«المزود»... موسيقى تونسية على إيقاع «الهيب هوب»

ظهرت في مطلع القرن العشرين وترتبط بأغنيات راقصة

آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)
آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)
TT

«المزود»... موسيقى تونسية على إيقاع «الهيب هوب»

آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)
آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)

يقوم تونسي بتطويع أنغام آلة «المِزْوِد» الموسيقية التقليدية لتنسجم مع إيقاعات موسيقى «الراب» و«الجاز»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

يُذكر أن المِزْوِد آلة نفخ تًصنع من جلد الماعز وتخاط بالكامل على شاكلة قربة مغلقة تحتوي على ثقبين من الأعلى لنفخ الهواء بالفم عبر قصبتين، وتخرج من أسفلها قصبتان أخريان بخمسة ثقوب وقرنين يشكّلان المزمار الذي تُعزف منه النغمات. ويصوغ «المزاودي» (عازف الآلة) ما يريد من الألحان بأصابعه المتنقلة بين الثقوب فيما يضغط بذراعيه على الكيس المليء بالهواء وينفخ بفمه في الآلة.

ويقول خالد بن خميس، وهو حرفيّ أمضى ثلاثين عاماً في هذه الصناعة: «يجب أن تكون كل مكونات الآلة وأجزائها من قرون البقر والجلد الطبيعي لكي تكون هناك روح وتخرج النغمة حنينة وأصيلة».

الموسيقي التونسي منتصر الجبالي يختبر آلة «المزود» (أ.ف.ب)

ويشير إلى تشابه هذه الآلة إلى حد بعيد مع «المِزْوِد (القربة) الأسكوتلندي، مع بعض الفوارق في الحجم وعدد المزامير»، لكنه يشدد على أن «المِزْوِد تغيّر كثيراً مقارنةً بما كان عليه».

وظهرت هذه الآلة في تونس مطلع القرن العشرين، وترتبط بأغنيات عادةً ما تثير جوّاً ورقصاً شعبياً، وتتغنى كلماتها بمواضيع جريئة ارتبطت بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والهجرة والعنصرية في البلد، وهي من «المحرّمات»، ولا تَروق للسلطة ولا لغالبية العائلات التونسية المحافظة خصوصاً أن استهلاك الخمر يكثر خلال الحفلة. وتبعاً لذلك حظرتها السلطة في الحفلات التي تستضيفها القنوات الإعلامية الرسمية إلى حدود التسعينات.

ويُعزف على المِزْوِد غالباً في حفلات أعراس داخل الأحياء الشعبية الفقيرة والمهمشة، وتستعمل هذه الآلة في أغنيات تحتوي أحياناً على كلمات تُعد غير لائقة داخل الأسر.

ولكنّ فنانين شعبيين على غرار الهادي حبوبة ونور الدين الكحلاوي، سعوا إلى محاولة تغيير «الصورة السيئة» التي التصقت بهذه الموسيقى ونجحوا في جعلها مقبولة أكثر لدى عامة التونسيين ولدى السلطة.

ومثّل تنظيم حفلة «النوبة»، وهي عمل فني فيه مزج بين موسيقى تراثية وشعبية وصوفية، مطلع التسعينات، علامة فارقة في تاريخ هذه الموسيقى، حيث ظهر «المزود» للتونسيين في مهرجانات رسمية كانت بمثابة التمهيد للاعتراف بهذا الفن.

وتم بث الحفل الذي أُقيم في «مسرح قرطاج الروماني» في 1991 في التلفزيون الرسمي.

ويؤكد نور الدين الكحلاوي، وهو مغنّ وفنان شعبي محترف مند 37 عاماً: «تحملنا الانتقادات الشديدة للناس وعملنا بخطوات على تطوير هذا التراث الشعبي على مستوى الألحان والكلمات والعروض حتى أصبحنا نسافر بها إلى الخارج لتقديم الحفلات» بعد أن تغيرت مواضيع الأغنيات لتحتفي بقصص الغرام والحب والروابط الأسرية أساساً.

ويوضح أن من بين أسباب النّفور من هذا النمط الموسيقي وازدرائه في بدايات بروزه هو أن «السلطات كانت عندما تبحث عن المجرمين الفارين من العدالة فتجدهم في حفلات المِزْوِد الشعبية».

لكن الرفض لم يضعف ويتلاشى بشكل كامل، إذ لا تزال مؤسسات رسمية ترفض إقامة حفلات مزود، على غرار منع حفلة في «المسرح البلدي» بوسط العاصمة التونسية عام 2022 بداعي أن «المسرح لم يحتضن منذ 120 عاماً حفلاً للمزود ولا يمكن خرق هذا التقليد»، وفقاً للمسؤولين.

«هيب هوب وجاز ومزود»

لكن ذلك يبقى استثناء، فمسار تطوير هذه الآلة وصل إلى حد قبولها في حفلات الأعراس والمهرجانات الفنية وتجاوزه أيضاً.

وظهر خلال السنوات الأخيرة جيل جديد من الموسيقيين الشبان الذي جهدوا في تطويع النغمات الحادّة للآلة لتظهر في شكل جديد وترافق إيقاعات عصرية مثل «الراب» و«الجاز» وتواكب تطور العصر الرقمي.

ونال منتصر الجبالي، 32 عاماً، دبلوماً في الموسيقى العربية في اختصاص آلة الناي من المعهد العالي للموسيقى في تونس، لكنه يعزف حالياً على المِزْوِد ضمن فرق موسيقية شابة متخصصة في «الهيب هوب».

ويقول الموسيقي الشاب: «هذه الآلة لا تدرس في معاهد الموسيقى، لكني وظّفت معارفي في فهم المزود... وبذلك تمكنّا من مزجه مع أنواع موسيقية أخرى لأننا أدركنا جيّداً مَواطن القوة والضعف في الآلة».

ويتابع: «نريد أن نذهب إلى العالم بموسيقانا من خلال دمج هذا النغم مع أنواع موسيقية من أنحاء العالم لكي نغيّر الأفكار... ونثبت موقعه بين بقية الآلات الموسيقية».

يتلقى منتصر اتصالات من منتجين وعازفين من الخارج لتقديم عروض بالمزود، ويؤكد: «نذهب بخطى ثابتة نحو العالمية».

تلقى الحفلات التي يقدمها منتصر وغيره من الفنانين إقبالاً لافتاً من الشباب الباحث عن التجديد وعن إيقاعات تواكب العصر ويتابعها وينشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول الكحلاوي، العصامي التكوين: «أنا من المناضلين والمؤسسين لموسيقى المِزْوِد منذ زمن بعيد، وعندما أرى محاولات الجيل الجديد الباحث عن التطوير أتمنى لهم كل النجاح لكي تكون بطاقة هوية تونسية في الخارج».

بدوره، يرى أستاذ الموسيقى بالجامعة التونسية والباحث الأكاديمي رشيد الشريف، أن «الخطاب الموسيقي الأصيل يعزّز فكرة الانتماء إلى وطن أو عرق أو ثقافة».

ويضيف أن «تمازج مختلف الأجناس الموسيقية ومنها المِزْوِد وألحان الأنواع الموسيقية العالمية» يمثّل «عاملاً مهماً في أن تصل إلى جمهور أوسع»، معتبراً أن المِزْوِد أدى عبر المضامين التي تطرق إليها «دوراً أساسياً» في «تشكيل ذاكرة موسيقية جماعية» للتونسيين.


مقالات ذات صلة

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

يوميات الشرق الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق هاتف أرضي في غرفة نوم عبد حليم (الشرق الأوسط) p-circle 02:02

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

تخيّم على شقة «العندليب» حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)

تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
TT

تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)

طوّر باحثون في جامعة ريدينغ البريطانية اختباراً سريعاً للبول، يمكنه تحديد المضاد الحيوي المناسب لعلاج التهابات المسالك البولية خلال ساعات، بدلاً من أيام، كما هي الحال في الطرق التقليدية.

وأوضح الفريق أن هذا التسريع في اختيار العلاج، يقلل بشكل كبير من خطر تطور العدوى إلى مضاعفات خطيرة؛ مثل تعفن الدم، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Journal of Antimicrobial Chemotherapy».

والتهابات المسالك البولية عدوى شائعة تصيب أي جزء من الجهاز البولي، بما في ذلك الكلى والمثانة والحالبان. وتظهر أعراضها عادة على شكل حرقة عند التبول، وكثرة التبول، وأحياناً ألم في أسفل البطن أو الحوض، وتكثر هذه الالتهابات بين النساء. وإذا لم تُعالج بشكل مناسب، يمكن أن تنتشر العدوى لتصل إلى الكلى، وتسبب مضاعفات خطيرة مثل الحمى أو تعفن الدم. وغالباً ما تكون البكتيريا، خصوصاً الإشريكية القولونية، السبب الرئيسي لهذه الالتهابات، ويحتاج المريض في معظم الحالات إلى تناول المضادات الحيوية لعلاج العدوى والسيطرة على الأعراض.

وتعتمد الطرق التقليدية على زراعة البكتيريا في المختبر لليلة كاملة قبل اختبار حساسيتها للمضادات الحيوية، وهي عملية تستغرق من يومين إلى 3 أيام. أما الاختبار الجديد فيتجاوز هذه المرحلة تماماً، حيث تُغمس شريحة تحتوي على أنابيب دقيقة محملة بمضادات حيوية مختلفة مباشرة في عينة البول، ثم تُراقب البكتيريا باستخدام التصوير البصري.

وإذا توقف نمو البكتيريا في أحد الأنابيب، فهذا يدل على فاعلية المضاد الحيوي الموجود فيه، أما استمرار النمو فيشير إلى عدم جدواه، مما يمكّن الطبيب من اختيار العلاج المناسب خلال أقل من 6 ساعات.

وشملت الدراسة تحليل 352 عينة بول مأخوذة من مرضى يشتبه في إصابتهم بالتهابات المسالك البولية. وتمكّن الأطباء من تحديد المضاد الحيوي المناسب خلال متوسط زمن بلغ 5.85 ساعة فقط، مقارنة بالطرق التقليدية التي تستغرق من يومين إلى 3 أيام. وأظهرت النتائج توافقاً بنسبة 96.95 في المائة مع الطرق المرجعية عند اختبار 7 مضادات حيوية تُستخدم بوصفها خطاً أول للعلاج.

كما أظهرت دراسة ثانية على 90 عينة مزدوجة، تم جمعها وتخزينها مع ومن دون مادة حافظة، توافقاً بلغ 98.75 في المائة، ما يؤكد أن استخدام المواد الحافظة لا يؤثر على دقة الاختبار المباشر.

وأشار الباحثون إلى أن الطرق الحالية قد تؤدي أحياناً إلى انتهاء المريض من تناول المضاد الحيوي قبل ظهور النتائج، أو تلقيه علاجاً غير فعّال، ولذلك، يسهم الاختبار السريع في تقليل خطر مقاومة البكتيريا للأدوية، ومنع تطور العدوى إلى حالات خطيرة مثل تعفن الدم، ما يمثل خطوة مهمة في مواجهة التحدي العالمي المتمثل في مقاومة المضادات الحيوية.

وأكد الفريق أن الحصول على العلاج الصحيح من المرة الأولى قد يكون منقذاً للحياة، مشيرين إلى أن الاختبار السريع يعطي نتائج في اليوم نفسه، ما قد يغير طريقة التعامل مع هذه العدوى في الممارسة الطبية، ويُحدث تحولاً ملموساً في تشخيص وعلاج التهابات المسالك البولية خلال السنوات المقبلة.


الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
TT

الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)

لجأ أسترالي إلى الذكاء الاصطناعي لتصميم علاج تجريبي لكلبته التي تعاني من سرطان في مرحلته النهائية وإنقاذها من موت محتّم.

لأكثر من سنة، لم تلقَ الكلبة «روزي» التشخيص المناسب لمرضها، فتدهورت حالتها. وبعد علاج كيميائي وآخر مناعي وجراحة، بدأت التكاليف تتراكم على بول كانينغهام، فقرّر البحث عن خيارات أخرى.

وأخبر كاننيغهام المتخصّص في الذكاء الاصطناعي في سيدني وكالة الصحافة الفرنسية: «كنت على تواصل مستمرّ مع (تشات جي بي تي) و(جيميناي) و(غروك) للتعمّق في دراسة العلاجات المتوفّرة للسرطان».

وبناءً على إرشادات روبوتات الدردشة، أنفق ثلاثة آلاف دولار لتحليل مجين روزي.

واستخدم الأدوات عينها لتحليل بيانات الحمض النووي قبل اللجوء إلى «آلفا فولد»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي علمي. وبناء على توصية من «تشات جي بي تي»، طلب الأسترالي مساعدة فريق من جامعة «نيو ساوث ويلز» وباحثين أستراليين آخرين.

وباتت روزي اليوم في وضع أفضل بكثير وتقلّص ورمها وهي تتعافى منه جزئياً، بعد استخدامها لقاحاً بالحمض النووي الريبي المرسال أعقبه علاج مناعي قوي في ديسمبر (كانون الأول).

وأكّد صاحبها: «باتت أكثر نشاطاً بكثير».

ولفتت حالتها انتباه سام ألتمان، المدير التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» المطوّرة لـ«تشات جي بي تي»، الذي قال إنها «قصّة مذهلة». ولا يدّعي بول كانينغهام أنه عثر على علاج سحري، غير أن نضاله يسلّط الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع وتيرة الأبحاث الطبّية، حسب الباحثين.


نشاط بدني بسيط يومياً للوقاية من 8 أمراض

الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)
الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)
TT

نشاط بدني بسيط يومياً للوقاية من 8 أمراض

الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)
الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)

وجدت دراسة دولية أن ممارسة نشاط بدني قصير وبسيط، لكنه مكثف، يومياً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بثمانية أمراض رئيسية، بما في ذلك التهاب المفاصل وأمراض القلب والخرف.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة وسط الصين وبالتعاون مع باحثين من بريطانيا وأستراليا والبرازيل، أن جودة النشاط البدني وكثافته قد تكون أكثر أهمية من مقدار النشاط وحده، ونُشرت النتائج، الاثنين بالمجلة الأوروبية لأمراض القلب.

وشارك في الدراسة أكثر من 96 ألف شخص من المملكة المتحدة، ارتدوا أجهزة قياس الحركة على معصمهم لمدة أسبوع لرصد جميع الحركات، بما في ذلك الفترات القصيرة من النشاط المكثف التي غالباً ما يتم تجاهلها. وقام الباحثون بحساب إجمالي النشاط البدني ونسبة النشاط المكثف الذي يرفع معدل التنفس ويجعل الشخص يلهث، ثم تابعوا خطر الإصابة بالأمراض على مدى سبع سنوات.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً مكثفاً لفترات قصيرة يومياً كانوا أقل عُرضة للإصابة بالثمانية أمراض الرئيسية، التي تشمل: الأمراض القلبية الوعائية (النوبات القلبية والسكتة الدماغية)، واضطرابات نظم القلب، والسكري من النوع الثاني، والأمراض الالتهابية المناعية مثل التهاب المفاصل والصدفية، وأمراض الكبد المزمنة، والأمراض التنفسية المزمنة، وأمراض الكلى المزمنة، والخرف.

وأشارت الدراسة إلى أنه حتى فترات قصيرة من النشاط المكثف، مثل الركض للوصول إلى الحافلة أو صعود السلالم بسرعة، خفّضت بشكل ملحوظ خطر الإصابة بالأمراض والوفاة، خصوصاً الأمراض الالتهابية والقلبية والدماغية.

ولفت الباحثون إلى أن الأشخاص الذين قضوا نسبة أكبر من نشاطهم الكلي في نشاط مكثف سجلوا انخفاضاً كبيراً في خطر الإصابة بالأمراض. على سبيل المثال، مقارنة بمن لم يمارسوا أي نشاط مكثف، انخفض خطر الإصابة بالخرف بنسبة 63 في المائة، وخطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 60 في المائة، وخطر الوفاة بنسبة 46 في المائة. واستمرت هذه الفوائد حتى عندما كان وقت النشاط محدوداً.

كما تبين أن كثافة النشاط كانت أكثر أهمية لبعض الأمراض مقارنة بأخرى؛ ففي الأمراض الالتهابية مثل التهاب المفاصل والصدفية، كانت كثافة النشاط العامل الأساسي لتقليل الخطر، بينما بالنسبة للسكري وأمراض الكبد المزمنة، كان كل من مقدار النشاط وكثافته مهمين.

وأوضح الباحثون أن النشاط المكثف يحفز استجابات محددة في الجسم لا يمكن للنشاط منخفض الكثافة تحقيقها بالكامل. وأثناء النشاط المكثف، يصبح القلب أكثر كفاءة، وتزداد مرونة الأوعية الدموية، كما تتحسن قدرة الجسم على استخدام الأكسجين. ويقلل النشاط المكثف الالتهابات، ما يفسر الفوائد الكبيرة للأمراض الالتهابية، كما يحفز مواد كيميائية في الدماغ تساعد على الحفاظ على صحة الخلايا العصبية، ما يقلل خطر الخرف.

وأشار الفريق إلى أن النشاط المكثف لا يتطلب الذهاب إلى الصالات الرياضية، بل يمكن دمجه بسهولة في الحياة اليومية، عبر صعود السلالم بسرعة، أو المشي السريع بين المهمات، أو اللعب النشط مع الأطفال. وحتى 15 إلى 20 دقيقة أسبوعياً، أي بضع دقائق يومياً، كانت مرتبطة بفوائد صحية ملموسة.

وأكد الباحثون أن النشاط المكثف قد لا يكون آمناً للجميع، خصوصاً كبار السن أو الأشخاص المصابين بحالات طبية معينة، لكن أي زيادة في الحركة مفيدة، ويجب تكييف النشاط البدني وفقاً للقدرات والظروف الفردية.