يُعرف النحت بأنه فن استنطاق الحجر، علاوة على كونه من الفنون الصعبة التي تتطلب كثيرا من الصبر، وعلى الرغم من ذلك تجد فيه الفنانة السعودية أزهار سعيد كثيرا من المتعة والقدرة على التعبير الفني العميق، حيث بدأت قبل أكثر من عشرين عاماً رحلتها الفنية، لتستقر على فن النحت في السنوات الأخيرة، وصارت أعمالها تُزين عدداً من الميادين العامة والحيوية في البلاد.
تتحدث أزهار، وهي نحّاتة وخزافة حاصلة على درجة ماجستير في الفنون الجميلة، لـ«الشرق الأوسط» عن منحوتتها الأخيرة (الديمومة) التي أنجزتها في ملتقى طويق الدولي للنحت بالرياض، قائلة «العمل سيستقر قريبا في قصر الحكم، وذلك ضمن خطة توزيع ألف منحوتة في الرياض». لافتة إلى أنها استوحت عملها (الديمومة) من الشكل الدائري الذي يُعبر عن نبض الوجود البشري، بحيث تشير الدائرة إلى معانٍ كثيرة أولها الطبيعة والأرض ثم إلى ثقافات الفن والبناء، والحركة، واستمرارية الحياة والعاطفة.

«الديمومة»
وبسؤالها أكثر عن تفاصيل هذا العمل، تقول «سميته (الديمومة) بمعنى الاستمرارية، مع وجود ثلاث دوائر في العمل، الدائرة الأولى والكبيرة هي الإعمار، لكوننا نعيش في حالة إعمار في السعودية ونتطلع لما هو أعلى، والدائرة التي أسفلها هي الثوابت، باعتبارنا أناسا أصيلين لن نفقد أصالتنا، أما الدائرة الثالثة فترمز للفن والثقافة، وهو ما نسعى إليه حاليا بأن يرى العالم أجمع موسيقانا وفننا وثقافتنا وكل ما هو جميل يخرج من هذا البلد».
وشكّلت أزهار دائرة الفن والثقافة بخطوط أشبه بالأوتار، سمتها ألحان العود العربي، تقول الفنانة «الموسيقى والفن هما لغة مشتركة يفهمها كل العالم، وفي الديمومة أشير إلى استمرارية هذه الفنون بحيث يتناولها كل جيل بعد الجيل الذي سبقه». وتوضح أن هذا العمل تم نحته من حجر الجرانيت واستغرق تنفيذه نحو 3 أسابيع، تلا ذلك فترة التشطيبات النهائية.
«طيف الماء»
وفي مدينة الخُبر (شرق السعودية)، يُعرض للفنانة حاليا منحوتة «طيف الماء» في شارع مهم وحيوي، بحيث يراه المارة في أثناء عبورهم، مبينة أنها من الأعمال التي تعتز بها جدا باعتبارها كانت أول مشاركة لها في ملتقى نقوش الشرقية عام 2018، وأشارت إلى أن التصميم مستوحى من أجواء الخليج، حيث يكثر طائر النورس والسمك.
بسؤالها عن فكرة انتشار المنحوتات في الأماكن العامة والقيمة التي يحسّها الفنان حيال ذلك، تجيب «عندما نجعل الناس يعتادون على رؤية الفن فإن هذا يرفع ذائقتهم الفنية، وأكبر دليل على ذلك هو تسمية مادة (التربية الفنية) في المدارس، لأن الفن يتطلب التربية والاعتياد بحيث ينمو ويكبر داخل الطفل، وتصبح عينه مدربة على التقاط الجمال في كل مكان».

مضامين النحت
والمتتبع لمنحوتات أزهار سعيد، يلمس اهتمامها بالمضامين العميقة وتجليها في الفن، وبسؤالها عن مغزى ذلك، تشير إلى معرضها السابق (عشرون: رحلة البحث عن الذات)، قائلة «منذ ذاك المعرض اتضح اهتمامي بالبعد الفلسفي، كنت أتناول حينها رحلتي خلال أكثر من عشرين عاما في الفن، بما يتضمن مجموعة سميتها (العالم الأكبر) تشمل كواكب ملوّنة، قصدت فيها أننا - البشر - مثل هذه الكواكب، ندور في مدارات خاصة بنا».
وتردف «أحيانا يترجم الفنان فلسفته تجاه الحياة في أعماله الفنية وهذا ما أحرص عليه في أعمالي، مثل منحوتة (اختراق) ومنحوتة (المحبة) وغيرهما». وبالسؤال عن التحديات التي تواجهها في هذا الفن الذي ما زالت الفنانات النساء قلة فيه، تشير إلى صعوبة التنافس مع الفنانين الرجال، والغيرة المهنية في هذا المجال، إضافة إلى وجود مشقة في حمل الأدوات الثقيلة والحادة.
تجدر الإشارة إلى أن الفنانة التشكيلية والنحاتة أزهار سعيد حاصلة على درجة الماجستير من جامعة الملك سعود في الرياض، وشاركت في مجموعة من المعارض النسائية في مركز القطيف للخدمات الاجتماعية بين أعوام 1993 و2018. كما نظمت عدة معارض في سيهات، المملكة العربية السعودية (1997) وألمانيا (2008) والأردن (2017). وشاركت في العديد من الندوات الدولية في كلٍ من الكويت وعُمان والأردن ومصر وإيطاليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية والمغرب والبحرين ولبنان وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، فقد حصلت على مجموعة من الجوائز، مثل جائزة الفنانة الأولى من جامعة الملك سعود بالرياض.


