مات غايتز... النائب الجمهوري اليميني المتشدّد الذي تخصّص في تعطيل الكونغرس الأميركي

ظهوره الإعلامي المكثف وأسلوبه الفظ سلّطا الضوء على صِداميته

مات غايتز... النائب الجمهوري اليميني المتشدّد الذي تخصّص في تعطيل الكونغرس الأميركي
TT

مات غايتز... النائب الجمهوري اليميني المتشدّد الذي تخصّص في تعطيل الكونغرس الأميركي

مات غايتز... النائب الجمهوري اليميني المتشدّد الذي تخصّص في تعطيل الكونغرس الأميركي

دخل النائب الجمهوري ماثيو غايتز، أخيراً، التاريخ السياسي الأميركي بعدما صار أول عضو في الكونغرس يطيح رئيس مجلس النواب. في الواقع، ما كان من المتصوّر أن يتمكن شخص واحد من إنجاز هذه المهمة، إلا أن إقالة كيفن مكارثي هزّت، ليس فقط صورة الحزب الجمهوري، بل ودور المؤسسة التشريعية الأهم في أميركا أيضاً. واليوم يرى عدد كبير من المراقبين والباحثين في شؤون السياسة الداخلية الأميركية، أن ما حصل لم يكن ليحصل، لو لم يسمح تدهور المقاييس السياسية، وطغيان المصالح الشخصية، وتصاعد الخطاب الشعبوي على ضفتي الانقسام السياسي الأميركي، بظهور شخصيات من النوع الذي يمثله غايتز. والحال، أن إقالة مكارثي لم تدمر فقط طموحه السياسي فحسب، بل أربكت كذلك واشنطن، وأغرقت مجلس النواب مجدداً في الفوضى. وها هم الجمهوريون يواجهون صعوبة في التوافق على مَن يريدون أن يتولى رئاسته.

بعد إقالة كيفن مكارثي، رئيس مجلس النواب الأميركي السابق من منصبه، اتهم الأخير النائب مات (ماثيو) غايتز بأنه عارضه لغايات شخصية انتقامية، أبرزها امتناعه عن إغلاق قضية قيد التحقيق من قِبل لجنة الأخلاقيات بمجلس النواب، في مزاعم سوء السلوك الجنسي، وتعاطي المخدرات غير المشروعة، وإساءة استخدام أموال حملته الانتخابية. وهذا التحقيق كان فُتح بحق غايتز، عندما كان مجلس النواب تحت سيطرة الديمقراطيين، ولكن أعيد فتحه هذه السنة في ظل رئاسة مكارثي.

يقول البعض: إن إعادة فتح هذا التحقيق بموافقة من رئيس المجلس نفسه، قد تكون من بين أدوات الضغط التي ربما حاول مكارثي تحصين نفسه بها في مواجهة غايتز، الذي قاد 15 جلسة تصويت في يناير (كانون الثاني) الماضي، للموافقة على تسلمه منصب رئاسة المجلس، وهذا بعدما قدم له تنازلات لم يكن غايتز نفسه يتصورها، على حد قوله. ولعل التنازل الأكبر الذي قدّمه مكارثي لغايتز، وخشي من استخدامه ضده - كما حدث بالفعل - هو منح عضو واحد فقط الحق في طرح اقتراح عزل رئيس المجلس؛ وهو ما ضرب القاعدة التي كانت تمنح مجلس النواب الاستقرار على مدى أجيال وعقود سابقة.

غايتز نفى هذه الاتهامات، وأصرّ على أن أهدافه آيديولوجية بحتة. وشرح، من ثم، أن هدفه الأساسي المعلن هو تحقيق التوازن في موازنة البلاد وخفض العجز، الذي يبلغ حالياً نحو 33.5 تريليون دولار. وأردف: «أنا هنا للقتال من أجل ناخبي... أنا هنا للتأكد من أن أميركا ليست على طريق الخراب المالي». لكن مكارثي نفى صحة هذا الكلام بشدة قائلاً: «لا... لم يكن الأمر يتعلق بالإنفاق. كان كله يتعلق بجذب الانتباه».

عصيان ناجح

بالنسبة لغايتز، حقق «عصيانه» نجاحاً باهراً؛ إذ أزاح خصمه السياسي من السلطة وحوّل نفسه، وهو العضو الصغير نسبياً في الكونغرس، إلى «ثائر» يمكن الاعتماد عليه في مواجهة المؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن. بيد أنه في المقابل، تحوّل إلى نائب شبه معزول ومنبوذ، حتى بين زملائه الجمهوريين الذين طردوه من صفوفهم في المجلس خلال جلسة إقالة مكارثي.

من هو غايتز؟

بدأ ماثيو لويس غايتز (من مواليد 7 مايو/أيار 1982)، حياته السياسية في ولاية فلوريدا، متتبعاً خطى والده الثريّ، دون غايتز، عضو مجلس شيوخ الولاية السابق لعقود من الزمن. وبفضل نشاطه داخل الحزب الجمهوري صار يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه من أشد المؤيدين لسياسات اليمين المتشدد في كل القضايا الداخلية والخارجية، بما فيها معارضته مواصلة تمويل أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وتأييده القوي للرئيس السابق دونالد ترمب.

نشأ غايتز في مدينة فورت والتون بيتش الصغيرة، بشمال غرب فلوريدا. وحصل على درجة البكالوريوس في الآداب من جامعة ولاية فلوريدا في العاصمة تالاهاسي، ثم درس وتخرج في معهد الحقوق بكلية ويليام وماري العريقة في ولاية فيرجينيا (وهي ثاني أقدم جامعات أميركا بعد هارفارد)، ومن ثم، عمل لفترة وجيزة في مكتب محاماة خاص، قبل ترشحه لأحد مقاعد مجلس نواب ولاية فلوريدا.

خلال السنوات الست التي أمضاها غايتز - الملقب في حينه بـ«بيبي غايتز» - عضواً في مجلس نواب فلوريدا، بين 2010 و2016، بنى غايتز سمعته، مثل والده، كمشرّع جاد. وحقاً، أبرم صفقات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وصوّت إلى جانب الديمقراطيين لإزالة الحظر المفروض على تبنّي زواج المثليين، وأقنع والده بفعل الشيء نفسه. إلا أنه في المقابل، دعم سلسلة من التشريعات اليمينية اللافتة، بما فيها مشروع قانون من شأنه التعجيل بإعدام السجناء المحكوم عليهم بالإعدام في فلوريدا.

الطريق إلى واشنطن

في عام 2016، حوّل السياسي الشاب أنظاره إلى واشنطن، ونجح في الترشح لمقعد في مجلس النواب الأميركي، وفاز به عن منطقة الكونغرس الأولى في فلوريدا، معقل الجمهوريين. ولقد أُعيد انتخابه في أعوام 2018 و2020 و2022.

كانت أيامه الأولى في مجلس النواب الأميركي بطيئة وقليلة الفاعلية. وقال غايتز لصحيفة «نيويورك تايمز» في مقابلة عام 2019 عن الأشهر الأولى له في الكونغرس الأميركي: «سأنهي أيامي المنهكة... إذا لم تتمكن من التأثير على نتيجة ما في هذه المدينة، فأنت شخص إضافي في الفيلم، وأنا لا أريد أن أفعل ذلك».

لذا؛ وجد غايتز، الذي يتمتع بالذكاء الإعلامي والقدرة على جذب الانتباه، بحسب عارفيه، جمهوراً أوسع ضمن «العلامة السياسية» للرئيس (آنذاك) دونالد ترمب، نجحت شعبويته المنمقة بجعله محبوباً عند ترمب ودائرته. وسرعان ما أتبع ذلك بسياسة ظهور واسعة على قنوات الكابلات والعناوين الإعلامية الرئيسة، التي سلطت الضوء على تحركات غايتز - الواثقة والمثيرة للجدل - بشكل متزايد في واشنطن.

في عام 2018، أحضر معه أحد اليمينيين المُنكرين المحرقة اليهودية (الهولوكوست) ضيفاً لحضور خطاب حالة الاتحاد السنوي الذي يلقيه الرئيس الأميركي. ثم حضر حدثاً في عام 2020 حين قال: إن المجموعة اليمينية المتطرفة «براود بويز» (الأولاد الفخورون) التي يتعرّض أفرادها لمحاكمات قضائية، يوفّرون الأمن.

وبعد ذلك، حاول غايتز طرد اثنين من الآباء الذين فقدوا أولادهم في حادث إطلاق نار جماعي وقع عام 2018 - في مدرسة مارغوري ستونمان دوغلاس الثانوية في فلوريدا - من جلسة استماع في مجلس النواب، وذلك بعد مهاجمتهما مشروع قرار قدمه غايتز، يتيح لسكان فلوريدا الحائزين تصاريح أسلحة مخفية بحملها علانية في الأماكن العامة.

شبّه اليسار بالإرهاب

ويوم 1 يونيو (حزيران) 2020، إبان الاحتجاجات التي اجتاحت أميركا إثر مقتل المواطن الأسود جورج فلويد، حاول اليمينيون - ومنهم غايتز - تحميل منظمة «أنتيفا»، وهي مجموعة يسارية متشددة، مسؤولية أعمال العنف التي اندلعت. وغرّد غايتز قائلاً «الآن بعدما أصبحنا نرى (أنتيفا) بوضوح كإرهابيين، هل يمكننا ملاحقتهم كما نفعل مع أولئك في الشرق الأوسط؟»، إلا أن «تويتر» (إكس اليوم) حذفت التغريدة، عادّةً إياها «انتهاكاً لقواعده المتعلقة بتمجيد العنف». مع هذا، عدّ غايتز ذلك «وسام شرف»، متهماً المنصة بدعم «أنتيفا»، وطالب مرة أخرى «الحكومة بمطاردتها».

هذا النهج الفظ أكسبه مجموعة متزايدة من النقّاد، الذين يصفونه بأنه «وقح يبحث دائماً عن الأضواء». وعلّق وايت أيريس، الخبير الاستراتيجي الجمهوري، عليه بالقول: «مات غايتز لا يهتم البتّة بإحداث فارق كمشرّع... إنه لن يترك أي أثر على الإطلاق في التاريخ التشريعي للولايات المتحدة، لكنني أعتقد أنه يستمتع بفتح المعارك والحصول على الشهرة».

مع هذا، بدا أن ابتعاد غايتز عن «المؤسسة السياسية» أدى إلى تزايد شعبيته في ولايته فلوريدا، المتجهة سياسياً إلى اليمين باطراد؛ إذ فاز بإعادة انتخابه العام الماضي بفارق 35 نقطة. وفي تصريح لكريستيان زيغلر، رئيس الحزب الجمهوري في فلوريدا، رأى «أن الشعب الأميركي يشعر الآن بالإحباط بسبب الفشل في التوصل إلى نتائج من الكونغرس... وبالتالي، صار مات أحد متنفساتهم للتعبير عن هذا الإحباط»!

أبرز النواب المكروهين

في أي حال، ظل الجدل يلاحق غايتز، لا سيما بعدما فُتح تحقيق لوزارة العدل ضده في ربيع عام 2021، بزعم إقامته علاقة جنسية مع فتاة قاصر عمرها 17 سنة، كان قد دفع ثمن عبورها حدود الولاية، وهو ما قد يصل إلى تهمة الاتجار بالجنس.

غايتز، من جهته، نفى أي ذنب، وأعلن في فبراير (شباط) من هذا العام، أن وزارة العدل أغلقت القضية من دون توجيه أي اتهامات إليه، غير أنها القضية ذاتها التي أُعيد فتحها أعلاه، من قِبل لجنة الأخلاقيات بمجلس النواب.

وبسرعة ساعدت الفضيحة في تأكيد سمعة غايتز كأحد أعضاء الكونغرس الأكثر مكروهية على نطاق واسع وبشكل علني. وفي تعليق قاسٍ قال غاريت غريفز، النائب الجمهوري عن ولاية لويزيانا، خلال الأسبوع الماضي لموقع «سيمافور» إنه يعتقد «أن مات سيكون ديكتاتوراً عظيماً في دولة أرخبيلية صغيرة في المحيط الهادي أو شيء من هذا القبيل... وربما تكون هذه هي الخطوة التالية الأفضل بالنسبة له». لكن كثيرين ممن يعرفونه، بمن فيهم كريستيان زيغلر، أشادوا به لـ«غرائزه السياسية الذكية واتصالاته المتخصصة». وقال رئيس الحزب في فلوريدا: «ثمة عدد قليل من الأشخاص الذين أتهيّب مناقشتهم، ومات غايتز واحد منهم... إنه أحد أكثر الأعضاء مهارة». بينما قال سياسي آخر: «آخر ما يهتم به مات هو الطبقة السياسية».

والحقيقة، أنه على الرغم من الجدل المحتدم حول شعبيته في مجلس النواب، جرى تسليم غايتز سلطة كبيرة بعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، التي أفضت إلى حصول الحزب الجمهوري على غالبية ضئيلة جداً في مجلس النواب، وإخفاقه بتحقيق انتصارات كاسحة في عموم البلاد.

في ضوء هذا الوضع، صار الحزب الجمهوري في حاجة إلى صوت كل عضو تقريباً في كتلة غايتز اليمينية المتشددة، «تجمع الحرية»؛ من أجل تمرير التشريعات من الحاجة إلى دعم الديمقراطيين. وبالفعل، استخدم غايتز هذه السلطة على الفور، حين قاد ما عدّ «حملة إذلال» لمكارثي، قبل الموافقة على أن يصبح رئيساً للمجلس.

هدفه حاكمية فلوريدا

من ناحية أخرى، على الرغم من ادعاءات غايتز بأن دوافعه آيديولوجية في مواجهة «انحطاط المؤسسة التقليدية»، فإن منتقديه يعتقدون أن أسبابه مختلفة. إذ قال الخبير الاستراتيجي الجمهوري، رون بونجين: «أعتقد أن لديه طموحاً خالصاً. إن هدفه النهائي منصب حاكم ولاية فلوريدا»، مردداً التكهنات المتزايدة بأنه سيرشح نفسه لمنصب الحاكم في عام 2026. وهنا نشير إلى أن الحاكم الحالي رون ديسانتيس، المرشح الرئاسي الجمهوري الذي يحتل المرتبة الثانية في تفضيلات الترشيح بعد دونالد ترمب، ما عاد يحق له الترشح لمنصب الحاكم، وفق القانون. وبالتالي، يضيف بونجين: «يدرك غايتز أنه يستطيع إيقاف كل شيء وتسليط الضوء عليه من أجل الاهتمام الوطني وجمع الأموال من أجل تعزيز جهوده السياسية للوصول إلى منصب أعلى... إنه التفسير العقلاني الوحيد».

مع ذلك، ينفي غايتز خططه للترشح لمنصب الحاكم. لكن قيادته الحملة لإقالة مكارثي بدت مربحة له، لكونها أدت إلى إطلاق جولة جديدة له لجمع التبرعات. أما عن ادعاءات غايتز الآيديولوجية فجاءت في بيان قال فيه: إن دوافع مشاجراته السياسية الرفيعة المستوى كانت دائماً الدفاع عن «الإنسان العادي». وتابع: «أنا لا أخشى الوقوف بوجه جماعات الضغط والمصالح الخاصة، ولن يساورني الخوف أبداً»، ثم استطرد: «إذا كان هذا يعني أنني سأواجه معارك صعبة، وصيحات استهجان، فليكن... هذا يعني أنني أؤدي عملي كما يجب».

أخيراً، مهما كان طموح مات غايتز النهائي، فإن المعركة المستمرة داخل الحزب الجمهوري لاختيار بديل لمكارثي، وتحقيق الاستقرار بعد أسابيع من الفوضى، وهنا من غير المرجّح أن يرضى غايتز دور اللاعب الصغير.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.