شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

قمع معارضيه بعنف وتخلّى عن حلفاء الماضي وقاد تغييرات جذرية

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن
TT

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

أوزبكستان هي «مركز الثقل» الجيوسياسي لعموم آسيا الوسطى، والدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة، كما أنها تتقاسم حدودها مع دول آسيا الوسطى الأربع الأخرى، بالإضافة إلى أفغانستان.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، حكم الرئيس إسلام كريموف أوزبكستان بقبضة قوية، وتَعامل بعنف مع معارضيه، ونصب حاجزاً أمام حرية الحركة والتنقل والعمل السياسي. لكن على الصعيد الخارجي، جلبت مناوراته الجيوسياسية الماهرة الاستقرار إلى أوزبكستان، التي لم تشهد هزّات كبرى.

لهذا السبب، كان التحدي الأكبر أمام خليفته شوكت ميرزيوييف المحافَظة على الاستقرار في بلد لا وجود للعمل المؤسسي فيه... وكذلك لا وجود للمجتمع المدني. وفعلاً، بدا أن الرئيس الجديد نجح سريعاً في التغلب على العقبات وترسيخ أركان حكمه.

يُعدّ موقع أوزبكستان ميزة ومصدراً للمشكلات في آن معاً، إذ تسمح الحدود المشتركة مع أفغانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، لأوزبكستان بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ما يزيد من ثقلها على الساحة الدولية.

وفي الوقت عينه، يشكل الوضع غير المستقر في هذه البلدان تهديداً لأوزبكستان، ومن المرجّح أن يتواصل تفاقم الوضع في المناطق الحدودية، رغم نجاح سلطات طشقند في تخفيف التوتر وحلّ مشكلة المناطق المتنازع عليها مع «الجارة» طاجيكستان، وهي المشكلة التي ظلّت لعقود مصدر قلق. لكن التحدي الأبرز هو المحافظة على التوازن الصعب في العلاقة مع كل من موسكو وواشنطن، خصوصاً على خلفية الصراع المتفاقم بين روسيا والغرب.

على الرغم من هذا، فإن الأمور في هذا المجال تبدو أفضل بكثير، بالنسبة إلى أوزبكستان، مقارنة بـ«جاراتها» من الجمهوريات السوفياتية السابقة... إذ التزمت طشقند الحياد الاستراتيجي في هذه المواجهة، وواجهت بصعوبة مساعي واشنطن للضغط عليها، من أجل اتخاذ موقف واضح حيال موسكو.

وعموماً، حافظت أوزبكستان، طوال العقود السابقة، على علاقات معقدة مع «الكرملين»، تراوحت بين حسابات اقتصادية وتجارية وأمنية (بسبب أفغانستان)، دفعت إلى إنشاء قاعدة عسكرية روسية في البلاد، لم تلبث سلطات طشقند أن أغلقتها، وفتحت الباب لاحقاً لاستضافة قاعدة أميركية (أغلقت هي الأخرى بعد سنوات).

وأخيراً، خلال أشهر الحرب الروسية في أوكرانيا، تقلّصت درجة ارتباط طشقند الاقتصادية مع موسكو، مع العلم بأنه من بين سكان البلاد البالغ عددهم 36 مليون نسمة، كان يعمل ما يزيد قليلاً عن مليون شخص، في روسيا. وقد بلغ حجم حوالات المواطنين الأوزبكيين العاملين، إلى وطنهم، 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، غير أن هذا الرقم تراجع بحِدة بسبب اضطرار جزء كبير من العمالة الأوزبكية إلى مغادرة روسيا.

- أوزبكستان بين الماضي والحاضر

تولّى الرئيس شوكت ميرزيوييف السلطة خلفاً للرئيس الأوزبكي «الأول» إسلام كريموف، الذي تُوفي عام 2016، بعدما حكم بقبضةٍ من حديد، طوال ربع قرن.

وكان ميرزيوييف رئيساً للوزراء على مدى 13 سنة، إبّان حكم كريموف، بَيْد أنه حرص على إبداء صورة أكثر حداثة، لذا لجأ إلى «تغليف» التعديلات الدستورية المثيرة، بطابع إنساني واسع النطاق. وخلال التصويت الأخير، صوّت الأوزبكيون؛ ليس فقط على تجديد «البيعة» للرئيس، لسنوات طويلة مقبلة، ولكن أيضاً، على إجراءات عدة، تقترب بأوزبكستان من معايير المجتمعات الحديثة في الغرب، وبينها وقف العمل بعقوبة الإعدام، واحترام حقوق الإنسان في «أوزبكستان جديدة» يريدها الرئيس القوي أن تكون «أكثر عدلاً».

النشأة وبداية المسيرةوُلِد شوكت ميرومونوفيتش ميرزيوييف، ونشأ في عائلة من المزارعين، الذين كانت أحوالهم المالية مزدهرة، وبالإضافة إلى الزراعة كانوا يعملون في تربية النحل.

ثم إن الجَد الأكبر لشوكت من جهة والده، مير بوبو، كان مزارعاً كبيراً، لكنه لم يتحوّل إلى إقطاعي في ظروف الحياة خلال العهد السوفياتي، بل على العكس من ذلك، خدم السلطات بإخلاص، وقدّمت عائلته كثيراً من الخدمات للدولة، وغدا بعض أفرادها أبطالاً لـ«الحرب الوطنية العظمى» (الحرب العالمية الثانية).

قد تكون تلك البدايات لعبت دوراً في تشكل شخصية شوكت ميرزيوييف، الذي وُلد وعاش سنوات عمره قريباً من السلطة والمال والسطوة، وأسهم ذلك في أنه بدأ مبكراً الانخراط في عالم السياسة والمناصب.

ذلك أنه بعد تخرجه مباشرةً في «معهد الهندسة الميكانيكية»، أوائل ثمانينات القرن الماضي، وجد وظيفة في «جامعة طشقند» الحكومية، وفي معهده نفسه، وحصل على درجة الدكتوراه ليغدو أصغر العلماء في المعهد.

وبعدها في السنوات الأخيرة من عمله في المعهد، شغل منصب النائب الأول لرئيس المعهد. وهذا، قبل أن يدرك أن طريقه إلى سُلّم المجد يمر عبر بطاقة العضوية في «الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي»، الذي انضم إليه في أواخر الثمانينات.

نتائج سياسية سريعةولم يلبث ميرزيوييف أن حصد نتائج سريعة، ففي أوائل عام 1990، وعندما كان الاتحاد السوفياتي يقترب من لفْظ أنفاسه الأخيرة، كان الزعيم الشاب يشقّ طريقه السياسي نائباً في البرلمان (المجلس الأعلى لجمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفياتية)، ومع أن هذه كانت آخِر انتخابات محلية تجري، في ظل الدولة السوفياتية الموحّدة، فتح هذا المنصب أمامه الطريق واسعاً ليكون واحداً من رموز العهد الجديد في أوزبكستان «المستقلة» لاحقاً.

وكما حصل مع كبار رجالات الدولة السوفياتية، سارع ميرزيوييف إلى خلع عباءة الشيوعية، وتخلَّى عن البطاقة الحمراء، ليُشهر، بدلاً منها، بطاقة العضوية في «الحزب الديمقراطي الشعبي لأوزبكستان»، الذي حلَّ محل «الحزب الشيوعي الأوزبكي»، الذي جَرَت تصفيته.

لقد كان الطريق ممهَّداً أمام طموح هذا السياسي، الذي سرعان ما عُيِّن حاكماً لمنطقة ميزو أولوغبيك، كما حافظ على عضويته في البرلمان الأعلى للبلاد.

وفي عام 1996، بموجب مرسوم صادر عن رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف، عُيِّن شوكت ميرزيوييف حاكماً لمنطقة جيزاخ المتطوّرة زراعياً، والتي يتحدّر منها.

ثم، بعد 5 سنوات عيَّنه الرئيس كريموف حاكماً على إقليم سمرقند، المتطوّر صناعياً وزراعياً وسياحياً، وكان هذا المنصب خاصة، مفتاح العبور إلى الحكومة، التي شغل عدة مناصب فيها، قبل أن يُتوَّج رئيساً للوزراء... وأقرب الشخصيات لكريموف، الحاكم المطلق للبلاد.

- رئاسة الحكومة

منذ 12 ديسمبر (كانون الأول) 2003، عندما عُيِّن ميرزيوييف رئيساً لوزراء جمهورية أوزبكستان، فإنه تحوّل إلى صاحب أكبر ثقل سياسي في الجمهورية بعد الرئيس، ولم يتخلَّ قط بعد ذلك عن موقعه صانعاً أساسياً للقرار.

وللعلم، بعد وفاة إسلام كريموف - أول رئيس لأوزبكستان المستقلة - أصبح رئيس «مجلس الشيوخ» نجمات يلا يولدوشيف، رئيساً بالإنابة، وفقاً للدستور، إلا أن رئيس الوزراء القوي سرعان ما قلَب الطاولة. وقبل حلول خريف ذلك العام، اتخذ «المجلس الأعلى» (البرلمان) قراراً بتكليف شوكت ميرزيوييف بإدارة البلاد قائماً بأعمال الرئيس، وبعد أسبوع واحد على هذا التعيين، رشَّحه «الحزب الليبرالي الديمقراطي لأوزبكستان» لخوض معركة رئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية المبكّرة، التي أُجريت في نهاية عام 2016. ويومذاك، سمحت «لجنة الانتخابات المركزية» في أوزبكستان، لميرزيوييف - القائم بأعمال الرئيس - بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، التي كرّست عهداً جديداً في البلاد، وسجلت انتقالاً سلساً للسلطة، خلافاً لتوقعات كثيرة.

... ورئاسة الجمهورية فاز ميرزيوييف بالانتخابات الرئاسية بأصوات 89 في المائة من الناخبين، وبنسبة إقبال بلغت 88 في المائة. ومنذ ذلك الحين لم تتراجع نسب تأييده عن حاجز التسعين في المائة، رغم كل المشكلات الداخلية والخارجية، والأوضاع الاقتصادية التي شهدت اهتزازات عدة، ورغم محاولة المعارضة التي بقيت مغيَّبة طوال عهد سلفه، النهوض في ظل «العهد الجديد».

ومباشرةً، بعد استتباب الوضع لميرزيوييف على كرسي الرئاسة، أطلق مرحلة جديدة في سياسة أوزبكستان، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولكونه «ابن السلطة»، وأحد رموزها البارزين لسنوات عدة، لم يحتجْ إلى فترة زمنية تُذكَر لتثبيت أركان حكمه وتلمُّس خطواته الأولى.

لقد كانت أول زيارة خارجية له، في ربيع 2017، رئيساً للجمهورية الأوزبكية، إلى تركمانستان المجاورة، ولم يذهب إلى موسكو، ثم إلى بكين، كما جَرَت العادة عند نظرائه في جمهوريات آسيا الوسطى. وسوف يتضح لاحقاً مغزى هذه الخطوة، من خلال النقلة الكبرى التي قام بها لتوطيد سياسته الإقليمية، ورفع شعار «منطقة آسيا الوسطى أولاً».

وحقّاً، هذا التوجه من ميرزيوييف قاد إلى سياسة مرِنة ومنفتحة على الجيران، ودعوات حثيثة لتعزيز الصف الداخلي في المنطقة، ووضع أولويات للتعاون الإقليمي، بدلاً من الاعتماد على تدخلات اللاعبين الخارجيين.

وفي هذا الإطار، بدت أوزبكستان أكثر استقراراً في سياساتها من جيرانها، وقادت عمليات التكامل الإقليمي، ودعّمت مبادرات لتنسيق المواقف، وتأسيس هيئات ومجالس لتعزيز العمل المشترك بين جمهوريات آسيا الوسطى، بمعزل عن مواقف واشنطن وموسكو وبكين، ولذلك برزت، لاحقاً، اجتماعات قمة خماسية للجمهوريات الإقليمية لم تُوجَّه فيها الدعوات لرؤساء أجانب، خلافاً للمتَّبَع حتى ذلك الحين.

تطهير في الداخلأما على الصعيد الداخلي فقاد ميرزيوييف «انقلاباً واسع النطاق» على إرث سلفه كريموف، الذي ارتبط عهده بـ«القبضة الحديدية» والفساد الإداري. وفي مستهلّ رئاسته أقدم على تطهير مكتب المدَّعي العام من الموظفين السابقين.

ومع حلول صيف عام 2017، أعلن ميرزيوييف أنه يجب إخلاء طرف النيابة العامة في أوزبكستان تماماً، من الموظفين الذين بدأوا العمل في عهد كريموف. وأشار إلى أن المدَّعين العامّين هم «أكبر اللصوص» الباقين «من نظام القمامة القديم»، وفقاً لتعبيره.

ومع نهاية الصيف، لم يكن قد ظلّ في دوائر الادعاء العام والنيابة الحكومية أكثر من 15 إلى 20 في المائة من الأشخاص «المتبقّين من نظام اللصوص السابقين»، وقد تعهّد ميرزيوييف، في حينه، بأن البقية «سيُفصَلون من مناصبهم».

تزامن كل هذا مع إطلاق مرحلة «انفتاح» واسعة، ميّزت عهده عن قوانين الإغلاق السابقة، وألغى الرئيس الجديد مرسوم سلفه حول «تأشيرات الخروج»، مطلِقاً حرية التنقل للمواطنين من رقابة الأجهزة الأمنية.

ومع إطلاق ولايته الثانية، في 2021، انتقل إلى وضع قوانين جديدة تفتح أوزبكستان على تطوير تكنولوجيا الاتصالات والتنقل وغيرهما.

إلا أن الانقلاب على الحلفاء السابقين لم يبرز فحسب في العلاقة مع الرئيس السابق وأركان حكمه، بل حتى مع الحلفاء المقرّبين من ميرزيوييف نفسه. وهذا ما جرى مع حليفه المقرَّب رجل الأعمال جاهينير أرتوخوزياف، الذي كان قد أنشأ إمبراطوريته التجارية تحت رعاية شوكت ميرزيوييف، عندما كان رئيساً للوزراء. وفي عام 2018 عيّن رجل الأعمال الملياردير حاكماً للعاصمة طشقند، وخلال سنتين اتضح أن الحاكم وظف القدرات الإدارية لصالح مشروعاته العامة والخاصة، التي كان هو أو زوجته أو شركاؤه في العمل فيه، يحصلون على منافع مباشرة منها.

لم يلبث هذا الوضع أن أثار حفيظة ميرزيوييف، عندما وقعت طشقند في حال طوارئ، بسبب نقص إمدادات الكهرباء والغاز أثناء الصقيع. وعندها لم يتردد الرئيس في توجيه ضربة إلى حليفه السابق، وخاطب الجمهور، في بيان مباشر: «بالنسبة للكلمات الفارغة، والتقرير الكاذب حول أسباب عدم مواجهة المشكلة، ونظراً إلى أن ساقيْ هذا الرجل عديم الضمير كانتا بعيدتين عن الأرض، فقد طردته من منصبه».

وبصفة عامة، تمكّن ميرزيوييف من توطيد سلطته في الجمهورية، خلال فترة قصيرة من الزمن، واكتسب مكانة عالية بين السكان. وخلق هذا الواقع الظروف اللازمة لتسريع التحولات الاقتصادية والسياسية التي شكلت عملياً إرثاً حُسِب للرئيس القوي.

ابتكارات ومنجزاتأحد الابتكارات الرئيسة لميرزيوييف كان إطلاق حفل استقبال افتراضي، أتاح لجميع مواطني البلاد تقديم طلباتهم وعرض مشكلاتهم واقتراحاتهم. وكان إنشاء مثل هذه المؤسسة في أوزبكستان ثورة حقيقية وانطلاقة جديدة، بعدما ظلت أبواب السلطة لعقودٍ مغلقةً أمام الجمهور.

كذلك، شملت قرارات الإصلاح تقريباً كل مؤسسات البلاد، وأدخلت تغييرات في أنظمة وزارة الشؤون الداخلية والقوات المسلَّحة والخدمات الخاصة والتعليم والاقتصاد وسياسة الأفراد على امتدادها. ولكن، مع كل التحديث الداخلي ظلت الأولوية الرئيسة لسياسة شوكت ميرزيوييف الخارجية هي منطقة آسيا الوسطى. ووفقاً للعقيدة السياسية للبلاد، تقوم سياسة أوزبكستان في آسيا الوسطى على ضمان السلام والاستقرار في المنطقة، وحل المشكلات الأساسية للأمن الإقليمي، بما في ذلك المساعدة في حل الوضع بأفغانستان.

وبالفعل، سمحت السياسة الإقليمية لأوزبكستان بخلق جو سياسي جديد تماماً في المنطقة، وتعزيز العلاقات القائمة على الثقة وحسن الجوار. وعلى هذا الأساس، حلّ عدد من القضايا المهمة المتعلقة باستخدام المياه، والحدود، والتجديد، وتوسيع روابط النقل.

من ناحية ثانية، أعطت هذه السياسة حافزاً لمواصلة تطوير التعاون متبادل المنفعة مع روسيا ودول «رابطة الدول المستقلة» الأخرى، والصين، والولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية. كذلك دخلت الشراكة مع «الأمم المتحدة»، و«منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، و«منظمة شانغهاي للتعاون»، و«منظمة المؤتمر الإسلامي»، والمنظمات الدولية الرسمية الأخرى، مرحلة جديدة من الناحية النوعية.

لكن مع هذا الانفتاح على المستويين الإقليمي والدولي، يرى خبراء أن الأهم في سياسة ميرزيوييف الخارجية أنها تقوم على تحقيق التوازن في المصالح بين الأطراف الكبرى المؤثرة، خلافاً لسياسة كريموف التي قامت على براغماتية تميل حيناً نحو واشنطن، وتمنحها مكتسبات على حساب موسكو، وفي أحيان أخرى تقوم على الميل نحو روسيا، وتقليص التعاون مع واشنطن.

وفي هذا الإطار، انتهج ميرزيوييف سياسة تقوم على التركيز - بشكل خاص - على «تجنب الاعتماد المفرِط على أي من القوى العالمية الكبرى»، وتقليص المخاطر والخلافات مع كل بلدان الجوار، بما سمح للرئيس بالتركيز أكثر على تنفيذ الإصلاحات الداخلية.

كانت أول زيارة خارجية لميرزيوييف، بصفته رئيساً للجمهورية الأوزبكية،

إلى تركمانستان المجاورة،

ولم يذهب

إلى موسكو...

ثم إلى بكين


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.