموية، غالباً ما يتركز الاهتمام على الكوليسترول بأنواعه المختلفة، إلا أن الدهون الثلاثية لا تقل أهمية عنه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً (بيكسلز)

هل يساعد الأوريغانو في خفض ضغط الدم؟

يُعدّ الأوريغانو (الزعتر البري) من أبرز هذه الأعشاب التي حظيت باهتمام بحثي متنامٍ؛ إذ تشير دراسات أولية إلى أنه قد يلعب دوراً في المساعدة على خفض ضغط الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية (بيكسلز)

كيف تحسّن تدفق الدم؟ 7 أطعمة فعّالة

تُعدّ الدورة الدموية من الركائز الأساسية للحفاظ على وظائف الجسم الحيوية؛ إذ يعمل الدم كشبكة نقل متكاملة أشبه بطريق سريع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك زيت الزيتون يُضفي لمعاناً وكثافةً ونعومةً وقوةً على الشعر (بِكساباي)

زيت الزيتون للشعر: اكتشفي الفوائد المذهلة

قد يُساعد زيت الزيتون في الحفاظ على رطوبة الشعر وتقويته. وقد يكون أكثر ملاءمةً لأنواع معينة من الشعر، كالشعر الكثيف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.


ليلى علوي: تمنيت أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات

ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)
ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)
TT

ليلى علوي: تمنيت أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات

ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)
ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)

قالت الفنانة المصرية، ليلى علوي، إنها كانت تحلم وهي صغيرة بأن تصبح مهندسة متخصصة في ميكانيكا السيارات، ولكنها اتجهت للتمثيل بالصدفة، وأضافت خلال تكريمها في مهرجان «أسوان الدولي لأفلام المرأة»، الثلاثاء، أنها دخلت مجال الفن منذ الطفولة، ولكنها اعتبرته هواية محببة في البداية، بعد ذلك ومع الوقت أصبح الفن هو كل حياتها.

واستعادت ليلى علوي خلال الندوة التي قدمها مدير المهرجان، حسن أبو العلا، واصفاً الفنانة بأنها «أصبحت أيقونة في تاريخ السينما المصرية والعربية»، بداياتها الفنية وعملها مع كبار المخرجين مثل يوسف شاهين ورأفت الميهي وحسين كمال ومحمد خان وخيري بشارة وشريف عرفة ومجدي أحمد علي وغيرهم.

وأشارت ليلى علوي إلى أنها قدمت أفلاماً انحازت لقضايا المرأة، وأنها أدركت منذ البداية دور الفن في التأثير بالمجتمع، لذلك شاركت في أفلام مثل «المغتصبون» لسعيد مرزوق الذي غيّر قوانين متعلقة بالمرأة، لضمان سرعة التقاضي في مثل هذه القضايا، وكذلك فيلم «إنذار بالطاعة» الذي عالج قضية الزواج العرفي.

ليلى علوي تحدثت عن مشوارها الفني (الشرق الأوسط)

وعن حلمها القديم قالت: «لم أحلم بالتمثيل أو أكون نجمة كنت أتمنى أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات، كنت أعشق موتور العربيات، كنت أحب الفن لكن كان هدفي تقديم الفن باعتباره هواية، وأكملت تعليمي في كلية تجارة، ولكن كان قدري أن أكرس حياتي للتمثيل».

وأكدت أن والدتها، التي كانت تحمل الجنسية اليونانية، كانت مسؤولة عن برنامج مهم في البرنامج الأوروبي، وهي التي شجعتها على دخول مجال الفن، وعن اختياراتها الفنية قالت: «الفيلم الوحيد الذي طلبت أن يكتب لي وكان من إنتاجي هو فيلم (يا مهلبية يا)، غير ذلك لم أطلب من أحد أن يكتب لي فيلماً، لكن باقي الأدوار كانت تأتي لي وأختار من بينها، وكان هناك أشخاص يشاركونني في الاختيار مثل والدتي والمخرج عاطف الطيب والكاتب وحيد حامد ونور الشريف، في هذا الوقت لم يكن هناك زميل أو زميلة يبخل بالنصيحة».

وعن تأثير المخرجين الكبار في مسيرتها، قالت إن «حسين كمال علمني أن تعبير العين أهم حاجة في الممثل، وهو ما أكده لي بعد ذلك يوسف شاهين، فقد كان يحب أن يجلس مع الممثل ويعرف تاريخه، حين رشحني لـ(المصير) وجلسنا 3 جلسات دردشة قبل أن يختارني للفيلم، حيث قلت له إنني صريحة ولا أعرف المجاملة، فأكد لي أنه يثق في أدائي الدور بصدق وتلقائية، لأن عيني ما زالت صافية».

وعن مغامراتها الفنية الجريئة مثل «يا مهلبية يا» وفيلم «سمع هس»، كيف خاضتها، قالت: بدايتي مع شريف عرفة في فيلم «الأقزام قادمون» كانت أولى تجاربه، بعد ذلك قدم فيلم «سمع هس» وكانت مرشحة له زميلة أخرى ورفضته، وجاء لي الدور، ولأنني أحب الرقص والغناء، فأحببت الدور، وأرى أن هذا الفيلم في ذلك الوقت كان نقلة مختلفة وجديدة تماماً عما يقدم في السينما، وفكرت بعده في تقديم «يا مهلبية يا» ونجح الفيلم.

جانب من افتتاح المهرجان (الشرق الأوسط)

وعن علاقتها بعاطف الطيب، قالت إنه أفادها جداً كونها ممثلة وقدمت معه أفلام «البدروم» و«ضربة معلم» و«إنذار بالطاعة» الذي عرض على فنانة أخرى أيضاً ورفضته، وأكدت أن محمد خان أيضاً لم يردها في «خرج ولم يعد»، وحين رشحها الفنان يحيى الفخراني قال له خان: «دي خواجاية مش فلاحة»، لكن حين قدمت مشهد الجرار أعجبه جداً، وهذا يرجع لهوايتي وحلمي القديم، فأنا أحب تصليح السيارات وأعمال الميكانيكا عموماً.

وعن البطولات الجماعية مثل فيلم «يا دنيا يا غرامي» وأكثر من تجربة بطولة جماعية، قالت: «أحب الفن والسينما وأقدر هذه الصناعة وأحب الخير للجميع وليس لدي مشكلة أبداً في البطولات الجماعية، وعمل درامي مثل (العائلة) كان فيه عدد كبير جداً من النجوم وجدت أنني أقدم قضية مهمة لبلدي، وفي (حديث الصباح والمساء) دوري كان 17 حلقة فقط ولم أتردد لحظة، فأنا أستمتع بالفن».

وكان مهرجان أسوان لأفلام المرأة الذي يقام في الفترة من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي، كرم في افتتاح دورته العاشرة التي تحمل اسم رائدة السينما المصرية عزيزة أمير، الاثنين، الفنانة ليلى علوي، والفنانة السورية سولاف فواخرجي، والمخرجة البولندية دي كيه فيلشمان.

ويشارك في المهرجان 65 فيلماً من 34 دولة.