زكي سلام... نحات فلسطيني جرفته أوجاع الشرق إلى حجارة الجزائر

يتخذ من فنّه إلهاماً لتجسيد أحداث حياته في «اللجوءين»

الفنان التشكيلي والنحات الفلسطيني زكي سلام (الشرق الأوسط)
الفنان التشكيلي والنحات الفلسطيني زكي سلام (الشرق الأوسط)
TT

زكي سلام... نحات فلسطيني جرفته أوجاع الشرق إلى حجارة الجزائر

الفنان التشكيلي والنحات الفلسطيني زكي سلام (الشرق الأوسط)
الفنان التشكيلي والنحات الفلسطيني زكي سلام (الشرق الأوسط)

زكي سلام، فنان تشكيلي ونحات فلسطيني، يعيش في الجزائر، جاءها من سوريا مع اندلاع الأزمة عام 2011. يقول في حوار لـ«الشرق الأوسط»، عن شعوره وهو يلتقي بأدوات فنّه في أول مدينة جزائرية احتضنته مع عائلته التي فرّت من جحيم الحرب: «الوادي الذي بجانب البيت كان مستودعاً كبيراً للحجارة، أتأملها وحين أرفع حجراً من مكانه أنظر بعينٍ شاكرة إلى الجبل على هذا العطاء، وتلمس يدي الماء عرفاناً وشكراً على حمله. فمن يتخيل أن حجراً قُدّ من الجبل ودحرجته المياه، ربما لآلاف السنين، يصل إلي أنا القادم من أوجاع الشرق ليصير تمثالاً يحمل أعباء اللجوء؟».

الفنان زكي سلام يعمل على إحدى منحوتاته (الشرق الأوسط)

الاحتكاك بالحجارة في بلدة أولاد سيدي إبراهيم قرب بوسعادة، (260 كيلومتراً جنوب العاصمة)، ملهمة الكثير من الفنانين والأدباء والشعراء، كان بمثابة «إحساس صوفي وروحاني غامر، يشعرني بأن هذه الحجارة قد حضرت من أجلي قبل أن أكون أصلاً، وحضرت لتنتشلني من بؤس الواقع، الذي وُضعتُ فيه وأنتشلها من حجريتها وأعطيها شكلاً ونوعاً من حياة جديدة. وفي مسعاي هذا ترفعني من مأساة لجوئي وما يملأ رأسي من غبار الحرب، التي تركتها ورائي تغيّب كل يوم تقريباً من أحبابي وتهدم ما بنيناه مادياً ومعنوياً بجهدنا وعرقنا ومالنا، طيلة حياتنا الماضية التي أصبحت حقاً من الماضي».

إحدى منحوتات زكي سلام البرونزية (الشرق الأوسط)

في ريف دمشق، وُلد زكي سلام عام 1958 لأبوين فلسطينيين لاجئين، «كان المكان رائعاً ذابت روعته أمام غربتنا وفقرنا».

انتقل الفنان مع أسرته إلى مخيم اليرموك، حيث درس الإعدادية والثانوية ودرس الفن إلى المرحلة الأولى من الدراسات العليا في جامعة دمشق قسم النحت. وعمل في معهد الفنون التطبيقية، مدرساً للتقنيات ورئيساً لقسم الخزف، حيث أسس مشغلاً لصبّ الأعمال الفنية بالبرونز وفرعاً للفخار والخزف، كما أسس صالة عرض سماها «بيت الرؤى للفنون الجميلة»، يقول عنها: إنها «ساهمت إلى حدٍ كبير في ربط الجمهور مع الفن التشكيلي، وبث ثقافة الفن».

توجّه زكي سلام في بداياته، إلى الفن التشكيلي بمعناه الواسع؛ إذ كانت له تجارب في التصوير والحفر والخزف. غير أن توجهه الأساس كان للنحت وتقنياته المختلفة، وبحثه المستمر عن إمكانات التعبير والتشكيل لهذه المواد، «كان التعبير دائماً هدف الفن لدي، متناولاً ما يدور حولي في الحياة، وحياة المخيم تحديداً، وهو بشكل ما صورة للصراع مع العدو وإفرازات هذا الصراع وأثره علينا. رصدت ذلك من الجانب الوجداني؛ إذ يحضر الإنسان عندي أو ما ينوب عنه معبراً عن حالات معينة».

من أعمال الفنان زكي سلام (الشرق الأوسط)

وباندلاع الأحداث في سوريا، قبل 12 عاماً، سافر زكي سلام إلى الجزائر على غرار الآلاف من المواطنين السوريين وغير السوريين. يقول عن هذه التجربة التي تركت فيه أثراً بالغاً، إنساناً وفناناً»: «وجودي هنا في الجزائر قصة لجوء إضافية. كنت أعيش لاجئاً في مخيم اليرموك بدمشق، وكان قرارنا العائلي أن نغادر جراء الأحداث التي شكّلت بداية الحرب في سوريا، والتي توقعنا أن تنجرف إلى أحداث أكثر عنفاً ودموية. قررنا التوجه إلى الجزائر وكانت أقرب ما تكون إلى صورة بنيناها في خيالنا كما نحب لا كما الواقع. وهكذا كان، تركنا الاحتمال الأكبر أن تنتهي الأحداث في سوريا ونسعد بزيارة الجزائر، ومن ثم نعود إلى بيتنا وحياتنا. إلّا أن الزمن قد طال لأكثر من 10 سنوات بحلوها ومرّها. كنا في مهب ريح اقتلعتنا الحرب بعيداً عن مسرح ماضينا ولم يعطنا المكان الجديد أيّ صورة واضحة لمستقبلنا، وكان لزاماً علينا في تلك الظروف أن نعيد بناء حياتنا حجراً حجراً، ونبتةً نبتة مستثمرين ما منحنا الخالق من حياة وصحة بأفضل الممكن. أشعر أحياناً بأن الزمن توقف، رغم محاولاتنا الدائمة للمضي قدماً وتجاوز العوائق والاستمرار بحمل رسالتي فناناً».

وفيما يخصّ الهجرة إلى الجزائر وأثرها على فنّه، يقول سلام: إنها تجربة معقّدة «تتعايش فيها متناقضات لا يُتوقع أن تتجاور وتتعايش، وقد بدت وكأنها قدر مكتوب على الرغم من إيماني بأن الإنسان حر الخيارات». المحطة الأولى كانت أولاد سيدي إبراهيم الديس قرب بوسعادة، لم يكن يعرف شيئاً عن المكان والمدينة التي تعدّ بوابة الصحراء، وملهمة الفنانين المعروفة بهدوئها وهو القادم من صخب عاصمة الأمويين. يحكي سلام عند وصوله إلى البلدة الصحراوية، فيقول «نزلنا في بيت كبير في ضيافة أحد الأصدقاء. بيتٌ يجاور الجبل والوادي في أقصى نقطة بالقرية، هذا المكان أعطاني إمكانية أن أكون مع ظرفي الشخصي نحاتاً بدوام كامل، حيث لا علاقات ولا التزامات اجتماعية، لا أهل ولا أصدقاء ولا عمل، كانت 24 ساعة في اليوم مُلكاً للنحات الذي يسكنني».

تسنى له في بوسعادة، مع الوقت، التعرف إلى العديد من الفنانين من أهل المنطقة، وهم كُثر وكانوا نعم الناس ونعم العون لنا». وتعرف سلام أيضاً إلى فنانين من التاريخ مرّوا ببوسعادة، التي كانت جاذبة للمبدعين؛ الأمر الذي وفّر له فرصة لبداية عرض أعماله، والتعرف إلى مزيد من الفنانين في المعارض التشكيلية التي شارك فيها.

بعدها انتقل إلى مدينة في غرب البلاد. يقول عن هذه التجربة الجديدة: «ساقني القدر مرة ثانية إلى مدينة أخرى، عريقة بتاريخها وفنها وثقافتها ومعمارها. تلمسان المختلفة تماماً كمدينة أخرى وتجربة أخرى، أستطيع القول إن فني في هذه الفترة أصبح ملتصقاً بي ويعبّر بحساسية أعلى عني، ورغم إحساسي بالوحدة هنا فأنا مؤمن بأن العالم الذي نعيشه هو تصور جماعي ينقله جيل إلى آخر، ويضيف إليه. وبذلت لكي أكون في سياق هذا مؤمناً بأن الفنان قادر أن يضيف انعكاسه، على الحياة في المكان والزمان».

نظّم زكي سلام معارض عدّة فردية طيلة مدة وجوده في الجزائر، وله العديد من المشاركات في المعارض التشكيلية بمختلف محافظاتها، وهو يعيش حالياً مع أسرته في تلمسان بأقصى غرب الجزائر.

منحوتة تظهر مجموعة من النساء المهاجرات (الشرق الأوسط)

ولكن، كيف ومتى اكتشف الفنان سلام قدرته على الإبداع، وما هي الأدوات التي يشتغل بها؟

يقول: «ما من اكتشاف هنا. كان الفن منذ بداية الوعي لدي مغرياً للتعبير. فالعملية الإبداعية هي في واحدة من جوانبها المهمة بناء صلة لا تنفصل مع الروح، فتعكس الحياة الداخلية لمنتجها وتبثها في الحاضر، وقد أسعفني الحظ بوجود بعض الأدوات البسيطة كأدوات الرسم وآلة التصوير والطين والجبس، إلى الخشب والحجر والفخار والخزف، ومن ثمّ إلى البرونز، وتجارب أخرى في مواد حديثة».

وعن موقع فلسطين وحياة اللجوء في سوريا والجزائر، بمنحوتاته، يوضح سلام: «الحياة المعاشة هي المصدر الأساسي على ما أعتقد. وقد كان صدق التجربة في الفن هو المعيار لقيمته، وبالتالي يعكس رؤيتنا الذاتية لما يدور حولنا وفي وجداننا حول الحياة والوجود. وكون جل حياتي في المخيم، فإن هذا أكثر ما أثّر فيّ عامة وبتجربتي خصوصاً، وأعطى لفني مساره الذي هو عليه وموضوعاته التي ما انفكت ترصد ما أُحس به، بالمعنى الشخصي لوجودي ومن حولي من فلسطينيي المخيم ومعاناتهم المختلفة جراء اللجوء والجرائم المتكررة في حقهم، منذ النكبة الأولى عام 1948 وإعادة إنتاجها مراراً وتكراراً إلى يومنا الحاضر، فالنسوة ينتظرن عودة رجالهن الغائبين ومواكب الشهداء تعبر بانتظام شوارع المخيم والوجوه الصامدة الصابرة المتحدية، جزءٌ من الموضوعات التي حضرت في أعمالي من دون جهد مني».



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.