روبرتو بولّي وأصدقاؤه يفتتحون «مهرجانات بعلبك» بتطويع الأجساد حدّ الإدهاش

النجم الإيطالي: روعة القلعة الرومانية كانت أحد أسباب قدومي إلى هنا

مع عازف الكمان بدا الرقص تحت سماء بعلبك أكثر رومانسية وشفافية (الشرق الأوسط)
مع عازف الكمان بدا الرقص تحت سماء بعلبك أكثر رومانسية وشفافية (الشرق الأوسط)
TT

روبرتو بولّي وأصدقاؤه يفتتحون «مهرجانات بعلبك» بتطويع الأجساد حدّ الإدهاش

مع عازف الكمان بدا الرقص تحت سماء بعلبك أكثر رومانسية وشفافية (الشرق الأوسط)
مع عازف الكمان بدا الرقص تحت سماء بعلبك أكثر رومانسية وشفافية (الشرق الأوسط)

افتتاح حافل لـ«مهرجانات بعلبك الدولية» مع نجم الباليه الإيطالي روبرتو بولّي، في معبد باخوس المهاب، في القلعة الرومانية، حيث قدم لوحات خلاّبة بمفرده، ومع نجوم شاركوه الرقص اختارهم كعادته من بين الأمهر، والأكثر تألقاً لهذا الحفل اللبناني المنتظر.

وحده على المسرح النجم بولّي أو مع أصدقائه، جاءت اللوحات أخّاذة، كلٌ ذهب في مهاراته إلى منتهاها. من لوحة «ألما بورتينا» التي قدمها الراقص الساندرو كارتا منفرداً مروراً بـ«دونكيشوت» مع ليودميلا كونوفالوفا ورفيقها باختيار أدامزهان، وصولاً إلى «سفير» أو «الكرة» التي أداها بولّي وحده، للمرة الأولى وخصّ بها بعلبك، كان الحفل لحظات من المتعة التي يحب المتفرج ألا يغلق عينيه عنها، ولو للحظة، كي لا يفوّت هذه الأعمال الراقصة التي رسمت بعناية من قِبل مصممين متعددين، وقدمها الفنانون بتطويع أجسادهم حتى الإدهاش.

حلّق الراقصون في بعلبك فرادى أو ثنائيات (الشرق الأوسط)

قال بولّي لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة معه بهذه المناسبة، حيث يرقص للمرة الأولى في لبنان: إنه سعيد جداً بالفنانين الذين يرافقونه إلى بعلبك؛ لأن بينهم «الكثير من الراقصين الرئيسيين القادمين من شركات مرموقة مثل Het National Ballet في أمستردام، وWiener Staatsoper، وAstana Opera Ballet Norwegian Ballet، بالإضافة إلى فنانين دوليين آخرين».

ويؤكد لنا بولّي أنه حريص على أن يكون دائماً مع أفضل الراقصين وأمهرهم؛ كي يتمكن من الوصول إلى هدفه الفني الذي يتوق إليه.

باليه كلاسيكي مُطعّم بأخيلة دونكيشوت (الشرق الأوسط)

هذا الراقص الإيطالي الشهير، بدأ مهنته في سنّ صغيرة ولفت نظر أسطورة الرقص رودولف نورييف وهو في الخامسة عشرة، فاختاره لأداء دور في رائعة تشايكوفسكي «كسارة البندق»؛ مما أعطاه دفعاً كبيراً بعد ذلك.

منذ عشرين عاماً وبولّي مع أصدقائه الذين يختارهم في كل مرّة بعناية، يرقصون في أماكن تضفي على لوحاتهم من روحها «رقصنا في جميع أنحاء العالم» يقول لنا: «وليس فقط في إيطاليا. ويسعدني جداً أنني أقدم عرضي الآن في لبنان. إنها دولة سمعت عنها كثيراً، وتحمست حقاً للقدوم وتقديم عرضي، للمرة الأولى، في بعلبك».

الحب كان كلمة البداية والختام في عرض روبرتو (الشرق الأوسط)

لا يخفي بولّي أنه تفرّج على صور قلعة بعلبك الرومانية بعدما وصلته الدعوة ووجدها «رائعة». لذلك؛ «يجب أن أقول إنها كانت أحد الأسباب التي دفعتني على الفور إلى المجيء والعمل هنا». ويستدرك «عندما أقدم عرضاً، أحاول الجمع بين جمال الباليه وجمال الموقع الذي نرقص فيه. وأنا محظوظ جداً لأن لدينا في إيطاليا الكثير من الأماكن الجميلة. لهذا السبب تمكنت؛ بمرور الوقت، من الأداء في مواقع مثل بومبي أو أرينا أوف فيرونا، أو حتى في الكولوسيوم في روما». ويكمل نجم «لاسكالا» في ميلانو بالقول: «أعرف كم هو مميز الأداء في مثل هذه الأماكن الرائعة، وكم هو مؤثر في الجمهور أن يرى الراقصين يقدمون أداءهم الحي متناعماً مع الأزمنة السحرية لهذه الأماكن».

باليه كلاسيكي مُطعّم بأخيلة دونكيشوت (الشرق الأوسط)

ولا لحظة ملل مع روبرتو النجم اللامع القادم من بلاد الرومان إلى قلعة بناها أجداده ولا تزال تشكل مفخرة للشعب اللبناني لضخامتها وجمالية هندستها. فالباليه مع هذا النجم اللامع ليس كلاسيكياً وفيه هِجَانَة وطرافة وحداثة. «أحب الموازنة بين الرقص المعاصر والكلاسيكي. أعتقد أنه من المهم جداً تقديم لوحات مختلفة للجمهور؛ لأن بعض الناس يفضّلون الباليه الكلاسيكي القادم من القرن التاسع عشر، والبعض الآخر يفضّل الباليه المعاصر. لهذا قدمنا (دونكيشوت) و(إزميرالدا) و(ثي داينغ سوان) و(سينترا سويت)، إضافة إلى أخرى معاصرة، وبينها رقص على موسيقى تانغو».

ويلفت بولّي إلى لوحة راقصة قدمت على موسيقى فيليب كراتز «المعاصرة جداً»، حيث شاهدنا رقصاً يذكرنا بأننا دخلنا زمن الروبوتات، والحسابات الرقمية والأزرار، وهو عمل يخلط بين رقي ورهافة الباليه وجمالية الرقص المعاصر التعبيرية. وبمعونة مصمم الرقص الإيطالي ماورو بيغونزيتي شاهد جمهور مهرجانات بعلبك، في نهاية السهرة، عرضاً خلاباً يقدم للمرة الأولى خصيصاً لهم، حيث راقص بولّي كرة ضخمة، بدت وكأنها الأرض، وقد تكون كرة أطلس، أو حجر سيزيف الذي لا يكف عن محاولة رفعه. ولكل أن يرى في هذا العرض الرائع؛ ما يجعله يحلّق بعيداً، بينما عازف الكمان الذي رافق الراقصين ويضفي على اللوحات رومانسية خاصة، يجعل سماء مدينة الشمس شفافة للغاية ذلك المساء.

مع عازف الكمان بدا الرقص تحت سماء بعلبك أكثر رومانسية وشفافية (الشرق الأوسط)

بولّي ورفاقه على دراية تامة بالوضع السياسي في لبنان: «لكن عندما دُعيت للحضور وإقامة حفل، لم أتردد في القبول؛ لأنني أعتقد أن الفن والفنانين يمكن لهم أن يلعبوا دوراً مهماً. أنا مقتنع بأن الفن يوحّد الناس ويجب أن يتجاوز الحدود، كما أنني كنت واثقاً من أن كل شيء سيكون على ما يرام». الإيطاليون في لبنان ليسوا قلة كما بدا من حضورهم في حفل بعلبك، وقد جاءوا يحتفون بضيفهم، ولبولّي بعض الأصدقاء هنا: «لذلك سمعت الكثير من الأشياء الجيدة عن البلد: الطاقة، والهندسة المعمارية، والناس، والطعام، وجمال أماكنها. أنا فضولي للغاية، وتطلعت حقاً لهذه الزيارة».

لا يخفي روبرتو، أن بعض الموسيقى والرقصات، اختيرت لتنسجم مع ثقافة البلد، هذا أمر يأخذه في الحسبان، خاصة وأنه يعرض في بلدان مختلفة في عاداتها وأمزجتها «لهذا فضلنا عدم إحضار بعض القطع المعاصرة وعدّلنا الأزياء في البعض الآخر: علينا أن نأتي بثقافتنا وأسلوبنا الفنيين، ولكن في الوقت نفسه علينا احترام ثقافة الدولة التي تستضيف العرض».

جدير بالذكر أن إيطاليا موّلت ورمّمت جزءاً من القلعة الرومانية في بعلبك خلال السنوات الماضية، وهذا العرض الراقص الذي دعمته إيطاليا والسفارة الإيطالية لدى لبنان، وواكبته حتى اللحظة الأخيرة مع لجنة مرجانات بعلبك هو ثمرة نضيج لهذا التعاون. وهو ما أشارت إليه رئيسة المهرجانات نايلة دوفريج في كلمتها الافتتاحية للحفل، مشيرة إلى أنه حفل يعيد إلى مهرجانات بعلبك بُعدها الدولي بعد أزمات طويلة ومتشعبة.


مقالات ذات صلة

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «ثريا حبيبتي» وثائقي يحكي قصة حبّ ثريا وزوجها الراحل مارون بغدادي (الجهة المنظّمة)

«ما زلنا هنا وما زلنا نروي»... انطلاق «بيروت الدولي لسينما المرأة»

يتضمَّن المهرجان توزيع جوائز على فئات تدخل في المسابقة الرسمية، وتشارك أفلام أخرى ضمن مسابقات «قصتها» و«صنّاع التأثير» وغيرها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق «مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» في دورته العاشرة صورة المرأة في السينما العربية، واحتفى بصانعات السينما في السعودية.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.