عادل إمام «الغائب الحاضر» في «القومي للمسرح»

انطلاق الدورة الـ16 من المهرجان وسط تحديات وأزمات

من حفل الافتتاح
من حفل الافتتاح
TT

عادل إمام «الغائب الحاضر» في «القومي للمسرح»

من حفل الافتتاح
من حفل الافتتاح

انطلقت فعاليات الدورة الـ16 من «المهرجان القومي للمسرح المصري» وكان الزعيم عادل إمام بمثابة «الحاضر الغائب» في حفل الافتتاح الذي استضافه مساء (السبت) المسرح الكبير بدار الأوبرا.

وتحمل الدورة الجديدة من المهرجان اسم الزعيم الذي حالت ظروفه الصحية، وفق متابعين، دون حضوره كما لم يحضر أي من أسرته كذلك.

تمثال ذهبي للزعيم عادل إمام في الأوبرا (القومي للمسرح)

وتصدرت صورته الملصق الرئيسي للحدث، كما تصدر تمثال ذهبي له بهو دار الأوبرا. وانتظر البعض ظهوره من دون إعلان مسبق ليكون مفاجأة حفل الافتتاح، خصوصاً بعد تأكيد الفنان محمد رياض، رئيس المهرجان على وجود مفاجآت في الحفل.

وكان رياض قد أوضح أن «المهرجان ليس معنياً بتكريم إمام، وإنما فقط يطلق اسمه على الدورة الجديدة تقديراً لمشواره المسرحي، وليس شرطاً أن يحضر».

ونفى رئيس المهرجان أن يكون اختيار اسم الزعيم جاء لمجرد ضمان نجاح الدورة الحالية إعلامياً، مشيراً على هامش المؤتمر الصحافي، الذي سبق الافتتاح أن «اسم إمام» يأتي باعتباره ابن المسرح، وأحد رموزه على المستوى العربي حيث بدأ مشواره في مسرح الجامعة والتحق بفرقة التلفزيون المسرحية عام 1962 وقدم أعمالاً عديدة أصبحت من عيون هذا الفن العريق.

الفنان محمد رياض يلقي كلمة الافتتاح

وما بين دموع المكرمين ودعابات زملائهم، اتسمت أجواء حفل الافتتاح بالحميمية والطابع العاطفي. وسط حضور نخبة من نجوم الفن، بينهم إلهام شاهين ونرمين الفقي.

وكان لافتاً تقبيل أحمد صلاح السعدني يد صلاح عبد الله وهو يقدمه في مشهد مؤثر تدفقت على إثره دموع عبد الله.

وشملت قائمة المكرمين الفنانين محمد محمود، ومحمد أبو داود، وسامي عبد الحليم، وأحمد فؤاد سليم، ورياض الخولي، ورشدي الشامي، وخالد الصاوي الذي لم يحضر ومهندسة الديكور نهى برادة والكاتب محمد سيد عيد.

وقدم الموسيقار هاني شنودة عدداً من المقطوعات الموسيقية التي تتضمنها بعض أفلام عادل إمام.

وأكد الفنان محمد رياض في كلمته بالافتتاح على أن «أهمية المهرجان تنبع من كونه أكبر تجمع للمسرحيين في مصر».

وتستمر فعاليات الدورة الجديدة من المهرجان حتى 14 أغسطس (آب) المقبل، بمشاركة العديد من العروض، التي تتوزع جهات إنتاجها ما بين الهيئات التي تتبع وزارة الثقافة المصرية مثل أكاديمية الفنون والبيت الفني للمسرح من جهة وبين الفرق المستقلة ومسرح الهواة ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى.

تكريم اللجان

وقال الناقد عمرو دوارة، رئيس لجنة المحاور الفكرية في المهرجان إنّ كل نسخة من المهرجان تأتي بمثابة تقييم لإنتاج عام كامل من العروض المسرحية المصرية منذ الدورة الماضية حتى 30 يونيو (حزيران) من العام التالي.

وأوضح دوارة لـ«الشرق الأوسط» أن «طموحات الدورة الحالية كبيرة في إظهار قوة فن المسرح الذي عرفته مصر قبل آلاف السنين من خلال مشاركة 37 عرضاً تُبرز تنوع المدارس الفنية وطبيعة الهموم الإنسانية التي تطرحها، فضلاً عن الورش الفنية ولندوات».

وتشهد الدورة الحالية تنظيم العديد من الورش الفنية التي خُصّصت لمناقشة عناصر العرض المسرحي مثل الإخراج والإلقاء والسينوغرافيا والإدارة المسرحية ويقدمها مدربون محترفون.

وتفتح الورش أبوابها لحضور الهواة والمهتمين من غير المختصين بشرط حصول المتقدم على مؤهل دراسي عالٍ وأن يتراوح عمره ما بين 19 و45 سنة. وكان لافتاً أنه للمرة الأولى في تاريخ المهرجان تقام إحدى ورشه الفنية قبل انطلاق فعالياته وهو ما حصل في ورشة التمثيل، التي قدمها الفنان أحمد مختار بمسرح الهناجر وشهدت مشاركة واسعة بحضور 60 متدرباً من أعمار مختلفة.

وشهدت الدورة الجديدة كثيراً من الجدل والانتقادات التي كان من أبرزها اعتراض عدد من النقاد الفنيين على ما أسموه «استئثار الممثلين بنصيب الأسد من فعاليات التكريم وتجاهل النقاد». وتصاعد الجدل حول تلك النقطة إلى حد اضطرت معه نقابة المهن التمثيلية إلى إصدار بيان قبيل ساعات من افتتاح المهرجان تؤكد فيه على «الدور المهم الذي يلعبه الناقد في المنظومة الفنية».

ودعا نقيب الممثلين أشرف زكي، «الطرفين سواءً النقاد أو إدارة المهرجان القومي للمسرح إلى إدراك أن الصالح العام يهدف إلى خروج المهرجان بشكل يليق بمصر».

تكريم الفنان صلاح عبد الله

وأثار ردّ مدير المهرجان الفنان ياسر صادق، على تلك النقطة استياء البعض، حين أكد أن «الناقد ليس صانعاً للتجربة المسرحية وإنما يقيّمها فقط وكل محرّر يعمل في قسم المسرح يُعدّ نفسه ناقداً مسرحياً».

وأشار صادق أثناء المؤتمر الصحافي المخصص لإعلان تفاصيل الدورة الجديدة إلى أن «من يستحق وصف الناقد هم، أسماء من نوعية عمالقة النقد مثل محمد مندور وعلي الراعي وفوزي فهمي».

واعتذر الناقد المسرحي يسري حسان، عن إدارة ندوتي تكريم الفنانين أحمد فؤاد سليم وسامي عبد الحليم، مبرراً اعتذاره عبر صفحته على موقع «فيسبوك» أنه «لم يتم التنسيق معه من جانب إدارة المهرجان، ووُضع اسمه من دون الاتفاق معه مسبقاً».

وقال حسان في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن هذا السلوك «يعكس للأسف، نظرة المهرجان المتدنية إلى المسرحيين إذ لا تتعامل الإدارة باحترافية معهم».

من حفل الافتتاح (القومي للمسرح)

وغالباً ما تشهد كل دورة جديدة اعتراض بعض صنّاع المسرح على عدم مشاركة عرض مميز أو أكثر لهم ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو ما حدث هذه الدورة مع مسرحية «باب عشق» للمخرج حسن الوزير التي عُرضت مؤخراً على مسرح الطليعة.

وفي كل مرّة يحمل الاعتراض اتهاماً، ضمنياً أو صريحاً للقائمين على المهرجان بـ«المحاباة» و«المجاملة».

ورفض الفنان محمد رياض الاتهام، قائلاً في المؤتمر الصحافي: إن «عدد العروض التي تقدمت للمشاركة كان كبيراً جداً وقد بلغ 135 عرضاً، وطبيعي أننا لن نرضي الجميع وستكون هناك أعمال مستبعدة، وهذا من صميم عمل اللجان النوعية المختصة، ولا دخل لرئيس المهرجان أو أعضاء اللجنة العليا بالأمر».


مقالات ذات صلة

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من الإعلان الترويجي للمسرحية (يوتيوب)

«ما تصغروناش»... مسرحية كوميدية عن طفولة تُولد بعمر الشيخوخة

احتضن المسرح العربي في جدة العرض المسرحي المصري «ما تصغروناش» على مدار 3 ليالي عرض رفعت شعار «كامل العدد».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، ويعكس قدرة العروض الجيدة على جذب الجمهور.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

على مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً، صاغه الكاتب ألكسندر نجار وأدّته مجموعة من الممثلين منهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون

فيفيان حداد (بيروت)

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)

استقرت الحالة الصحية للفنان المصري هاني شاكر، بعد فترة من إقامته في الرعاية المركزة عقب الأزمة الصحية التي تعرض لها، وأعلن نقيب المهن الموسيقية، مصطفى كامل، عن تحسن الحالة الصحية لهاني شاكر، وقال في بيان للنقابة، الأربعاء، إنه يتابع حالة الفنان الكبير باستمرار عبر التواصل مع أسرته.

وأكد البيان الذي أصدره نقيب الموسيقيين أن «هاني شاكر غادر غرفة العناية المركزة في المستشفى الذي يخضع للعلاج فيه بفرنسا، وبدأ مرحلة العلاج الطبيعي، وهو ما عرفه من اتصال مع زوجته السيدة نهلة توفيق».

وعدّ البيان هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً على تعافي شاكر من أزمته الصحية، وعبّر نقيب الموسيقيين عن تمنياته بعودته سريعاً إلى مصر واستئناف نشاطه الفني بين جمهوره ومحبيه.

وأكد كامل أن الوسط الفني يترقب عودة هاني شاكر، داعياً له بالشفاء التام والرجوع سالماً إلى أرض الوطن في أقرب وقت.

وعانى هاني شاكر من أزمة صحية عقب عملية جراحية أجراها لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وزاره في المستشفى الذي عولج فيه بالقاهرة وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، حيث حرص على الاطمئنان عليه وعلى الرعاية المقدمة له، متمنياً له الشفاء العاجل، وتعرّض لمضاعفات بعد العملية وتردد أن حالته ساءت وتعرض لغيبوبة وحظي بدعم كبير من الفنانين ومحبيه من الجمهور، ونفت الفنانة نادية مصطفى، عضوة مجلس نقابة المهن الموسيقية، ما تردد عن سوء حالة هاني شاكر وسقوطه في غيبوبة، وبعد أيام سافر إلى فرنسا لاستكمال العلاج.

هاني شاكر يتعافى من أزمته الصحية (صفحته على «فيسبوك»)

وينتمي هاني شاكر (74 عاماً) إلى جيل غنائي عاصر عبد الحليم حافظ وغنى معه في الكورال، وكذلك محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وشارك في فيلم «سيد درويش» من بطولة كرم مطاوع عام 1966 حيث جسد دور سيد درويش وهو طفل، واكتشفه الموسيقار محمد الموجي وقدم له أولى أغانيه.

ويتابع مجلس نقابة المهن الموسيقية برئاسة الفنان مصطفى كامل الحالة الصحية للفنان هاني شاكر، بوصفه أحد أهم رموز الغناء في مصر والعالم العربي، والذي يحظى بمحبة وتقدير كبيرين من جمهوره وزملائه.

وعرف هاني شاكر بلقب «أمير الغناء العربي»، وقدم العديد من الأغاني والألبومات التي شكلت جزءاً من وجدان جيل الثمانينات والتسعينات في مصر والوطن العربي، ومن أعماله الشهيرة «علّي الضحكاية» و«حكاية كل عاشق» و«كده برضه يا قمر» و«الحلم الجميل» و«جرحي أنا».


ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.