كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

أدوات «مُحسِّنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية» تسهل التحايل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل
TT

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

تنتشر مقاطع الفيديو التي تُقدِّم للطلاب عروضاً مغرية عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي: دعوا الذكاء الاصطناعي يقوم بواجباتكم المنزلية... مع أحدث التقنيات... لن يتم كشفكم... إذا كنتم تكرهون الكتابة فيمكنكم تجنبها. وحتى شركات تكنولوجيا التعليم العريقة تُسوِّق لنفسها بطريقة غير مباشرة.

أدوات «مُحسِّنات اللغة» و«الكتابة التلقائية»

أصبحت هذه الأنواع من الدروس التعليمية منتشرة بكثرة على منصتَي «تيك توك» و«يوتيوب». تُظهر هذه الدروس للطلاب كيفية استخدام أدوات تُعرَف باسم «مُحسِنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية»، مما يجعل الغش أسهل من أي وقت مضى. تستهدف مقاطع الفيديو - التي تُصنّف أحيانا كإعلانات، وأحيانا أخرى لا - طلاب الجامعات والمدارس الثانوية.

وتعيد «مُحسِّنات اللغة البشرية» صياغة النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لجعلها تبدو أقل آلية ونمطية وابتذالاً. أما «الكتابة التلقائية» فتُضيف الكلمات والجمل تدريجياً إلى المستندات، ما يجعلها تبدو وكأنها كُتبت بسرعة بشرية، بينما هي في الواقع من إنتاج الذكاء الاصطناعي؛ بل إن الأدوات تختلق الأخطاء المطبعية والحذف والتعديلات.

التحايل على برامج الكشف

وتساعد كلتا الأداتين الطلاب على التحايل على البرامج المصممة لكشف الذكاء الاصطناعي.

وتسعى الجامعات والمدارس جاهدة لمواكبة هذا التطور؛ إذ بات كَشْف الذكاء الاصطناعي مكلفاً للغاية. ولكن التربويين الذين يحاولون تقييد تقنية الذكاء الاصطناعي، خوفاً من عدم اكتساب الطلاب المهارات الأساسية، غالباً ما يتخلفون عن الرَّكْب، فيما يسميه رواد صناعة التكنولوجيا «سباق تسلح في مجال الكشف».

الشركات تسوِّق البرامج

في بعض الحالات، تقوم الشركات نفسها التي تبيع أدوات الكشف بتطوير تطبيقات تُمكِّن الطلاب من الغش، بما في ذلك كتابة البحوث نيابة عنهم أو إعادة صياغة نصوص كتبها آخرون. وتَعِد هذه التطبيقات بمساعدتهم على تجنب اتهامات سوء السلوك من خلال فحص أعمالهم قبل تقديمها، ما يسمح لهم بإعادة كتابة المقاطع التي يُحددها الذكاء الاصطناعي. حتى الطلاب الملتزمون غالباً ما يكونون على استعداد لدفع ما بين 10 و20 دولاراً شهرياً مقابل الأدوات المتميزة؛ لأن كاشفات الذكاء الاصطناعي قد تُشير أحياناً إلى أعمال مشروعة.

ووصفت جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «Superhuman»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «Grammarly» سباق الكشف والتحايل بأنه «طريق مسدود في نهاية المطاف». لذلك حثت المعلمين على التسليم بأن معظم الكتابة المستقبلية ستُنتَج بشراكة بين الذكاء الاصطناعي والتمييز البشري.

أخطاء مطبعية تبدو واقعية

حتى قبل ظهور روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كان الإنترنت قد سهَّل عمليات الغش، ويرجع ذلك جزئياً إلى الآلية البسيطة المتمثلة في النسخ واللصق (السرقة الأدبية).

أما الآن، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نحو ثلثي الطلاب الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام في إنجاز مهامهم الدراسية. ورغم أن نسبة ضئيلة فقط -نحو 9 في المائة- اعترفت بممارسة الغش الصريح في إحدى الدراسات الموسعة، فإن جانباً كبيراً من استخدام الذكاء الاصطناعي يقع في منطقة رمادية أخلاقية.

وقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة «كوليدج بورد» (College Board) وشمل أساتذة جامعيين، أن ثلاثة أرباعهم أفادوا بأن طلابهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الكتابة، كما أعرب أكثر من 90 في المائة من المشاركين عن قلقهم بشأن السرقة الأدبية وعدم النزاهة الأكاديمية. وقد شهدت مؤسسات تعليمية كثيرة ارتفاعاً حاداً في حالات التأديب المتعلقة بسوء السلوك الأكاديمي، التي يرتبط كثير منها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

«تشات جي بي تي» و«جيميناي»

وتُعد أداتا: «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، و«جيمنياي» من شركة «غوغل» الأكثر شيوعاً بين الطلاب.

لكن إضافةً إلى هذه الشركات العملاقة، يزخر السوق بمنافسة شرسة، تشمل مزودي تكنولوجيا التعليم التقليديين والشركات الناشئة الصغيرة؛ حيث تستخدم جميعها وسائل التواصل الاجتماعي لإقناع الشباب بأن حياتهم الدراسية قد تصبح أسهل -بل أسهل بكثير- إذا تبنوا تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شركات ناشئة تعلم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح

وتقوم بعض الشركات الناشئة بتعليم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح. وفي المقابل، غالباً ما تحث الشركات الراسخة الطلاب على استخدام أدواتها بمسؤولية، بوصفها وسائل مساعدة في الدراسة والبحث والشحذ الذهني، وإعداد الخطوط العريضة والمراجعة. ومع ذلك، فإن كثيراً منها يُنتج في الوقت نفسه تقنيات يمكن استخدامها بسهولة لارتكاب السرقة الأدبية والغش؛ إذ تطرح إعلانات ذات طابع ساخر تلمح إلى قدرتها على مساعدة الطلاب في الإفلات من المساءلة أو تمرير أعمالهم دون كشف حقيقتها.

أما الشركات الأصغر حجماً، فتكون أحياناً أكثر مباشرة؛ ففي مقطع فيديو على منصة «تيك توك»، يستعرض كارتر سميث -وهو مؤثر شاب في مجال التكنولوجيا يُعرف باسم «CarterPCs»- بحماس أمام المشاهدين، كيف يمكن لتطبيق يُدعى «Grubby AI» (المتخصص في الكتابة الآلية ومحاكاة الأسلوب البشري) أن يجعل المقال -الذي أُنتج في الواقع بواسطة «تشات جي بي تي» يبدو وكأن شخصاً ما قد كتبه بأسلوب طبيعي وعفوي.

يتمتع سميث بقاعدة جماهيرية ضخمة تضم 6.5 مليون مستخدم على «تيك توك». ورغم أن الفيديو لم يُصنَّف كإعلان، فإن سميث كان قد عرَّف نفسه سابقاً بصفته شريكاً مدفوع الأجر لشركة «Grubby AI».

ولم يستجب كل من التطبيق، وسميث، ووكالة المواهب التي تمثله «Rakugo Media»، لطلبات إجراء مقابلات صحافية.

تطبيقات الكتابة التلقائية

وتُعد تطبيقات الكتابة الآلية (أو المحاكية للكتابة البشرية) استجابةً لواقع قيام كثير من المعلمين والأساتذة الجامعيين حالياً بفحص «سجل إصدارات» المستند، بحثاً عن مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي. إذا ظهرت فجأة ألف كلمة في مستند «وورد» (Word) أو «غوغل» عند الساعة 11:59 ليلاً، فقد يعني ذلك أن الطالب قد نسخ نصاً أعدَّه «روبوت محادثة» (chatbot) وألصقه في المستند. وتعمل أداة «GrubbyAI» وكثير من منافساتها على إيجاد طرق للالتفاف على تلك الأنظمة.

يذكر موقع «Dripwriter» الإلكتروني أن التطبيق يوفر «تصحيحات واقعية للأخطاء الإملائية» بالإضافة إلى «الكتابة التلقائية في الخلفية، بحيث يستمر عملك في كتابة مقالتك حتى عند ابتعادك عنها».

أما تطبيق «Duey.ai»، الذي يصف نفسه بأنه «أفضل تطبيق للكتابة التلقائية لـ(Google Docs)»، فيخبر مستخدميه أنهم عندما يكونون متعبين أو مشغولين جداً بحيث لا يستطيعون التركيز، أو حتى عندما يكونون مع أصدقائهم: «ستبدو الوثيقة كما لو أنهم كتبوها بأنفسهم».

إنها سوق مزدحمة، تظهر فيها شركات ناشئة باستمرار. وقد أخبر مقطع فيديو على «تيك توك» الطلاب عن تطبيق آخر (Typeflo)، بإمكانهم الاسترخاء، ومشاهدة عروض «يوتيوب» وتناول شطيرة، بينما يكتب هذا التطبيق مقالاتهم نيابة عنهم.

أدوات «تفعل كل شيء»

يزداد قلق بعض الأساتذة بشأن تطبيق «غرامرلي» (Grammarly)، وهو تطبيق موجود منذ 17 عاماً كأداة تدقيق إملائي قوية. ويُقدم التطبيق الآن أداة «تحديد المؤلف» التي تُساعد الأساتذة على كشف أي تجاوزات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحليل سجل إصدارات المستند.

في الوقت نفسه، يُتيح التطبيق للطلاب إنشاء نصوص من الصفر، وإضفاء طابع بشري عليها، ومسح واستبدال العبارات التي قد تُفعِّل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي.

كما يُوفر «غرامرلي» أداة لإعادة الصياغة تُعيد كتابة أي نص منشور ينسخه الطالب ويلصقه في علامة تبويب المتصفح، وهو ما يُمكن اعتباره نوعاً من أنواع الانتحال.

وينصح «غرامرلي» الطلاب باستخدام ميزات إنشاء النصوص «بمسؤولية»، من خلال توثيق كل استخدام للذكاء الاصطناعي في البحث. ولكن الشركة تنشر أيضاً إعلانات توحي بأن الطلاب يمكنهم استخدام التطبيق لنَسَب كتابات من إنتاج الذكاء الاصطناعي إلى أنفسهم: «اكتشف نص الذكاء الاصطناعي؛ فنحن في عام 2026 بعد كل شيء»، كما جاء في أحد منشورات «تيك توك»: «حدد صياغة الذكاء الاصطناعي، واختر التعديلات التي تبدو لك صادقة».

ومثل غيرها من المديرين التنفيذيين في مجال الذكاء الاصطناعي، قالت ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «سوبر هيومان»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «غرامرلي»، إن الغش كان موجوداً دائماً، ولكنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة -قدَّرت أنها 10 في المائة- من استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي.

الأدوات الذكية تعيق تفكير الطلاب

ومع ذلك، يقول التربويون المحبَطون، إن الذكاء الاصطناعي يعيق تفكير الطلاب. وقد أظهر كثير من الدراسات أن الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي قد يعانون من «التفريغ المعرفي»، وهي عملية يفشلون في اكتساب مهارات جديدة عَبرها، أو تتدهور مهاراتهم الحالية.

وأشار جورج كوساك، مدير مبادرات الذكاء الاصطناعي الأكاديمية في كلية كارلتون، إلى أن برنامج «غرامرلي» يُسوَّق للطلاب على أنه أداة مساعدة بسيطة، بينما هو في الواقع «مجموعة أدوات تقوم بكل شيء نيابة عنك». وأضاف: «أجد أن التطبيقات التي تُسوَّق صراحة على أنها أدوات غش أقل إشكالية من تلك التي تُسوَّق على أنها «مساعدة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

خاص «إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)

رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

تبحث «إريكسون» في السعودية توسيع قيمة شبكات الجيل الخامس عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي والاتصال المضمون والاستعداد التدريجي للجيل السادس.

نسيم رمضان (الرياض)
أميركا اللاتينية المرشح الرئاسي البرازيلي فلافيو بولسونارو، من الحزب الليبرالي، خلال حملته الانتخابية في إستيو - البرازيل 2 سبتمبر 2026 (رويترز)

محكمة برازيلية تضع معايير للتزييف بالذكاء الاصطناعي بقضية مرتبطة ببولسونارو

وضعت المحكمة العليا للانتخابات في البرازيل معايير جديدة لما تعتبره تزييفاً عميقا مولداً بالذكاء الاصطناعي في الإعلانات السياسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
خاص تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل بالذكاء الاصطناعي من التجربة إلى إثبات القيمة

تنتقل السعودية بالذكاء الاصطناعي من التجارب إلى التشغيل وإثبات القيمة مع تركيز شركة «سيسكو» على الشبكات الآمنة والسيادة وتطوير المهارات.

نسيم رمضان (الرياض)
الاقتصاد زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)

«السعودية الرقمية» في «ليب 2026»... منظومة ترسم مستقبل الخدمات الحكومية

تستعرض «السعودية الرقمية» في «ليب 2026» توسع الخدمات الحكومية، والذكاء الاصطناعي، وربط 62 جهة، وتطور تجربة المستفيد في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مساعد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات د.سلطان بن سعيد خلال كلمته الافتتاحية (الشرق الأوسط)

293 مليون دولار استثمارات جديدة في الشركات الناشئة السعودية خلال «ليب 2026»

د اليوم الثالث من مؤتمر «ليب 2026» الإعلان عن جولات واستثمارات في رأس المال الجريء تجاوزت 293 مليون دولار، في عدد من الشركات الناشئة في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

برامج ذكاء اصطناعي... لإدارة شؤون العائلة «المعلوماتية»

«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
TT

برامج ذكاء اصطناعي... لإدارة شؤون العائلة «المعلوماتية»

«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات

يقول الآباء إن الحياة الأسرية أصبحت أشبه بممارسة مستمرة لإدارة المعلومات، حيث تنهال عليهم رسائل البريد الإلكتروني، وتنبيهات التطبيقات، وتحديثات المدرسة، ومحادثات المجموعات، وإشعارات الأنشطة من كل حدب وصوب. وهنا، تزعم مجموعة متنامية من الشركات الناشئة أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في تنظيم هذه الفوضى.

برامج «إدارة شؤون العائلة»

أطلقت شركة «فامبوت» Fambot (البوت العائلي) برنامج «مدير الشؤون chief of staff» العامل بالذكاء الاصطناعي للعائلات. ويقول ديفيد رايش، مؤسس والرئيس التنفيذي للشركة: «أتلقى ما بين 20 و40 رسالة بريد إلكتروني يومياً تتعلق بشؤون الأطفال». ويضيف أن الآباء غارقون أيضاً في مجموعات المراسلة أثناء محاولتهم العمل وإدارة شؤون حياتهم اليومية.

ملخصات يومية موجهة للعائلة

تجمع «فامبوت»، التي سجلت في سجلاتها نحو 1000 عائلة قبل إطلاقها، المعلومات من البريد الإلكتروني، والتقويمات، و«واتساب»، وتطبيقات أخرى. وتُنشئ ملخصات يومية، وترسلها عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو التطبيق، وتضيف الأحداث إلى التقويمات عند الطلب، وتساعد الآباء على تتبع المهام أو تنسيق المسؤوليات.

المساعدة في التخطيط والتسوق

يُساعد التطبيق أيضاً في التخطيط، بدءاً من قوائم البقالة لإقامة الحفلات المنزلية، وصولاً إلى التحضير لزيارة مدن الملاهي. وبينما تُقدم أدوات الذكاء الاصطناعي العامة أفكاراً مُشابهة، فإن تطبيق «فامبوت» كما يقول رايش، ُصمم خصيصاً للخدمات اللوجستية العائلية، بما في ذلك تحليل النشرات المدرسية وملفات «بي دي إف» التي غالباً ما تكون فيها التواريخ المهمة أو مواعيد التسجيل مُخبأة. ويُضيف: «يُمثل هذا عبئاً كبيراً على كثير من الآباء»، مُشيراً إلى أن النشرة الطويلة قد لا تحتوي إلا على بعض المعلومات الأساسية، مثل يوم خروج مُبكر من المدرسة أو فرصة مُرافقة الطلاب في الرحلات المدرسية.

برامج لدعم العلائلات

وينضم برنامج «فامبوت» إلى الشركات الناشئة التي تُقدم برامج مُساعدة رقمية مُوجهة للعائلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وعلى الرغم من أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد روّج لتطبيق «تشات جي بي تي» بوصفه أداةً للآباء، فإن الشركات المُتخصصة تُؤكد أنها تُناسب احتياجات الآباء بشكل أفضل، بدءاً من تنظيم الوجبات وصولاً إلى العثور على المعلومات الأساسية في كم هائل من الرسائل.

تسهيل حياة الآباء والأمهات

وتقول شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في مساعدة الأسرة إن أدواتها قادرة على تخفيف التوتر، ومنع تفويت الرسائل، والمساعدة في إعادة توزيع مهام المنزل، التي غالباً ما تُحمّل الأمهات عبئاً غير متناسب من الأعمال الإدارية المتعلقة بتربية الأبناء.

تقول كريستي شانون، المؤسسة المشاركة والمديرة التسويقية لشركة «أولي» Ollie، واصفةً عبء تذكير أحد الوالدين بكل ما يحتاج إلى اهتمام: «لن أكون مضطرةً إلى البحث والتدقيق في كل هذه المعلومات». بينما تقول روزاريا دي دونا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة «فاميلي مايند» Familymind، إن تطبيقها ينقل المعرفة التي غالباً ما تكون مخزنة في تقويم أحد الوالدين أو بريده الإلكتروني أو ذاكرته إلى نظام الأسرة الأوسع؛ ما يجعل المهام والمسؤوليات أكثر وضوحاً.

ويعكس عرض فاميلي مايند وعداً أوسع من القطاع: جعل التنسيق المنزلي غير المرئي مرئياً ومشتركاً وأسهل في التنفيذ. وتضيف: «من المهم جداً أن يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على نقل المعرفة بسلاسة بين أفراد الأسرة».

الحفاظ على الخصوصية

ويؤكد مقدمو الخدمات على ضوابط الخصوصية، قائلين إن للعائلات الحق في اختيار البيانات التي يتم استيرادها والاحتفاظ بها. كما يؤكدون أن نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية لا تحتفظ ببيانات المستخدمين، وأن المعلومات لا تُشارك مع جهات خارجية دون إذن. وتقول شيلا ليريو مارسيلو، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «أوهاي» Ohai، إنه ينبغي على العائلات الموافقة على استخدام هذه التقنية والتحكم في الذكريات المخزنة، بما في ذلك تعديلها أو حذفها.

حذر الخبراء

ولا يزال الخبراء حذرين. يقول براندون ماكدانيال، الباحث العلمي المتخصص في دراسة العلاقات الأسرية، إن قلقه ينصبّ على تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على التواصل الإنساني، ومدى اعتماد العائلات على هذه الأداة في الإدراك والاختيار والاهتمام.

من جهتها، تقول ميليسا ميلكي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة تورنتو، إن الأبحاث تظهِر أن أفراد الأسرة قد يشعرون بالإهمال عندما يقضي الآخرون وقتاً طويلاً في استخدام الهواتف. وقد يؤدي نقل المحادثات المتعلقة بوجبات الطعام أو الترتيبات اللوجستية إلى تطبيقات وبرمجيات الدردشة الآلية (بوتات) إلى تفاقم هذه المشكلة.

وتشير ميلكي إلى أن الشركاء يشعرون بالتجاهل عندما لا يكونون هم محور الاهتمام، محذرةً من تزايد التغلغل التكنولوجي في التفاعلات التي كانت ستتم -لولا ذلك- وجهاً لوجه.

في المقابل، يرى مؤسسو الشركات الناشئة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المخصصة للأسرة يمكن أن تقلل من الوقت الذي يقضيه الآباء أمام الشاشات؛ وذلك عبر اختصار الساعات المخصصة لفرز الرسائل، والتخطيط، وتذكر التفاصيل؛ ما يتيح مساحة أكبر لقضاء وقت عائلي فعلي. وتقول مارسيلو: «أجد أن التوتر والقلق بشأن الترتيبات اللوجستية يؤثران أيضاً على طبيعة العلاقة بين الزوجين، بل ويمتد هذا التأثير ليشمل الأطفال أيضاً».

نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي

تعتمد هذه المنتجات على نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل المعلومات والرد على استفسارات الآباء، كما أنها توفر واجهات عملية تشمل قوائم المهام، والتذكيرات، والرسائل النصية، وتوصيات للتحضير للمناسبات، وخيارات مدمجة لطلب البقالة.

ويقول بيل لينون، الرئيس التنفيذي لشركة «أولي»، إن التخطيط للوجبات وحده يمكن أن يوفر على الأسر ساعة أو ساعتين أسبوعياً، ويخفف من عبء اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بتدبير وجبة العشاء.

وتقرّ ميلكي بأن معرفة من يتولى أي مهمة بوضوح قد يفيد الأسر، رغم أن التقويمات الورقية أو الرقمية يمكن أن تؤدي بعض هذه المهام أيضاً. لكنها تبدي قلقها من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الضغط على الآباء -ولا سيما الأمهات- لضمان سير الحياة الأسرية بسلاسة تامة، حتى في ظل ظروف طارئة مثل المرض أو نقص الموارد أو غيرها من المعوقات.

وتضيف أن هذا الضغط قد يولد شعوراً بالذنب والإحباط في ظل ثقافة غالباً ما تُحمّل الأمهات المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون الأسرة.

ونظراً لأن هذه الأدوات بدأت تظهر للتو بالتزامن مع الموجة الأخيرة لنماذج اللغة الكبيرة؛ فإن تأثيراتها طويلة المدى لا تزال غير واضحة. ويرى لينون أنها قد تصبح شائعة الاستخدام تماماً كالأجهزة المنزلية التي توفر الجهد، وإن كانت ليست كل أداة منزلية تفي بوعودها أو تحقق الفائدة المرجوة منها.

يقول لينون: «لدينا جميعاً غسالات أطباق في منازلنا نستخدمها بكثرة لسهولة تشغيلها. وأعتقد أن هذه التقنيات ستنتشر على نطاق واسع، وستصبح أداة لا غنى عنها للمجتمع».

* مجلة «فاست كومباني»


دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي
TT

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

أظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث Pew Research Center، أن أكثر من ثلث صفحات الإنترنت المنشورة منذ إطلاق برنامج «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأصبح أسلوب الكتابة أبسط من أي وقت مضى، كما كتبت لويز إمبر(*).

مجموعة أضيق من التعابير اللغوية

قد يُغير هذا الكم الهائل من اللغة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي طريقة كتابة البشر. فقد وجدت دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Human Behavior أن نماذج اللغة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تدفع كتابات الناس نحو مجموعة أضيق من المعايير اللغوية، ما يُقلل التنوع في الأسلوب ويُخفي بعض إشارات الهوية الذاتية الكامنة في كلماتنا.

قبل ثلاث سنوات قرأ زيفار سوراتي الباحث الرئيسي في الدراسة كتاب «الحياة السرية للضمائر: ماذا تقول كلماتنا عنا» لجيمس بينيباكر، الذي استكشف كيف يمكن للقيم والخلفيات والمعتقدات الشخصية للأفراد أن تدفعهم إلى التعبير عن الأفكار نفسها باستخدام كلمات مختلفة. وبعدما ازدادت شعبية نماذج التعلم الآلي اللغوي، بدأ سوراتي يتساءل عما إذا كانت هذه التقنية قد تُقلل من التنوع اللغوي.

تحليل زمني للنصوص الفردية المعالجة

يقول سوراتي: «كنا نتساءل: ماذا سيحدث فعلاً عندما يتم إخضاع جميع النصوص للنماذج نفسها؟ إذا وُضعت هذه الطبقة (المولدة من هذه النماذج) فوق نصوص الجميع، فهل ستُغير أياً من المعلومات المعروفة لدينا عن نصوص الناس الفردية؟ هل ستؤثر عليها بشكلٍ ملحوظ؟ ما التداعيات الناجمة عن ذلك؟».

معايير مشتركة في الأسلوب

لذا، شرع في العمل لمعرفة ذلك. أولاً، أجرى سوراتي تحليلاً زمنياً باستخدام ما يقارب 80000 ورقة بحثية، و400000 مقال إخباري، و300000 منشور على موقع Reddit كُتبت قبل وبعد إطلاق «تشات جي بي تي». ووجد أنه بعد اعتماد أدوات الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تقاربت الاختلافات في تعقيد الكتابة بشكل متزايد نحو معايير مشتركة في الأسلوب. وكان هذا الاتجاه ثابتاً في جميع مجموعات البيانات الثلاث.

بعد ذلك، أجرى سوراتي وفريقه تجربة أكثر تقليدية. استخدم الباحثون نماذج «جي بي تي 3.5» و«جيمناي» «لاما3» من«ميتا» لإعادة كتابة نصوص بشرية باستخدام مجموعة متنوعة من المحفزات. ورغم أن هذه النماذج حافظت إلى حد كبير على معنى النصوص، فإنها قللت من تباين تعقيد الكتابة بنسبة تتراوح بين 21 في المائة و50 في المائة.

إضعاف الهوية اللغوية الفردية

لكن سوراتي أراد الخوض في تفاصيل أكثر حول الآثار المجتمعية: كيف تُضعف نماذج اللغة المُحسّنة دلالات الهوية الفردية في كتاباتنا؟

لجأ فريقه إلى نصوص كتبها أشخاص تم تحديد سماتهم الشخصية من خلال استبيانات نفسية. وكما في التجربة السابقة، قام الفريق بتغذية النصوص بنموذج لغة مُحسّن. ثم استُخدمت نماذج إحصائية للتنبؤ بالسمات - بما في ذلك الخصائص الديموغرافية والشخصية والتعاطف والقيم الأخلاقية - بناءً على السمات اللغوية. وبعد تحسين النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، انخفضت دقة التنبؤ بنسبة 6 في المائة في المتوسط. وفي المرحلة الثالثة من الدراسة، استكشف سوراتي بدقة ما يتم محوه. لم تكن النتائج متجانسة. فقد غيّرت نماذج اللغة المُحسّنة الإشارات اللغوية المختلفة بطرق مختلفة تبعاً للسمة الشخصية التي يتم تحليلها.

انحسار التنوع اللغوي... والتنوع المعرفي

يعتقد سوراتي أن الاعتماد على نماذج اللغة الكبيرة في جميع كتاباتك قد ينطوي على عواقب وخيمة. فهو يرى أن نوع حل المشكلات الضروري في عالمنا اليوم يعتمد على التنوع المعرفي، وليس التنوع اللغوي فحسب.

يقول سوراتي لمجلة فاست كومباني: «هذا هو الجانب المخيف. فإذا استخدم الجميع نماذج اللغة الكبيرة، فسيكون بإمكانهم إعادة صياغة ما يُعدّ صحيحاً اجتماعياً للتعبير عن فكرة ما، أو ما يُعتبر طريقة موثوقة لعرض وجهة نظر معينة».

تعلّم التفكير النقدي أولاً

يأمل سوراتي أن يأتي مستقبل يصبح فيه التنوع مبدأً أساسياً في تصميم نماذج اللغة الكبيرة. ويعتقد أن أكثر الفئات عرضةً لتأثيراتها المُوحِّدة هم أولئك الذين ما زالوا يطورون قدراتهم المعرفية، وخاصة الطلاب. ويقول إن الناس بحاجة إلى تعلم التفكير النقدي أولاً، وعندها يمكنهم استخدام نماذج اللغة الكبيرة بشكل أكثر إبداعاً.

ويضيف سوراتي: «إذا كنت تعرف بالفعل كيفية التفكير المنطقي، فربما يمكنك استخدام هذه النماذج للاستفادة من مزاياها فقط، دون التعرض لآثارها المدمرة على قدرات حل المشكلات الجماعية».

* مجلة «فاست كومباني».


فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض
TT

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

كشفت دراسة سكانية واسعة أن تحليل الحمض النووي من بضع قطرات من الدم المأخوذة من كعب الطفل بعد الولادة قد يساعد في اكتشاف طفرات وراثية تزيد خطر الإصابة ببعض سرطانات الطفولة قبل ظهور الأعراض.

وقاد الدراسة باحثون من مركز دانا - فاربر/بوسطن للأطفال لأمراض السرطان والدم بالتعاون مع باحثين من Mass General Brigham، وهو نظام صحي أكاديمي غير ربحي في الولايات المتحدة يجمع بين رعاية المرضى والبحث الطبي والتعليم.

وتشير النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 12 أغسطس (آب) 2026 إلى أن إضافة الفحص الجيني إلى برامج فحوصات حديثي الولادة قد تتيح التعرف إلى الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات منذ الأيام الأولى من حياتهم، ما يفتح المجال أمام مراقبة طبية مبكرة، واكتشاف الأورام في مراحل أكثر قابلية للعلاج.

قطرة دم قد تكشف الخطر مبكراً

ويخضع الأطفال حديثو الولادة في الولايات المتحدة حالياً لفحوصات روتينية للكشف عن مجموعة من الأمراض النادرة، والقابلة للعلاج، من خلال تحليل بضع قطرات من الدم تؤخذ من كعب الطفل بعد نحو 24 ساعة من ولادته.

لكن هذه الفحوصات لا تبحث حالياً عن خطر الإصابة بالسرطان، لأن ذلك يتطلب تحليل تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه). ويرى الباحثون أن عينات الدم نفسها يمكن أن توفر فرصة للكشف عن طفرات وراثية موروثة -أو جديدة- تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة بطريقة تشبه الفحوصات الجينية التي تحدد لدى البالغين خطر الإصابة ببعض السرطانات، مثل سرطان الثدي، أو القولون.

نحو 7 % يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان

كما حلل الباحثون عينات دم مجففة محفوظة لـ1948 طفلاً ولدوا في ولاية ميشيغان، ثم أصيبوا لاحقاً بورم صلب، أو ورم في الدماغ قبل بلوغ سن الثامنة. وباستخدام فحص شمل 11 جيناً كلها معروفة بارتباطها بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال، اكتشف الفريق طفرات مرضية، أو يُرجح أن تكون مرضية لدى 132 طفلاً، أي نحو 7 في المائة من المجموعة.

وكانت الغالبية العظمى من هذه الطفرات مرتبطة بنوع الورم الذي أصيب به الطفل لاحقاً، إذ كان الجين مرتبطاً بنوع السرطان الذي تطور لدى 130 من أصل 132 طفلاً. ويقدر الباحثون أن تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع في الولايات المتحدة يمكن أن يساعد في تحديد نحو ألف طفل سنوياً قد يستفيدون من المراقبة المبكرة، والعلاج في الوقت المناسب.

السرطان ظهر في عمر أصغر

ومن أبرز النتائج أن الأطفال الذين يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان أصيبوا بالمرض في سن أصغر بكثير من الأطفال الذين لم تظهر لديهم هذه الطفرات. فقد بلغ متوسط العمر الوسيط عند التشخيص 14 شهراً لدى الأطفال الذين اكتُشفت لديهم طفرة مقارنة بـ32 شهراً لدى الأطفال الذين لم تكن لديهم طفرة مكتشفة.

ويرى الباحثون أن هذا الفارق يبرز أهمية معرفة الخطر مسبقاً، خصوصاً أن بعض الأورام قد تتطور خلال فترة قصيرة جداً من حياة الطفل.

سرطان العين نموذج واضح

وقدم سرطان الشبكية Retinoblastoma مثالاً واضحاً على الفائدة المحتملة للفحص الجيني المبكر.

فقد اكتشف الباحثون طفرات في جين RB1 لدى 69 طفلاً أصيب 68 منهم لاحقاً بسرطان الشبكية. وكان الأطفال الذين يحملون الطفرة يُشخّصون في عمر وسطي يبلغ 9 أشهر مقارنة بـ23 شهراً لدى المصابين الذين لم تظهر لديهم الطفرة.

ولو تم التعرف إلى هؤلاء الأطفال منذ الولادة لكان بالإمكان إخضاعهم لفحوصات منتظمة للعين بهدف اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على البصر، وتقليل الحاجة إلى علاجات أكثر شدة، مثل استئصال العين، أو العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي.

خطوة نحو الوقاية قبل ظهور المرض

وظهرت أقوى الروابط الوراثية في بعض السرطانات التي يُعرف مسبقاً ارتباطها بمتلازمات وراثية محددة. فقد حمل جميع الأطفال الستة الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية النخاعي طفرة موروثة في جين RET، بينما ظهرت طفرة RB1 لدى 40 في المائة من الأطفال المصابين بسرطان الشبكية.

ولا يعني اكتشاف طفرة وراثية أن الطفل سيصاب بالسرطان حتماً، لكنه قد يشير إلى ارتفاع الخطر، ويتيح وضع خطة مراقبة خاصة بالحالة. ويعمل الباحثون حالياً على تطوير آليات لإدخال فحوصات جينية للكشف عن مخاطر السرطان ضمن برامج فحص حديثي الولادة، بحيث يمكن تحويل الأطفال الذين تظهر لديهم طفرات خطرة إلى برامج متابعة متخصصة.

وقد يمثل هذا النهج تحولاً مهماً من انتظار ظهور أعراض السرطان إلى البحث عن خطره منذ الولادة، بما قد يتيح اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وعلاجها بطرق أقل سمية، وأكثر فاعلية.