تشكّل التجربة الإنسانية لدى غالبية التشكيليين محور اللوحة، التي تتحول بدورها إلى لغة بصرية تعبر عن تزاحم الأفكار والمشاعر داخلهم على امتداد أعوام طويلة. والفنان حنفي محمود أحد هؤلاء الفنانين الذين يمنحون هذه التجارب في أعمالهم قيمة كبرى، وعندما تقف متأملاً أعماله ستشعر بأن ثمة حواراً خفياً يختبئ وراء ضربات فرشاته.
في معرضه الذي افتُتح بغاليري «أكسيس» بالقاهرة، ويستمر حتى 7 أغسطس (آب) المقبل، وأطلق عليه «تزاحم»، يقدم نحو 40 لوحة مختلفة الأحجام، لكن القاسم المشترك بينها يبقى هو توظيف شخوصه بطريقة تثير الدهشة لدى المتلقي وتجعله يُمعن التفكير فيما وراء شكلها الخارجي، ورمزيتها وأسلوب حشدها، عبر أسلوب فني يمنح الأعمال جمالياتها ومعناها المختبئ داخلها.
جاءت الشخوص غامضة تحيطها أجواء ضبابية لا يكاد المتلقي يراها أو يحدد أبعادها أو يتعرف على ملامحها، كما أنه طوال الوقت يجد نفسه يحاول التحقق منها ومن هيئتها وملابسها، وكأنه يؤكد مفهوم «التزاحم» الذي لا يسمح لنا بمعرفة الآخرين عن قرب، لتمثل، في النهاية، مجرد علاقات عابرة سطحية، مهما اقتربت الأجساد، وقصرت المسافات الشكلية، وكثُرت الأحاديث اليومية فيما بينها.

فلم يقصد الفنان من وراء التزاحم مجرد المعنى الفيزيائي أو الجسدي، إنما رمى كذلك إلى تدافع المشاعر والأفكار والطموحات والأحلام والإحباطات، وكلها أشياء يقف الانشغال بها حائلاً دون التعمق في العلاقات الإنسانية والتواصل بين البشر.
وهي رؤية فلسفية، وإن كانت قد نبعت من تجربة ذاتية عاشها الفنان في إطار «التزاحم الجسدي»، فإنها في واقع الأمر تطورت داخله على مرّ السنوات؛ لتتحول إلى رمزية لمفهوم أكثر اتساعاً وهو «التزاحم الفكري والوجداني»، بما يحمله من تبعات ونتائج مرضية أو غير مرضية.

يقول حنفي محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة الازدحام هي انعكاس لتجربة شخصية مررت بها حينما كنت طالباً جامعياً استقلَّ حافلة نقل عام، في التسعينات من القرن الماضي، حين كانت تشغلني كثيراً الأحاديث التي تدور بين الركاب، وتتطرق أحياناً إلى أمور شخصية، على الرغم من أن اللقاء بينهم كان الأول والأخير!».
ويتابع: «ولطالما رصدت هذه الحالة في إسكتشات كنت أقف في نهاية الحافلة لرسمها، ولكم كنت أندهش من حالة الحميمية في الحديث التي تنتهي بأن ينزل كل فرد بعد ذلك في محطته، ويواصل طريقه لتنتهي العلاقة التي نشأت لدقائق أو حتى لجزءٍ من الساعة هي الوقت الذي استغرقته رحلة وصوله إلى مكانه».
من هنا استلهم الفنان في بعض أعماله بالمعرض هذا التناقض بين ما تحمله لنا أحياناً العلاقات العابرة في حياتنا من لحظات إنسانية حميمة مؤقتة، وبين ما قد يسكن العلاقات الرسمية والممتدة بحكم الصداقة أو العمل، وغير ذلك من مشاعر عابرة وزائفة، وفي الحالتين يمنعنا «التزاحم الداخلي» الذي تمتزج فيه الأحاسيس والاهتمامات وضغوطات الحياة من أن نسبر أغوار الشخوص حولنا فيبقوا في واقع الأمر مجرد «فيغرز» أو أطر خارجية غير واضحة، ولا نعرف ما يدور داخلها.
ربما تأثر الفنان بمولده وإقامته في السنوات الأولى من عمره في محافظة «الوادي الجديد» بالصحراء الغربية المصرية؛ حيث الهدوء والمساحات الممتدة، ومن ثَم انتقاله إلى العاصمة حيث يكون الضوضاء والازدحام الشديدان.

يقول: «لم أعش طويلاً في مسقط رأسي، إذ انتقلت إلى القاهرة في السادسة من عمري، لكنّ هذه النقلة البارزة في حياتي تركت داخلي أثراً كبيراً، فالبراح والأفق الواسع والصحراء، كلها مؤثرات تشكل المرء، وتوجِّه تفكيره، وتعظِّم من إحساسه بالازدحام عند الوجود داخله، سيما أنني ما زلت أحرص على زيارة الوادي الجديد سنوياً، وما زلت أعيش في القاهرة أيضاً».
على مدى مشواره الفني انشغل محمود بخوض تجارب فنية عدة، واستخدم خلالها تقنيات وخامات متنوعة؛ ومنها الكرتون المضلع، والبليكسي، وورق الذهب والفضة، لكنه، هذه المرة، لجأ إلى مسطح تقليدي مستعيناً بالألوان الزيتية والتوال، وجاء ذلك متّسقاً مع الفكرة الكلاسيكية للوحات، كما أنه من اللافت اختياره بالتة ألوان تتماشى مع اللون الحقيقي للجسد وتبرزه لتعزيز مفهوم التزاحم والتلاحم الجسدي المفتقد إلى عمق التفاهم البشري وقوة العلاقات.












