إلياس الرحباني... غرّد على شجرة العائلة وبعيداً عنها

غسان الرحباني عن والده: نجح في ابتكار هوية فنية مستقلّة عن أخويه

إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
TT

إلياس الرحباني... غرّد على شجرة العائلة وبعيداً عنها

إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

في مخيّلة شقيقته إلهام، ما زال إلياس الرحباني الطفل المشاغب الذي علّمها تنفيذ المقالب، وكان يتحايل على الأخوين الكبيرين عاصي ومنصور كي لا يذهب إلى المدرسة. حمل إلياس الرحباني الكثير من روح الدعابة تلك، فعُرف بنُكاته وخفّة ظلّه. كما انعكست شعلة الفرح على أغانيه التي شكّلت مهرجاناً من النغمات والحكايات الملوّنة.

كبر إلياس في كنف عاصي ومنصور بعد وفاة والدهم وهو بعدُ في الخامسة من عمره. فكان الشقيقان اللذان يكبرانه بحوالي 14 سنة، بمثابة الأب بالنسبة إليه. وكما يخترع الأب الألعاب لأولاده ويقدّم لهم الأفضل، احتضن عاصي ومنصور شقيقهما الأصغر وأحضرا له أهم أساتذة الموسيقى. أحاطاه بالحنان والألحان.

إلياس الرحباني مع ولدَيه (أرشيف غسان وجاد الرحباني)

يستذكر غسان الرحباني والده، الذي رحل في 4 يناير (كانون الثاني) 2021، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّ «وجود عاصي ومنصور إلى جانبه شكّل حافزاً فنياً لإلياس، وهو رغم مرور السنوات بقي ينظر إليهما وكأنهما أبَويه». ويتابع: «منذ كان في المدرسة، اعتاد أن يشارك معهما في حفلات البدايات غناءً وعزفاً وتمثيلاً، بالتزامن مع دراسته المكثّفة للعزف على البيانو والتي كانت تمتدّ في معظم الأحيان إلى 8 ساعات يومياً».

الموسيقار إلياس الرحباني (أرشيف غسان وجاد الرحباني)

بين إيقاع الحداثة ووتر الفرح

حَلُمَ إلياس الرحباني بأن يصبح عازف بيانو محترفاً، لكنّ عطباً أصاب يده اليمنى حالَ دون ذاك الحلم. فغرق ابن الـ18 عاماً في صدمةٍ مؤقّتة، سرعان ما حوّلها إلى ثورةٍ موسيقية كرّس من خلالها هويته الفنية المستقلّة كمؤلّف موسيقيّ.

منحَه عاصي ومنصور الثقة فضمّاه كمؤلّف إلى مسرحهما، لكن من دون أن يبدّلا الاسم إلى «الإخوة رحباني». يعزو منصور السبب إلى أنهما كانا قد انطلقا وعُرفا كـ«الأخوين»، قبل سنواتٍ عدّة من انطلاقة إلياس.

أما هو ومنذ البداية، فلم يجلس في ظلّ الأخوين. كان غصن الشجرة الرحبانية الذي انطلق منه «طير الوروار» وغيرها من أغنيات فيروز التي دخلت التاريخ، مثل «ليل وأوضة منسيّة»، و«لا تجي اليوم»، و«حنّا السكران»، و«كان عنا طاحون»...

يتذكّر غسان والداً أمضى معظم عمره في الاستديو بين التأليف والتسجيل. «لإلياس بصمةٌ خاصة، أسلوبه الموسيقي متحرّر وصادم. مَن كان ليتجرّأ على إدخال الجيتار الكهربائي إلى مقدّمة أغنية كـ(ليل وأوضة منسيّة) مثلاً؟»، يسأل غسان ويتابع: «لم يكن سهلاً أن يستقلّ إلياس فنياً عن عاصي ومنصور وأن يبتكر هوية جديدة خاصة به، لكنه نجح في ذلك. وفي الوقت نفسه صنع أغنية رحبانية صافية، طالعة من مدرسة الأخوين».

بين مشروعه الفني الخاص ومشروع أخويه الذي صار مع الوقت جزءاً لا يتجزّأ منه، مشى إلياس الرحباني دربه على إيقاع الحداثة والتطوير ووتر الفرح. إحدى متفرّعات تلك الدرب كانت مهرجانات بعلبك، التي تعود إلى ذاكرة غسان الرحباني البصريّة، على هيئة موكب سيارات يتوقّف أمام المنزل العائلي في بكفيّا صيفاً وينتظر الرحابنة ليقلّهم إلى القلعة: «كانوا يخرجون واحداً تلو الآخر معتمرين قبّعاتهم الشهيرة، ونحن الأولاد نصطفّ عند الباب لنودّعهم».

أما عن أكثر عمل حفر في مخيّلته، فيقول: «أُصبتُ بالدهشة يوم شاهدت مسرحية (ناطورة المفاتيح) في بعلبك. كنتُ حينها في الـ8 من عمري». وفي بيت الدين كانت لحظة ذهول أخرى بالنسبة إلى غسان، عندما شاهد مسرحية والده الأولى «أيام صيف» في مطلع السبعينيات والتي ضمّت وديع الصافي، ونصري شمس الدين، وملحم بركات، وهدى، وجورجيت صايغ، ومروان محفوظ...

لهؤلاء ولغيرهم من أعمدة الأغنية اللبنانية، أعطى إلياس الرحباني ألحانه وكلماته. ومع صباح، شكّل ثنائيّة فنية مضيئة، فكانت بطلة مسرحيته الثانية «وادي شمسين».

تلمع عينا غسان الرحباني عندما يستحضر ذكريات الطفولة في مسرح البيكاديللي: «كنا صغاراً ريما، وجاد، وأسامة، وأنا، نتسلّل إلى الكواليس ونتنقّل بين غرف الممثلين... نراقب تحضيراتهم لعرض الماتينيه يوم الأحد، من إلصاق الشاربين والحاجبين والتبرّج. كنت أشعر أنّهم أقرباؤنا: إيلي شويري، ملحم بركات، جوزيف ناصيف وغيرهم من ممثلين وراقصين... ثم ألمح فيروز وألوّح لها فتردّ عليّ مستعجلة. أنتظرها إلى ما بعد العرض الذي كنت أشاهده من الكواليس. أراها تضع نظّارتها السوداء ومنديلها قبل الخروج من قاعة المسرح».

كان لتلك الأجواء فِعلُ السِحر على الجيل الرحبانيّ الثاني وعلى غسان، الذي يقول إنّ والده إلياس لم يكن يصطحبه وشقيقه جاد إلى المسرح للتأثير عليهما، فهو لم يرغب كثيراً بدخولهما مجال الفن.

من اليمين: أسامة، ليال، غسان، وغدي الرحباني (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

ما أخفَتهُ الضحكة من غصّات

خلف بسمة إلياس التي عُرف بها، اختبأ حزنٌ عميق رافقه حتى آخر أيامه. بين حقوق المؤلّف الضائعة، وخيبة الوطن الذي حاول أن يهجره في منتصف السبعينيات ولم يستطع بسبب الحنين، عاش الرحبانيُّ الثالث.

ورغم ذلك، أصرّ على تقديم صورةٍ جميلة عن لبنان أكان في الإعلانات التي ألّفها أم في الأغاني. فهو الذي لحّن «عم بحلمك يا حلم يا لبنان» لماجدة الرومي، وصنع عشرات الأغاني الوطنيّة. حتى في أوج أيام الحرب وسنواتها، حوّل بيته إلى استديو واستمرّ في إنتاج أغاني الفرح.

بموازاة إنتاجاته الشرقية، شكّل إلياس الرحباني جسراً موسيقياً بين لبنان والمنطقة العربية من جهة، والقارة الأوروبية من جهة ثانية، عبر أغانٍ فرنسية وإنجليزية وإيطالية ألّفها لحناً وكلاماً وفازت بجوائز عالمية. ومن أبرز الفنانين الذين قدّموا تلك الأغنية، سامي كلارك.

ولعلّ أهم إنجازات إلياس الرحباني الموسيقية أنه حطّم الجدار الفاصل بين الجمهور والمقطوعة الصامتة، فسوّق لهذا النوع الموسيقي من خلال معزوفاته على البيانو التي لم تكُن بحاجةٍ إلى كلامٍ يرافقها حتى تدخل إلى قلوب المستمعين وذاكرتهم، من بينها شارات المسلسلات والأفلام مثل «عازف الليل»، و«آلو حياتي»، و«لا تقولي وداعاً»، و«دمي ودموعي وابتسامتي»...

إلياس الرحباني قائداً الأوركسترا في مسرح البيكاديللي في بيروت (أرشيف غسان وجاد الرحباني)

لم يبقَ بابٌ موسيقي إلا وفتحه إلياس الرحباني. من الأغنية العربية إلى تلك الغربية، من المسرحيات إلى المقطوعات الكلاسيكية، من شارات المسلسلات إلى أغاني الأطفال. أما في عالم صناعة الإعلانات الإذاعية والتلفزيونية، فكان رائداً. علقت كلمات إعلاناته وألحانها في الذاكرة الجماعيّة، وانتقلت عبر الأجيال كما تنتقل الأغاني.

إلى عالم الإعلانات دخل غسان وجاد الرحباني صغيرَين، فمثّلا في بعض تلك الأفلام الدعائية ووضعا صوتيهما عليها، قبل أن يرثا الموسيقى بكل متفرّعاتها عن والدهما إلياس.

«تشرّبتُ حس النقد من أبي ثم شهدت على بشاعة الحرب، لذلك صنعت أغنيةً ثائرة»، يقول غسان الرحباني. ربما لم تُحدث الثورة الغنائية تغييراً، لكنّ الجيل الرحبانيّ الثاني ما زال يؤمن بلبنان الذي أورثهم إياه الجيل الأول.

يتابع غسان: «كان إلياس معجباً بأعمالي التي تدافع عن المظلومين وعن الحق وعن البيئة وتفضح الظلم والفساد»، أما النصيحة التي كان يكررها: «اكتب وغنّي لجميع اللبنانيين وليس لفئة معيّنة أو لزعيم. الرحابنة لا يغنّون الأشخاص بل الأوطان».

اليوم، لا يفرض جاد وغسان الرحباني دراسة الموسيقى على أولادهما. يمنحونهما حرية اختيار الذهاب إلى «أكاديمية إلياس الرحباني»، حيث يتعلّم أطفالٌ كثيرون أصول العزف والموسيقى، ويُحيون على طريقتهم ذكرى إلياس الرحباني.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».