المانغو مغناطيس السياحة في الهند

مواسم القطاف والمهرجانات تجذب الزوار من شتى أنحاء العالم

أسواق المانغو في الهند (مكتب دلهي السياحي)
أسواق المانغو في الهند (مكتب دلهي السياحي)
TT

المانغو مغناطيس السياحة في الهند

أسواق المانغو في الهند (مكتب دلهي السياحي)
أسواق المانغو في الهند (مكتب دلهي السياحي)

تعيش الهند جنون المانغو من مايو (أيار) إلى يوليو (تموز) من كل عام. ويُنتج أكثر من 1000 نوع من ملك الفاكهة في جميع أنحاء البلاد، سيما في ولايات أوتاربراديش، وبيهار، والبنجاب، وأندرابراديش، وغوجارات، وماهاراشترا، وغوا، وكارناتاكا، وتاميل نادو، وأوديشا، والبنغال الغربية.

موسم قطاف المانغو قبل السياح من شتى أصقاع العالم (شاتر ستوك)

تنظم كل هذه الولايات الهندية تقريباً مهرجانات للمانغو التي أصبحت مصدر جذب رئيسياً للسياح المحليين والأجانب. في الواقع، يمكننا القول إن سياحة المانغو في ذروتها حالياً في الهند.

تأخذ سياحة المانغو السياح إلى البساتين الريفية، حيث يحصلون على فرصة نادرة لقطف المانغو مباشرة من البساتين، حيث يستمتعون بالنزهات الصيفية في المناطق الخضراء المنعشة. وهناك أنشطة مثل تجربة الحياة الزراعية مع ركوب عربات الثيران، والحراثة، وحتى زراعة الأرز بعد أن بدأ موسم الأمطار الموسمية بالفعل في الهند، وأكثر من ذلك.

يقوم بعض منظمي المهرجان بدعوة مشاهير الطهاة إلى تنظيم ورش عمل للطهي لتعليم الزوار الوصفات التي تتضمن نكهات المانغو في المطبخ الهندي اليومي.

تُصنع من المانغو المخللات والصلصات، وتُضاف إلى الكاري والحلويات، وتُوضع في المشروبات، وبالطبع تؤكل نيئة.

كما استعد الناس لتناول المانغو في مسابقة أكل المانغو التي طال انتظارها، حيث هلل لهم الزملاء المتحمسون لتحطيم الأرقام القياسية.

وفقاً لمسؤولي السياحة الهنود، فإن سياحة المانغو تكتسب شعبية كبيرة والسبب الرئيسي لشعبيتها بين الناس أن السياح يزورون مزارع المانغو، ويقومون بقطف الثمار من الأشجار، ويأكلونها طازجة، ويستمتعون بالمأكولات المختلفة المصنوعة من المانغو.

بحسب إنسرام علي، رئيس جمعية «مزارعي المانغو لعموم الهند»: «كان مهرجان المانغو مستمراً على قدم وساق خلال الأسابيع الستة الماضية. وبينما يتنافس مزارعو المانغو مع منتجاتهم، يتنافس الزوار في المعارض في مسابقات أكل المانغو».

إذا كان المانغو مذاقه الحلو ولونه الفاتح وقوامه الذي يذوب في الأفواه هو الانفراجة المشجعة في خضم حرارة الجو اللاهبة، فثمة طريقة مثيرة لقضاء عطلتك الصيفية. يُنتج أكثر من 1000 نوع من المانغو في جميع أنحاء الهند. وإليكم قائمة ببساتين المانغو حول الهند، حيث يمكنك أن تزرع، تقطف، وتتذوق المانغو، أثناء وجودك في المزرعة.

أسواق المانغو في الهند (مكتب دلهي السياحي)

مركز سياحة المانغو هو ولاية ماهاراشترا الهندية الغربية، حيث يزرع مانغو «ألفونسو» المحبوب جيداً أو «الهابوس» باللهجة المحلية.

غانيش أرغو للسياحة - ماهاراشترا

على بعد نصف كيلومتر فقط من شاطئ البحر، الواقعة على تلة بين راتنغيري وسندودورغ، تشكل بساتين المانغو هذه فرصة حقيقية للفرار من تلوث المدينة وضجيجها. وبصرف النظر عن نشاطات القرية مثل ركوب عربات الثيران، وركوب القوارب، ومراقبة الطيور وغيرها، هناك أيضاً جولة إلى مصنع تعليب المانغو. ولأنها واحدة من أشهر منتجعات المانغو الأكثر شعبية في البلاد، يمكن للمزرعة أن تستوعب مجموعات كبيرة بسعر معقول جداً، بدءاً من 1500 روبية لكل شخص في اليوم.

تحتوي هذه المزرعة العضوية الكبيرة على أكثر من 2000 شجرة من أشجار مانغو ألفونسو تنتشر على مساحة 30 فداناً. التضاريس الجبلية فوق المحيط خلابة، ومناظر غروب الشمس رائعة. الألفونسو هو نوع مرتفع السعر من المانغو بسبب رائحته وطعمه؛ لأن هذه الميزات ليست موجودة في كل أنواع المانغو.

المانغو تجذب السياح (شاتر ستوك)

بذل المالك غانيش راندي جهوداً رائعة في تبني سياحة المانغو. يمكن للزوار الذهاب إلى مزرعة المانغو، وتعلم كيفية زراعة المانغو، وتذوق عيّنة منها (اختر مجاناً وادفع لكل كيلوغرام).

تُدير زوجة غانيش مصنعاً للتعليب في المزرعة، حيث يمكنك شراء منتجات المانغو اللذيذة مثل المخللات، والصلصات، ولب المانغو. ويقدمون هناك المأكولات النباتية التقليدية اللذيذة المطبوخة منزلياً.

تقول إيزابيل بيج من الولايات المتحدة، التي وصلت إلى دلهي من تجربة مزرعة غانيش للمانغو لحضور المهرجان الدولي للمانغو في دلهي في يوليو: «كانت تجربة من نوع السفر إلى بساتين المانغو في عربات الثيران، وتسلق الأشجار لقطف المانغو، وأخيراً، تدليل نفسك بسلة من ثمار المانغو. لقد وصلت خصوصاً خلال الصيف الهندي لأحصل على مذاق حبات المانغو الحقيقية».

الهند قِبلة السياح في موسم قطاف المانغو (مكتب دلهي السياحي)

بستان ماليهاباد للمانغو في أوتاربراديش

إذا لم تستطع الوصول إلى ماهاراشترا، فلا ضير. يمكنك زيارة ماليهاباد المعروفة باسم «عاصمة المانغو الهندية» لمنتجاتها فائقة الجودة. فالمساحات الخضراء المفتوحة، وأشجار المانغو الوفيرة، والثقافة الغنية، تجذب العديد من هواة البستنة من جميع أنحاء العالم.

في الماضي القريب، حظيت ماليهاباد باهتمام إعلامي كبير، إضافة إلى شهرة شجرة المانغو التي تبلغ من العمر 75 عاماً والتي تحتوي على 300 نوع إضافي من المانغو التي تُزرع هناك. إنها تحفة رائعة من الأعمال الفنية الحية للسيد حاجي كليم الله خان، خبير البستنة، والحائز جائزة «بادماشري» الوطنية، والذي حقق إنجازاً كبيراً في زراعة نحو 300 نوع من المانغو على شجرة واحدة. كانت بمثابة نقطة جذب سياحي رئيسية لمنطقة ماليهاباد.

مهرجان بستان حبيب الله للمانغو في أوتاربراديش

يحتفل مهرجان المانغو بعامه العاشر، وهو متعة خالصة في حد ذاته.

بدأ هذا المهرجان اللذيذ فعالياته عام 2013 من قِبل مزارعة المانغو السيدة جيوتسانا كور حبيب الله في بستان المانغو الخاص بها. وكان هدفها هو تعزيز المانغو في المنطقة ودعم صغار المزارعين والنساء في الزراعة. ومنذ ذلك الحين، تطور المهرجان ليصبح حدثاً كبيراً يستمر على مدى 3 أيام، واختتم لتوه.

كان الزوار يتجولون في بستان المانغو بواسطة عربة تجرها الخيول وعربة كهربائية.

قالت جيوتسانا كور حبيب الله: «زرعت حماتي بيغوم حميدة حبيب الله المئات من أشجار المانغو عام 1965، وأنشأت بساتين المانغو في مزرعة حبيب الله التي ألهمت المهرجان. ورغم الانتقادات، تمكنت من إبقاء ملك الفاكهة حياً في المنطقة. وتكريماً لها؛ سوف أُسمي شجرة في البستان باسمها».

يشمل المهرجان زيارات للبساتين، ومهرجان المانغو الغذائي، وسوق المزارعين، والفعاليات الثقافية، وندوة. وتتوفر أجود أنواع المانغو لأخذ العينات والشراء مباشرة من المزارعين في المهرجان. وهنالك أيضاً أطايب المانغو اللذيذة، ومسابقات تناول المانغو، والكثير من أنشطة الأطفال. ويقوم السكان المحليون في القرية بطهي الطعام في المهرجان، والاستمتاع بالموسيقى الشعبية والرقص تحت أشجار المانغو.

تقول السيدة جيوتسانا: «مئات المزارعين، الذين يتقاضون 1000 روبية عن كل سائح مقابل هذه التجربة اللذيذة، يحصلون على إيرادات تصل إلى 600 مليون روبية في الفترة ما بين مايو ويونيو (حزيران) ويوليو من خلال سياحة المانغو وحدها».

وأضاف السيدة جيوتسانا، أن سياحة المانغو جذبت السياح من ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة إلى الولاية.

مزرعة هانو ريدي للمانغو

ترحب مزارع هانو ريدي في تشيناي، خلال يونيو ويوليو، بالزوار الذين سيحضرون نسخة عام 2023 من مهرجان المانغو الكبير. عبر المزرعة التي تبلغ من العمر 60 عاماً: «أريد أن يأتي الناس لاستكشاف ثقافة المانغو في الهند»، كما يقول هانو ريدي، مؤسس شركة «هانو ريدي مانغو للسياحة».

مستوحاة من مهرجانات قطف الكرز واليقطين والفراولة في جميع أنحاء العالم، تضع شركة «مزارع هانو ريدي تشيناي» قصتها الهندية الخاصة على مهرجانات الفواكه الهندية للاحتفال بثمرة الصيف الشهيرة.

تقول نيثيا ريدي، إحدى منظمات المهرجان: «المانغو متأصلة جداً في ثقافتنا. سواء كان ذلك على الحلي أو الطعام أو الديكور أو الأقمشة. إنها فاكهة مشهورة للغاية. لماذا إذن لا نضعها على خريطتنا؟» وتقول: إن المهرجان يهدف إلى الترويج لسياحة المانغو الهندية، التي تعجّ بالأنشطة التي لا تقتصر على التقاط المانغو، وإفطار المانغو، ومسابقات تناول المانغو، والألعاب التقليدية، في بستان المانغو الساحر الذي يبلغ من العمر 60 عاماً.

في مهرجان المانغو الذى أُقيم في بينجورى المجاورة للعاصمة الهندية دلهي في هاريانا، أصبح حدثاً سنوياً، حيث يتذوق عشاق المانغو نحو 300 نوع من المانغو. وصرح سكرتير شركة «هاريانا للسياحة»، كيشني آناند أرورا، بأن ما يقرب من 300 ألف سائح قد أصبحوا جزءاً من الحدث الذي عُقد في الأسبوع الأخير من شهر يونيو، وأخذوا معهم مخللات المانغو، واللب، والمربى، والعصائر، ومربى سكر المانغو، والفواكه المعلبة.

من ناحية أخرى، بدأت إدارة السياحة في دلهى عملية شاقة لجمع مزارعى المانغو من جميع أنحاء البلاد للمشاركة في مهرجان المانغو الذي بدأ هذا الشهر .

من بين المهرجانات والأماكن الشهيرة الأخرى التي تشتهر بالمانغو

مزارع شيغورو - بنغالور - كارناتاكا

تعدّ مزارع شيغورو، التي تبلغ مساحتها 25 فداناً في قرية بعيدة عن ضوضاء المدينة، بمثابة الملاذ الريفي المثالي لموسم المانغو. من بين أشجار البلوط الفضية وأشجار الساج، والعديد من محاصيل الفاكهة، يُقدم هذا المنتجع الصيفي جنوب متنزه «بنيرغاتا» الوطني عدداً من الأنشطة. وتشمل هذه الأنشطة جولات المانغو، واليوغا، وركوب الدراجات، والتنزهات، ومشاهدة الطيور، ومراقبة النجوم، إضافة إلى الطعام، والإقامة، ووسائل الراحة الأساسية.

مزارع كايلاش في البنجاب

تقع مزارع كايلاش وسط الحدائق الخلابة من أشجار المانغو والزهور على بعد نحو 7 ساعات شمال دلهي عند سفوح سلسلة جبال شيفاليك في البنجاب. يستيقظ المرء على زقزقة الطيور، وعطر المانغو الفواح، ويسمح لك المكان بإعادة التواصل مع الطبيعة من خلال مسارات جني الفاكهة، وركوب الدراجات في الحدائق، واليوغا، والتأمل. ومع الترتيبات الخاصة بالرياضات العائلية، والألعاب الداخلية، وحفلات الشواء، وليالي السمر حول النيران، فإن المكان يمثل عطلة عائلية مثالية وتجديد للنشاط. توفر المزرعة بعض خيارات الإقامة الفريدة من نوعها بخلاف الغرف التقليدية، مثل الخيام والأكواخ الفاخرة، وجميعها مكيفة الهواء ومتاحة بوسائل الراحة الأساسية.

قرية المانغو - في كيرالا

في منزل فريد يتميز بدفء القرية والجمال الساحر المريح والفواكه المفضلة في الموسم، تقدم لك قرية المانغو العطلة المنعشة التي لطالما تمنيتها. إلى جانب العديد من الأنشطة مثل التخييم، وحفلات السمر، وركوب الدراجات، وركوب عربات الثيران، والسفاري بسيارات الجيب، وصيد الأسماك وغيرها، تتيح لك المزرعة تجربة ثقافة القرية من خلال طعامها واحتفالاتها. حتى أنهم ينظمون شعائر الأيورفيدية القديمة لأجل الاسترخاء، والاهتمام بصحتك وعافيتك في عطلتك.


مقالات ذات صلة

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

يوميات الشرق استخدام السماعات لتقليل صخب الموسيقى (شاتورستوك)

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

تعتزم شركات السكك الحديدية في بريطانيا تشديد الإجراءات ضد الركاب الذين يشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع داخل القطارات، مع التلويح بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني،…

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.