رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني

بسبب نوبة قلبية مفاجئة وعن عمر 52 عاماً

رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني
TT

رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني

رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني

صادم خبر وفاة الشيف رمزي. فالرجل لم يكن مريضاً ولا عجوزاً، بل بالكاد تجاوز الخمسين من العمر، وقضى إثر تعرضه لنوبة قلبية مفاجئة مساء الأحد، أودت به. صحيح أنه لم يطلّ على شاشة تلفزيونية منذ سنوات، لكنه نجم ذائع الصيت، حصد من الشهرة، ما يجعله باقياً في البال والضمير، خاصة عند ذاك الجيل الذي كان يشاهده يعدّ أطباقه كل يوم في برنامج «عالم الصباح» على «تلفزيون المستقبل».

بوفاة الشيف رمزي نديم شويري، يفقد لبنان وجهاً محبوباً، وطبّاخاً غاية في الطموح والحيوية، يتطلع دائماً إلى الأمام، وله مكانة خاصة عند كل من عرفه نظراً لدماثته، وطيبته، وخلقه الكريم، وابتسامته التي لا تفارق وجهه.

وُلد رمزي شويري عام 1971 وتعلم في مدرسة الجمهور في لبنان، وأكمل دراسته في مدينة ليون في فرنسا، وحاز شهادة جامعية في القانون والاقتصاد. أما الطبخ، فدرسه في إنجلترا، جامعة لندن، كلية برنموث، وتدرب بعد ذلك على يد الشيف الفرنسي المعروف جان ماسون، ثم درس صنع الحلويات والمخبوزات على شيف فرنسي آخر هو برنار موان.

التحق سنة 1993 بمؤسسة «الكفــاءات» التي أسسها والده، ونجح في جعلها قصة نجاح، وأصبح رمزي المدير العام لمدرستها الفندقية منذ 1995، وعضواً في مجلس أمناء المؤسسة، وطوّر المدرسة لتصبح سنة 2001 معهداً جامعياً للفنون الفندقية.

لكن موعد الشيف رمزي الحقيقي مع الشهرة، كان عام 1994 عبر «تلفزيون المستقبل»، يوم كان هذا الأخير في أوج ازدهاره، وانضم الشيف رمزي إلى برنامج «عالم الصباح»، في فِقرة خاصة، ليطل على المشاهدين يعلمهم الطبخ، ويمدهم بالوصفات والإرشادات، ويجيب عن أسئلتهم مباشرة على الهواء. سطع نجم الشيف رمزي بسرعة، ولعله كان الطباخ العربي الأول الذي يعيش مجداً من هذا النوع. وجهه السمح، إطلالته المحببة، صوته العذب، ووضوح الشرح، مع قدرته الفائقة على إعطاء الوصفات للمتصلات عبر الهاتف بتلقائية ويسر، كلها صنعت صورة بهية لشيف لا يضاهى.

بعد أن سجّل وقدّم على الهواء مباشرة، ما يزيد على ألفي حلقة طوال 17 سنة في «تلفزيون المستقبل»، غادر هذه المؤسسة، وقال إن التصوير اليومي أرهقه وعدم تطوير برنامجه أزعجه. انتقل بعدها إلى المؤسسة اللبنانية للإرسال وأطل يوم الجمعة في فِقرة أسبوعية خلال برنامج «حلوة ومرة».

يوم أصدر كتابه الأول للطبخ من موسوعته، وكان ذلك عام 1998، حقق رقماً قياسياً في المبيع في العالم العربي كله، وكتبت عنه كبريات الصحف والمجلات العالمية.

كتاب الشيف رمزي هذا استحق أن يقام له جناح في معرض الكتاب العربي في بيروت. يومها طبخ الشيف وقدّم أطباقه للزوار، واصطفت الحشود الغفيرة حوله، لرؤية النجم التلفزيوني الشهير، حتى تحول إلى أهم عارضي الكتب دون منازع، في حين كان مفكرون وسياسيون وشعراء يوقّعون كتبهم في هدوء ومن دون أن ينتبه لهم أحد.

طموح الشيف رمزي كان عارماً، وحيويته على قدر مشاريعه وأحلامه التي لا تُحدّ، دائم الحركة، متجدد الأفكار. في عام 2001 أطلق شركة «الشيف رمزي» للأطباق الجاهزة والمجلدة، وصدّر منتجاته إلى دول كثيرة. والعام الذي تلاه أصدر كتابه «الشيف رمزي من تراث لبنان»، وهو خلاصة تجربته طوال 3 سنوات من التجوال في المناطق اللبنانية والقرى والبلدات، متعرفاً على الوصفات التراثية من مصادرها الأولى، وتلك كانت خطوة مهمة لأرشفة طرق تحضير الأطباق، باختلافاتها المناطقية، وغنى تعدديتها.

من الصعب الحديث عن كل إنجازات الشيف رمزي؛ فقد كان طاقة خلاّقة لا تلكّ. بعد الكتب، أصدر عام 2003 مجلة «الشيف رمزي» الشهرية، ولقيت نجاحاً لبنانياً وعربياً.

نعرف بعض ما نشط به الشيف المحبوب ولا نعرف البعض الآخر. فقد تولى مسؤولية مطبخ «المقهى الأدبي» التابع للسفارة الفرنسية ومركزها الثقافي، ويرتاده طلاب الجامعة اليسوعية المجاورة، كما مثقفون وكتاب، وتنظم فيه جلسات فكرية وحوارات ونقاشات. يروق للشيف رمزي هذا النوع من التحديات، حيث تختلط الثقافة الأدبية بثقافة الطهي على مائدة واحدة. في هذا المطعم الذي توالى عليه طباخون كبار قبله، خلط الشيف رمزي بين المطبخ اللبناني والفرنسي الذي يعرفه جيداً، واستقبل ضيوفه شخصياً في الأمسيات الثقافية، واستمع إلى آرائهم في أطباقه، واقتراحاتهم.

هكذا هو الشيف رمزي طاقة لا تنضب، ومشاريع ولاّدة، حين باغتته المنية كان يخطط لفتوحات جديدة، مع أصدقاء المهنة. لم يصدقوا خبر وفاته ونقاشات العمل كانت لا تزال حارة معه. الشيف لن يتمم ما بدأه معهم، ذهب من دون أن يخبرهم، وهو واصل للتو من رحلة خارجية.

لن ينسى اللبنانيون أبداً أن الشيف رمزي قاد معركة وطنية وأدخل صحن التبولة وصحن الحمص في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية. قرر يومها أن يقول للعالم اجمع إن صحن الحمص لبناني وإن الاستيلاء عليه ممنوع. قاد الشيف رمزي معركته يومها بمعونة 250 طباخاً متدرباً من مدرسة «الكفاءات»، يحيط بهم 30 طباخاً محترفاً وأستاذاً ومراقباً صحياً من كوادر مدرسة «الكفاءات».

ليس ذلك فحسب؛ فقد انبرى الرجل ليؤكد لبنانية صحني الحمص والتبولة معاً، من خلال دراسة مشوقة وقيمة، وضعها بين يدي المسؤولين اللبنانيين، لتكون معيناً لهم أمام الهيئات الدولية لتسجيل هذين الطبقين كمِلك لبناني في الدوائر القانونية، وخصّ «الشرق الأوسط» في حينه بجانب منها لنشرها وإطلاع قرائها عليها.

وأثبت الشيف في دراسته أن إنتاج الطحينة في لبنان مطلع القرن التاسع عشر، هو الذي فتح الباب أمام صحن الحمص. كان اللبنانيون، ولا يزالون، يستوردون السمسم من السودان، ويطحنونه وينتجون الطحينة التي أدخلت في الوصفات. وشرح الشيف رمزي يومها أن الفكر المطبخي اللبناني أبدى عبقرية بتحضير طبق يعدّ تقنياً من الوصفات الصعبة وهي «الأرنبية» بمزج الطحينة مع أكثر من ستة أنواع من الحمضيات. «لذا؛ لن يستحيل عليه أن يصل إلى مزج (البليلة) ذات الحمص الحب المسلوق الطري بالطحينة. فهل يستعصى إضافة القليل من الثوم المدقوق والملح، وتقديم الصحن مزيناً بالذهب اللبناني، أي زيت الزيتون؟».

كان الشيف رمزي عربياً غيوراً، ولبنانياً حتى الثمالة، لم يجوّد طبخاته فحسب، بل كان باحثاً ودارساً ومؤرشفاً، مهتماً بالعناصر الرئيسية التي تشكل الطبخات التراثية، ومنها زيت الزيتون، والحمضيات على أنواعها، والبرغل. لكن هذا لم يحُل دون انفتاحه على الثقافات الأخرى، وتجاريبه أطعمة من مطابخ العالم، وعلاقاته الوثيقة مع أوروبيين وأميركيين، ومطابخ عالمية مختلفة.

رحيل الشيف رمزي أصاب اللبنانيين بحزن شديد، فهو جزء من يومياتهم على مدى سنوات طوال. كان يكفي أن يضع صورته على الكتاب الذي يصدره حتى يقبل عليه الجمهور. وبإعلان خبر وفاته ليل الأحد، ساد حزن شديد، وتحول الى التراند الأول في لبنان على وسائل التواصل الاجتماعي ونعاه أصدقاؤه وأحبته، ومتابعوه. وكتبت سهى شعبان: «الشيف رمزي يعني (عالم_الصباح) يعني (تلفزيون_المستقبل)، يعني المطبخ اللبناني الذوّاق، يعني مرحلة من حياتنا حبيناها كتير، وتندثر مع اندثار نجومها وأبطالها».


مقالات ذات صلة

كيف تصححين الأخطاء في المطبخ وتنقذين أطباقك بسهولة؟

مذاقات هناك أيضا عدة حلول للتخلص من الملح الزائد في الطبخ (شاترستوك)

كيف تصححين الأخطاء في المطبخ وتنقذين أطباقك بسهولة؟

لا يخلو المطبخ من الأخطاء، فحتى أمهر الطهاة قد يضيفون مقداراً زائداً من الملح، أو يبالغون في الثوم، أو يتركون طبخة على النار أكثر مما يجب.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات أطباق شعبية شهية (أفضل 50 مطعما)

أين تأكل في مومباي بميزانيات مختلفة؟

من المقاهي والمطاعم العادية إلى مطاعم الطهاة المشهورين، وكل ما بينهما، تتيح أفضل مطاعم مومباي طيفاً واسعاً من الأسعار والأنماط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات ريتز لندن (إنستغرام)

ما هي أفضل المطاعم في لندن خلال موسم الأعياد؟

ديسمبر (كانون الأول) في لندن يرافقه سحر خاص، ومن الأصح أن نقول إن السحر يبدأ من منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) حين تضاء شوارع المدينة بزينة العيد.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات تارت الشوكولاته... فخامةُ المذاق على موائد الأعياد

تارت الشوكولاته... فخامةُ المذاق على موائد الأعياد

في قلب الأجواء الساحرة لعيد الميلاد، تتربع الشوكولاته على عرش الحلويات بلا منازع. إن موسم الأعياد، الذي يزهو برائحة الطعام الدافئة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات يعتبر البابا غنوج من أطباق التغميس الشهيرة (إنستغرام)

أفكار لتحضير صلصات «الغمس» رفيقة موائد العيد

يختصرها متذوقوها بكلمة «Dip» وتعني صلصة الغمس أو «التغميس». تحضر في الجلسات الدافئة بين الأصدقاء. كما ترافق المناسبات والسهرات والأعياد.

فيفيان حداد (بيروت)

قبر مصري يغرق في عسل النحل... ما قصته؟

عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
TT

قبر مصري يغرق في عسل النحل... ما قصته؟

عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)

في واقعة غريبة وجدت صدى كبيراً في مصر، وجد أهالي قرية بمحافظة المنوفية (وسط الدلتا) نحو 13 خلية عسل داخل أحد القبور، واستخرجوا منها نحو 25 كيلو عسل، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وتحدث أبناء القرية عن هذا القبر وأن آخر شخص دفن فيه كان قبل نحو 5 سنوات، كان رجلاً طيباً صالحاً، وعدّوا وجود النحل وهذه الكميات الكبيرة من العسل دليلاً على صلاح المتوفى المدفون في القبر.

وأشار أحد أبناء القرية في مقطع فيديو بثته مواقع محلية إلى أنهم حين فتحوا القبر ليدفنوا فيه جثة متوفى وجدوا أفواجاً من النحل، ونحو 13 خلية بداخل القبر، ووجدوا خلايا العسل تنز داخل القبر من فرط التعتيق، فقد أغرقت رفات الموتى المدفونين بالمقبرة، وقال إن الرفات غارق في العسل.

وسبق إلقاء الضوء على حدث مشابه في مصر، فقبل 7 سنوات وجد الأهالي أن النحل يسكن قبر أحد الشهداء بإحدى قرى محافظة الغربية، وتحدث أبناء القرية عن الطريقة التي دخل بها النحل وكيف أنه حفر في الإسمنت الذي يغلف المقبرة، وعدّوا ذلك دليلاً على الرائحة العطرة التي فاحت من القبر وجعلت النحل يحفر الإسمنت ليدخل إليه، وفق حديث الأهالي لأحد المواقع الإخبارية المحلية.

من جانبه، استبعد الأستاذ بمعهد البحوث الزراعية، الدكتور خالد عياد، هذا الأمر، وقال «إن مثل هذه القصص لا يمت للواقع ولا للعلم بصلة»، وعدّها «محاولة بائسة لتصدر (الترند) أو البحث عن مصدر شهرة من خلال اختلاق وقائع بهذا الشكل»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط». وأضاف أنه «علمياً لا يمكن للنحل أن يعيش داخل قبر لما يحتويه هذا القبر من روائح تعفن الجثث».

إنتاج العسل يتطلب بيئة خاصة للنحل (وزارة الزراعة)

وأشار إلى وجود أنواع من النحل تعيش في أنفاق من التربة ولكنها لا تنتج عسلاً، واصفاً ما يشاع حول وجود كمية من العسل في المقابر وأنها أغرفت الرفات بأنها «مجرد إشاعات وأقاويل لا تمت للمنطق أو للعلم بصلة، والهدف منها الشهرة أو تحويل المتوفى إلى ولي صالح، وهي أمور شائعة في أوساط غير المتعلمين». وقال عياد إن مقطع الفيديو المنتشر يتحدث عن 13 خلية وهو يقصد 13 طرداً، والطرد يكون به قرصان، والطرد الواحد به ما لا يقل عن 3 آلاف نحلة، فمن أين أكلوا أو شربوا وكيف عاشوا في مكان كهذا؟ ومن المعروف أن النحل يكوّن طروده على جذوع الأشجار أو في مكان به طعام أو ما يفرز الرحيق، وهو أمر لا يمكن أن يتوافر في القبر، ما يؤكد أن هذه القصة غير حقيقية ولا تمت للواقع بصلة، ولا تستهدف سوى جذب المشاهدات وتصدر (الترند)».

ولم يصدر أي رأي ديني صريح في هذا الأمر، وإن كانت دار الإفتاء المصرية قد أصدرت فتاوى عن حكم تنظيف المقابر لتفادي الأذى من أعمال السحر وغيره، مؤكدة أن هذا الأمر لا يجوز إلا للضرورة القصوى، عادّة أن أعمال السحر وخلافه مجافية للعقل ولا تؤثر في الواقع.


نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء حول كتاب توثيقي

تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)
تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)
TT

نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء حول كتاب توثيقي

تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)
تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)

بسبب ما وصفته مكتبة الإسكندرية بالتصرف الأحادي من قبل هيئة الدواء المصرية، ومخالفة عقد إصدار كتاب توثيقي مشترك يرصد تاريخ وحاضر صناعة العلاجات في مصر بعنوان «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن»، نشبت بوادر نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء المصرية.

وأكدت المكتبة، في بيان، الخميس، أن الكتاب عمل علمي توثيقي يندرج ضمن اختصاصها الأصيل في حفظ وتوثيق التراث المصري العلمي والحضاري، ورصد تطور المعرفة الإنسانية في مختلف المجالات، ومن بينها مجال العلاج وصناعة الدواء.

«التصرف الأحادي من جانب هيئة الدواء المصرية» حسب ما ورد في بيان المكتبة دفع الأخيرة للتأكيد على احتفاظها بكافة حقوقها القانونية والأدبية المتعلقة بالكتاب، وفقاً لأحكام القوانين المنظمة للملكية الفكرية والعقود، وبما لا يخل بحقوق الشركاء أو ما تم الاتفاق عليه تعاقديّاً.

وأشارت المكتبة إلى أنها استخرجت رقم إيداع خاصاً بالكتاب، فضلاً عن الترقيم الدولي من دار الكتب والوثائق القومية في شهر أغسطس (آب) 2025، وفقاً للإجراءات القانونية المعمول بها، قبل إتمام مراحل الإخراج النهائي والطباعة. ورقم الإيداع هو: 16651/2025، والترقيم الدولي: 978-977-452-778-7.

وقالت المكتبة إن الكتاب التوثيقي قام بإعداده نخبة من المتخصصين الأكاديميين العاملين بمكتبة الإسكندرية، وتم التوثيق وفق خط زمني دقيق.

من جهته، ردّ الدكتور علي الغمراوي رئيس هيئة الدواء المصرية على بيان مكتبة الإسكندرية بقوله إن «ما جاء في بيان المكتبة غير حقيقي، ولا تعليق عليه». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الكتاب يخص هيئة الدواء مائة في المائة، وهي التي قامت بإعداده، ولا علاقة له بما تتحدث عنه المكتبة، فالمادة التي يتضمنها الكتاب من حق الهيئة»، وفقاً لقوله، و«هي خاصة بعلماء وباحثين معتمدين منها، وتملك المؤسسة شهاداتهم، ولا علاقة لهم بالمكتبة، وما جاء في البيان محض افتراء، وليس لباحثي مكتبة الإسكندرية علاقة بما يتضمنه كتابنا التوثيقي»، مضيفاً أنه «لا توجد كلمة واحدة في كتابنا تطابق ما جاء في بيان المكتبة. سنتحمل المسؤولية كاملة، وحقوق ما جاء فيه من ملكية فكرية تخصنا، ولا تخص سوانا».

مكتبة الإسكندرية تضم العديد من المشروعات الخاصة بتوثيق التراث (مكتبة الإسكندرية)

في المقابل، قالت الدكتورة الشيماء الدمرداش، مديرة مشروع إحياء كتب التراث بمكتبة الإسكندرية، إن المكتبة لا تتهم أحداً، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان المكتبة بشأن كتابها المتفق عليه مع هيئة الدواء واضح، ورصدت فيه كل تفاصيل الاتفاق، بدءاً من تحديد الاسم، ثم أقسام الكتاب، وتفاصيل مادته، التي أعدها باحثو المكتبة وهي تطابق ما خططنا له مع الهيئة، ونحن نتشاور بشأن إصداره، ولفت المسؤول إلى أن وثائق تطور الدواء في العصر الإسلامي مملوكة للمكتبة، وهي ضمن أرشيفها، كما أن محتوى الكتاب وتسلسله الزمني يطابق تماماً ما اتفقنا عليه، ومن بين المشاركين في مادته الدكتور حسين عبد البصير مدير متحف الآثار بها، والدكتورة شيماء الدمرداش مديرة مشروع إحياء التراث بالمكتبة، والباحث محمد غنيمة مدير التوثيق بالمكتبة، والدكتور سامح فوزي رئيس مشروع ذاكرة مصر المعاصرة، فلا يوجد باحث واحد خارج مكتبة الإسكندرية يملك ما لدينا من أرشيفات ووثائق». وأضافت مديرة مشروع إحياء التراث أن «هيئة الدواء لم تكن لها مشاركة في الكتاب حسب الاتفاق سوى مشاركة بسيطة منها في الطباعة، واقتصر تعامل الهيئة مع مادة الكتاب على مراجع صحافي كان يتواصل مع المكتبة ليس أكثر».

وأكدت مكتبة الإسكندرية أنها «قامت بتسليم كامل المحتوى العلمي والتاريخي للكتاب إلى هيئة الدواء المصرية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وذلك لإجراء المراجعة النهائية قبل الإخراج النهائي تمهيداً للطباعة، وذلك بعد عشرات المراسلات والاجتماعات بين المؤسستين؛ التزاماً بأحكام العقد، وضماناً لدقة المعلومات، وسلامتها، واتساقها مع القواعد والضوابط التنظيمية المعمول بها، على أن يحمل الكتاب شعار المؤسستين، ويحفظ لمكتبة الإسكندرية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بها»، وفق بيانها.

ويتناول الكتاب التطور التاريخي لمنظومة العلاج والدواء في مصر، في إطار توثيقي بحثي غير تقييمي، بدءاً من العصور المصرية القديمة، حيث يوثق استخدام الأعشاب والنباتات الطبية في التداوي، وأساليب تحضير العقاقير الطبيعية، وتدوين الوصفات الطبية على البرديات وجدران المعابد، كما يتناول فن التحنيط بوصفه ممارسة طبية - تقنية أسهمت في تطوير المعرفة التشريحية وطرق الحفظ واستخدام المواد ذات الخصائص المطهرة والحافظة، ويمر الكتاب بالعصر الإسلامي، ونشأة البيمارستانات، وتطور أدوارها في تقديم الرعاية الطبية عبر العصور الإسلامية المختلفة، وتعليم الطب والصيدلة، ويتناول العصر الحديث، وتطور صناعة الدواء في سياقه المؤسسي والاجتماعي والسياسي، وحضور الدواء في السينما من منظور تحليل سوسيولوجي يدرس العلاقة بين الدواء والمجتمع ودور الفن والإعلام.

ويمتد العرض بعد ذلك إلى المرحلة الجديدة، في سياق تاريخي تحليلي غير تقييمي، يوثق ما أسهمت به هيئة الدواء المصرية من أدوار مؤسسية وتنظيمية في تطوير منظومة الدواء.

ويعتمد الكتاب، حسب بيان مكتبة الإسكندرية، على مخطوطات أصلية ووثائق تاريخية نادرة وصور حصرية من مقتنياتها، تم اختيارها وفحصها علمياً وفقاً للمعايير الأرشيفية المعتمدة، وتوظيفها في سياق بحثي وتوثيقي.


بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)
استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)
TT

بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)
استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)

في قلب العاصمة السورية دمشق، التي يطلق عليها في أنحاء البلاد وجوارِها «الشام»، تقبع المنازل الدمشقية العتيقة بتصميماتها الفريدة وزخارفها المنمقة وأشجارها المثمرة، حيث تبوح بأسرار من سكنوها قبل قرون ممن استمتعوا بالنسمات المنعشة وروائح الزهور بالصيف، وأشعة الشمس الدافئة في صحن المنزل في الشتاء.

وتشترك البيوت الدمشقية العتيقة في كثير من الأشياء، في مقدمتها «البحرة»، وهي نافورة مائية تتوسط فناء البيت، والإيوانات التي تطل على الفناء وأشجار النارنج (البرتقال المر) وأشجار الـ«يوسف أفندي»، كما يطلق عليها في سوريا، والياسمين، كما تتكون أغلبها من طابقين، ورغم المساحات الواسعة التي تتمتع بها هذه البيوت من الداخل، فإن جميعها يطل على حارات ضيقة ومتفرعة.

إيوان بأحد البيوت الدمشقية القديمة (الشرق الأوسط)

وقد عبّر المسلسل السوري الشهير «باب الحارة» عن هذه الأجواء التي باتت درباً من النوستالجيا عبر كلمات تتر بدايته «والدنيا بتضحك لما بنضحك، بتزين أفراحنا، وردة وبحرة ونارنجة، أحلى الأسامي، زينة الحارة فرجة للياسمين الشامي»، وقد احتضن بيت «نظام» التاريخي، أحد المنازل التي أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارتها، تصوير كثير من مشاهد المسلسل، ولا سيما لقطات «بيت أبو عصام» ضمن العمل.

البيوت تتضمن زخارف ورسومات نادرة (الشرق الأوسط)

وتخضع 3 بيوت أثرية في دمشق القديمة، تعود ملكيتها إلى محافظة دمشق، لترميم بدأ عام 2008، لكنه تَعطّل معظم الوقت بسبب الحرب والحصار. البيوت هي بيت السباعي، وبيت نظام، وبيت القوتلي، وينفذ هذا الترميم «صندوق الآغا خان للثقافة»، الذي قام بتوثيق كل موقع بدقة باستخدام أحدث التقنيات الهندسية والفنية لتوفير مسح تفصيلي للجدران والأسقف والأرضيات، قبل أن يبدأ فريق من الخبراء بأعمال ترميم الأجزاء الأشدّ تضرّراً في هذه المباني الجميلة، التي يحمل كل واحد منها هوية خاصة.

بيت السباعي

يبدو بيت السباعي من الخارج مجرد بيت عادي يتم الدخول إليه من خلال باب ضيق يطل على حارة ضيقة، لكن هذه الصورة تتبدل بمجرد الولوج إليه ورؤية مساحته الكبيرة وطرازه المعماري الفريد.

بيت السباعي يعد نموذجاً مميزاً للبيوت الدمشقية القديمة في القرن الـ18، ويحوي زخارف تمثل هوية دمشق في تلك الفترة، وفق المهندس بشر بري، المشرف على صيانة وترميم هذه البيوت القديمة ضمن مشروع صندوق الآغا خان للثقافة. ويشير المهندس بشر إلى استخدام الحجر الأسود البازلتي والرحيباني والرخام الإيطالي في بناء هذا البيت، بجانب زخارف الأبلق المنحوتة على الحجر بأشكال هندسية أو نباتية.

بيت السباعي لا يعاني الكثير من الأضرار (الشرق الأوسط)

وكحال البيوت الدمشقية القديمة، يتكون البيت من فسحة سماوية، يطلق عليها السوريون «أرض الديار»، وبحرة وإيوان جنوبي وقاعة رئيسية لاستقبال الضيوف، ويسمح ارتفاع سقف الإيوان بمرور تيارات هوائية بالفسحة السماوية مروراً بالبحرة وأشجار النارنج والياسمين والبرتقال، لتعود في النهاية إلى الجالس في الإيوان كنسائم عطرية ترطب الأجواء والنفوس.

ويقابل هذا الإيوان من الناحية الشمالية؛ القاعة الرئيسية التي كانت تخصص لاستقبال الضيوف، وتعدّ هذه القاعة من أندر القاعات الدمشقية العتيقة، لأنها مؤرخة بنصوص واضحة تؤرخ لإتمام القاعة في عام 1187 هجرياً، أو 1773 ميلادياً تقريباً، وفق المهندس السوري بِشر بِري.

المهندس السوري بِشر بِري (الشرق الأوسط)

واكتشف فريق الترميم الذي تم تدريبه من خلال «الآغا خان» في ألمانيا أن ألوان الزخارف الخشبية بالقاعة معتمة قليلاً، لأنها مطلية بطبقة حماية كيماوية غير أصلية، تجري إزالتها ببطء وحذر شديدين. ورغم إنجاز الكثير في بيت السباعي، فإن العمل ما زال مستمراً به، بعد التأكد طوال الوقت من عدم وجود تسرب لمياه الأمطار والرطوبة إلى أسقفه وإلى زخارفه النادرة، خصوصاً بالطابق العلوي الذي توجد فيه قاعة فسيحة مقسمة إلى قسمين، تفصل بينهما بحرة مائية رخامية، فيما تخفي بعض رسومات الجدار الأيمن خزائن داخل الجدار السميك، يتم استخدامها مكتبات للكتب والمصاحف، بينما تقود إحداها إلى شرفة تطل على فسحة البيت الزاخرة بالأشجار المثمرة والمعطرة، في مشهد يسر أعين الناظرين.

وعن كثرة انتشار «البَحرَة» في معظم قاعات وفسحات البيوت الدمشقية القديمة، يقول بشر لـ«الشرق الأوسط»: «هي كانت جزءاً أساسياً لكل بيت نظراً لتوفر المياه العذبة حينذاك على مدار 24 ساعة، وكانت تسهم في تلطيف الأجواء بشكل ملموس جداً».

بيت القوتلي

رغم أن بيت القوتلي يجاور بيت السباعي، فإنه مختلف عنه تماماً من حيث التصميم والمواد المستخدمة في البناء، وهو يعود إلى عائلة القوتلي أحد أشهر وأعرق العائلات السورية، ويرجح أن يكون قد ولد فيه الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي، الذي تنازل عن حكم سوريا لصالح جمال عبد الناصر، كي تقوم الوحدة بين البلدين عام 1958.

بيت القوتلي يخضع للترميم بنفس المكونات الأصلية (الشرق الأوسط)

ويعد عمْر هذا البيت أحدث نسبياً من بيت السباعي، إذ يعود للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصصت عائلة القوتلي هذا البيت للاحتفالات نظراً لامتلاكها العديد من البيوت الأخرى، ويتناسب البيت مع الطراز الباروكي الأوروبي، الذي انتشر في دمشق بشكل سريع جداً في القرن التاسع عشر، لكن مع حفاظه على روح البيوت الشامية حيث الفسحة السماوية والبحرة والإيوان الجنوبي.

وسكنت البيتَ عائلات فلسطينية مهجرة من نكبة عام 1948، ما أدى إلى تأذيه، خصوصاً مع ازدياد عدد الأسر الساكنة في البيت، فاستلمت محافظة دمشق البيت مجدداً.

بيت القوتلي كان مخصصا للحفلات (الشرق الأوسط)

ويعتمد طراز البيت على الأشكال الهندسية المنتظمة والعناصر المتكررة والمتناظرة، وكحال معظم بيوت دمشق القديمة فإن طابقه الأرضي مبني من الحجارة، والثاني من الطوب اللبن والخشب، ويمكن للمارة رؤية أساس الشرفات البارزة، التي تخضع لإعادة البناء، وهي مكونة من الأخشاب.

ويحتاج هذا البيت إلى عمل كبير ليستعيد سيرته الأولى، وعن ذلك يقول بشر: «إننا نستخدم نفس نوعية الخشب المورد من منطقة الغوطة، لكننا نقوم بعمل معالجة جيدة له، ثم نعمر الجدران والأسقف ونضع الزخارف حتى يعود إلى حالته الأصلية».

بيت نظام

ورغم الجماليات التي يتمتع بها البيتان السابقان، فإن كثيرين يعتبرون بيت نظام الأكبر والأجمل، نظراً لاحتوائه على كثير من الزخارف المنمقة والنادرة، بالإضافة إلى تكونه من 3 باحات متشابهة، تم تصوير بعض مشاهد الدراما السورية بها، خصوصاً «باب الحارة».

الباحة التي شهدت تصوير مشاهد «بيت أبو عصام» بمسلسل «باب الحارة» (الشرق الأوسط)

يؤكد بشر أن كثيراً من المواطنين العرب يعبّرون عن سعادتهم البالغة عند رؤية إحدى الباحات التي احتضنت مشاهد بيت «أبو عصام» ضمن أحداث المسلسل الذي شهد أشهر طلاق في أجزاء المسلسل بين «أبو عصام» و«سعاد».

ويتميز هذا البيت بكبر فسحته الداخلية وكثافة اللون الأخضر بها لاحتوائها على النارنج والياسمين والأكاديا والرمان، وهي أشجار صديقة لفناء البيوت، عكس أشجار النخيل والتوت التي تؤذي أساس وأرضيات البيوت، لكن شجعت المساحة الكبيرة للفسحة الرئيسية للبيت أصحابه على زراعة تلك الأشجار، والأرجح أن تجري إزالتها عند بدء الترميم من جديد لحماية البيت.

بيت نظام من أكبر البيوت العتيقة بدمشق (الشرق الأوسط)

وتعد القاعة الرئيسية في بيت نظام من أجمل القاعات الدمشقية وأكثرها ثراء في استخدام الزخارف المنحوتة والبارزة والمنقوشة على الصدف والرخام. واكتشف فريق الترميم أن اللون الأخضر الذي كان يسيطر على زخارف القاعة ليس أصلياً فعملوا خلال الأعوام الماضية على إزالة الطبقات غير الأصلية والعودة للون الذهبي والسماوي والبيج والسكري.

وتتخيل نقوش وزخارف هذه القاعة الفريدة شكل «الجنات التي تجري من تحتها الأنهار»، وفق بشر.

تطوير شامل

وتتجه شبكة الآغا خان للتنمية خلال الفترة المقبلة لاستبدال مشروعات الترميم الفردية بمشروعات التطوير الشاملة على غرار تطوير منطقة الدرب الأحمر بالعاصمة المصرية القاهرة، وفق غطفان عجوب، الممثل المقيم لشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) في سوريا، الذي يضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «العمل في ترميم هذه البيوت لم يتوقف طوال السنوات الماضية، إذ كان لدينا برنامج سنوي لترميمها والحفاظ عليها»، متوقعاً أن يتم الانتهاء منها نهاية عام 2026، «وسوف تخصص لاستقبال الأنشطة الثقافية بضوابط محددة».

حارة تضم بيت القوتلي والسباعي بقلب دمشق العتيقة (الشرق الأوسط)

ورغم أنه تم الاتفاق بين الشبكة والمسؤولين السوريين على تخصيص أرض فضاء تتوسط البيوت الثلاثة لإنشاء فندق جديد على مساحة تصل لنحو ألفي متر، فإنه تم تأجيل الفكرة بناءً على توجيهات «الآغا خان» الخامس، الأمير رحيم آغا خان، الذي طالب بدعم سوريا أولاً في هذه المرحلة والابتعاد عن أي مشروعات استثمارية ضمن حزمة المساعدات التي التزم بها خلال مؤتمر المانحين في بروكسل بشهر مارس (آذار) من عام 2025. وفق عجوب.

سقف مزخرف لأحد الإيوانات (الشرق الأوسط)

وكشف عجوب أنه «سوف يتم الاتفاق قريباً على تطوير المنطقة المحيطة بالبيوت الثلاثة، التي تقع جنوب قلعة دمشق»، لافتاً إلى «أن مديرية السياحة والآثار السورية طلبت أن يشمل المشروع محيط باب توما، أحد الأبواب السبعة التي تشتهر بها دمشق». وأكد أن «رفع الحصار الاقتصادي عن سوريا سيسهم في تسريع وتيرة مشروعات الترميم والتطوير».