«بدو المستقبل»... فنون تعانق كثبان السعودية

مشروع يدمج الفن الرقمي والتراكيب الإبداعية مع تاريخ المواقع الأثرية

 ‎تعبير فني في الحضن الأثيري لجبال العلا ("الشرق الأوسط")
‎تعبير فني في الحضن الأثيري لجبال العلا ("الشرق الأوسط")
TT

«بدو المستقبل»... فنون تعانق كثبان السعودية

 ‎تعبير فني في الحضن الأثيري لجبال العلا ("الشرق الأوسط")
‎تعبير فني في الحضن الأثيري لجبال العلا ("الشرق الأوسط")

للفن قدرة على تحويل الصحراء الصامتة إلى لوحات مبهجة تنبض بالحياة والألوان. هذا ما تمكنت الفنانة البولندية أليكساندرا أولسيوسكا من ترجمته على أرض الواقع في مشروعها الفني «بدو المستقبل»، الذي صنعت فيه بخيالها الجامح فنوناً رقمية تعانق كثبان صحاري السعودية، ما بين أودية العُلا وجبالها، وتاريخ الدرعية القديمة، مُرجعةً السبب في ذلك إلى افتتانها بالصحراء ونمط الحياة البدوية.

ويأتي تركيزها على المواقع الفريدة في السعودية بعد انغماسها في المشهد الفني المحلي لمدينة دبي (حيث تقيم)، لتطوّر أسلوبها الفني وتنسج الحكايات من خلال أعمال جديدة ولافتة، تجمع البالونات المضيئة، والأقمشة الملونّة، والمجسمات الضخمة التي تحاول محاكاة البعد التاريخي للمكان، واستنطاقه بصورة عصرية وروح مستقبلية، كما شاركت الفنانة أيضاً في إنشاء تراكيب ومنحوتات ومشاريع فنية عامة، مما يُظهر شغفها بالانغماس في تاريخ الصحراء.

فنون "بدو المستقبل" تصافح جبال العلا ("الشرق الأوسط")

قصة «بدو المستقبل»وبسؤالها عن قصة مشروعها، تقول أليكساندرا لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصة (بدو المستقبل) لإعجابي بنمط الحياة البدويّة، وانبهاري من ارتباط الفرد البدويّ العميق بالأرض، وقدرته على التكيّف مع العالم المتغيّر من حوله». مشيرةً إلى أنها تقوم بإنشاء أعمال وتراكيب فنية مستوحاة من التراث الغنيّ ومكونات الثقافة البدوية، مضيفةً: «يتأثر عملي كثيراً بالثقافة العربية ونمط الحياة البدوي التقليدي، ولكن بلمسة عصرية ومستقبلية».

وتابعت أليكساندرا: «أردت أن أستكشف كيف يمكن أن تبدو هذه التقاليد والقيم الخالدة في المستقبل، حيث تلعب التكنولوجيا وابتكاراتها أدواراً مهمة». مؤكدة أنها تسعى عبر أعمالها الفنية إلى تصوير الثقافة البدوية كمصدر للإلهام والقوة، وذلك من خلال مزجها العناصر التقليدية مثل الزخارف الصحراوية والصور الرمزية مع الجماليات المعاصرة، إلى جانب دمج كل ذلك مع التقنيات المستقبلية مثل: تقنية الواقع المعزز والتركيبات التفاعلية.

الفنانة أليكس أولسيوسكا مؤسسة "بدو المستقبل" ("الشرق الأوسط")

ومضت الفنانة البولندية إلى القول: «هذا التجاور بين القديم والجديد هو بمثابة انعكاس للروح البدوية التي تضرب بجذورها في الماضي، علاوة على كونها منفتحة على احتمالات المستقبل». مشيرةً إلى أنها تلقي الضوء في «بدو المستقبل» على مرونة الفرد البدوي، باعتبار أن تقاليده وقيمه صمدت أمام اختبار الزمن، مضيفة: «يقدم نمط الحياة البدوي؛ بتركيزه على المجتمع والبساطة والاستدامة، دروساً قيّمة يمكن أن تُلهمنا جميعاً في تعاملنا مع تعقيدات عالمنا سريع التغير».

المواقع السعودية تقول الفنانة: «في المملكة العربية السعودية؛ عملت في الكثير من المواقع البارزة، وكل منها يقدم لوحة فريدة لرؤيتي الفنية». وعن العُلا تقول: «هذه المدينة القديمة بتكويناتها الصخرية الأخاذة ومعالمها التاريخية، قدمت خلفية مذهلة لأعمالي الفنية، فلقد قمت بدمج عناصر من التراث النبطي الغني والمناظر الطبيعية الصحراوية، لخلق تجارب غامرة تمزج بين الماضي والمستقبل».

واحة الباستيل في الدرعية القديمة ("الشرق الأوسط")

أما الرياض، فتقول عنها: «كانت العاصمة بمثابة منصة ديناميكية لأعمالي الفنية، من المساحات الحضرية النابضة بالحياة إلى المعالم البارزة مثل برج المملكة، حيث استخدمت جماليات المدينة الحديثة لعرض اندماج التقاليد البدوية والتأثيرات المعاصرة».

وعن أعمالها المستلهمة من مدينة جدة تقول الفنانة: «إن مشهدها الفني النابض بالحياة وسحرها الساحلي، جعلها موقعاً ملهماً لإبداعاتي، حيث سمح لي مزج هذه المدينة الساحرة ما بين العناصر المحلية والعالمية باستكشاف تقاطع نمط الحياة البدوي والمفاهيم المستقبلية، وكيفية ترك بصمة على النسيج الحضري لجدة».

الصحراء الملوّنةوعلى الرغم من أن الصحراء معروفة بألوانها الترابية المائلة إلى الصُفرة، إلا أن أعمال «بدو المستقبل» تبدو لافتة بألوانها الزاهية والمتباينة، وبسؤال الفنانة عن ذلك تقول «أهدف إلى التقاط جوهر الأشكال الصحراوية المشرقة وإضفاء لمسة عصرية عليها، وأعتقد أن الألوان لديها القدرة على إثارة المشاعر ورواية القصص وخلق شعور الاتصال بمحيطنا».

مشروع "بدو المستقبل" يستلهم من جمال صحراء الرياض ("الشرق الأوسط")

وتتابع: «عندما أدمج الألوان الزاهية في أعمالي الفنية فإنني أفكّر ملياً في أهميتها الرمزية في الثقافة العربية ونمط الحياة البدوية، حيث يحمل كل لون معناه الخاص وينقل مزاجاً أو رسالة معينة، وأنا أوظّف هذه الرمزية لأضيف عمقاً لأعمالي». وتستشهد الفنانة باللون البرتقالي الذي تراه نابضاً بالحيوية ودفء شمس الصحراء، في حين يرمز اللون الأزرق إلى السماء الواسعة والشعور بالحرية المرتبط بنمط الحياة البدوية، حسب قولها.

وتختم أليكساندرا حديثها بالقول: «تعمل الألوان الزاهية في أعمالي الفنية أيضاً على جذب انتباه المتلقي ودعوته لاستكشاف تقاطع التراث مع الفن المعاصر، ومن خلال هذا التفاعل بين الألوان والمفاهيم أحاول أن أشعل الفضول وأثير التساؤلات، لأصل في نهاية المطاف إلى التعبير عن ثراء الثقافة العربية ونمط الحياة البدوية، وذلك بطريقة بصرية آسرة».



اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
TT

اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)

نجح فريق مصري من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية، ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم، ومتحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، في توثيق أول دليل حفري مؤكد على وجود التيروصورات (الزواحف الطائرة) في مصر، وهي الكائنات التي سيطرت على السماء قبل ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين، وذلك من خلال حفرية جناح عُثر عليها في صخور تكوين البحرية بمنخفض الواحات البحرية في الصحراء الغربية.

ويقدّر الباحثون أن باع جناحي الكائن المنقرض، الذي حلّق في سماء مصر قبل أكثر من 95 مليون سنة خلال العصر الطباشيري المتأخر، بلغ نحو 4 أمتار، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية «Acta Palaeontologica Polonica».

ويضيف هذا الاكتشاف بُعداً جديداً لفهم النظام البيئي القديم الذي شهدته الواحات البحرية، وهو الموقع الذي اشتهر سابقاً بحفريات الديناصورات العملاقة والتماسيح والأسماك القديمة، لكنه لم يكشف من قبل عن الكائنات التي سيطرت على سمائه، وفقاً للفريق البحثي.

فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية (هشام سلام)

وتحتل الواحات البحرية مكانة استثنائية في تاريخ علم الحفريات؛ إذ كشفت منذ أوائل القرن العشرين عن بعض أشهر الديناصورات الأفريقية، مثل «سبينوصور»، و«تمريرابتور»، و«بحرياصور»، إلى جانب الديناصورات العاشبة العملاقة مثل «باراليتيتان» و«إيجيبتوصور»، فضلاً عن الأسماك الضخمة والتماسيح والسلاحف القديمة.

وتُعد التيروصورات أول الفقاريات التي طورت القدرة على الطيران في تاريخ الحياة على الأرض؛ إذ سبقت ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين. ورغم أنها عاشت جنباً إلى جنب مع الديناصورات، فإنها لم تكن ديناصورات طائرة ولا أسلافاً للطيور، بل تمثل مجموعة مستقلة من الزواحف الطائرة ترتبط بالديناصورات بعلاقة قرابة تطورية.

وتميزت بأجنحة غشائية تمتد بين الجسم والإصبع الرابع بالغ الاستطالة؛ ما منحها قدرة استثنائية على التحليق لمسافات طويلة مستغلة التيارات الهوائية، كما تنوعت أنظمتها الغذائية بين صيد الأسماك والفقاريات الصغيرة والتغذي على اللافقاريات والجيف، واستمرت في السيطرة على سماء الأرض لأكثر من 150 مليون سنة قبل أن تنقرض مع نهاية العصر الطباشيري قبل نحو 66 مليون سنة.

وتقدم الحفرية أول دليل قاطع على وجود هذه الزواحف الطائرة في مصر. والعينة المكتشفة عبارة عن العقلة الأولى من الإصبع الرابع في جناح التيروصورات، الذي يتميز باحتوائه على أربعة أصابع.

واستناداً إلى حجم العظمة، يقدّر الباحثون أن الحيوان بلغ باع جناحيه نحو 4 أمتار؛ ما يجعله تيروصوراً متوسط الحجم كان يحلق فوق الأنهار والسهول الفيضية والبيئات الساحلية التي غطت شمال مصر آنذاك.

وتأتي أهمية الاكتشاف أيضاً من ندرة حفريات التيروصورات حول العالم، إذ كانت عظامها رقيقة الجدران، وخفيفة، ومجوفة لتناسب الطيران، وهي صفات منحتها كفاءة عالية في التحليق، لكنها جعلتها أقل قدرة على التحجر مقارنة بعظام الديناصورات أو التماسيح القديمة؛ ولهذا السبب، لا يزال السجل الأحفوري للتيروصورات في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية محدوداً ومتقطعاً.

عينة التيروصور كما ظهرت في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية قبل جمعها ودراستها (هشام سلام)

وتشير الدراسة إلى أن أهمية الحفرية المصرية لا تقتصر على كونها أول دليل مؤكد على وجود التيروصورات في مصر، بل تسهم أيضاً في سد فجوة جغرافية مهمة في سجل انتشار هذه الزواحف الطائرة على امتداد الساحل الجنوبي لبحر تيثس القديم، كما تقدم أول جزء محفوظ ثلاثي الأبعاد من جناح تيروصور من تكوين البحرية، وهو ما يوفر للباحثين معلومات تشريحية نادرة عن جهاز الطيران لدى هذه الحيوانات.

أول سجل للتيروصورات

ووفقاً للدراسة، يمثل الاكتشاف الجديد أول سجل حفري مؤكد للتيروصورات في مصر، ويؤكد أنها كانت تحلق في سماء البلاد خلال العصر الطباشيري المتأخر قبل أكثر من 95 مليون سنة، ليكتمل للمرة الأولى تصور النظام البيئي الذي شهدته الواحات البحرية؛ فبعد أن كشفت حفرياتها عن الديناصورات العملاقة التي جابت اليابسة، والزواحف والأسماك التي عاشت في أنهارها، يأتي هذا الاكتشاف ليكشف عن الكائنات التي كانت تسيطر على سمائها.

ويقول بلال سالم، طالب الدكتوراه بجامعة أوهايو، وعضو فريق «سلام لاب» بجامعة المنصورة، ومدرس مساعد بكلية العلوم بجامعة بنها، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «تمثل هذه الحفرية بالنسبة لي قيمة علمية وشخصية كبيرة؛ فقد عُثر عليها خلال أول بعثة ميدانية أشارك فيها إلى منخفض الواحات البحرية مع مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عام 2018، ثم أصبحت لاحقاً جزءاً من أبحاثي بصفتي مسؤول حفريات الزواحف والطيور بالمركز».

وأضاف سالم لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع تاريخ دراسة حفريات العصر الطباشيري في مصر إلى نحو 125 عاماً، ولم يُعثر من قبل على دليل يثبت وجود التيروصورات، خصوصاً في المواقع التي يرجع عمرها إلى نحو 100 مليون سنة، مثل الواحات البحرية».

وأشار إلى أن التيروصورات كانت معروفة من مناطق مختلفة في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مثل المغرب وتونس ولبنان والأردن، لكن لم يكن هناك سجل موثق لها في مصر، ومن ثم فإن العينة المكتشفة تسد فجوة جغرافية مهمة للغاية في فهم انتشار الزواحف الطائرة خلال العصر الطباشيري، وتحديداً خلال العصر السينوماني في الواحات البحرية.

وتابع: «تُعد الواحات البحرية موقعاً استثنائياً في علم الحفريات؛ إذ يعرفها جميع الباحثين في ديناصورات أفريقيا بوصفها واحدة من أهم وأشهر المواقع الحفرية في القارة؛ لذلك، فإن اكتشاف أول حفرية مؤكدة لتيروصور في مصر بهذا المكان كان لحظة استثنائية لن أنساها».

بلال سالم مع عينة التيروصور في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (هشام سلام)

ووفق سالم، فإن «هذا الاكتشاف يوضح أن التراث الحفري المصري لا يزال يحمل الكثير من القصص غير المروية؛ فما زالت صخور الصحراء الغربية تكشف، مع كل بعثة جديدة، صفحات جديدة من تاريخ أفريقيا السحيق، وتؤكد الدور المتنامي للباحثين المصريين في توثيق هذا التراث ودراسته وحمايته».

ويقول عالم الحفريات المصري هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وأستاذ الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، ورئيس الفريق البحثي: «يُبرز هذا الاكتشاف أهمية مواصلة استكشاف المواقع الحفرية المصرية، فكل بعثة جديدة تحمل معها فرصة للإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة لعقود. وعلى الرغم من أن الواحات البحرية تُعد من أكثر المناطق دراسة في أفريقيا، فإنها لا تزال تكشف عن اكتشافات غير متوقعة تعيد تشكيل فهمنا للنظم البيئية القديمة».

وأضاف: «أظهرت الدراسة أن الحفرية المكتشفة تمثل أحد أهم عناصر جهاز الطيران لدى التيروصورات، وهي العقلة الأولى للإصبع الرابع، وهو الإصبع الطويل الذي يحمل الغشاء الجناحي. وتمتاز هذه العظمة بصفات تشريحية مميزة، لا سيما في منطقة اتصالها بعظام الرسغ، ما يؤكد انتماءها إلى مجموعة (Ornithocheiriformes)، وهي مجموعة من التيروصورات طويلة الأجنحة التي ازدهرت خلال العصر الطباشيري».


كيف يربي الآباء أطفالاً واثقين بأنفسهم؟ معادلة من خطوتين

الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
TT

كيف يربي الآباء أطفالاً واثقين بأنفسهم؟ معادلة من خطوتين

الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)

يسعى معظم الآباء إلى حماية أطفالهم من مشاعر الخوف والقلق، اعتقاداً منهم أن إبعادهم عن المواقف المزعجة هو السبيل الأمثل لبناء شخصيات قوية وواثقة. لكن خبراء الصحة النفسية يرون أن هذا النهج قد يحرم الأطفال من فرصة ثمينة لتطوير قدرتهم على مواجهة التحديات. فالثقة بالنفس، بحسب المختصين، لا تنشأ من غياب القلق، بل من تعلم التعامل معه وتجاوزه خطوة بعد أخرى.

تؤكد كاثرين هيشت، اختصاصية علم النفس السريري للأطفال، أن كثيراً من الآباء ينظرون إلى قلق أطفالهم على أنه عدو يجب التخلص منه، بينما قد يكون في الواقع مفتاحاً لبناء الثقة التي يحتاجها الأطفال ليصبحوا بالغين يتمتعون بالمرونة والسعادة والقدرة على النجاح، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وتشير هيشت إلى أن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً التي تواجهها في عملها هو اعتقاد البعض أن دورها يتمثل في «التخلص» من قلق الطفل. لكنها توضح أن القلق شعور إنساني أساسي يختبره الجميع عند مواجهة أمر جديد أو غير مؤكد. وتؤكد الاختصاصية، المتخصصة في علاج القلق والوسواس القهري باستخدام العلاج بالتعرض في ولاية مينيسوتا الأميركية، أن أفضل طريقة لمساعدة الأطفال على إدارة قلقهم هي تهيئة بيئة آمنة تسمح لهم بمواجهة مخاوفهم تدريجياً.

ولهذا تعتمد هيشت في عملها على معادلة بسيطة من خطوتين، تقول إنها تساعد الأطفال على توظيف قلقهم بصورة إيجابية، وهي: «القلق + الشجاعة = الثقة». وتوضح أن الطفل، عندما يكتشف بنفسه أنه قادر على التعامل مع المواقف التي كانت تثير خوفه سابقاً، ومن دون تدخل والديه، يكتسب قدراً كبيراً من الثقة في نفسه.

اسمح لطفلك بأن يشعر بالقلق

توضح هيشت أن الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق. إلا أن الإسراع إلى إنقاذ الطفل في كل موقف يثير قلقه قد يحرمه، من دون قصد، من فرصة اكتشاف أن الموقف آمن، وأنه قادر على التعامل معه بنفسه.

وتضيف أن هذا السلوك قد يرسل رسالة غير مباشرة إلى الطفل مفادها أن والديه لا يثقان بقدرته على حل مشكلاته أو مواجهة تحدياته. لذلك تنصح الآباء بتذكر أن القلق «شعور آمن، ويمكن احتماله، وهو مؤقت». وتشدد على أن خوض هذه التجربة يمثل خطوة ضرورية لتجاوزها واكتساب القوة النفسية.

وفي الوقت نفسه، تحذر من المبالغة في الاتجاه المعاكس، مؤكدة أنه لا ينبغي إجبار الطفل على التحلي بالشجاعة أو دفعه إلى مواجهة مخاوفه قسراً، لأن شعوره بالإنجاز والثقة سيكون أكبر عندما تأتي المبادرة منه، ويختار بنفسه خوض التجربة.

كن قدوة في الشجاعة وشجّع المرح

تؤكد هيشت أن بإمكان الآباء تهيئة الظروف المناسبة لأطفالهم عبر خلق ما تسميه «فرصاً للشجاعة».

فإذا كان الطفل يعاني من القلق الاجتماعي، يمكن مساعدته على اتخاذ خطوات بسيطة وتدريجية. فعلى سبيل المثال، في المرة المقبلة التي تذهب فيها الأسرة إلى أحد المطاعم، يمكن سؤال الطفل عما إذا كان يرغب في طلب الحلوى نيابة عن العائلة.

كما يمكن للوالدين أن يكونا قدوة عملية في الشجاعة أمام أطفالهما. فإذا كان أحدهما يخاف من النحل، على سبيل المثال، يمكنه أن يتعامل مع الموقف بهدوء، ويطرد نحلة من النافذة أمام الطفل، ليبرهن له أن مواجهة المخاوف ممكنة.

وتضيف هيشت أن من المهم أيضاً الاحتفاء بكل خطوة يخطوها الطفل في مواجهة مخاوفه، ومكافأته عليها مهما بدت صغيرة. وتقول: «أي خطوة نحو الشجاعة تستحق اهتمامنا وتشجيعنا. فالهدف هو تشجيع الأطفال على مواصلة التقدم في الاتجاه الذي نطمح إليه، لأن الشجاعة غالباً ما تُبنى تدريجياً وتتراكم مع مرور الوقت».

كما تشجع الآباء على إضفاء أجواء من المرح والمغامرة على عملية مواجهة المخاوف، قائلة: «حوّلوا مواجهة المخاوف إلى لعبة، واتركوا لأطفالكم زمام المبادرة من خلال البناء على اهتماماتهم الشخصية».

وتضرب مثالاً على ذلك بطفل يحب الرياضيات ويخشى النحل؛ إذ يمكن تشجيعه على عدّ عدد النحل الذي يراه، ومحاولة العثور على عدد أكبر مما رآه إخوته، مع إطلاق أسماء طريفة على كل نحلة. أما إذا كان الطفل يشعر بالقلق من تكوين صداقات جديدة، فيمكن تحويل الأمر إلى نشاط ممتع، كأن يجري استطلاعاً بسيطاً لمعرفة عدد زملائه في الصف الذين يحبون برنامجه التلفزيوني المفضل.


لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
TT

لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)

في وقت أصبحت فيه موجات الحر أكثر شدة وتكراراً بفعل التغير المناخي، قد يبدو اللجوء إلى مكيفات الهواء الخيار الأكثر منطقية لحماية الأرواح. إلا أن هذا التصور لا يحظى بالإجماع في أوروبا، حيث لا يزال كثير من السكان والمسؤولين يترددون في الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف، رغم ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات بيئية واقتصادية، إضافة إلى توجهات تركز على حلول طويلة الأمد بدلاً من المعالجات المؤقتة.

ارتبطت موجة الحر القياسية التي شهدتها فرنسا الأسبوع الماضي بنحو ألف حالة وفاة، معظمها بين كبار السن. ويُعد خطر موجات الحر تحدياً يواجه أوروبا بأكملها، إذ تضم القارة أكبر نسبة من كبار السن مقارنةً بسائر قارات العالم، كما أنها الأسرع احتراراً على مستوى العالم، وفقاً لشبكة «سي بي إس نيوز».

وتسجل أوروبا أيضاً أعلى معدل للوفيات المرتبطة بالحرارة للفرد مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، رغم أن عدد أيام الحر الشديد فيها أقل من كثير من المناطق الأخرى. ووفقاً للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، تجاوز عدد الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة في أوروبا 1300 حالة منذ 21 يونيو (حزيران).

ورغم هذه الأرقام المقلقة، فإن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى تبني استراتيجيات مختلفة لمواجهة الحرارة، وليس إلى الحل الذي قد يبدو الأكثر بداهة، وهو التوسع في استخدام مكيفات الهواء.

فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2007 أن استخدام مكيفات الهواء يقلل الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة تصل إلى 75 في المائة. ومع ذلك، لا يمتلك سوى 20 في المائة من الأوروبيين مكيفات هواء في منازلهم، بينما تصل هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى نحو 90 في المائة.

وتقول إيني فانديكاستيل، خبيرة التكيف الحضري في وكالة البيئة الأوروبية، لشبكة «سي بي إس نيوز»: «بصراحة، لا أعتقد أن هذا هو الحل الأمثل في أي مكان. إنه حل مؤقت يمكن أن يدعم الفئات الأكثر ضعفاً في المستشفيات، أو يساعد على المدى القصير. لكن على المدى البعيد، يؤدي تركيب المزيد من أجهزة التكييف إلى زيادة انبعاث الحرارة في بيئتنا، مما يسرّع من وتيرة الاحتباس الحراري».

ولا تقتصر التحفظات على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي، إذ تُعد أسعار الطاقة في أوروبا أعلى بكثير منها في الولايات المتحدة، ما يجعل تشغيل أجهزة التكييف أكثر تكلفة. ولهذا السبب، موّلت حكومات أوروبية بدائل أخرى لتبريد المدن التاريخية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، من بينها إنشاء محطات تبريد عامة تتيح للسكان الاحتماء من موجات الحر.

وفي العاصمة الإيطالية روما، تُوزَّع أجهزة وتقنيات قابلة للارتداء لمراقبة الحالة الصحية لكبار السن، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة لمضاعفات ارتفاع درجات الحرارة. ومع ذلك، تُعد إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية اعتماداً على أجهزة التكييف مقارنة بجيرانها.

أشخاص يتجولون عبر نافورة رذاذ الماء للتخفيف من حرارة الجو خلال موجة الحر بوارسو في بولندا (رويترز)

وبحسب المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء، كانت نحو 56 في المائة من المنازل في إيطاليا مزودة بمكيفات هواء حتى عام 2024. كما تستهلك البلاد نحو ثلث إجمالي الكهرباء المستخدمة لتشغيل أجهزة التكييف في دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات الاتحاد.

وفي المقابل، تكشف استطلاعات الرأي عن حضور قوي للوعي البيئي لدى الأوروبيين. فقد أظهر استطلاع حديث في فرنسا أن شخصاً واحداً من كل ستة أشخاص مستعد للتضحية ببعض جوانب الراحة الشخصية من أجل حماية البيئة، وهو ما لا تراه فانديكاستيل أمراً مستغرباً.

وقالت في حديثها لشبكة «سي بي إس نيوز»: «نحن لا نفعل ذلك من أجل أنفسنا، بل من أجل الأجيال القادمة».