يجمع في لوحاته بين فن الحساب ونفخ الحبر على الورق (غاليري أرت أون 56)
على موسيقى باخ تتجول في معرض «هروب» للفنان التشكيلي محمود حمداني، في غاليري «أرت أون 56» في الجميزة. فهو يترجم في لوحاته ولعه بالموسيقى بريشة تجمع ما بين فنون هندسية وحسابية، وتقنية نفخ الحبر على الورق. أربعة عناوين يعتمدها حمداني للتعريف بلوحاته. «الطريق الذي لا ينتهي»، و«طمأنينة»، و«قصائد»، و«آثار». تقف أمام الأعمال محاولاً تفسير خطوط أفقية محاطة بخربشات كثيفة، ومرات أخرى تتعمق في صور أشجار عارية وأشكال فنية محددة على خلفية مساحة بيضاء لافتة. فولادة أعماله، كما يقول، ترتكز على آلية العمل ومساره، ويتصلان اتصالاً لصيقاً بفكرة «البحث عما لا يمكن العثور عليه».
فهو شخصياً عندما يرسم يستمع إلى موسيقى باخ، ويراها تتجذر في لوحاته وتتعمق فيها إلى حد ملامسة ريشته. فيأتي معرضه «هروب» تحية إلى حبه للموسيقى وللغنائية الشعرية المتجذرة في روحه. وتتكرر عنده العناصر الفنية مع اختلافها، ليبني سيمفونيته الموسيقية، وتخرج مكللة بالصمت من ناحية وبحيوية ريشة إيحائية غنية من ناحية ثانية، فتطرح عند مشاهدها تساؤلات كثيرة يحاول فك ألغازها طيلة زيارته للمعرض.
في مجموعته «الطريق الذي لا ينتهي» يلمس ناظرها الهروب الذي يقصده الرسام بعنوان معرضه. فتحلق في اللوحات نوتات موسيقية مترجمة برؤية بصرية غامضة، تنثر موسيقاها بين أشكال هندسية اعتمد فيها الرسام دقة في مادة الحساب. وفي «طمأنينة» و«قصائد» و«آثار» تصغي إلى حكايات تروى بلغة موسيقية بالريشة.
من بعيد قد تتراءى لك القطعة الفنية مجرد مربعات هندسية عادية. ولكن حين تقترب منها تفاجأ بمسار ريشة غير عادية. فهي تولّد منمنمات فنية تتطلب الكثير من الدقة والتركيز وطول البال. تفسرها أحرف أو نوتات وأرقام تصطف كالعسكر المنضبط، فيقولبها ضمن دوائر بالأسود والأبيض، ومدروزة على كامل اللوحة كأنها تنتمي إلى فن التطريز اليدوي، تطبعك بإيحاءاتها. قد تراها ملامح وجه أو نواة طفل في رحم أمه، ومرات أخرى تأخذك في طلعات ونزلات تشبه السلالم الموسيقية.
يحضر في معرض الفنان الإيراني محمود حمداني الصمت بشكل ملحوظ. فهو يرافق زائره بكل خطوة من خطواته. ومع موسيقى باخ الصادحة في صالات المعرض يلتزم الصمت الذي تفرضه عليك ريشة حمداني، فتمارس نوعاً من رياضة «اليوغا» والتأمل بكل طيبة خاطر تغسلك من الأفكار السطحية.
وبتقنية النفخ بالحبر التي يتبعها، يترك حمداني فضاءً واسعاً للتكهنات، ومستخدماً في لوحات أخرى ريشة رفيعة، يصور المحتوى كأنه شرايين صغيرة تنبض فيها الحياة، فتحدث حولها لمعات رقيقة يحكمها النور والظل، ومرات أخرى تتحول إلى جذوع شجر ملتوية ولكنها جذور تتصل بأرض صلبة.
يرى حمداني أن عامل الصدفة الذي يلتقي بالإرادة يحضر في مجموعاته الفنية في غاليري «أرت أون 56». وأن بعض أعماله تأتي نتيجة عمليات بحث ودراسات حول هذين العاملين. ويستند فيها إلى قصيدة للشاعر الصيني غو شينغ التي يذكر فيها مشاعره وأفعاله التي يقودها قلبه. فحمداني استعار منها صوراً تفسر أسلوبه في الرسم. إذ يقول الشاعر الصيني: «لا أستطيع استخدام قلم الرصاص ولا الريشة بل فقط حيوات عشتها».
وعلى حائط أبيض في الصالة الرئيسية للمعرض، كتب حمداني أنه استوحى أعماله الفنية من موسيقى باخ. وهي محاولة لترجمة موسيقاه إلى نص بصري، حيث يلعب الاختزال والتقشف اللوني أدواراً مهمة في ضبط نظام اللوحة، وكذلك في إقامة التوازن فيها من دون أخذها إلى أُطر مقفلة.
ومن خلال هذه الكتابات التي يوقعها باسمه يمكن لزائر المعرض أن يفك ألغاز لوحاته ويقرأ شعر غو شينغ. وتنتهي هذه القراءات بعبارة يقول فيها الرسام: «كل هذه اللوحات هي كناية عن اكتشافات للثنائيات الأساسية التي نتعامل معها كل يوم بقليل من الحذر والوعي».
تركي آل الشيخ يكشف عن «وجهة نجران» الترفيهية الجديدةhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5327147-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%A2%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D9%88%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D9%86%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%81%D9%8A%D9%87%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9
تركي آل الشيخ يكشف عن «وجهة نجران» الترفيهية الجديدة
تمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع (هيئة الترفيه)
كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه في السعودية، الأربعاء، عن تفاصيل «وجهة نجران» الترفيهية الجديدة في المنطقة الواقعة جنوب غربي المملكة.
وجاءت التفاصيل في فيديو تشويقي نشره آل الشيخ على حسابه الرسمي في منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، تمهيداً لافتتاح الوجهة الترفيهة الجديدة خلال عام 2027.
وتمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع، وتضم مرافق متنوعة تجمع بين المطاعم والمتاجر ومساحات الفعاليات، بما يسهم في إثراء الخيارات الترفيهية المتاحة في المنطقة.
وتُقدِّم الوجهة باقة من التجارب التي تشمل الفعاليات، والعروض الحية، والسينما، إلى جانب مجموعة من الألعاب والأنشطة الترفيهية؛ بينها «البولينج والكارتينج» وغيرها، بما يلائم اهتمامات مختلف شرائح الزوار.
وينتظر أن تُوسع «وجهة نجران» نطاق الخيارات الترفيهية في المنطقة، من خلال تنوع مرافقها وتجاربها، وما توفره من أنشطة للسكان والزوار على مدار العام.
تأتي «وجهة نجران» ضمن مبادرة «وجهات الترفيه»، إحدى مبادرات «هيئة الترفيه» لتطوير وجهات ترفيهية حديثة في عدد من مناطق ومدن المملكة، وتوفير بنية تحتية دائمة وقابلة لاستضافة مختلف أنواع الفعاليات والتجارب طوال العام.
لماذا تُعد عبارة «أحبب نفسك أولاً» خرافةً في العلاقات؟https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5327143-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D8%AD%D8%A8%D8%A8-%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%83-%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%A9%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA%D8%9F
لماذا تُعد عبارة «أحبب نفسك أولاً» خرافةً في العلاقات؟
التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات (بيكسباي)
ربما تكون قد سمعت من قبل نصيحة: «عليك أن تحب نفسك قبل أن تتمكن من حب الآخرين». وهناك صيغة أخرى لهذه العبارة مفادها أنه ما لم تتعلم حب نفسك، فلن تستطيع حب الآخرين على النحو الأمثل.
ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية، يمكن أن نطلق على هذا المبدأ اسم «نهج الخطوتين» في الحب: حب الذات أولاً، ثم العلاقات لاحقاً.
وللوهلة الأولى، تبدو هذه النصيحة جذابة. فإذا افترضنا أن حب الذات يشير إلى تقديرها، فإن هناك بالفعل أبحاثاً تشير إلى أن التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات؛ إذ وجدت دراسة جمعت نتائج عشرات الأبحاث أن تقدير الذات كان مؤشراً إيجابياً لعلاقات أفضل.
وربما يمنحك التقدير العالي للذات القدرة على حب الآخرين بشكل أفضل. ووفقاً لهذا المنطق، قد يسهم انخفاض تقدير الذات في سلوكيات مثل السعي المفرط للحصول على الطمأنينة، أو الخوف من الرفض، أو الغيرة، أو الاعتمادية غير الصحية، أو صعوبة تقبّل الرعاية والاهتمام.
وعليه، فإن ما يترتب على «نهج الخطوتين» هو أنه إذا كنت تعاني من انخفاض تقدير الذات، فينبغي عليك التركيز على تعزيز شعورك بقيمتك الذاتية وتأجيل الدخول في علاقات؛ وإلا فقد تؤذي نفسك أو الآخرين خلال هذه العملية. أو على الأقل، هذا ما تحاول الحكمة السائدة إقناعك به.
«نهج الخطوتين» في الحب مجرد خرافة
في كتابهما «Fight Right»، يصف جولي وجون غوتمان، وهما من أبرز خبراء العلاقات في العالم، فكرة ضرورة حب الذات قبل التمكن من حب الآخرين بأنها مجرد خرافة. ويشيران إلى أنه لا أحد يستطيع حب نفسه بشكل مثالي؛ إذ يعاني معظمنا - في مرحلة ما من حياته - من قدر من انعدام الأمان والشك في الذات.
وهذا يطرح سؤالاً بديهياً: متى نعرف أننا نملك قدراً كافياً من حب الذات يتيح لنا البدء في حب الآخرين؟
ويسلط الزوجان غوتمان الضوء على نتيجة سلبية لهذا النهج القائم على خطوتين؛ فعندما تواجه صعوبات في علاقتك، قد تفترض أن الخطأ يقع على عاتقك وحدك، معتقداً أنك ببساطة لم تتقن فن حب الذات. غير أن أسباب مشاكل العلاقات غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من مجرد افتقارك لحب الذات.
وقد ينطوي الأمر على مشكلة في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ إذ قد تبالغ في تحليل شخصية الطرف الآخر عند انتهاء العلاقة، وتُرجع سبب الفشل بالكامل إلى افتقاره لحب الذات. لكن، نجاح العلاقة يتطلب في الحقيقة تضافر جهود الطرفين، وقد تكون أنت غافلاً عن ديناميكيات أخرى تحكم العلاقة غير حب الذات.
وهناك نتيجة أخرى لهذا النهج، وهي المبالغة في التعويل على حب الذات باعتباره حلاً سحرياً لجميع مشاكل العلاقات. فقد تقول لنفسك: «لو تعلمت فقط كيف أحب نفسي أكثر، فستكون علاقتي بشريكي رائعة!». وليس بالضرورة أن يحدث ذلك.
ضع في اعتبارك أن هناك عوامل أخرى عديدة تتنبأ بمدى الرضا عن العلاقة؛ فحتى الأشخاص الذين يتمتعون بتقدير صحي للذات يواجهون صعوبات في علاقاتهم.
والأهم من ذلك أن هذا النهج يشجع الناس على تأجيل الانخراط في علاقات حميمة، وذلك عبر الانعزال داخل «شرنقة نفسية». إذاً، ما دام نهج الخطوتين هذا غير صائب، فما البديل؟
الحب رقصة ثلاثية الأطراف
كشفت دراسة شملت أكثر من 14 ألف شخص في هولندا عن أن تقدير الذات كان مؤشراً على الرضا اللاحق عن العلاقات، لكن العكس كان صحيحاً أيضاً؛ إذ أفاد الأشخاص الأكثر رضاً عن علاقاتهم لاحقاً بتمتعهم بمستويات أعلى من تقدير الذات.
وفي الواقع، كان للتفاوت في مستوى الرضا عن العلاقات الاجتماعية تأثير أقوى على تقدير الذات مقارنةً بتأثير التفاوت في تقدير الذات على الرضا عن العلاقات.
بعبارة أخرى، التأثير متبادل؛ فتقدير الذات الإيجابي يمكن أن يحسّن علاقاتك، والعلاقات بدورها يمكن أن تعزز تقديرك لذاتك.
إذاً، ما الطريقة المثلى للتعامل مع الحب؟ ربما لا يشبه الحب تسلسلاً خطياً بقدر ما يشبه الرقصة. يمكن تسمية هذا بـ«رقصة الحب الثلاثية» التي تتألف من ثلاثة عناصر: حب الذات، وحب الآخرين، وتلقي الحب من الآخرين.
وبدلاً من التعامل مع هذه العناصر كمراحل متتابعة، احتضنها جميعاً في آن واحد؛ فكّر فيها كشركاء في الرقص، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً ضمن حلقة تمنحك الإيجابية. اتخذ خطوات صغيرة نحو هذه العناصر الثلاثة معاً واسمح لها بأن تعزز بعضها.
إن تعلم النظر إلى نفسك كشخص يستحق الحب يمكن أن يقوي علاقاتك. ولكن الانخراط في العلاقات، واكتشاف قدرتك على التعبير عن الحب، وتجربة حب الآخرين لك، أمور يمكنها أيضاً تعزيز تقديرك لذاتك، مما يعزز بدوره قدرتك على الحب.
لا تحوّل الحب إلى عملية متسلسلة تتألف من خطوتين فقط؛ فبذلك قد تكسر الإيقاع الطبيعي للحب وتلقيه، وهو إيقاع يشكل جزءاً جوهرياً من طبيعتنا البشرية.
«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدويةhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5327096-%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D9%8A%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A3%D8%B3%D9%87%D9%85%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B7%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%88%D9%8A%D8%A9
«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
قد تُنتج بعض التفاعلات الكيميائية جزيئين يكون كلٌّ منهما صورة مرآتية للآخر، على الرغم من اختلافهما كيميائياً، وقد تختلف الصورتان في تأثيراتهما الحيوية وفي تفاعلهما مع جزيئات أخرى داخل الكائنات الحية. وقد أدرك الباحثون، على مدى عقود، إمكانية تصميم تفاعلات تؤدي، من الناحية النظرية، إلى تكوُّن إحدى هاتين الصورتين المرآتيتين فقط، إلا أن كيفية تحقيق ذلك عملياً ظلّت لغزاً لسنوات طويلة.
وقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من الفرنسي هنري ب. كاغان، والياباني كينسو سوايي لتقديمهما حلّاً لهذا اللغز؛ إذ تكتسب اكتشافاتهما أهمية بالغة للكيميائيين الذين يصمّمون تفاعلات تُستخدم في مجالات شتى، مثل تصنيع المستحضرات الصيدلانية والعطور ونكهات الطعام.
وكما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الأربعاء، فقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من هنري ب. كاغان، من جامعة باريس الجنوبية (باريس ساكلي) في فرنسا، وكينسو سوايي، من جامعة طوكيو للعلوم في اليابان، «لاكتشافهما التأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتماثل»، وهو ما أسهم في الكشف عن أسرار تكوين الجزيئات الكيميائية العضوية في الفراغ.
تصور فني يظهر كيف توجد الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة - يوهان يارنستاد (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
ووفق بيان الجائزة، فإنه «يوجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة، مثل اليدين، لكن واحدة فقط منهما تدخل في تركيب البروتينات الموجودة في خلاياك، فيما نادراً ما توجد الأخرى في الطبيعة. كما أن جسم الكائن الحي يتعامل مع كل صورة بطريقة مختلفة عن الأخرى». وتمكّن العالِمان الفائزان بنوبل الكيمياء لهذا العام من حل هذا اللغز، كما استطاعا تقديم تفسير علمي لسبب استخدام الحياة نسخة مرآتية واحدة فقط من تلك الجزيئات.
لغز حيّر الكيميائيين
وقد تفرض جزيئات الحياة تحديات صعبة على الكيميائيين. تخيّل أنك صانع أقفال ومفاتيح يُصنّع المفاتيح حسب الطلب؛ تكمن المشكلة في أنك عند إنتاجها ينتهي بك الأمر دائماً بنسختين متناظرتين كصورة المرآة، لكن واحدة فقط منهما هي التي تعمل، بل قد يتعرّض القفل للتلف إذا حاول العميل فتحه بالمفتاح الآخر. وللأسف، فإن التمييز بين هذين المفتاحين أمر بالغ الصعوبة، ما يضطر العميل في النهاية إلى تسلم كليهما. ولطالما شكّلت كيفية نشوء هذا النوع من عدم التماثل الكيميائي لغزاً حيّر الكيميائيين.
وقال هاينر لينكي، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، في بيان الأربعاء: «لقد قدّم هنري كاغان وكينسو سوايي حلّاً للغز كيميائي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن من الزمان، وهو: كيف يمكن أن تنشأ ظاهرة التماثل المرآتي الأحادي بشكل تلقائي؟ إن التفاعلات الكيميائية التي طوّراها مذهلة حقاً».
العالم الياباني الحاصل على جائزة نوبل كينسو سوايي (أ.ف.ب)
وتواجه الكيميائيين تحديات مماثلة عند تطوير عقاقير طبية جديدة؛ إذ توجد كثير من جزيئات الأدوية في صورتين متمايزتين، تشكّل كلٌّ منهما صورة مرآتية للأخرى، دون أن تكونا متطابقتين تماماً: فإحداهما تؤدي الغرض العلاجي، فيما قد تتسبّب الأخرى في آثار جانبية غير مرغوب فيها، وأحياناً ضارة.
الكيمياء الأساسية للحياة
ويعود السبب الكامن وراء ذلك إلى طبيعة الكيمياء الأساسية للحياة؛ فالحياة تتسم بما يسميه الكيميائيون «أحادية الكيرالية» (homochirality)، وهي تسمية مشتقة من كلمتين يونانيتين تعنيان «نفس» و«يد». وعلى غرار اليدين، توجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين، كصورة ومرآتها، إلا أن واحدة فقط منهما هي التي تدخل في تركيب البروتينات داخل خلايا أجسامنا، فيما نادراً ما توجد الصورة الأخرى في الطبيعة. وينطبق الأمر ذاته على جزيئات السكر التي تُشكّل جزءاً من الحمض النووي (DNA) لدينا؛ فهذه الجزيئات لها صورتان متمايزتان، كصورة ومرآتها، لكن الحياة تستخدم إحدى هاتين الصورتين في بناء الحمض النووي.
ولطالما تساءل الكيميائيون عن كيفية نشوء هذا النوع من «التماثل»؛ فعندما كانوا يجرون تجارب على تفاعلات كيميائية قادرة على تكوين جزيئين متناظرين كصورة المرآة، كانوا يحصلون دائماً على نسب متساوية من كليهما في أنابيب الاختبار. لذلك سعى الكيميائيون جاهدين إلى إنتاج أحد هذين الشكلين المتناظرين فقط؛ لأن الجزيئات التي تتفاعل مع الكائنات الحية، مثل تلك المستخدمة في المستحضرات الصيدلانية، لا تؤدي الغرض المطلوب منها إلا إذا كانت في صورة مرآتية محددة دون الأخرى. وقد تجلّت أهمية تحقيق ذلك بوضوح إثر فضيحة عقار «الثاليدومايد» في أوائل الستينات، حين عانى آلاف الأطفال تشوّهات خلقية ناجمة عن تناول هذا العقار المهدّئ؛ إذ أدرك الباحثون، عند تحليلهم أسباب تلك المأساة، أن الضرر كان ناتجاً عن «الصورة المرآتية» للمادة الفعّالة في العقار.
أدوية «أنقى» وأكثر أماناً
هنري ب. كاغان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 (أ.ب)
وتأتي جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لتكريم الاكتشافات التي مكّنت الكيميائيين من توجيه تلك التفاعلات الكيميائية والتحكّم فيها من أجل إنتاج أحد أشكال هذا التماثل فقط دون الآخر؛ إذ اكتشف هنري كاغان طريقة للتحكّم في التفاعلات الكيميائية من أجل إنتاج إحدى الصورتين المرآتيتين بنسبة تفوق الأخرى بكثير، وهو ما عُرف بالتأثير غير الخطي لكاغان، عندما اكتشف في عام 1986 أن وجود تفوّق بسيط جداً لإحدى الصورتين المرآتيتين للجزيء في بداية التفاعل يمكن أن يتضخّم بشكل كبير أثناء عملية التصنيع، لتسود تلك الصورة تماماً في النهاية. وقد أحدث اكتشافه ثورة في عمل الكيميائيين الذين يطوّرون تفاعلات لتصنيع كثير من المنتجات الكيميائية الجديدة في مجالات شتى.
كما صمّم كينسو سوايي، في عام 1995، أول تفاعل كيميائي يعتمد على التحفيز؛ إذ يعمل الجزيء الناتج محفّزاً لإنتاج جزيئات تطابقه تماماً، ما يمنح تفوّقاً مطلقاً لصورة مرآتية واحدة فقط. وقد أحدث هذا الاكتشاف ثورة هائلة في صناعة الأدوية والمنتجات الصيدلانية. ويُعدّ تفاعل سوايي واحداً من أكثر التجارب الكيميائية إبهاراً على الإطلاق، وفق وصف القائمين على جائزة نوبل في الكيمياء.
وبفضل أبحاثهما معاً، أصبح من الممكن توجيه التفاعلات لإنتاج أدوية «أنقى» وأكثر أماناً دون الحاجة إلى عمليات فصل معقّدة بعد التصنيع، وهو إنجاز لم يسبق لأحد تحقيقه، باستثناء ما يحدث داخل الكائنات الحية نفسها.
وقال الدكتور طارق قابيل، أستاذ التقنية الحيوية المتفرّغ بكلية العلوم في جامعة القاهرة: «ما أنجزه هذان العالمان يلامس الجوهر الفلسفي والعملي لظاهرة عُرفت بالتناظر المرآوي؛ إذ ينحاز الكون من حولنا، بشكل مذهل، إلى جهة واحدة؛ فالأحماض الأمينية التي تُبنى منها أجسادنا والسكريات التي تمدّنا بالحياة تختار وجهة واحدة فقط، اليسار أو اليمين دون غيرها».
منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكل من هنري كاغان وكينسو سوايي (رويترز)
وأوضح، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «طوال عقود، كان الكيميائيون في مختبراتهم يشبهون صانع مفاتيح أعمى؛ فحين يحاولون تصنيع جزيء حيوي مفيد، يخرجون دائماً بخليط متساوٍ من صورتين مرآويتين، تماماً كمن يصنع قفازاً ليد يمنى وآخر ليد يسرى ويضعهما معاً بلا تمييز، وهو ما أدّى تاريخياً إلى مآسٍ طبية كبرى، حين يكون أحد الشكلين دواءً منقذاً والآخر سمّاً زعافاً».
وأضاف: «لقد جاء هنري كاغان، في عام 1986، ليضع حجر الأساس عبر ابتكار طرق غير مسبوقة للتحكّم في التفاعلات عبر محفّزات دقيقة، ممهّداً الطريق لكينسو سوايي، الذي حقّق المعجزة المختبرية عامَي 1995 و2003 بابتكار تفاعلات ذاتية التحفيز تُنتج صورة مرآوية نقية واحدة بنسبة 100 في المائة، تماماً كما تفعل الطبيعة وحدها دون شريك».
ووصف قابيل هذا الاكتشاف بأنه «ثورة مطلقة في صناعة الأدوية والمستحضرات الدوائية الحديثة»، مضيفاً: «بات اليوم بإمكان شركات الدواء هندسة جزيئات نقية خالية من الشوائب المرآوية المعاكسة، ما يرفع الكفاءة العلاجية إلى أقصى حد ممكن، ويقضي على الأعراض الجانبية السامة الناتجة عن تداخلات الصور غير المرغوب فيها».