«بيربري» تكسب رهانها وتعود للعب مع الكبار

مصممها دانييل لي يغوص في إرثها ورموزها ليعيد لها انتعاشها وحيويتها

تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)
تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)
TT

«بيربري» تكسب رهانها وتعود للعب مع الكبار

تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)
تنوعت الاقتراحات والنتيجة واحدة أن دانييل لي فهم رموز «بيربري» وأتقن استعمالها (رويترز)

كل من تابع ثاني عروض المصمم دانييل لي في الأسبوع الماضي، كان شاهداً على أن دار «بيربري» كسبت رهانها عليه. تشكيلته لربيع وصيف 2024 التي قدمها ضمن أسبوع الموضة، فاحت بنكهات بريطانية تراوحت بين القوة والنعومة، لكنها بكل أشكالها وألوانها وقصاتها، أثبتت مدى صحة المثل القائل إن «أهل مكة أدرى بشعابها». فدانييل لي بريطاني حتى النخاع، وبالتالي فهم سريعاً الثقافة العميقة التي بُنيت عليها دار عمرها أكثر من قرن من الزمن، وكانت أهم نقطة جذب فيها هي «بريطانيتها».

التحق دانييل لي بالدار في وقت حرج حدده الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو ما عرض بريطانيا لأزمة ثقافية وفنية لا تقل حدتها عن أزمتها الاقتصادية. الحل بالنسبة له كان واضحاً يتمثل في الرفع من جُرعة الإبداع والاعتزاز بالهوية البريطانية، وذلك بإبرازها واللعب على كل ما توفر له من رموز، «فهذا واجب ومسؤولية تقع على أكتافنا جميعاً... علينا أن نُخرج الفرح والأمل من رحم الأزمات والصعوبات»، حسب ما قاله في أحد تصريحاته.

في عام 2022، عندما اختير خليفة للإيطالي ريكاردو تيشي، هللت أوساط الموضة البريطانية، واستبشر المساهمون خيراً؛ من جهة لأنه بريطاني والمفترض فيه أن يفهم الثقافة التي تأسست عليها الدار منذ أكثر من قرن من الزمن، وهو الأمر الذي راوغ فيه سلفه الإيطالي ريكاردو تيشي، ومن جهة أخرى لأن قوته في إبداع حقائب يد وصلت أصداؤها إلى كل أنحاء العالم في الفترة التي تولى فيها نفس الدور الإبداعي في دار «بوتيغا فينيتا». فمن ينسى أنه هو من جعل حقائب صغيرة الحجم باللون الأخضر بمثابة قطع مجوهرات مرصعة بالزمرد؟ هذا تحديداً ما تأمل «بيربري» في أن ينوبها منه أيضاً. فمن بين المهمات الأساسية المطلوبة منه، أن يُبدع لها إكسسوارات تؤجج الرغبة فيها، إلى جانب أزياء تلمس المشاعر. المهمة لم تكن مستحيلة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدار لم تكن في سُبات عميق بقدر ما كانت تغفو وهي تستكين إلى إرثها واسمها العريق. كل ما قام به دانييل أنه ضخها بجرعة عصرية أعادت إليها حيويتها وانتعاشها.

المعطف الواقي من المطر ظهر بعدة أشكال وألوان (أ.ف.ب)

وهذا ما ظهر جلياً في التشكيلة التي قدمها في الأسبوع الماضي. لم يوظّف فيها كل الرموز التقليدية المألوفة فحسب، بل أبرز أخرى ظلت مُغيّبة طويلاً ولم ينتبه لها أحد في السابق.

فإلى جانب المعطف الواقي من المطر، الذي أبدع فيه أشكالاً جديدة، منها تغييره مكان الحزام بأن جعله أكثر انخفاضاً عن مستوى الخصر، استكشف جانباً أنثوياً لم يكن بنفس الوضوح من قبل. فتصاميم الدار ارتبطت بالجانب الذكوري أكثر، باستعمالها أقمشة مثل الغاباردين والجلد وما شابهه من أقمشة قوية تناسب النزهات في الهواء الطلق أو الأيام العادية، لكن في تشكيلته لربيع وصيف 2024، تراقصت الفساتين بانسيابية وشاعرية على أقمشة أكثر ترفاً ونعومة مثل الحرير.

ظهرت في العرض مجموعة مفعمة بالأنوثة للمناسبات (أ.ب)

المفاجأة الأخرى والجديدة التي قدمها لنا المصمم هنا هي درجة متوهجة من اللون الأزرق، اكتشفه بمحض الصدفة وهو يغوص في أرشيف الدار. تبين له أن جذوره قوية وأنه ظهر في الثمانينات في نسخة من شعار الدار. ما إن التقطته عيناه حتى تحرك حسه الفني والتجاري. وليس ببعيد أن يُحوّله إلى ورقة «بيربري» الرابحة، تماماً مثلما حول الأخضر إلى ورقة رابحة في دار «بوتيغا فينيتا».

اللون الأزرق كان مفاجأة للمصمم عندما اكتشفه في شعار يعود إلى الثمانينات (خاص)

ما أكده دانييل لي، البالغ من العمر 37 عاماً، أو ما يُحسب إليه، أنه ينتمي إلى شريحة من المصممين تتوق إلى التميز وتحقيق النجاح، وفي الوقت ذاته تحترم التقاليد الحرفية والموروثات الفنية. وهذا يعني أن المستقبل بالنسبة لها لا يكتمل بتجاهل الماضي كلياً. يُحسب له أيضاً أنه من جيل واقعي جسّ نبض الشارع، وأدرك أن زبون اليوم يريد قطعاً لها قصة مثيرة تتعدى القصّات المبتكرة وحدها. وهذا قد يعني قطعة واحدة لها جذور تاريخية يلعب عليها، أو إكسسواراً لافتاً يمكن أن يفتح الشهية لأحاديث شائقة، وفي الوقت ذاته يحقق أعلى المبيعات. هذه الواقعية التي تتمثل في جمعه الفني بالتجاري، كانت أهم ميزة رجّحت كفته عندما كانت «بيربري» تبحث عن خليفة لمصممها السابق ريكاردو تيشي. فالدار البريطانية، مثل غيرها، تعرف أن الأزياء لها تأثير بصري مهم يُحرك الحس الجمالي، لكن الإكسسوارات هي أكثر ما يُحرك المبيعات، إلى حد أن نجاح المصمم في العقود الأخيرة أصبح يقاس بمدى نجاحه في ابتكار حقيبة يد أو حذاء. فقطعة واحدة «تضرب» وتكسر المبيعات يمكن أن تغير مستقبله وأحوال السوق بكاملها.

المعطف الواقي من المطر بحزام منخفض على مستوى الخصر (رويترز)

وهذا ما جسّده دانييل لي في هذه التشكيلة التي بناها من القدمين إلى أعلى؛ إذ لم يكتفِ بالحقائب فيها، بل ركّز أيضاً على الأحذية. تميّزت بتفاصيل مبتكرة للغاية، ربما لقناعته بأن المرأة لا تكتفي بحذاء واحد، وربما لأن هذا الإكسسوار صفحة بيضاء يمكنه رسمها بالشكل الذي يراه من دون تعرضه لأي مقارنة مع من سبقوه. والنتيجة أن بعض تصاميمها سرقت الأضواء فعلاً من الأزياء، سواء كانت بتصميم أنثوي ناعم تناغم مع فستان من الحرير للمناسبات، أو بتصميم عملي يراعي تقلبات الطقس تم تنسيقه مع معطف من الغاباردين. المهم أن المصمم، ضمن كل هذه الحبكة السردية والبصرية التي نسجها، لم ينسَ أن الدار ترتبط بالخارج وبأنشطة متنوعة تقام في الهواء الطلق.

كان هناك توجّه جديد مفعم بالأنوثة والتفاؤل في العرض (أ.ف.ب)

لهذا لم يكن غريباً أن يختار حدائق «هايبوري» بمنطقة «إيسلنغتون» الواقعة شمال لندن مكاناً لعرضه، وإن كان هناك سبب آخر وشخصي أيضاً. فدانييل، كما صرّح، يقطن في هذه المنطقة وأراد أن يُعرّف جمهوراً أكبر عما تتوفر عليه من أماكن وروح بريطانية بحتة. في هذه الحديقة نصب خيمة ضخمة من قماش مطبوع بمربعات الدار الشهيرة. بجوارها نصب خيمة أصغر خصصها لراحة النجوم بعيداً عن عيون الفضوليين قبل دخولهم مكان العرض. كاد عددهم يضاهي عدد الحضور من نجوم موسيقى وسينما ورياضة، ومع ذلك لم يسرقوا الأضواء من التصاميم.

كانت المغنية كايلي مينوغ من بين الحضور وظهرت بمعطف من الجلد بتوقيع الدار (أ.ب)

فما إن بدأ العرض، حتى خفّ بريقهم وانتقل إلى الأزياء والإكسسوارات، ليُذكرنا بأمجاد دار قائمة على بيع الثقافة البريطانية واستقطاب الملوك والنجوم. كانت تشكيلة مفعمة بالتفاؤل والأمل تؤذن بعودة «بيربري» إلى اللعب مع الكبار بطبعاتها الأيقونية واللوغو الذي يجسد فارساً مغواراً وهو يمتطي جواده. وبينما قد يعتب البعض بأن أسعار منتجات الدار ارتفعت عما كانت عليه سابقاً، فإن نظرة واحدة لما تم تقديمه ضمن أسبوع لندن للموضة، تُبررها. قد يأخذ عليها البعض أيضاً أنها تجارية، وحتى هذا المأخذ يمكن الرد عليه بأنها ربما تكون كذلك، إلا أنها لا تفتقد الأناقة والجمال.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.