رحلة 4 دول لاستعادة كنوزها المنهوبة وحجم التحدّيات

ماكرون أطلق الشرارة الأولى لعملية قد تستغرق عقوداً

تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)
تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)
TT

رحلة 4 دول لاستعادة كنوزها المنهوبة وحجم التحدّيات

تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)
تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)

كانت المناقشة الدائرة حول إعادة التراث المكتسب بصورة غير مشروعة إلى بلدان في جنوب العالم، تركز حتى الآن، إلى حد كبير، على خطوات اتخذتها المتاحف والحكومات الغربية. لكن بعيداً عن الأضواء، في بلدان مثل الكاميرون وإندونيسيا، يرسي عمال التراث والمسؤولون الحكوميون والناشطون، الأسس لاستعادة كنوزهم المفقودة منذ زمن طويل؛ تلك العملية التي يتوقّع كثيرون أن تستغرق عقوداً.

ويعدُّ تحديد الأشياء وتأمين استردادها جزءاً واحداً فقط من المهمة، إذ تشمل التحدّيات تحديد من سيمتلك القطع الأثرية ويعتني بها، إلى تطوير البنية التحتية للمتاحف، وإشراك المجتمعات المحلية، وتوعية الرأي العام.

في هذا السياق، يقول الأستاذ في جامعة كينشاسا التي تقدّم المشورة لحكومة الكونغو، بلاسيد مومبيميلي سانجر: «لدينا مهمّة هائلة. هذا أمر لا يمكننا إنجازه في 5 سنوات. ستكون عملية طويلة».

وشكّل تعهّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، في خطاب ألقاه في بوركينا فاسو، بإعادة التراث الأفريقي بشكل دائم من المتاحف الفرنسية؛ الشرارة التي أدت إلى التحرّك العالمي نحو استعادة التراث المنهوب. ومنذ ذلك الحين، أرست ألمانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكا، مبادئ توجيهية وطنية لمعالجة المطالبات وإعادة القطع الأثرية. وكان أحد المعالم البارزة في هذه العملية، العام الماضي، عندما نقلت ألمانيا ملكية 1100 قطعة من برونزيات بنين إلى نيجيريا.

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)

إلا أنّ بعض العثرات طرأت. فقد أثار قرار الرئيس النيجيري المنتهية ولايته بتسليم القطع الأثرية العائدة إلى سليل مباشر من الحاكم الذي سُرقت منه، قدراً من الارتباك. وأعرب بعض أمناء المتحف الألمان عن قلقهم من أنّ هذه القطع قد لا تلقى الاهتمام بها أو عرضها، لكن الحكومة الألمانية قالت إنّ عودة البرونزيات كانت غير مشروطة، ولم يكن لألمانيا أن تُملي ما تفعله نيجيريا بتراثها المُستردّ.

يشترك في هذا الموقف عمال التراث في الكاميرون، والكونغو، وإندونيسيا، ونيبال؛ الذين قالوا إنهم يراقبون التطوّرات في نيجيريا من كثب. وفي نيبال، تعود تماثيل إلى أماكن العبادة التي سُرقت منها؛ وفي إندونيسيا، تُجري الحكومة محادثات مع أمناء المتاحف الإقليمية لجعل المتاحف أيسر وصولاً، حتى يمكن استخدام القطع الشعائرية في الاحتفالات الدينية؛ وسط تأكيد العاملين في مجال التراث في جنوب العالم على ضرورة التعاون في البحث بالسياق التاريخي للخسائر والقصص الكامنة وراء كل قطعة على حدة.

مروحة دائرية من مجموعة آثار بنين المنهوبة التي ستعيدها بريطانيا لنيجيريا (رويترز)

في الآتي نظرة فاحصة على التطوّرات في 4 بلدان.

إندونيسيا

تُعدّ ألماسة «لومبوك» المذهلة، الموضوعة في تصميم سداسي مصنوع من الزهور والأوراق الذهبية؛ واحدة من نحو 500 كنز ثقافي إندونيسي جرى الاستيلاء عليها بصورة غير مشروعة خلال الحكم الاستعماري الهولندي؛ ومن المقرّر عودتها إلى الوطن الشهر المقبل. ومن المرجّح أن تكون عمليات إعادة الممتلكات، التي أعلنت عنها الحكومة الهولندية في 6 يوليو (تموز)، الأولى من بين العديد من القطع الأثرية، إذ لا تزال عشرات الآلاف من القطع الأثرية الإندونيسية بمتاحف في أوروبا، وفي هولندا بالمقام الأول.

تطورت استعدادات إندونيسيا لاستقبال تراثها جنباً إلى جنب مع الهياكل التي أنشأتها هولندا. في فبراير (شباط) 2021، أنشأ وزير الثقافة الإندونيسي فريقاً لإعادة الممتلكات إلى أصحابها نظيراً للجنة الحكومة الهولندية، بقيادة سفير سابق لدى هولندا. في عام 2022، أرسلت الحكومة الإندونيسية طلباً رسمياً إلى هولندا لإعادة 8 مجموعات من القطع: ضمّت عملية الإعادة في يوليو 4 من هذه المجموعات. ولم تصدر اللجنة الهولندية بعد قرارها بشأن الـ4 الباقية.

الكونغو

عندما تلقّى رئيس وزراء الكونغو جان ميشيل ساما لوكوندي، قائمة جرْد تضمّ 84 ألف قطعة من التراث الكونغولي، وعيّنات طبيعية من نظيره البلجيكي العام الماضي، كانت هذه بداية رمزية لما وصفه لوكوندي بأنه «إعادة استملاك ذاكرتنا الوطنية».

بعد ذلك، اعتمدت الحكومة الكونغولية مرسوماً لإنشاء نظام للتعامل مع التراث الثقافي المُستردّ من المتاحف في أوروبا، داعية الخبراء في تاريخ الفن والقانون والفلسفة والعلاقات الخارجية لتقديم المشورة لها.

حتى عام 1960، كانت بلجيكا تسيطر على منطقة شاسعة في وسط أفريقيا - نحو 80 ضعف حجم الدولة الأوروبية نفسها - بما في ذلك ما يعرف الآن بالكونغو. أخذ المستكشفون البلجيكيون والجنود وممثلو الحكومة والتجار والمبشّرون، الأغراض التي سرقوها أو اشتروها أو حصلوا عليها بطريقة أخرى؛ إلى أن وافق البرلمان البلجيكي، في العام الماضي، على قانون يمهّد الطريق لإعادة الممتلكات الثقافية إلى الكونغو ورواندا وبوروندي. وشُكلت أيضاً لجنة للتعامل مع نظيرتها الكونغولية.

القانون واسع النطاق. وأي شيء جرى الحصول عليه أثناء الحكم الاستعماري يكون مؤهلاً للاسترداد، وليس من الضروري أن يكون منهوباً.

أحد التماثيل البرونزية التي أُعيدت إلى نيجيريا (متحف هورنيمان)

الكاميرون

في العام الماضي، حقّقت الناشطة في مجال التراث من دولة الكاميرون الواقعة في غرب أفريقيا، انتصاراً كبيراً في حملتها لإعادة الأشياء المنهوبة من ألمانيا إلى الوطن.

وباستخدام وسم «BringBackNgonnso» عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، ضغطت نجوباتي على المتاحف الألمانية، وواصلت جهودها على وسائل التواصل الاجتماعي مع جماعات أخرى تدعو إلى إعادة منهوبات الحقبة الاستعمارية.

وفي هذا السياق، تظهر في منتدى هومبولت في برلين صورة خشبية مزينة بقشور خشبية تدعى نغونسو. وبالنسبة إلى قبيلة «نسو» في الكاميرون، التي تنتمي إليها نجوباتي، فإنّ نغونسو أكثر بكثير من مجرّد قطعة أثرية ضائعة: فالشخصية المنحوتة هي تجسيد لأم مجتمعهم المحلّي، وخسارتها قبل أكثر من قرن محسوسة بشدّة حتى يومنا هذا.

كذلك وافقت مؤسسة التراث الثقافي البروسي، المنظّمة المشرفة على المتاحف الرئيسية في برلين، في يونيو (حزيران) 2022، على إعادة نغونسو. ولتسهيل عمليات العودة، شكلت حكومة الكاميرون لجنة لإعادة الممتلكات، وفقاً لمستشارة الثقافة في سفارة الكاميرون بألمانيا ماريسي نسانغو نجيكام. وقالت نجوباتي إنّ أعضاء المجموعة يعتزمون زيارة ألمانيا في وقت لاحق من العام الحالي لبحث كيفية المضي قدماً.

لكن لا يزال هناك ما يقدر بنحو 40 ألف قطعة أثرية كاميرونية في المتاحف الألمانية، أكثر من القطع الوطنية في ياوندي عاصمة الكاميرون، وفق تقرير أعدّه باحثون كاميرونيون وألمان.

من العناصر المُستعادة بعض الرؤوس الاحتفالية من مملكة بنين (أ.ف.ب)

نيبال

يختلف موقف نيبال عن البلدان الـ3 المذكورة أعلاه، إذ لم يُنهب تراثها في سياق استعماري. فبعد ثورة 1951 التي أسقطت أسرة «رانا» الاستبدادية الحاكمة لأكثر من قرن، فتحت نيبال حدودها للعالم. فقد اشترى الأكاديميون والسياح الغربيون التماثيل والنقوش التي نهبها السكان المحليون، غالباً من المعابد في وادي كاتمندو، ثم أخذوا مشترياتهم من البلاد. بلغ الاتجار ذروته في السبعينات والثمانينات.

منذ ذلك الحين، دخلت العديد من القطع الأثرية المنهوبة إلى مجموعات المتاحف الغربية عن طريق الوصايا والهبات، فعلّقت مديرة حملة استعادة التراث النيبالي أليشا سيجاباتي: «نحن بلد فقير، وقد رأى الناس كم كان بيع تماثيلهم التي قدّموا الولاء لها، مربحاً».

أضافت: «كاتمندو كانت تعامل مثل ملعب عجيب. لقد فقدت المجتمعات شيئاً ما. نحن نعتمد على هذه التماثيل، فلديها قوى تساعدنا في حياتنا».

تمثال نحاسي لديك نهبه جنود بريطانيون من نيجيريا عام 1897 (رويترز)

تأسست حملة استعادة التراث النيبالي عام 2021، ونجحت في استرجاع أكثر من 25 تمثالاً دينياً مسروقاً، وفق سيجاباتي. ومن بين هذه الأعمال، تمثال عمره 1000 عام، يصور اثنين من التماثيل الهندوسية التي قدّم لها أتباعها الولاء من «متحف دالاس» للفنون. وقال سيجاباتي إنّ باحثي الحملة تتبّعوا الكثير ويعملون على عودتهم.

وأيضاً، تتتبّع المجموعة التماثيل المنهوبة في جميع أنحاء العالم، وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على نصائح، ونشر صور للمنحوتات والتماثيل المفقودة، ونشر حملاتها الدعائية. وتُنقل نتائج الدراسة إلى إدارة الآثار في نيبال، التي تعمل بدورها مع وزارة الخارجية لإصدار مطالبات إلى المتاحف أو المؤسّسات.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

يوميات الشرق أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأربعاء، الكشف عن 13 ألف أوستراكا بموقع «أتريبس» الأثري بمحافظة سوهاج (صعيد مصر).

فتحية الدخاخني (القاهرة )
ثقافة وفنون ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
كتب الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان

ندى حطيط
ثقافة وفنون صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو

محمود الزيباوي

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.