كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

أدوات «مُحسِّنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية» تسهل التحايل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل
TT

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

تنتشر مقاطع الفيديو التي تُقدِّم للطلاب عروضاً مغرية عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي: دعوا الذكاء الاصطناعي يقوم بواجباتكم المنزلية... مع أحدث التقنيات... لن يتم كشفكم... إذا كنتم تكرهون الكتابة فيمكنكم تجنبها. وحتى شركات تكنولوجيا التعليم العريقة تُسوِّق لنفسها بطريقة غير مباشرة.

أدوات «مُحسِّنات اللغة» و«الكتابة التلقائية»

أصبحت هذه الأنواع من الدروس التعليمية منتشرة بكثرة على منصتَي «تيك توك» و«يوتيوب». تُظهر هذه الدروس للطلاب كيفية استخدام أدوات تُعرَف باسم «مُحسِنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية»، مما يجعل الغش أسهل من أي وقت مضى. تستهدف مقاطع الفيديو - التي تُصنّف أحيانا كإعلانات، وأحيانا أخرى لا - طلاب الجامعات والمدارس الثانوية.

وتعيد «مُحسِّنات اللغة البشرية» صياغة النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لجعلها تبدو أقل آلية ونمطية وابتذالاً. أما «الكتابة التلقائية» فتُضيف الكلمات والجمل تدريجياً إلى المستندات، ما يجعلها تبدو وكأنها كُتبت بسرعة بشرية، بينما هي في الواقع من إنتاج الذكاء الاصطناعي؛ بل إن الأدوات تختلق الأخطاء المطبعية والحذف والتعديلات.

التحايل على برامج الكشف

وتساعد كلتا الأداتين الطلاب على التحايل على البرامج المصممة لكشف الذكاء الاصطناعي.

وتسعى الجامعات والمدارس جاهدة لمواكبة هذا التطور؛ إذ بات كَشْف الذكاء الاصطناعي مكلفاً للغاية. ولكن التربويين الذين يحاولون تقييد تقنية الذكاء الاصطناعي، خوفاً من عدم اكتساب الطلاب المهارات الأساسية، غالباً ما يتخلفون عن الرَّكْب، فيما يسميه رواد صناعة التكنولوجيا «سباق تسلح في مجال الكشف».

الشركات تسوِّق البرامج

في بعض الحالات، تقوم الشركات نفسها التي تبيع أدوات الكشف بتطوير تطبيقات تُمكِّن الطلاب من الغش، بما في ذلك كتابة البحوث نيابة عنهم أو إعادة صياغة نصوص كتبها آخرون. وتَعِد هذه التطبيقات بمساعدتهم على تجنب اتهامات سوء السلوك من خلال فحص أعمالهم قبل تقديمها، ما يسمح لهم بإعادة كتابة المقاطع التي يُحددها الذكاء الاصطناعي. حتى الطلاب الملتزمون غالباً ما يكونون على استعداد لدفع ما بين 10 و20 دولاراً شهرياً مقابل الأدوات المتميزة؛ لأن كاشفات الذكاء الاصطناعي قد تُشير أحياناً إلى أعمال مشروعة.

ووصفت جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «Superhuman»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «Grammarly» سباق الكشف والتحايل بأنه «طريق مسدود في نهاية المطاف». لذلك حثت المعلمين على التسليم بأن معظم الكتابة المستقبلية ستُنتَج بشراكة بين الذكاء الاصطناعي والتمييز البشري.

أخطاء مطبعية تبدو واقعية

حتى قبل ظهور روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كان الإنترنت قد سهَّل عمليات الغش، ويرجع ذلك جزئياً إلى الآلية البسيطة المتمثلة في النسخ واللصق (السرقة الأدبية).

أما الآن، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نحو ثلثي الطلاب الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام في إنجاز مهامهم الدراسية. ورغم أن نسبة ضئيلة فقط -نحو 9 في المائة- اعترفت بممارسة الغش الصريح في إحدى الدراسات الموسعة، فإن جانباً كبيراً من استخدام الذكاء الاصطناعي يقع في منطقة رمادية أخلاقية.

وقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة «كوليدج بورد» (College Board) وشمل أساتذة جامعيين، أن ثلاثة أرباعهم أفادوا بأن طلابهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الكتابة، كما أعرب أكثر من 90 في المائة من المشاركين عن قلقهم بشأن السرقة الأدبية وعدم النزاهة الأكاديمية. وقد شهدت مؤسسات تعليمية كثيرة ارتفاعاً حاداً في حالات التأديب المتعلقة بسوء السلوك الأكاديمي، التي يرتبط كثير منها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

«تشات جي بي تي» و«جيميناي»

وتُعد أداتا: «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، و«جيمنياي» من شركة «غوغل» الأكثر شيوعاً بين الطلاب.

لكن إضافةً إلى هذه الشركات العملاقة، يزخر السوق بمنافسة شرسة، تشمل مزودي تكنولوجيا التعليم التقليديين والشركات الناشئة الصغيرة؛ حيث تستخدم جميعها وسائل التواصل الاجتماعي لإقناع الشباب بأن حياتهم الدراسية قد تصبح أسهل -بل أسهل بكثير- إذا تبنوا تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شركات ناشئة تعلم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح

وتقوم بعض الشركات الناشئة بتعليم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح. وفي المقابل، غالباً ما تحث الشركات الراسخة الطلاب على استخدام أدواتها بمسؤولية، بوصفها وسائل مساعدة في الدراسة والبحث والشحذ الذهني، وإعداد الخطوط العريضة والمراجعة. ومع ذلك، فإن كثيراً منها يُنتج في الوقت نفسه تقنيات يمكن استخدامها بسهولة لارتكاب السرقة الأدبية والغش؛ إذ تطرح إعلانات ذات طابع ساخر تلمح إلى قدرتها على مساعدة الطلاب في الإفلات من المساءلة أو تمرير أعمالهم دون كشف حقيقتها.

أما الشركات الأصغر حجماً، فتكون أحياناً أكثر مباشرة؛ ففي مقطع فيديو على منصة «تيك توك»، يستعرض كارتر سميث -وهو مؤثر شاب في مجال التكنولوجيا يُعرف باسم «CarterPCs»- بحماس أمام المشاهدين، كيف يمكن لتطبيق يُدعى «Grubby AI» (المتخصص في الكتابة الآلية ومحاكاة الأسلوب البشري) أن يجعل المقال -الذي أُنتج في الواقع بواسطة «تشات جي بي تي» يبدو وكأن شخصاً ما قد كتبه بأسلوب طبيعي وعفوي.

يتمتع سميث بقاعدة جماهيرية ضخمة تضم 6.5 مليون مستخدم على «تيك توك». ورغم أن الفيديو لم يُصنَّف كإعلان، فإن سميث كان قد عرَّف نفسه سابقاً بصفته شريكاً مدفوع الأجر لشركة «Grubby AI».

ولم يستجب كل من التطبيق، وسميث، ووكالة المواهب التي تمثله «Rakugo Media»، لطلبات إجراء مقابلات صحافية.

تطبيقات الكتابة التلقائية

وتُعد تطبيقات الكتابة الآلية (أو المحاكية للكتابة البشرية) استجابةً لواقع قيام كثير من المعلمين والأساتذة الجامعيين حالياً بفحص «سجل إصدارات» المستند، بحثاً عن مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي. إذا ظهرت فجأة ألف كلمة في مستند «وورد» (Word) أو «غوغل» عند الساعة 11:59 ليلاً، فقد يعني ذلك أن الطالب قد نسخ نصاً أعدَّه «روبوت محادثة» (chatbot) وألصقه في المستند. وتعمل أداة «GrubbyAI» وكثير من منافساتها على إيجاد طرق للالتفاف على تلك الأنظمة.

يذكر موقع «Dripwriter» الإلكتروني أن التطبيق يوفر «تصحيحات واقعية للأخطاء الإملائية» بالإضافة إلى «الكتابة التلقائية في الخلفية، بحيث يستمر عملك في كتابة مقالتك حتى عند ابتعادك عنها».

أما تطبيق «Duey.ai»، الذي يصف نفسه بأنه «أفضل تطبيق للكتابة التلقائية لـ(Google Docs)»، فيخبر مستخدميه أنهم عندما يكونون متعبين أو مشغولين جداً بحيث لا يستطيعون التركيز، أو حتى عندما يكونون مع أصدقائهم: «ستبدو الوثيقة كما لو أنهم كتبوها بأنفسهم».

إنها سوق مزدحمة، تظهر فيها شركات ناشئة باستمرار. وقد أخبر مقطع فيديو على «تيك توك» الطلاب عن تطبيق آخر (Typeflo)، بإمكانهم الاسترخاء، ومشاهدة عروض «يوتيوب» وتناول شطيرة، بينما يكتب هذا التطبيق مقالاتهم نيابة عنهم.

أدوات «تفعل كل شيء»

يزداد قلق بعض الأساتذة بشأن تطبيق «غرامرلي» (Grammarly)، وهو تطبيق موجود منذ 17 عاماً كأداة تدقيق إملائي قوية. ويُقدم التطبيق الآن أداة «تحديد المؤلف» التي تُساعد الأساتذة على كشف أي تجاوزات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحليل سجل إصدارات المستند.

في الوقت نفسه، يُتيح التطبيق للطلاب إنشاء نصوص من الصفر، وإضفاء طابع بشري عليها، ومسح واستبدال العبارات التي قد تُفعِّل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي.

كما يُوفر «غرامرلي» أداة لإعادة الصياغة تُعيد كتابة أي نص منشور ينسخه الطالب ويلصقه في علامة تبويب المتصفح، وهو ما يُمكن اعتباره نوعاً من أنواع الانتحال.

وينصح «غرامرلي» الطلاب باستخدام ميزات إنشاء النصوص «بمسؤولية»، من خلال توثيق كل استخدام للذكاء الاصطناعي في البحث. ولكن الشركة تنشر أيضاً إعلانات توحي بأن الطلاب يمكنهم استخدام التطبيق لنَسَب كتابات من إنتاج الذكاء الاصطناعي إلى أنفسهم: «اكتشف نص الذكاء الاصطناعي؛ فنحن في عام 2026 بعد كل شيء»، كما جاء في أحد منشورات «تيك توك»: «حدد صياغة الذكاء الاصطناعي، واختر التعديلات التي تبدو لك صادقة».

ومثل غيرها من المديرين التنفيذيين في مجال الذكاء الاصطناعي، قالت ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «سوبر هيومان»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «غرامرلي»، إن الغش كان موجوداً دائماً، ولكنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة -قدَّرت أنها 10 في المائة- من استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي.

الأدوات الذكية تعيق تفكير الطلاب

ومع ذلك، يقول التربويون المحبَطون، إن الذكاء الاصطناعي يعيق تفكير الطلاب. وقد أظهر كثير من الدراسات أن الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي قد يعانون من «التفريغ المعرفي»، وهي عملية يفشلون في اكتساب مهارات جديدة عَبرها، أو تتدهور مهاراتهم الحالية.

وأشار جورج كوساك، مدير مبادرات الذكاء الاصطناعي الأكاديمية في كلية كارلتون، إلى أن برنامج «غرامرلي» يُسوَّق للطلاب على أنه أداة مساعدة بسيطة، بينما هو في الواقع «مجموعة أدوات تقوم بكل شيء نيابة عنك». وأضاف: «أجد أن التطبيقات التي تُسوَّق صراحة على أنها أدوات غش أقل إشكالية من تلك التي تُسوَّق على أنها «مساعدة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«الذكاء الاصطناعي» يغزو كأس العالم 2026

رياضة عالمية فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يظهر الراحلة مارغريت ثاتشر تضع القرعة بين ميسي وكين (حساب توني دانكستر في إكس)

«الذكاء الاصطناعي» يغزو كأس العالم 2026

تحول كأس العالم 2026 إلى ساحة غير مسبوقة لانتشار الصور ومقاطع الفيديو المزيفة التي أُنتجت بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال افتتاح المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز) p-circle

الرئيس الصيني يدعو إلى منع احتكار الذكاء الاصطناعي

في افتتاح المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي، شدّد الرئيس الصيني شي جينبينغ، الجمعة، على ضرورة ألا تكون هذه التقنية حكراً على دولة واحدة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار شركة «أبل» في متجر تابع للشركة في باريس (رويترز)

«أبل» تتجاوز «إنفيديا» وتستعيد صدارة القيمة السوقية العالمية

تجاوزت شركة «أبل» منافستها «إنفيديا» يوم الجمعة لتصبح الشركة الأعلى قيمة سوقية في العالم، في تحول يعيد رسم صدارة عمالقة التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)

إنفاق الذكاء الاصطناعي يقترب من نقطة تحول... والمستثمرون يبدلون رهاناتهم

واجه الارتفاع شبه العمودي لأسهم شركات رقائق الذكاء الاصطناعي اضطرابات، في ظل تزايد المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة واستدامة الإيرادات الضخمة.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول التابعة لـ«بنك هانا» في سيول (أ.ب)

كيف غيّرت رهانات مليارية على شركات الذكاء الاصطناعي وجه سوق الأسهم الكورية؟

أدت رهانات بمليارات الدولارات، مُموَّلة بالاقتراض على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي المُفضَّلة لدى المستثمرين في كوريا الجنوبية، إلى تشويه سوق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق
TT

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

وفقاً لبحثنا الجديد المنشور في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، غالباً ما تُخطئ نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة، مثل «تشات جي بي تي»، فيما يخص تقدير ما قد يُعتبره الناس خارج العالم الغربي، أولوية أخلاقية، كما كتبت علياء زويل وألكسندرا فيغيروا (*).

تقييم المعايير الأخلاقية

في عام 2024 طلبنا من نماذج «جي بي تي -3.5» (GPT-3.5) و«جي بي تي-4» (GPT-4) و«جي بي تي 4 أو» (GPT-4o) من شركة «أوبن إيه آي» تقدير المعايير الأخلاقية - الأفكار المشتركة حول الصواب والخطأ - في 48 دولة، ثم قارنّاها بعينة عالمية تضم أكثر من 90 ألف مشارك بشري. وقد طُلب من كلٍّ من البشر، ومن نماذج الذكاء الاصطناعي، إكمال استبيان حول الأسس الأخلاقية، قمنا من خلاله بقياس مدى تأييدهم لستّ من القيم الأخلاقية.

مقارنة 6 أسس أخلاقية

كانت هذه الأسس هي:

* الرعاية care

* المساواة equality

* التناسب proportionality (مكافأة الأفراد بما يتناسب مع مساهمتهم)

* الولاء loyalty

* السلطة authority أو احترام السلطات الشرعية

* النقاء purity (الحرص على صون ما يُعتبر طبيعياً أو مقدساً)

وطُلب من المشاركين تقييم مدى موافقتهم على بعض العبارات الأخلاقية. على سبيل المثال، لتقييم مدى اهتمام شخص ما بالنقاء، قيّموا عبارات مثل: «أعتقد أنه يجب معاملة جسم الإنسان كمعبد، يحوي شيئاً مقدساً بداخله» و«يزعجني استخدام الناس للغة بذيئة وكأنها أمر عادي». ثم طُلب من نماذج الذكاء الاصطناعي الاستجابة للعبارات نفسها كمواطن عادي من كل دولة من الدول الـ48 الممثلة في العينة.

الحقوق الفردية في الغرب... والنقاء في الشرق

تُظهر أبحاث سابقة أجراها عالم النفس محمد عطاري أن الأولويات الأخلاقية تختلف حول العالم: تميل المجتمعات الغربية إلى إيلاء اهتمام أكبر لقضايا مثل الحقوق الفردية والرعاية، بينما تُولي العديد من المجتمعات غير الغربية أهمية أكبر نسبياً لقيم مثل النقاء. والجدير بالذكر أننا وجدنا معايرة مماثلة في نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تُركز بشكل منهجي على قيم مثل الرعاية، بينما تُولي اهتماماً أقل لقيم مثل النقاء.

مبالغة غربية وتقليل من مخاوف العالم النامي

بالإضافة إلى ذلك، بالغت هذه النماذج في تقدير المخاوف الأخلاقية العامة للدول الغربية، كالولايات المتحدة وأستراليا، بينما قللت من شأن مخاوف العديد من الدول غير الغربية كالمغرب ونيجيريا. بعبارة أخرى، حتى عند مطالبة الأفراد بالاستجابة كمواطنين عاديين في بلد معين، انحازت النماذج بشكل منهجي إلى أنماط القيم الأخلاقية الغربية. وتتوافق هذه النتيجة مع أبحاث سابقة تُظهر أن «نفسية» نموذج «جي بي تي» أقرب إلى الأفراد الغربيين.

خطر التحيّز

يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متزايد في مجموعة واسعة من المهام عبر الثقافات، بما في ذلك التعليم والعلاج والتواصل وحتى القرارات السياسية.

وهناك خطر حقيقي للتحيز الثقافي إذا افترض الذكاء الاصطناعي أن العالم بأسره، من الأرجنتين ومصر إلى اليابان وزيمبابوي، يجب أن يتبنى نفس قيم العالم الغربي.

تخيل أن نموذج ذكاء اصطناعي يساعد في صياغة رسائل الصحة العامة خلال جائحة، أو يُشرف على المحتوى الإلكتروني، أو يترجم قصيدة، أو يُقدم المشورة لشركة تعمل عبر ثقافات متعددة. في كل حالة، يحتاج النظام إلى نموذج ما لما يهتم به الناس: ما يُعتبر ضاراً، أو عادلاً، أو غير محترم، أو مقدساً.

خطأ منهجي: انعدام توافق النماذج مع القيم السائدة خارج العالم الغربي

تشير نتائجنا إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يركز على القيم الأخلاقية بطرق لا تتوافق مع القيم السائدة خارج العالم الغربي. هذا الخطأ المنهجي، الذي يُطلق عليه الباحث جيسي غراهام وفريقه اسم «التنميط الأخلاقي»، قد يؤدي إلى أخطاء ثقافية جسيمة ذات عواقب وخيمة في الواقع.

على سبيل المثال: تخيل مستخدمين يطلبون المشورة بشأن نزاعات شخصية أو يبحثون عن آراء حول التعاون في العمل مع شركاء دوليين. في مثل هذه الحالات، قد تُقدم نماذج الذكاء الاصطناعي نصائح أو تستخدم لغة تعكس في الغالب القيم الغربية، متجاهلةً القيم الأكثر أهمية في الثقافات الأخرى. قد يُؤدي هذا إلى ترسيخ التحيزات الثقافية أو إلى استنتاجات لا تتوافق مع وجهات نظر الأشخاص من خلفيات غير غربية.

إساءة تمثيل القيم الإنسانية... يزيد الفوارق

باختصار، إذا أساءت نماذج الذكاء الاصطناعي تمثيل القيم «الإنسانية»، فقد تُفاقم نقاط الضعف الثقافية القائمة، بل وتُنشئ فوارق جديدة.

وبينما تُظهر أبحاثنا أن نماذج «جي بي تي» تستخلص السمات الأخلاقية للدول غير الغربية بشكل غير دقيق، لا تزال هناك أسئلة مهمة عالقة.

* أولاً: لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأنماط تظهر في النماذج الأحدث أو في النماذج التي يتم تدريبها بلغات أخرى غير الإنجليزية.

* ثانياً: لا تزال أسباب هذه التشوهات الأخلاقية غير مفهومة جيداً. تتعلم النماذج عن العالم من خلال اللغة، حيث يتم الحصول على جزء كبير من بيانات تدريبها من الإنترنت، وهو أكثر سهولة في الوصول إليه في العالم الغربي الذي تهيمن عليه اللغة الإنجليزية. يُعد هذا تفسيراً معقولاً لنتائجنا، ولكنه يحتاج إلى اختبار مباشر.

* ثالثاً: لم يُعرف بعد ما إذا كانت هذه التحيزات الأخلاقية تظهر خارج نطاق الاستبيانات. تُؤثر القيم الأخلاقية على القرارات في المجالات التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد، بما في ذلك التعليم والصحة والاتصالات وأماكن العمل.

قد تحتاج الدراسات المستقبلية أيضاً إلى اختبار ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي ترتكب أخطاءً مماثلة في الواقع العملي.

--------

* علياء زويل مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ماساتشوستس أمهيرست. ألكسندرا فيغيروا باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. مجلة «فاست كومباني».


تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات
TT

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تستثمر الشركات حالياً مبالغ طائلة في موارد الذكاء الاصطناعي، أملاً في تعزيز أداء الأفراد ورفع كفاءة عملها. ونظراً لحجم هذه الاستثمارات، ثمة ضغوط تدفع الموظفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أكبر عدد ممكن من المهام، كما كتب آرت ماركمان (*).

وبشكل عام، إذا لم تكن قد جربت استخدام الذكاء الاصطناعي كثيراً، فإن الانخراط في استخدامه ينطوي على قيمة حقيقية؛ إذ تتطور الأدوات باستمرار وتتنامى القدرات التقنية لها. ولا تقتصر مزايا هذه النماذج على تقديم استجابات أكثر منهجية فحسب، بل إنها باتت تقترح أدوات -أو حتى تبنيها- لتنفيذ مهام ذات صلة بموضوع المحادثة.

مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي

ومع ذلك، ينطوي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في العمل على مخاطر عديدة. وفيما يلي 3 حالات يُستحسن فيها تجنب استخدام الذكاء الاصطناعي أو الحد منه قدر الإمكان:

1. عندما تحتاج إلى التعلم. ثمة مصطلح دخل حيز النقاش العام منذ صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو «تخفيف العبء المعرفي «cognitive offloading». وتتمثل الفكرة العامة للمصطلح في أن الذكاء الاصطناعي -بحكم طبيعته- يتولى تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق جهداً ذهنياً.

غير أن ما قد يغيب عن بال الكثيرين هو أن الجهد الذهني يمثل إشارة للدماغ بوجود أمر يستدعي التعلم؛ فالأصل أن الدماغ يسعى دائماً لتقليل الوقت المستغرق في أداء أي مهمة. وكلما بذلت جهداً أكبر في مهمة ما، استنتج الدماغ أن تعلم كيفية أدائها سيقود إلى بذل جهد أقل في المستقبل. وهذا ما يجعل استثمار الطاقة لتغيير بنية الدماغ -وهي العملية التي تدعم التعلم من الناحية الفسيولوجية- أمراً مفيداً ومجدياً.

وعليه، كلما لجأت إلى تجنب الجهد عبر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، قلّت احتمالية إرسال إشارات للدماغ بضرورة تعلم شيء جديد. فإذا كان اكتساب معرفة أو مهارة ما أمراً ضرورياً، ينبغي لك التضحية بالكفاءة قصيرة الأمد لصالح الفائدة طويلة الأمد المتمثلة في التعلم.

خصص وقتاً للتعامل مع تعقيدات المشكلة بنفسك، واقرأ المواد بدلاً من الاكتفاء بملخصاتها، واطرح على نفسك الأسئلة وأجب عنها؛ فبهذه الطريقة، أنت تهيئ نفسك لتعلم شيء جديد.

وبعد إنجاز ذلك الجهد، يمكنك اختيار مدى التحقق من عملك أو مدى استيعابك للمعلومات باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكنك إجراء محادثة مع أحد النماذج للتأكد من فهمك الجيد للمعلومات، أو حتى قراءة نص ما ثم الطلب من الذكاء الاصطناعي اختبارك فيه لقياس مدى استيعابك.

تدقيق التفاصيل

2. عندما تكون التفاصيل مهمة. في عصر الذكاء الاصطناعي، قد يميل المرء إلى اختصار النصوص الطويلة أو سلاسل رسائل البريد الإلكتروني أو تقارير المشاريع لتوفير الوقت؛ ففي النهاية، لماذا تقرأ مستنداً طويلاً بينما يمكنك استخلاص جوهره بسرعة؟

ولكن، كما تقول الحكمة القديمة: «التفاصيل هي مكمن العظمة - أو أحياناً مكمن الشيطان». فقد أثبتت أبحاث عديدة أن الناس يقعون فريسة لما يُعرف بـ«وهم عمق الفهم»، حيث يعتقدون أنهم يفهمون العالم فهماً أعمق مما هو عليه في الواقع.

إذا كنت مسؤولاً عن تكوين فهمٍ دقيق ومفصل لأمر ما، فلا توجد طريقة مجدية لتجاوز عملية الجهد اللازم لاستيعاب ذلك الشرح تماماً؛ إذ يتعين عليك الخوض في تفاصيل الشرح بكامل أبعادها، والتأكد من إلمامك بالجزئيات الدقيقة إلى جانب الملخص العام.

التفاعل مع الفريق

3. عندما تحتاج إلى التفاعل مع فريقك. تجد نماذج الذكاء الاصطناعي مكانها في بيئة عمل تتجه بشكل متزايد نحو العمل الفردي، وعن بُعد. فقد دشنت جائحة «كوفيد-19» حقبةً شهدت زيادة كبيرة في أعداد الأشخاص الذين يعملون من منازلهم. وعلاوة على ذلك، نشأ الجيل الصاعد في ظل الهواتف المحمولة والمراسلات النصية (ناهيك عن تأثير الجائحة على تطورهم الاجتماعي). ويوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي ميزةً للعاملين بمفردهم، إذ يمنحهم شريكاً متاحاً باستمرار لمناقشة قضايا العمل والتفكير فيها.

ومع ذلك، ينطوي العمل الجماعي على مزايا عديدة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها بالكامل. ومن الجوانب الإيجابية، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتك في الخروج من حيز تفكيرك المحدود عبر تقديم منظور بديل للمشكلات.

كما أن التفاعل مع أعضاء فريقك يحمل نتائج مهمة أخرى؛ فإذا أردت كسب تأييد واسع النطاق لفكرة ما، فمن المفيد إشراك أشخاص متنوعين من مؤسستك، ومنحهم الفرصة للمساهمة وطرح مخاوفهم ومعالجتها. أما إذا اقتصر عملك على تطوير هذه الأفكار بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي فقط، فقد تتوصل إلى مفهوم رائع، لكنك ستكون قد أغفلت الجهد اللازم لكسب تأييد بقية أعضاء الفريق وإشراكهم في العملية.

تعزيز الانسجام

بالإضافة إلى ذلك، وبعد تحديد مسار العمل، تبرز أهمية توحيد طريقة تفكير الفريق بشأن المفاهيم الأساسية؛ فعندما تعمل المجموعات معاً، ينشأ تقارب في أساليب تفكيرهم، وتساعد ديناميكيات المجموعة الفريقَ على الاتفاق على مصطلحات مشتركة للمناقشة وبناء فهم موحد للأمور.

لذا، عندما تكون هناك قيمة في تعزيز الوحدة والانسجام، يُفضل جمع الفريق للعمل معاً بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه التفاعلات قد تبدو محرجة أو حتى تثير بعض التوترات أثناء سير العمل، فإن الفوائد المتمثلة في منح الفريق بأكمله شعوراً بملكية العمل وبناء فهم مشترك، تستحق هذا الجهد.

* مجلة «فاست كومباني».


مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات
TT

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

على مدار العقد الماضي، توسعت «مدرسة ألفا» (Alpha School)، وهي مدرسة ربحية تركز على الذكاء الاصطناعي- بعد أن تأسست أول الأمر في حرم دراسي واحد في مدينة أوستن لتتوسع وتشمل قائمة متنامية تضم أكثر من 15 مدرسة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك مدن كبرى مثل نيويورك وسان فرانسيسكو، كما كتب (*).

مدارس الذكاء الاصطناعي

وتنضم مدرسة «ألفا» إلى مدارس خاصة أخرى تركز على الذكاء الاصطناعي وتخدم المراحل الدراسية من الروضة حتى الصف الثاني عشر (K-12) مثل «أنباوند أكاديمي» (Unbound Academy) و«مدرسة خان المختبرية» (Khan Lab School)، وهي خيارات متاحة الآن لأولياء الأمور، بتكلفة تتراوح بين 40 ألفاً و75 ألف دولار سنوياً في بعض الحالات.

«نموذج تعليم مخصص لكل تلميذ»

ويستخدم بعض المؤيدين للتعليم القائم على الذكاء الاصطناعي شعارات مثل: «نظام المدرسة معطّل، ونحن هنا لإصلاحه». وقد عبّرت ماكنزي برايس، إحدى الشخصيات المؤسسة لمدرسة «ألفا»، عن استيائها من نموذج التعليم القائم على مبدأ «مقاس واحد يناسب الجميع»، حيث يدرس جميع الطلاب المادة نفسها ولكنهم غالباً ما يتعلمون بسرعات متفاوتة.

كما جادل سال خان، مؤسس منصة «أكاديمية خان» التعليمية عبر الإنترنت، بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر لكل طالب معلماً خاصاً يستجيب لاحتياجاته الفردية المحددة. ويُعد بيل غيتس أيضاً من بين قادة الفكر في مجال التكنولوجيا الذين توقعوا أن يحل الذكاء الاصطناعي محل العديد من المعلمين خلال العقد المقبل.

ثنائية زائفة: تعليم تفاعلي مقابل تعليم تلقيني

قد تكون الحجة الداعية إلى تعليم أكثر تخصيصاً وجيهة في بعض الحالات، لكنها تنطوي أيضاً على خطر خلق ثنائية زائفة؛ حيث يُنظر إلى جميع برامج الذكاء الاصطناعي على أنها تفاعلية ومحفزة، بينما يُنظر إلى التدريس الصفي التقليدي على أنه مجرد إلقاء وتلقين.

وبصفتي باحثاً في سياسات التعليم وأُجري أبحاثاً حول الذكاء الاصطناعي والمعلمين، أدرك أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.

وعود التدريس الخصوصي عبر الذكاء الاصطناعي

تستبدل مدرسة «ألفا» التعليم التقليدي المباشر (وجهاً لوجه) لطلاب المراحل من الروضة حتى الصف الثاني عشر وتتبع نظام تدريس خصوصي مخصص يعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث يتم تكثيف مواد القراءة والرياضيات وغيرها في فترة دراسية مدتها ساعتان.

وتُستكمل فترة التدريس بالذكاء الاصطناعي -التي تستغرق ساعتين- بورش عمل حضورية وبوجود من تطلق عليهم المدرسة «المدربين» أو «الموجهين»، وهم ليسوا بالضرورة معلمين مرخصين. ويمكن أن تركز هذه الجلسات على مهارات حياتية غير أكاديمية، مثل طرق التحدث أمام الجمهور وريادة الأعمال، بالإضافة إلى الفنون والتربية البدنية.

* فوائد التعليم الخصوصي البشري والاصطناعي. وفيما يتعلق بجانب الذكاء الاصطناعي في هذا النظام التعليمي، فمن الواضح أن هناك فوائد للتدريس الخصوصي المخصص. على سبيل المثال، أظهرت مراجعة شاملة نشرها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية» في عام 2020 أن أشكالاً متنوعة من التدريس الخصوصي الذي يقدمه البشر قد أدت إلى مكاسب تعليمية ثابتة ومستمرة عبر مختلف المواد الدراسية والفئات العمرية.

كما أظهرت دراسة أجراها «معهد بروكينغز» أن الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة التدريس المدعوم بالحاسوب من خلال إتاحة الفرصة للطلاب للتفاعل مع البرنامج باستخدام اللغة اليومية المعتادة. وعلاوة على ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تعديل وتكييف جلسة التدريس بناءً على مستوى تقدم الطالب والتحديات التي يواجهها في استيعاب المادة العلمية.

* لا دليل على تفوق الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت تفوق الذكاء الاصطناعي أو غيره من أنظمة التدريس الحاسوبية على المعلمين البشر، وإن كانت هذه الأنظمة قد تكون أقل تكلفة في كثير من الحالات.

* دعم المعلمين بدلاً من استبدالهم. وبدلاً من محاولة استبدال المعلمين والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أرى أن الاستراتيجية الأكثر جدوى وفاعلية تكمن في دعم المعلمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي بما يعزز قدراتهم التعليمية ويجعلهم معلمين أفضل.

التدريس الخصوصي الجيد يدعم التعلم داخل الفصل الدراسي

لقد ثبت أن التدريس الفردي (وجهاً لوجه) - سواء كان على يد معلم أو ولي أمر أو مساعد تعليمي - فعّال للغاية في رفع درجات الطلاب في الاختبارات وتحسين مستوى تعلمهم بشكل عام. كما تبين أن التدريس الخصوصي «عالي التأثير» - الذي يعتمد على جلسات منتظمة وطويلة الأمد تُعقد في مجموعات صغيرة داخل المدارس - يحقق نتائج فعالة بشكل خاص.

وتشير إيزابيل هاو، المديرة التنفيذية لـ«مسرّعة ستانفورد للتعلم» (Stanford Accelerator for Learning)، إلى أن الطلاب الصغار بحاجة إلى تطوير مهارات اجتماعية قوية - وهو ما تطلق عليه مصطلح «الذكاء العلائقي (relational intelligence)» - لكي يزدهروا ويتألقوا في البيئات الاجتماعية.

ولكي يكون التدريس الخصوصي البشري فعالاً، لا بد أن يستوفي معايير محددة؛ فعلى سبيل المثال، ينبغي أن يلتقي المعلمون الخصوصيون طلابهم بانتظام، وأن يتمتع هؤلاء المعلمون بالكفاءة والمهارة، مع الحرص التام على أن تكون المادة التي يدرسونها متكاملة تماماً مع المنهج الدراسي للطالب.

كما يُعد بناء علاقة وطيدة بين المعلم والطالب أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على دافعية الطلاب وتركيزهم على المهام التعليمية التي يؤدونها.

هل يمكن لمعلمي الذكاء الاصطناعي أن يحلوا محل المعلمين البشر؟

لقد ظهرت أنظمة التعليم بمساعدة الحاسوب وأنظمة التدريس الذكية منذ سبعينات القرن الماضي.

وصُممت هذه الأنظمة لتقديم تعليم يتكيف مع المتعلمين أثناء تقدمهم في سلسلة من التمارين أو المسائل أو الأسئلة. وقد ثبت أنها ترفع مستوى تحصيل الطلاب عند استخدامها كأداة مكملة للتعليم الصفي التقليدي.

ومع ذلك، كشف تحليل موسع لدراسات مختلفة أنه على الرغم من أن هذه الأنظمة عززت تحصيل الطلاب، فإنه عند مقارنتها بالتدريس الصفي أو بأداء الطلاب الذين يعتمدون على الكتب المدرسية أو كراسات التدريبات، لم يكن هناك فرق جوهري في مستوى التعلم بين معلمي الذكاء الاصطناعي والمعلمين البشر.

وفي الآونة الأخيرة، أظهرت دراسة أُجريت عام 2025 وجود تأثيرات إيجابية ملموسة للتدريس عبر الذكاء الاصطناعي على تحصيل الطلاب في مختلف المواد والمراحل الدراسية.

وفي دراسة أخرى حظيت باهتمام واسع حول معلمي الذكاء الاصطناعي، قارن باحثون عام 2025 بين تأثير «التعلم النشط» داخل الفصل وبين استخدام معلم ذكاء اصطناعي صُمم خصيصاً لدورة تمهيدية في الفيزياء بجامعة هارفارد.

وأفاد الطلاب الذين استخدموا معلم الذكاء الاصطناعي بأنهم تعلموا المادة بشكل أسرع وشعروا بدافع أكبر للتعلم، مقارنةً بالطلاب الذين تلقوا تدريساً متخصصاً داخل الفصل. وتجدر الإشارة إلى أن الطلاب في هذه الدراسة لم يكونوا يتمتعون بدافع عالٍ ومهارات دراسية جيدة فحسب، بل إن معلم الذكاء الاصطناعي نفسه قد صُمم على يد الأساتذة الذين قاموا بتدريس المقرر الدراسي.

التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي

إن الادعاءات القائلة بأن التدريس عبر الذكاء الاصطناعي يتفوق على التدريس الصفي لا تأخذ في الاعتبار سوى جزء من الأدلة المتاحة.

ومع ذلك، يمكن لمعلمي الذكاء الاصطناعي أن يكونوا مفيدين بالفعل في بعض الحالات، لا سيما عند استخدامهم لدعم المعلمين البشر في عملهم؛ فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2024 تحسناً في أداء الطلاب بالمدارس المتوسطة في المناطق منخفضة الدخل عندما أتيح للمعلمين البشر الاستفادة من دعم أنظمة التدريس القائمة على الذكاء الاصطناعي.

كما أظهرت دراسة أجريت عام 2026 أنه عندما يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي لإعداد خطط الدروس، فإن المعلمين ذوي الخبرة يميلون إلى مراجعة المحتوى بشكل نقدي لربطه بشكل أفضل بالمنهج الدراسي العام.

وبدلاً من تصور مستقبل يحل فيه معلمو الذكاء الاصطناعي محل المعلمين البشر، أعتقد أننا بحاجة إلى التفكير في نوع الدعم والتطوير المهني الذي يمكن أن يساعد المعلمين على تحقيق أقصى استفادة من هذه الأدوات الجديدة والمعقدة.

* أستاذ في الإدارة التربوية بجامعة ولاية بنسلفانيا، مجلة «فاست كومباني».