كيف غدت دول غرب أفريقيا حلبة صراع دولي؟

مالي نموذجاً... ومثلها جاراتها في إقليم الساحل والصحراء

عسكريون من الجيش ومتمردون سابقون، معاً، في شمال مالي (آ ف ب/غيتي)
عسكريون من الجيش ومتمردون سابقون، معاً، في شمال مالي (آ ف ب/غيتي)
TT

كيف غدت دول غرب أفريقيا حلبة صراع دولي؟

عسكريون من الجيش ومتمردون سابقون، معاً، في شمال مالي (آ ف ب/غيتي)
عسكريون من الجيش ومتمردون سابقون، معاً، في شمال مالي (آ ف ب/غيتي)

إن ما يعيشه العالمُ من تقلبات سريعة، جعلت من دولة أفريقية فقيرة وهامشية مثل مالي، في قلب كثير من المعادلات التي تشغل بال صناع القرار في العالم؛ وذلك ما يلقي بكثير من الضباب على الأحداث المتسارعة التي يعيشها هذا البلد، وتكاد تعصف بمنطقة غرب أفريقيا عموماً. في مالي، ذات التاريخ العريق والتنوع العرقي والثقافي والنسيج الاجتماعي المعقد، تصعبُ قراءة الأحداث بسبب تعدد المشاهد وتناقضها؛ فالجيشُ لا يتوقف عن إعلان انتصاراتٍ مدويةً على المجموعات الإرهابية، بفضل السلاح الروسي والتركي، بينما تبثّ الجماعات الإرهابية يومياً صوراً ومقاطع فيديو لانتصاراتها على الجيش، وغنائمها من أسلحة ومعدات، وما بحوزتها من جنود أسرى.

وسط الحرب التي تدور في مالي على جبهات عدة، يُرغمُ السكان المحليون الغارقون في الفقر على الفرار من قراهم بحثاً عن مكان آمن، لتتشكل أزمة إنسانية صامتة في عدد من مخيمات اللجوء على أطراف الحدود مع موريتانيا والجزائر.

تتكرر المشاهد ذاتها تقريباً في النيجر وبوركينا فاسو، حيث تسيطر التنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب على مناطق واسعة من البلدين، وبدأت تزحفُ نحو دول أخرى في غرب أفريقيا.

وهناك، تتقاطعُ خطوط تنافس دولي حادّ بين روسيا وأوروبا، وبين الولايات المتحدة والصين، وكذلك دول أخرى مثل الهند وتركيا تبحثُ هي الأخرى عن موطئ قدم في أرض غنية بالموارد، وعن صفقات سلاح تغذي حرباً متعددة الأطراف.

حربٌ بلا نهايات واضحة

خلال الأسبوع الماضي، قدّم «تحالف دول الساحل» (النيجر ومالي وبوركينا فاسو) عرضاً لحصيلة عمليات عسكرية مشتركة نفذها على الشريط الحدودي ضد خلايا تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى»، وخاصة في منطقتي دوسو وتيلابيري بالنيجر. وتزامنت هذه العمليات العسكرية في النيجر، مع عمليات جوية وبرّية في موبتي ونارا داخل مالي، حيث توجد معسكرات تدريب «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، والتي تحاول منذ أسابيع عدة فرض حصار على العاصمة المالية باماكو عبر إغلاق طرق وطنية أمام حركة شحن البضائع، وخاصة الوقود.

كانت الحصيلة الرسمية «عشرات القتلى» في صفوف الإرهابيين وتدمير مواقع لوجيستية، مقابل «خسائر بشرية محدودة» في صفوف الجيوش، وهو ما وصفته دول الساحل بأنه استمرار لما سمته «الضغط المستمر» على شبكات الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

بيد أن مشهد «النصر» الميداني سرعان ما يتبدد أمام «مرونة» العدو وتكتيكات الكرّ والفرّ. فمن جهة، يُعلن العسكريون فتح الطرق وإسناد قوافل شحن البضائع وصهاريج الوقود الآتية من ميناء داكار، عاصمة السنغال، ومن جهة أخرى تعيد الجماعات ترتيب صفوفها في الجغرافيا الوعرة، وتهاجم في مواقع غير متوقعة، وتنشر مقاطع فيديو للوقود المحترق والبضائع وهي متناثرة على الطريق الوطني قبل الوصول إلى باماكو.

بمرور الأيام توسّعت دائرة الاشتباك، وتحولت المعارك من الغابات والثكنات العسكرية، إلى المحاور الطرقية الرئيسة. وهذا تحول استراتيجي سرعان ما أسفر عن نقص وقود حاد في باماكو، وتزايد الطوابير أمام المحطات، وارتفاع الغضب الشعبي، وهكذا بدأت هجمات «القاعدة» تصيب هدفها بزعزعة يقين الشارع وثقته في الجيش.

اليوم هدف المعركة حسم هوية المسيطر على «الطريق»، وهذا انعكاس لمشهد أكبر يتمثل «حرب الممرّات الاستراتيجية» في منطقة غرب أفريقيا، حيث يحتدم الصراع لتأمين المواني وسلاسل الإمداد بالمعادن.

صراع عالمي

واقع الأمر، أنه يستحيل فصل ما يجري في منطقة الساحل، عن «حرب كبرى» على النفوذ في العالم. إذ كتب عالم الاجتماع فرنسوا بوليه أنّ القارة الأفريقية انتقلت من هامشيةٍ طويلة إلى قلب منافسةٍ جيوسياسية تستهدف النفوذ الدبلوماسي والموارد والأسواق، وأنّ «حرب الممرات الاستراتيجية» باتت عنواناً لسباق تأمين سلاسل الإمداد بالمعادن النادرة بين الصين ومشروعها الضخم «الحزام والطريق»، وأوروبا بمشروعها الخاص «البوابة العالمية» Global Gateway، والولايات المتحدة التي غيرت سياساتها تجاه القارة وباتت تعملُ تحت ظل إدارة دونالد ترمب بمنطق «صفقات ثنائية مشروطة»، وروسيا التي دخلت القارة وهي تحملُ معها «صفقات سلاح غير مشروطة».

بوليه رأى في مقال نشره هذا الأسبوع، أن محرّك كل هذه الصراعات قد يكون - بنسبة كبيرة - دخول العالم في مرحلة «تحول طاقوي» يحتاج إلى الكوبالت والنيكل والليثيوم أكثر مما يحتاج إلى الشعارات. وهذه معادن توجد بوفرة في أرض أفريقيا المكسوَّة بالفقر والجهل والمرض، وتحكمها، غالباً، أنظمة فاسدة وغير ديمقراطية.

هذه «الاندفاعة الجديدة» نحو أفريقيا - وفق بوليه - تحمل في آنٍ واحد فرصاً ومخاطر: قد تُسهم في «تعزيز مكانة القارة»، لكنها قد تعيد أيضاً إنتاج تبعياتٍ جديدة ما لم تُترجم إلى اندماجٍ قاريٍّ وقيمةٍ مضافة محلية.

على الأرض، تتلاقى خطوط النزاعات المحلية مع حسابات العواصم البعيدة، حيث إنَّ كلَّ عمليةٍ عسكرية ضد رتلٍ من الدراجات النارية في تخوم محافظة تيلابيري بالنيجر، تتجاوب في مكانٍ ما مع اجتماع خبراء سلاسل توريد المعادن في موسكو أو بكين أو واشنطن. وكلُّ خليةٍ نائمة تُستهدف في موبتي (مالي)، قد ترتبطُ بما يجري على طاولة صفقات المواني والممرات والسكك الحديدية الممتدة بين الأطلسي والهندي.

منابر إعلامية أوروبية وفرنكوفونية لطالما احتكرت «سردية أفريقيا» تواجه

اليوم منافسة قوية من قنوات روسية وصينية وتركية وإيرانية

الصعود الروسي

منذ سنواتٍ، تتقدّم روسيا كلاعبٍ أمنيٍّ «سريع الاستجابة» لسد فراغٍ خلّفه إخفاقٌ فرنسيٌّ كبير وغير مسبوق في إقناع الرأي العام المحلي بفاعلية التدخلات العسكرية الفرنسية، رغم تكلفتها الباهظة، التي وصلت خلال عشر سنوات (2013 - 2023) إلى قرابة مليار يورو سنوياً.

وهنا، يلفت فرنسوا بوليه، إلى أنّ «انجذاب» مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى الفلك الروسي يشكّل أكبر اختراقٍ دبلوماسي لموسكو على حساب باريس. وهو اختراق جاء نتيجةً مباشرةً لتعثّر «الحرب على الإرهاب» بقيادة فرنسا في منطقة الساحل، وتآكل شعبية الوجود العسكري الفرنسي، الذي لعبت عليه آلة إعلامية قوية غذّت مشاعر الغضب في الشارع، والرغبة المتزايدة في «السيادة»، وإنهاء إرث طويل من «الاستعمار».

إلى جانب ذلك، راكمت موسكو اتفاقات تسليحٍ وتدريبٍ وتعاونٍ أمني، واستخدمت «بطاقة سوريا» لتسويق خبراتها العسكرية والأمنية لعدد من الدول الأفريقية، مع تفويضِ جزءٍ من التنفيذ إلى تشكيلات شبه رسمية، مثل مجموعة «فاغنر» في البداية، ثم «فيلق أفريقيا» أخيراً. إلا أن عالم الاجتماع الفرنسي يحذّر من المبالغة في تقدير النفوذ الروسي بالنظر إلى هشاشة الروابط الاقتصادية بين روسيا وأفريقيا، وخشية العواصم الأفريقية من خسارة التمويل الغربي الكبير، الذي يمثل جزءاً مهماً من الموارد التي لا يبدو أن هذه الدول - الغارقة في الأزمات الاقتصادية - مستعدة للاستغناء عنه.

أما أوروبا، فتسعى إلى تعويض التراجعين العسكري والدبلوماسي في أفريقيا، عبر ضخّ استثماراتٍ في البنية التحتية والترويج لقيم «سيادة القانون» و«حقوق الإنسان»، لكنّ هذا الخطاب يصطدم بوقائع سياسات الهجرة ودعم أنظمةٍ استبدادية على الأرض.

والمفارقة هنا، أنّ منابر إعلامية أوروبية وفرنكوفونية لطالما احتكرت «سردية أفريقيا»، تواجه اليوم منافسة قوية من قنوات روسية وصينية وتركية وإيرانية، تُخاطب الجمهور بلغاته المحلية وبخطاب «مناهِض للغرب»، مع توجه واضح نحو برامج تدريب للصحافيين وتمويلٍ شبكي للمؤثرين؛ ما ساهمَ في تعزيز كراهية الغرب في الشارع الأفريقي.

ترمب... الصفقات أولاً

على الضفة الأخرى من الأطلسي، تتبدّل الأدوات الأميركية لترسم ملامح نمط جديد من العلاقات مع القارة الأفريقية، وخاصة دول غرب أفريقيا.

إذ في زمن «أميركا أولاً»، تمضي إدارة ترمب في «إعادة تنظيمٍ هيكلية» لدبلوماسيتها، متراجعةً عن بعض أدوات «القوة الناعمة»، مثل «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» التي شكَّل إغلاقها صدمة كبيرة لعدد من دول القارة الأفريقية.

ترمب فضَّل مقاربة جديدة تقوم على «الصفقات»، وعقد اتفاقيات ثنائية تضمنُ في النهاية وصول الشركات الأميركية إلى المعادن النادرة، ومشاريع ممراتٍ ولوجيستياتٍ، كمشروع ربط «حزام النحاس» في الكونغو الديمقراطية بميناء لوبيتو في أنغولا؛ بهدف منافسة المشاريع الصينية العملاقة في المنطقة.

هُنا يشير بوليه إلى أن استراتيجية ترمب «تراهن على تموضعٍ جديد في حرب الممرات»، ولكنه يشير إلى أن هذه الاستراتيجية تُكملها في مواضع أخرى «خطط تعاونٍ استخباري وتدريبٍ وتسليحٍ مشروط مع عواصم الساحل».

حقاً، «الواشنطن بوست» ذكرت قبل أيامٍ أنّ واشنطن كثّفت أخيراً تعاونها الاستخباري مع حكومة مالي، رغم أن الأخيرة أصبحت محسوبة بشكل لا جدال فيه على روسيا، وذكرت الصحيفة أن وفداً أميركياً برئاسة مسؤول مكافحة الإرهاب رودي عطا الله، زار باماكو وأكد جهوزية واشنطن لتقديم المعلومات والتدريب والعتاد.

للعلم، مالي واحدة من أغنى دول أفريقيا بالذهب، مع مؤشرات على وجود احتياطي غير مستغل من النفط والغاز واليورانيوم والمعادن النادرة. وهذه ثروات لن يتركها الأميركيون بسهولة لروسيا والصين، ولكن ما يحاوله الأميركيون إعادة تعريف «الثمن السياسي» للصفقات على شكل «شراكات أمنية مقابل اصطفافاتٍ في محافل دولية أو تسهيلاتٍ في سلاسل توريد المعادن والسلع».

حلبة حقيقية

لكن الصراع في غرب أفريقيا والساحل لا يقتصر على الأوروبيين والأميركيين والروس والصينيين، بل ثمة قوى صاعدة أصبح لها حضور لافت، ودخلت الحلبة بقوة، محاولة إيجاد مكانة لها وسط الكبار، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي أصبحت من أكبر المستثمرين في القارة، وتنافس بقوة الاستثمارات الصينية.

تركيا أيضاً وسّعت اتفاقياتها العسكرية وصفقاتها الدفاعية في القارة، وتلقى طائراتها المسيّرة رواجاً كبيراً بين الدول الأفريقية، وخاصة دول الساحل التي صارت تعتبرها سلاحاً لا يُستغنى عنه في مواجهة الإرهاب.

ثم هناك الهند التي تفاخر بإدماج الاتحاد الأفريقي في «مجموعة العشرين» إبّان رئاستها، وتقدم نفسها على أنها ثاني أكبر شريك تجاري لأفريقيا، متقدمة على الولايات المتحدة وفرنسا، وتسعى لموازنة النفوذ الصيني، الغريم التقليدي.

وأخيراً ظهر دور أوكراني - لا يزالُ ضعيفاً، لكنه بدأ يلفتُ الانتباه - تلعبه سفارات عدة في بعض العواصم الأفريقية، كشفت التقارير عن علاقات تربطها بأطراف مسلحة، وخاصة المتمردين الطوارق في مالي، حصلت على أسلحة وتدريب ومعلومات استخباراتية استخدمتها ضد القوات الروسية والجيش المالي.

ورغم ضعف إمكانيات أوكرانيا، حاولت كييف استخدام «سلاح الغذاء» ومواجهة نفوذ موسكو في أفريقيا بمخازن الحبوب وسط أزمة غذاء تهدد مناطق واسعة من القارة، حيث التقى نائب وزير الاقتصاد الأوكراني دينيس باتشليك وفداً من «برنامج الأغذية العالمي» وناقش معه مبادرة «حبوب من أوكرانيا». كان في صلب النقاش موضوع توسيع المبادرة لتشمل دولاً أفريقية جديدة، وهي التي تشملُ حتى الآن 18 دولة أغلبها في أفريقيا، حصلت على منتجاتٍ أوكرانية تتجاوز الحبوب إلى الزيت والدقيق.

الرسالة السياسية هنا صريحة. فكييف الغارقة في حربها تبحث عن «نافذة نفوذٍ إيجابي» في أفريقيا، عبر دبلوماسية الغذاء ونزع الألغام وتثبيت حضورٍ في ملفٍ حساسٍ للشارع الأفريقي، المشكك بنيّات المجتمع الدولي.

تعدد الشركاء

وبينما يحتدم الاصطفاف، وتبدو الحدود واضحة بين المعسكرين «الشرقي» والغربي»، تحاولُ بعض العواصم الأفريقية أن تجد صيغةً وسطاً، من خلال «تعدد الشراكات»، وتحاشي حصر نفسها في «صف واحد»، وهو ما يعتقدُ الخبراء أنه «توجه ذكي» في ظل انفتاح السوق الأفريقية على عروضٍ متباينة من أوروبا، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وتركيا، والهند، والإمارات واليابان، ومجيء هذه العروض في الوقت ذاته «يمنح القادة الأفارقة هوامش مناورةٍ أوسع لإعادة التفاوض على شروط العلاقة مع العالم».

ولكن هامش المناورة والرغبة في الاقتناص من الجميع، قد يصبح في أي لحظة «فخاً خطيراً»، فيتحول شعار «تنويع الشركاء» إلى «تبعية متعددة»، حيث يذهب الخبير الجنوب أفريقي باتريك بوند إلى أبعد من ذلك حين يقول إن حتى المشاريع التي تقترحُ نظاماً عالمياً جديداً أكثر عدالة لم تكن تجسد العدالة التي تتطلع لها القارة. وضرب الخبير الجنوب أفريقي المثال بمشروع «البريكس» الذي قال إن «بعض مشاريعه في مجال البنية التحتية ليست من أجل أفريقيا، بل هي مشاريع لتسريع استخراج الموارد لصالح شركات الدول المُمَوِّلة».


مقالات ذات صلة

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

حصاد الأسبوع وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع كوشنر (آ ب)

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)

الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

> أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران


هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.