الذكاء الاصطناعي وإنتاج «الهراء»: دعم لموجات التضليل التجاري والإعلامي

تلفيقاته تعزز توجهات الدعاية والترويج السابقة لعصره

الذكاء الاصطناعي وإنتاج «الهراء»: دعم لموجات التضليل التجاري والإعلامي
TT

الذكاء الاصطناعي وإنتاج «الهراء»: دعم لموجات التضليل التجاري والإعلامي

الذكاء الاصطناعي وإنتاج «الهراء»: دعم لموجات التضليل التجاري والإعلامي

أصبحت القصص المتعلقة بالتلفيقات التي تُنتجها الأدوات الذكية الاصطناعية في الأوساط المهنية جزءاً من روتين الحياة منذ أن انتشر الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل ثلاث سنوات، كما كتب فيصل حق (*).

اقتباسات مُختلقة وأرقام مُزيفة

وقد ظهرت اقتباسات مُختلقة، وأرقام مُزيفة، واستشهادات تُؤدي إلى أبحاث لا توجد أصلاً في المنشورات الأكاديمية، والمذكرات القانونية، والتقارير الحكومية، والمقالات الإعلامية.

يُمكننا غالباً عدَّ هذه الأحداث بمثابة أعطال تقنية ناتجة من هلوسات الذكاء الاصطناعي، إلا أن تجاهل أي شخص للتحقق أولاً من الحقائق، سيوقعه في خطأ مُحرج.

فرصة لتعزيز الدعاية بعيداً عن الحقيقة

ولكن في بعض الحالات، تُمثل هذه الأحداث غيضاً من فيض – لأنها تمثل الجزء المرئي من ظاهرة أكثر خبثاً سابقة لعصر الذكاء الاصطناعي، لكنها ستُعززه بقوة. وإننا نعرف أنه في بعض قطاعات الصناعة والتجارة، لا يهم كثيراً ما إذا كانت العبارة صحيحة أم خاطئة، فالمهم هو مدى إقناعها.

بينما يميل المتحدثون في السياسة إلى التركيز على «لحظة ما بعد الحقيقة»، يتعامل المستشارون وغيرهم من «منتجي المعرفة» مع الحقيقة بسعادة على أنها بناء قابل للتغيير لعقود.

تضليل الشركات لدعم أهدافها

وعادةً ما يتم تجميع المعلومات في مجموعات وتقارير بهدف دعم رواية الزبون أو أهداف الشركة الخاصة، بينما يتم التقليل من الحقائق غير الملائمة أو تجاهلها تماماً. ويوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي أداةً قوية للغاية لدعم هذا النوع من التضليل: حتى لو لم يكن يستخرج البيانات من العدم ويخترع ادعاءات من الأساس، فإنه يمكن أن يوفر عشرات الطرق لإخفاء الحقيقة أو جعل «الحقائق البديلة» تبدو مقنعة.

مظهر الدقة... بين الكذّاب ومروّج الهراء

وحيثما يكون مظهر الدقة أهم من الدقة نفسها، يصبح الذكاء الاصطناعي ميزة تنافسية لا عبئاً.

ولكي لا نُبالغ في وصف الأمر، يُمضي الكثير من «عمال المعرفة» وقتاً طويلاً في إنتاج ما يُسميه الفيلسوف هاري فرانكفورت «هراءً». ويُوضح فرانكفورت أن الكاذب يهتم بالحقيقة، حتى لو كان ذلك سلبياً؛ لأنه يُريد إخفاءها. أما مُروّج الهراء فلا يُبالي إطلاقاً... فقد يُقدم الحقيقة سهواً. إذ إن ما يُهم مُروّج الهراء ليس الدقة، بل التأثير: كيف تُؤثر كلماته على الجمهور، والانطباع الذي تُخلّفه، وما الذي تُتيح لهم كلماته الإفلات منه. بالنسبة للكثير من الأفراد والشركات في هذه القطاعات، لا تُستخدم الكلمات في التقارير وعروض الشرائح لوصف الواقع أو لإجراء جدال صادق؛ بل تُستخدم للقيام بدور مُروّج الهراء المُقنع.

مواد إعلامية «تبدو جيدة»

ولعقود من الزمن، تمت مكافأة بائعي المنتجات والمحللين والمستشارين على إنتاج مواد تبدو دقيقة وموثوقة ومدفوعة بالبيانات - عرض شرائح من 30 صفحة، وتقرير لامع، وأطر عمل أنيقة، ولوحات 2 × 2 أنيقة. لم يكن من الضروري أن تكون المادة جيدة. كان يكفي أن تبدو جيدة.

وإذا كان هذا هو الهدف، وإذا كان المقصود من الكلمات الأداء بدلاً من الإعلام، وإذا كان الهدف هو إنتاج هراء فعال بدلاً من قول الحقيقة، فمن المنطقي تماماً استخدام الذكاء الاصطناعي.

هراء الذكاء الاصطناعي... أفضل من أي إنسان

يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج هراء أفضل وأسرع وبكميات أكبر من أي إنسان. لذلك، عندما يلجأ المستشارون والمحللون إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدتهم في تقاريرهم وعروضهم التقديمية، فإنهم يطيعون المنطق الأساسي والأهداف الأساسية للنظام الذي يعملون فيه.

المشكلة هنا ليست أن الذكاء الاصطناعي يُنتج هراءً، بل إن الكثيرين في هذا المجال مستعدون لقول أي شيء يُقال لزيادة أرباحهم.

الهراء مقابل الجودة

الجواب هنا ليس سياسات جديدة ولا برامج تدريبية. لهذه الأمور مكانها، لكنها في أحسن الأحوال تعالج الأعراض بدلاً من الأسباب الكامنة.

إذا أردنا معالجة الأسباب بدلاً من اللجوء إلى الحلول المؤقتة، فعلينا أن نفهم ما فقدناه في هذا التوجه نحو الهراء؛ لأنه حينها يمكننا البدء في إيجاد طريقة لاستعادته.

في كتابه Zen and the Art of Motorcycle Maintenance، يستخدم روبرت بيرسيغ مصطلح «الجودة» لتسمية الخاصية التي تجعل الشيء الجيد جيداً. هذه سمة غير ملموسة: لا يمكن تعريفها، لكن الجميع يعرفها بمجرد رؤيتها.

إننا نعرف الجودة عندما نمرر يدنا على طاولة مصنوعة بإتقان وتشعر بالوصلة السلسة بين قطعتي خشب؛ ونعرف الجودة عندما نرى أن كل خط وانحناءة مصنوعان كما ينبغي. هناك صواب هادئ في شيء يتمتع بهذه السمة، وعندما نراه، نلمح معنى أن يكون الشيء جيداً حقاً.

الحسّ الحقيقي بالجودة... يطرد الهراء

لو كانت المؤسسات المسؤولة عن إنتاج المعرفة - ليس فقط شركات الاستشارات، بل الجامعات والشركات والحكومات ومنصات الإعلام - مدفوعة بحسٍّ حقيقيٍّ بالجودة، لصعُب على الهراء أن يتجذر.

تُعلّم المؤسسات القيم عادة، لكننا أمضينا عقوداً نكافئ إنتاج الهراء. يُنجز المستشارون ببساطة ما تعلمناه جميعاً إلى حدٍّ ما: إنتاج شيءٍ يبدو جيداً دون الاكتراث بما إذا كان جيداً حقاً.

دور القادة

يجب جعل الحياة صعبة، فالهراء يزدهر لأنه سهل. إذا أردنا إنتاج عمل جيد، فعلينا اتباع الطريق الأصعب.

إن الذكاء الاصطناعي لن يختفي، ولا ينبغي لنا أن نتمنى زواله. إنه أداة رائعة لتعزيز الإنتاجية واستغلال وقتنا بشكل أفضل. لكنه غالباً ما يفعل ذلك بتشجيعنا على إنتاج أكاذيب؛ لأن هذا هو أسرع وأسهل طريق في عالم تخلى عن الجودة.

يكمن التحدي في تسخير الذكاء الاصطناعي دون أن ننخدع بطرق مختصرة قد تقودنا في النهاية إلى الهاوية. ولتجنب هذا الفخ، يجب على القادة اتخاذ خطوات مدروسة على المستويين الفردي والمؤسسي.

التحقق من الادعاءات «الذكية»

* على المستوى الفردي، لا تقبل أبداً أي شيء ينتجه الذكاء الاصطناعي دون أن تقتنع به أولاً. لكل جملة، لكل حقيقة، لكل ادعاء، لكل مرجع، اسأل نفسك: هل أؤيد ذلك؟ إذا كنت لا تعرف، فعليك التحقق من الادعاءات والتفكير ملياً في الحجج حتى تصبح ملكك حقاً. غالباً ما يعني هذا إعادة الكتابة والمراجعة وإعادة التقييم، وحتى الرفض القاطع. وهذا صعب عندما يكون هناك طريق أسهل متاح. لكن صعوبة الأمر هي ما يجعله ضرورياً.

* على المستوى التنظيمي: نعم، يجب أن نثق بقدرة موظفينا على استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية. ولكن - إذا اخترنا عدم مواكبة مُضلّلي العالم - فعلينا أيضاً الالتزام وإعادة الالتزام بمؤسساتنا لإنتاج عمل ذي جودة حقيقية. وهذا يعني وضع ضوابط جودة حقيقية وصارمة.

* دعم القادة كل ما ينتجه فريقهم. عليهم تحمل المسؤولية والتأكيد على أنهم يسمحون له بالخروج من مؤسساتهم ليس لأنه يبدو جيداً، بل لأنه جيد بالفعل.

مرة أخرى، هذا صعب. يتطلب وقتاً وجهداً. هذا يعني عدم قبول نظرة عابرة على النص، بل التركيز على القراءة والفهم بالتفصيل. هذا يعني الاستعداد لتحدي أنفسنا وتحدي فرقنا، ليس بشكل دوري فحسب، بل كل يوم.

صدق الإنتاج... والإبداع

الطريق إلى الأمام ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي أو إضفاء طابع رومانسي على البطء وعدم الكفاءة. بل هو أن نكون صادقين تماماً بشأن ما ننتجه وسببه. في كل مرة نميل فيها إلى تجاهل المواد التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي لمجرد أنها تبدو جيدة بما يكفي، علينا أن نسأل: هل نُبدع شيئاً ذا جودة عالية، أم أننا نُضيف إلى كومة الهراء فحسب؟ هذا السؤال - واستعدادنا للإجابة عليه بصراحة - سيُحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أداةً للتميز أم مجرد أداة أخرى تُبدّل الرؤية بالمظهر.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

تكنولوجيا يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

تكشف دراسة عن محدودية قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء «توائم رقمية» تحاكي البشر، إذ تميل النماذج إلى التنميط وتفشل في التقاط الفروق الفردية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

الاتصاف بالحكمة البشرية أولاً ضروري للاستفادة المثلى منه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تسجل مكاسب طفيفة مع تراجع عوائد السندات

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً، الأربعاء، مع تراجع عوائد السندات وارتفاع أسهم بعض الشركات العملاقة وأسهم النمو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

«بنك إنجلترا» يحذر من تزايد مخاطر النظام المالي

حذّر «بنك إنجلترا»، الأربعاء، من تزايد مخاطر تحوّل مواطن الضعف المترابطة في النظام المالي إلى اضطرابات فعلية، مسلطاً الضوء على تجدد الصراع في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟

حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الأدوات الذكية المصممة لتوجيه التفكير أفضل من العمومية لتقديم الحلول.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي
TT

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

ابدأوا بأنفسكم... قبل أن تبدأوا استخدام الذكاء الاصطناعي

هناك فجوة بين الجنسين في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. ووفقاً لبحث نشرته كلية هارفارد للأعمال، فإن النساء يتبنّين الذكاء الاصطناعي بمعدلات أقل من الرجال. وقد فسر الكثيرون هذه الإحصائية على أنها نوع من التردد. ولكن ماذا لو كانت معدلات التبني هي المقياس الخاطئ؟

في عملي بصفتي مدربة وموجهة للمديرين التنفيذيين، لاحظتُ أمراً مختلفاً، كما كتبت شيريل ستراوس أينهورن (*). فكثير من النساء في المناصب العليا لا يتبنين الذكاء الاصطناعي ببطء لأنهن يقاومن التكنولوجيا، بل لأنهن أكثر حرصاً على كيفية استخدامه.. إنهن لا يبدأن بالذكاء الاصطناعي، بل يبدأن بأنفسهن.

تمييز مهم: التفكير البشري هو البداية

لا يفهم الذكاء الاصطناعي ما هو الأهم في موقف معين، فهو لا يعرف تاريخ المؤسسة، أو الحقائق السياسية، أو علاقات أصحاب المصلحة، أو التداعيات الإنسانية المترتبة على أي قرار. أما القادة ذوو الخبرة فيدركون أن الاتصاف بالحكمة هي مسؤوليتهم، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يُظهر هذه الحكمة سيوسع آفاق تفكيرهم، ويتحدى أفكارهم، ويعززها دون أن يحل محلها.

الذكاء الاصطناعي لا يفهم ما هو الأهم في موقف معين. فهو لا يعرف تاريخ المؤسسة، أو الحقائق السياسية، أو علاقات أصحاب المصلحة، أو التداعيات الإنسانية المترتبة على أي قرار. يدرك القادة ذوو الخبرة أن الحكمة هي مسؤوليتهم. إن استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يُظهر هذه الحكمة سيوسع آفاق تفكيرهم، ويتحدى أفكارهم، ويعززها دون أن يحل محلها.

4 عادات أساسية لدى القيادات النسائية

من خلال تجربتي مع عشرات القيادات، لاحظتُ أربع عادات أساسية لدى القيادات النسائية في استخدام الذكاء الاصطناعي، التي تُحقق نتائج أفضل باستمرار:

1. تحديد المشكلة قبل طلب حلها من الذكاء الاصطناعي. لا يبدأ مستخدمو الذكاء الاصطناعي الأكثر فاعلية، بسؤال الأداة عما يجب فعله، بل يُحددون المشكلة التي يسعون إلى حلها، ثم يُحددون معايير النجاح.

تُؤكد أبحاث حديثة أجرتها كل من مؤسسة ماكينزي ومجموعة بوسطن الاستشارية هذا النهج. ورغم استقلالية كل بحث عن الآخر، فإن المؤسستين تخلصان إلى أن مبادرات الذكاء الاصطناعي تُحقق قيمة أكبر بكثير عندما يبدأ القادة بتحديد مشكلة عمل واضحة المعالم، ووضع نتائج قابلة للقياس قبل استخدام الأدوات. غالباً ما تُعاني المؤسسات التي تبدأ باستخدام أداة الذكاء الاصطناعي من صعوبة تجاوز مرحلة التجربة، لأنها لا تُحدد أبداً كيفية تقييم النجاح.

لذا، وقبل اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي، اسأل نفسك سؤالين: ما المشكلة التي أحاول حلها تحديداً؟ وكيف سيبدو النجاح؟

بناء علاقات ذكية... وتحديد أرضية مشتركة

2. استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء علاقات ذكية لا مجرد توثيق

يستخدم كثير من القيادات النسائية العليا الذكاء الاصطناعي لأغراض أكثر تعقيداً من مجرد كتابة رسائل البريد الإلكتروني. فهنّ يستخدمنه لفهم الأشخاص المحيطين بهنّ بشكل أفضل. ومع مرور الوقت، قمن ببناء سجل حيّ لأولويات أصحاب المصلحة، وتفضيلات التواصل، والمخاوف، والدروس المستفادة من التفاعلات السابقة. وبدلاً من التعامل مع كل محادثة كأنها صفحة بيضاء، استخدمن الذكاء الاصطناعي لتحديد الأنماط، وتوقع ردود الفعل، وإبراز وجهات نظر ربما أغفلنها.

تدعم الأبحاث الحديثة القدرات الكامنة وراء هذا النهج. فقد وجدت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «ساينس» أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأشخاص على دمج وجهات النظر المتضاربة، وتحديد أرضية مشتركة، والكشف عن وجهات نظر قد يجد الأفراد صعوبة في التعبير عنها بشكل مستقل. وجد باحثو «مايكروسوفت» بالمثل أن التفكير المدعوم بالذكاء الاصطناعي ساعد الأفراد على الاستعداد بشكل أفضل للاجتماعات المهمة، وذلك بتشجيعهم على إعادة النظر في الافتراضات، وتوقع التحديات، وتكييف أساليب تواصلهم.

تحذيران مهمان

يبقى هناك تحذيران مهمان: أولهما، لأغراض أمنية، التأكد من إخفاء هوية المعلومات الشخصية أو السرية. وثانيهما، نظراً لأن أنظمة ذاكرة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تزال غير مكتملة، ينبغي على القادة مراجعة المعلومات المخزنة وتحديثها بانتظام.

بدلاً من سؤال الذكاء الاصطناعي عما يجب قوله، استخدمه لتخصيص طريقة عرض المعلومات. وبهذه الطريقة، من المرجح أن يستجيب المساهمون المعنيون بشكل إيجابي.

الحكم الشخصي... وتحدي الأفكار

3.دع الذكاء الاصطناعي يعمل ويقدم النتائج مع الاحتفاظ بحكمك الشخصي

يدرك القادة ذوو الخبرة أن جمع المعلومات واتخاذ القرار مهمتان مختلفتان. يستطيع الذكاء الاصطناعي تنظيم الأبحاث، وتحديد الأنماط، وتلخيص الأدلة، وتوليد البدائل. لكنه لا يستطيع تحديد المقايضات الجديرة بالاهتمام أو العواقب المقبولة.

تؤكد الأبحاث هذا التقسيم للعمل، فقد وجدت دراسة شملت أكثر من 100 قرار استراتيجي في مجال الأعمال أن جودة القرار كانت في أعلى مستوياتها عندما عمل التفكير التحليلي والحدس معاً، لا سيما في البيئات الديناميكية. وبالمثل، خلصت دراسة نُشرت في مجلة «Nature Reviews Psychology» إلى أن الذكاء الاصطناعي يكون أكثر فائدة بوصفه أداة لدعم اتخاذ القرار وليس بوصفه بديلاً عن الحكم البشري. وذلك لأن مخرجاته تعكس تحيزات واضحة، وأوجه قصور في التفكير، وغيرها من القيود.

اطلب تحدي الأفكار

4. لا تطلب من الذكاء الاصطناعي أن يوافقك الرأي بل اطلب منه أن يتحدى أفكارك

لعلّ أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي تطوراً التي لاحظتها هو طلب الاختلاف معه.

أظهرت عقود من أبحاث اتخاذ القرار أن عرض الافتراضات عمداً للتحدي يؤدي إلى قرارات أفضل، وتُظهر الدراسات التي تُدمج الذكاء الاصطناعي الآن أنه يُتيح هذا النهج عند الطلب. تُقدّم هذه الأدوات الذكية حججاً مضادة، وتُشكّك في الافتراضات، ويمكنها طرح وجهات نظر بديلة تُطلق العنان للتفكير النقدي، وتُقلّل من احتمالية الانصياع للآراء السائدة.

بدلاً من أن يطلب القادة ذوو الخبرة من الذكاء الاصطناعي تأكيد فكرة ما، فإنهم يطلبون منه تحديد المخاطر المُتجاهلة، وبناء أقوى حجة ضد اقتراح ما، أو شرح سبب اختلاف زميل عقلاني معه.

الميزة الحقيقية ليست في ذكاء اصطناعي أفضل بل في حكم بشري أفضل

غالباً ما يقيس قادة الأعمال نجاح الذكاء الاصطناعي بمعدلات التبني، أو مكاسب الإنتاجية، أو السرعة. وهذه المقاييس مهمة، لكنها تغفل جانباً أهم، فالقادة الذين يحققون أكبر فائدة من الذكاء الاصطناعي ليسوا أولئك الذين يتنازلون عن أحكامهم، بل أولئك الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحسينه.

لن تكون الميزة التنافسية المستقبلية لمن يطرحون أكبر عدد من الأسئلة على الذكاء الاصطناعي، بل لمن يعرفون الأسئلة التي لا يمكن لأحد سواهم الإجابة عنها.

* مجلة «فاست كومباني».


حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
TT

حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟

أظهرت نتائج دراسة أميركية أن أداء الطلاب في حلّ مسائل الرياضيات تحسّن بمساعدة الذكاء الاصطناعي. لكن المفاجأة ظهرت عندما خاضوا الاختبار وحدهم؛ إذ حصل مستخدمو إحدى نسخ الأدوات الذكية على درجات أقل من زملائهم الذين تدربوا من دونها. كانت المساعدة ترفع مستوى الإجابات، لكنها لم تبنِ القدرة نفسها لدى أصحابها.

وكشفت هذه المفارقة دراسة نشرتها دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» الأميركية (PNAS) عام 2025. وتطرح نتيجتها سؤالاً يتجاوز قاعات الدراسة إلى العيادات ومكاتب العمل: ماذا نكسب عندما تفكر الآلة معنا؟ وماذا قد نفقد حين تفكر بدلاً منا؟

إن الإجابة الصحيحة على الشاشة لا تعني بالضرورة أن مستخدمها تعلّم كيف يصل إليها. وهكذا بين إنجاز المهمة واكتساب مهارتها، يكمن التحدي الذي قد تخفيه سهولة الحصول على الحل.

المساعدة الذكية: هل ترشدنا إلى الحل أم تسلك الطريق نيابة عنا؟

توجيه التفكير أفضل من تقديم الحلول

في تلك الدراسة، اختبر باحثون، بينهم همسا بستاني من جامعة بنسلفانيا، مساعداً يعتمد على «GPT-4» في تجربة عشوائية شملت قرابة ألف طالب في مدرسة ثانوية بتركيا. وقارنوا نسختين: أساسية تشبه أدوات المحادثة، وتعليمية مصممة لتوجيه التفكير بدلاً من تقديم الحل.

وقد تحسّن أداء المجموعتين في أثناء التدريب. لكن عندما خاض الطلاب الاختبار دون مساعدة، جاءت درجات مستخدمي النسخة الأساسية أقل بنسبة 17 في المائة من درجات زملائهم الذين تدربوا دونها.

ومع النسخة التعليمية، اختفى الأثر السلبي تقريباً دون تفوق مثبت على المجموعة التي لم تستخدم الأداة. فالنتيجة تربط التعلم بطريقة تصميم المساعدة، ولا تثبت أن الذكاء الاصطناعي يضعف القدرات حتماً. كما أنها تخص تجربة محددة، ولا تقيس الذكاء العام أو تثبت فقداناً دائماً للمهارات.

إشارة من غرفة المناظير

ماذا يحدث لمهارة الطبيب عندما يعتاد استخدام المساعدة الذكية ثم يعمل دونها؟ اختبر باحثون هذا السؤال مع أدوات تحلل صور منظار القولون لتنبيه الطبيب إلى زوائد مشتبه بها، وتختلف عن برامج تجيب عن الأسئلة، مثل «تشات جي بي تي».

نشرت مجلة «لانسيت لأمراض الجهاز الهضمي والكبد» (The Lancet Gastroenterology & Hepatology) الدراسة عام 2025. وشملت فحوص 1443 مريضاً في أربعة مراكز بولندية، وقارنت الفحوص المنجزة دون مساعدة آلية خلال ثلاثة أشهر قبل إدخال التقنية وثلاثة أشهر بعده.

وقد انخفض معدل اكتشاف زوائد القولون التي قد يتحول بعضها إلى سرطان من 28.4 إلى 22.4 في المائة، بفارق ست نقاط مئوية.

لكن الباحثين راجعوا بيانات فحوص سابقة، فلا يمكن الجزم بأن التقنية سبّبت التراجع، إذ قد تؤثر اختلافات المرضى وظروف العمل. وتبقى النتيجة سبباً لدراسة مهارة الطبيب عند غياب المساعدة، وليست دليلاً حاسماً على فقدانها.

مساعدة تنجح... وأخرى تخلق مشكلة

وفي بيئة العمل، يناقش تقرير لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) مفارقة مشابهة: قد تنجز التقنية المهمة بنجاح، في حين يفقد الموظف فرصة تعلّمها. وصدر التقرير في أبريل (نيسان) 2026، وعرضه موقع كلية سلون للإدارة بالمعهد في سبتمبر (أيلول) 2026.

استند التقرير إلى بحث في أكثر من عشرين شركة، وحدد ثلاث مشكلات: تجاهل التقنية عندما تكون مفيدة، واستخدامها في مهام لا تجيدها، والاعتماد عليها بطريقة تنجز العمل، لكنها تقلّل فرص اكتساب الخبرة.

إن الموظف الذي يحصل على تحليل جاهز قد لا يتعلم كيف يبنيه أو يراجع منطقه. ومن يستغني دائماً عن سؤال زملائه قد يفقد فرصة الاستفادة من خبراتهم. ولكن هذه الملاحظات لا تثبت تراجعاً دائماً في القدرات، إلا أنها تدعونا إلى قياس ما يتجاوز سرعة الإنجاز: هل تساعد الأداة الموظف على فهم عمله أم تكتفي بأدائه عنه؟

المعرفة التي لا تظهر في الإجابة

لنتخيل طبيباً مقيماً يعرض حالة على استشاري. يقترح تشخيصاً، فيسأله الاستشاري عن دواء يتناوله المريض أو عرض لم ينتبه إليه. وقد تغيّر هذه المعلومة اتجاه النقاش. هنا يتعلم الطبيب كيف يراجع رأيه، ولماذا يرجّح احتمالاً على آخر. فقد نأخذ الإجابة من غيرنا، لكننا لا نكتسب الفهم إلا حين نعرف لماذا كانت هي الإجابة.

أما الحصول على تشخيص جاهز فقد يختصر الوقت، لكنه قد يتجاوز الخطوات التي يتعلم منها الطبيب. وهذا لا يعني أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي تُضعف مهارته بالضرورة؛ إذ يمكن استخدام الأداة لطرح أسئلة، ومقارنة احتمالات، ومساعدته على اكتشاف ما أغفله.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد مرات استخدام التقنية، بل عن طريقة استخدامها: هل تقدم الإجابة قبل أن يحاول الطبيب التفكير أم تناقش محاولته وتساعده على تحسينها؟ وهل يستطيع شرح سبب اقتناعه بالنتيجة أم يقبلها لمجرد أن النظام اقترحها؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في التفكير الطبي

كيف نصمم مساعدة تترك أثراً؟

كيف نجعل الأداة تساعد على التعلّم؟ يمكن أن تبدأ بسؤال المستخدم عن محاولته، ثم تقدم تلميحاً، أو تطلب منه شرح سبب اختياره. بهذه الطريقة تصبح الإجابة خطوة في النقاش، ويظل المتعلّم مشاركاً في الوصول إليها.

وفي تدريب الأطباء، يمكن اختبار هذا الأسلوب باستخدام حالات افتراضية تحت إشراف المدرّبين: يضع الطبيب تقديره أولاً، ثم يناقش اقتراح الأداة ويشرح مواضع الاتفاق والاختلاف. ويُقاس نجاح التدريب بقدرته على تفسير قراره واكتشاف الخطأ. أما التعامل مع المرضى فيبقى محكوماً بسلامتهم والتقييم الطبي.

هذه أساليب تستحق الاختبار، ولم تثبت فائدتها في جميع التخصصات. لكن تجربة الطلاب أظهرت أن طريقة تقديم المساعدة قد تغيّر أثرها على التعلّم.

والمطلوب ليس أن يحفظ الإنسان كل ما تعرفه الآلة، بل أن يفهم ما يكفي لمراجعتها: هل أجابت عن السؤال؟ هل أغفلت معلومة مهمة؟ وما الذي قد يغيّر النتيجة؟ عندئذ تصبح المراجعة البشرية فحصاً واعياً للإجابة، بدلاً من الموافقة عليها دون تمحيص.

حين تُغلق الشاشة... هل تبقى المهارة؟

ماذا يبقى حين تُغلق الشاشة؟

كلما أصبحت إجابات الذكاء الاصطناعي أكثر إقناعاً، احتجنا إلى إنسان يفهمها ويستطيع مساءلتها. وهذه القدرة تُكتسب بالممارسة؛ فمن نطالبه باكتشاف خطأ الآلة يحتاج إلى فرص يتعلّم فيها كيف يصل إلى الإجابة ويختبر صحتها.

لذلك ينبغي أن نقيس نجاح التقنية بما ننجزه بمساعدتها، وبما نتعلّمه في أثناء استخدامها أيضاً. قد ينتهي الواجب، ويكتمل التقرير، وتظهر التوصية على الشاشة. لكن يبقى اختبار آخر: عندما نغلقها ونواجه مسألة جديدة، هل نكون أقدر على التفكير، أم أشد حاجة إلى فتحها من جديد؟


هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟
TT

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

​إن أحد أروع دورات الحياة تتمثل في حقيقة أن كل طفل يولد صغيراً. لذا، ومهما تراكمت آثار الزمن على الحمض النووي لوالديه عبر حياتهما، فإن عملية التكاثر تمحو تلك الآثار الجزيئية، ما يمنح الجيل التالي صفحة بيضاء، كما كتبت إميلي بومغارتنر نون*.

والآن، يهدف مجال جديد في التكنولوجيا الحيوية إلى تسخير هذه الآلية الطبيعية لتحقيق ما كان يُعتقد سابقاً أنه مستحيل: إزالة المخلفات البيولوجية لماضينا. فمن خلال محاكاة هذه الآلية الطبيعية، يعمل علماء الوراثة على فتح آفاق جديدة لعلاج الأمراض أو الوقاية منها في مراحل لاحقة من العمر. ولا يتم ذلك عن طريق تعديل الجينات نفسها؛ بل عن طريق تغيير زمان ومكان وكيفية التعبير الجيني.

«الإبيجينوم» أو «ما فوق الجينوم»... تراكم تأثيرات العوامل الخارجية على الجينات المتوارثة من الوالدين

«الإبيجينوم»- «ما فوق الجينوم»

كل هذا ممكن بفضل الإبيجينوم (Epigenome)، وهو شبكة من العلامات الكيميائية المنتشرة في جميع أنحاء الجسم، والتي ترتبط بالحمض النووي، وتحدد لكل نوع من الخلايا كيفية التصرف.

وإذا شبَّهنا الحمض النووي للشخص بكونه سلسلة من النوتات الموسيقية، فإن الإبيجينوم هو مجموعة علامات يضعها قلم قائد الأوركسترا على النوتات. وهي علامات تتراكم عبر الزمن، تشير إلى النوتات التي يجب عزفها بصوت أعلى أو أخفض أو حتى تخطيها تماماً.

عوامل خارجية تؤثر على الجينات

وعلى عكس الجينوم الثابت، فإن الإبيجينوم يتغير استجابة لعوامل خارجية كالإجهاد المزمن، وسوء التغذية، والتعرض للسموم أو العدوى، والشيخوخة. وعلى سبيل المثال، قد تزيد خلايا الدم لدى طفل يتعرض للتدخين السلبي من نشاط الجينات المحفزة للالتهاب، وتُقلل من نشاط الجينات المسؤولة عن إصلاح الخلايا، ما يزيد من خطر إصابة الطفل على المدى الطويل بالربو وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.

من تعديل الجينات إلى تعديل «فوق الجينات»

تستطيع أدوات تعديل الجينات الحالية إعادة كتابة الشفرة الوراثية التي تُحدد «طبيعتنا» بشكل دائم. أما النهج الجديد، المسمى بتعديل الإبيجينوم، فيسعى إلى تعديل تراكم «العوامل البيئية» في خلايانا.

وقال فيودور أورنوف، خبير تعديل الجينات ومدير البحوث والتطوير العلاجي في معهد الجينوميات المبتكرة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي: «لا شك في أن تعرُّضنا لعوامل بيئية يؤثر على وظائف جيناتنا». وهو أحد مؤسسي شركة «تيون ثيرابيوتكس»، التي تُجري تجارب سريرية على أداة لتعديل الإبيجينوم لعلاج التهاب الكبد الوبائي المزمن من النوع «بي» في الكبد.

علاج التهاب الكبد «بي»

يعمل العلاج عن طريق تثبيط الحمض النووي للفيروس داخل خلايا الكبد، ما يمنعه من إنتاج البروتينات التي تُثبط جهاز المناعة، ويُمكِّن الجسم من التخلص من العدوى نهائياً.

وأضاف أورنوف: «تتعلم جيناتنا من خلال التجربة، وهذا ما يُعرف بالتنشئة. لذا، يُعد تعديل الإبيجينوم وسيلة لعكس تأثير التنشئة.

وتُجري 12 شركة على الأقل حالياً تجارب على هذه التقنية، وقد بدأت شركات عدة بالفعل تجاربها السريرية. وفي مايو (أيار)، نشرت «تيون ثيرابيوتكس» بيانات أولية تُظهر أن الجرعات العالية من دوائها تُقلل بشكل ملحوظ من مؤشرات التهاب الكبد الوبائي من النوع «بي» لدى بعض المشاركين.

تعديل أفضل من قصِّ الجينات

يُعدُّ تعديل الإبيجينوم مناسباً بشكلٍ فريدٍ للحالات التي لا يرغب فيها الأطباء في تعطيل جينٍ ما أو حذفه من الجينوم بالكامل؛ بل يهدفون إلى ضبط تعبيره بالزيادة أو النقصان المناسبين. لنأخذ على سبيل المثال الأشخاص الذين يعانون من ألمٍ مزمن، والذين يحتاجون إلى خفض مستوى الألم بشكلٍ كبير، ولكن ليس إيقافه تماماً. فالانعدام التام للإحساس بالألم يُعرِّض هؤلاء الأشخاص لخطر الإصابة بأضرارٍ جسيمة؛ إذ قد لا يلاحظون الكسور أو الحروق العميقة. ويقول أورنوف: «إننا نريد مستوى مثالياً من سلوك الجين: لا زيادة ولا نقصاناً؛ بل المستوى المناسب تماماً».

بديل أكثر أماناً

كان تعديل الجينات باستخدام تقنية «كريسبر»، التي تقصُّ الحمض النووي نفسه، مقتصراً في الغالب على الاضطرابات الخطيرة، مثل فقر الدم المنجلي؛ لأن مخاطر الخطأ -كحذف جزءٍ حيوي من الجين عن طريق الخطأ- غالباً ما تفوق فوائده. وقد بدأت بعض المجموعات البحثية بتجربة أدواتٍ تعتمد على «كريسبر» لعلاج حالاتٍ شائعة مثل ارتفاع الكوليسترول، ولكن خيار تعديل الإبيجينوم قد يُوفِّر بديلاً أكثر أماناً. ومثلاً وبدلاً من تناول الستاتينات يومياً، قد يتمكن بعض المرضى قريباً من تلقي حقنة واحدة من شركة «سكرايب ثيرابيوتكس»، تعمل على تثبيط جين في الكبد يُدمر المستقبلات المسؤولة عن إزالة الكوليسترول الضار (LDL)، ما يُقلل بشكل كبير من خطر إصابتهم بأمراض القلب.

ويقول جوناثان وايزمان، عالم الأحياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «إن كروما بايو»، وهي شركة أخرى متخصصة في العلاجات الجينية، وتعمل على علاج التهاب الكبد الوبائي المزمن من النوع «بي»: «هذا أشبه بالعلاج الأمثل الذي يُجرى بجرعة واحدة».

استخدامات غير طبية

ونظراً لأن تعديل الإبيجينوم يبدو آمناً وقابلاً للعكس حتى الآن. ويتساءل بعض العلماء عما إذا كانت هذه التقنية ستُستخدم في مجالات غير طبية، وأخرى تجميلية. وقال وايزمان إن التعديل قد يُعزز مستويات هرمون النمو لزيادة طول الطفل، أو لتحفيز نمو مزيد من الخلايا في القشرة الدماغية، ما يُحسِّن الذاكرة أو الذكاء. كما تصوِّر استخدام الرياضيين المحترفين لهذه التقنية لرفع مستويات الهرمونات الطبيعية مؤقتاً، ما قد يمنحهم ميزة تنافسية.

وأضاف: «لا أعتقد أننا نملك المعرفة الكافية لتطبيق ذلك حالياً، ولكنه ليس بعيداً عما يُمكن تصوره». ومع ذلك، أضاف: «أميل إلى الاعتقاد بأن هناك كثيراً من الفوائد التي يُمكننا تحقيقها قبل أن نبدأ القلق بشأن السلبيات».

آثار أخلاقية «غير ضارة»

أما هانك غريلي، أستاذ القانون في جامعة ستانفورد والمتخصص في الآثار الأخلاقية للتقنيات الحيوية الجديدة، فلا يُبدي قلقاً كبيراً بشأن مستقبل تعديل الإبيجينوم، باستثناء مسائل السلامة والفعالية وإمكانات إتاحته للآخرين. ويرى أن الأدوات قد تكون جديدة، ولكن فكرة تعديل الإبيجينوم ليست جديدة بحد ذاتها.

وقال غريلي: «إننا نُعدّل البيئة باستمرار»، بدءاً من تناول دواء «أوزمبيك» وصولاً إلى قراءة كتب التنمية الذاتية، على أمل التأثير في نقطة التقاء البيئة والبيولوجيا. وأضاف: «الآن، وبعد أن أصبحنا ننظر مباشرة إلى علم التخلق (epigenetics)، يبدو الأمر مختلفاً، ولكننا في الواقع نرى ما كان كامناً طوال الوقت». ويدرس علم «فوق الجينات» أو «علم التخلّق» (Epigenetics) الظواهر الناتجة عن التأثيرات الخارجية على الجينات، وفق «ويكيبيديا».

* خدمة «نيويورك تايمز».