الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل

فمك قد يصبح بوابة المستقبل الصحي والوجودي

الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل
TT

الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل

الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل

إنجاز يضعنا على أعتاب عصر جديد يُسمّى «الطب التنبّؤي الوقائي» في فمك اليوم ما يتجاوز حدود اللسان والأسنان... إنه خريطة بيولوجية دقيقة، أرشيف حي مكتوب بحبر البروتينات والجزيئات الدقيقة، قد لا يحمل بين طياته ماضيك الصحي فحسب، بل حتى الملامح الخفية لمستقبلك. وربما — إذا اخترت أن تُصدّق العلم لا الخرافة — توقيتاً تقريبياً لرحيلك.

لسنا أمام أسطورة من أساطير العرّافين، ولا أبراج ورقية تعدك بالحب أو الثراء، بل أمام علم صلب يتقدّم بخطوات محسوبة... علمٌ تقوده خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مدعومة بأجهزة دقيقة قادرة على تحليل قطرة واحدة من لعابك... لتكشف لك ما تعجز عن كشفه التحاليل التقليدية.

إنها ثورة جديدة في الطب: صامتة في مظهرها، لكنها صاخبة في أثرها. ثورة تجعل من لعابك صحيفة يومية تطبع كل صباح تفاصيل حالتك الصحية، وتضع بين يديك — قبل أن يخطه القدر — توقيعاً أولياً لمستقبلك.

اللعاب... من سائلٍ مُهمَل إلى مرآةٍ تكشف المصير

في موضوع سابق بعنوان «حين يتكلّم اللعاب... ويفكّ الذكاء الاصطناعي شيفرته»، توقّفنا عند ثورة هادئة تُعيد رسم ملامح التشخيص الطبي. سائلٌ اعتدناه عابراً، وعددناه طويلاً مجرد إفراز لا قيمة له، فإذا به يتحوّل اليوم بنك معلومات حيّاً، يقرأ جسدك من الداخل من دون وخز إبرة أو قطرة دم.

لكن الجديد اليوم يتجاوز حدود التشخيص. نحن أمام قفزة علمية جريئة، أشبه بفتح بابٍ لم نجرؤ من قبل على طرقه: توقّع احتمالية الوفاة المبكرة، وتحديد العمر البيولوجي الحقيقي — ذلك العمر الذي لا يُسجَّل في جواز سفرك، بل يُكتَب في شفرة خلاياك ويُترجَم في أنسجتك.

كيف يحدث هذا التحوّل المذهل؟ القصة تبدأ مع خريطة دقيقة لمكونات لعابك: من الحمض النووي الحر المتنقّل (Salivary cell-free DNA)، إلى مؤشرات الالتهاب المزمن، وصولاً إلى نسب الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress). وهذه البيانات الدقيقة، أشبه بقطع فسيفساء متناثرة، تُجمَع وتُقدَّم إلى خوارزميات التعلّم العميق، لتعيد ترتيبها في لوحة متكاملة، تُظهر ملامح صحتك ومستقبلك.

والمثير أن هذه الخوارزميات لا تعمل بعين طبيبٍ واحد، بل بعقول ملايين المرضى الذين تم تدريبها على بياناتهم، لتتعرّف على أنماط خفية يعجز حتى أمهر الأطباء عن ملاحظتها.

ما النتيجة في النهاية؟ ملفّ شخصي رقمي لا يكتفي بأن يخبرك بما تعانيه الآن، بل يهمس لك بما قد تعانيه غداً... ومتى قد يحين هذا الغد.

من جامعة هارفارد إلى اليابان... هذا ليس خيالاً

في مايو (أيار) 2025، نُشرت دراسة رائدة في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز بيولوجي» (Nature Communications Biology)، المرموقة في مجال البيولوجيا الجزيئية والطب الحيوي. وكشف باحثو معهد ويس للهندسة المستوحاة من الطبيعة (Wyss Institute for Biologically Inspired Engineering) في جامعة هارفارد، عن ابتكار قد يغيّر قواعد اللعبة في الطب: جهاز فائق الصغر يُزرع في سقف الفم (الحنك)، يراقب باستمرار مكونات اللعاب البشري، ويقيس لحظة بلحظة ما يُعرف بـ«معدل الشيخوخة البيولوجية» (Biological Aging Score).

النتائج لم تكن أقل من مدهشة؛ إذ تمكن هذا الجهاز، عبر متابعة دقيقة لمؤشرات الالتهاب، ونِسَب الأكسدة، والتغيرات الجزيئية في الحمض النووي، ومن خلال دعم خوارزميات التعلّم العميق، من توقّع احتمالية الوفاة خلال السنوات الخمس التالية بدقة تجاوزت 87 في المائة.

وهذا إنجاز يضعنا على أعتاب عصر جديد يُسمّى «الطب التنبّؤي الوقائي» (Predictive Preventive Medicine)، حيث لا يقتصر دور الطبيب على علاج المرض بعد ظهوره، بل يمتد إلى استباقه والتدخل في مساره قبل أن يتجذّر.

وليس بعيداً عن ذلك، اتخذت اليابان خطوة جريئة في الاتجاه نفسه. ففي مشروع تجريبي غير مسبوق، أطلقت جامعة كيوتو (Kyoto University) بالتعاون مع وزارة الصحة اليابانية برنامجاً اندماجياً لاختبار سنوي للعاب ضمن الفحوص الإلزامية للأسنان في المدارس والعيادات. ولا يتوقف هذا الفحص عند حدود صحة الفم والأسنان، بل يشمل تقييماً دورياً للعمر البيولوجي لكل فرد، يُرفق معه ملف صحي شخصي يحتوي على توصيات دقيقة وتحذيرات مبكرة، صُمِّمت لتناسب الحالة الجزيئية الخاصة بكل إنسان.

الذكاء الاصطناعي يتنبأ من قطرة لعاب

ما كان يتطلب سابقاً سلسلة طويلة من التحاليل المخبرية، وعيّنات دم، وانتظار أيام في المختبر... بات اليوم يُنجز خلال دقائق، باستخدام جهاز لا يتجاوز حجمه حجم شريحة ذاكرة (USB).

وقطرة واحدة من لعابك تكفي. تضعها على الجهاز، فتبدأ الخوارزميات في العمل. تُحلّل الجزيئات الحيوية الدقيقة في لعابك — من بروتينات التهابية، إلى شيفرات جينية طافية، إلى نواتج الإجهاد التأكسدي. ثم تُقارن هذه البيانات الشخصية بملايين السجلات المخزنة في قواعد بيانات ضخمة، خضعت سابقاً للتعلّم العميق (Deep Learning).

والنتيجة؟ تقرير رقمي دقيق، لا يخبرك فقط بما أنت عليه... بل بما قد تصبح عليه، ويشمل:

• عمرك البيولوجي الحقيقي (Biological Age) — ذاك الذي يعكس حالتك الصحية على مستوى الخلايا، وليس تاريخ ميلادك فقط.

• احتمالية إصابتك بأمراض مزمنة خلال السنوات العشر المقبلة، مثل السكري، وأمراض القلب، وضمور الدماغ.

• مؤشر الالتهاب الصامت — وهو أحد أخطر العوامل الصامتة لتدهور الصحة دون أعراض ظاهرة.

• تقدير متوسط العمر المتبقي — بناءً على نمط حياتك الحالي، مع إمكانية تحسينه عبر تغييرات مدروسة.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي لا يمنحك «تاريخ وفاتك» على طريقة الروايات الخيالية، لكنه يهمس إليك بلغة العلم: «إن لم تغيّر مسارك... فها هو الطريق الذي تمضي فيه».

طبيب الأسنان... أول من يُنذر

تخيّل هذا المشهد... تدخل عيادة الأسنان في زيارة روتينية، لا تشكو من ألم ولا تتوقع سوى فحص سريع وتنظيف بسيط. يبتسم الطبيب، يطلب منك أن تتمضمض بكأس صغيرة من السائل، كما اعتدت دائماً. لكن ما يحدث بعد ذلك... ليس اعتيادياً أبداً.

بدلاً من أن يخبرك بوجود تسوّس بسيط في الضرس الخلفي، يرفع رأسه من شاشة التحليل، وينظر إليك بنبرة مختلفة: «نتائج لعابك تشير إلى تسارع واضح في مؤشرات الشيخوخة البيولوجية... خاصة في الجهاز القلبي والعصبي. نحن في حاجة إلى مراجعة أسلوب حياتك فوراً».

نعم، ما كان مجرّد زيارة للأسنان... تحوّل نقطة إنقاذ مبكر لحياتك.

هذا ليس خيالاً علمياً، بل سيناريو واقعي أقرب إلينا مما نعتقد، خاصةً بعد أن كشفت الدراسات الحديثة عن أن أكثر من 90 في المائة من المؤشرات الحيوية للشيخوخة — مثل الالتهاب المزمن، والإجهاد التأكسدي، وتلف الحمض النووي — تظهر في اللعاب قبل أن تُرصد في الدم أو تُلاحظ في الأعراض الإكلينيكية.

وهنا تكمن المفاجأة: عيادة الأسنان، التي لطالما حُصرت في نطاق التسوّس واللثة، تُعيد اليوم تعريف دورها... لتُصبح الخط الأمامي في الطب الوقائي الذكي (Smart Preventive Medicine)... إنها أول نقطة تماس مع أسرار جسدك، وأول من يكتشف الإنذارات الصامتة التي لا تظهر في التحاليل التقليدية.

ربما في المستقبل القريب، لن تُعرَف عيادة الأسنان فقط بأنها «مكان إصلاح الأسنان»، بل بوصفها البوابة الحيوية لصحة الإنسان الشاملة.

لكن... هل نحن مستعدون فعلاً لمعرفة الحقيقة الكاملة عن أنفسنا؟ من زاوية، قد يكون هذا أعظم هدية علمية تُمنح للإنسان: نافذة إلى المستقبل، وفرصة لتعديل المسار قبل أن يخرج عن السيطرة.

لكن من زاوية أخرى، نحن أمام مفترق فلسفي وأخلاقي عميق:

- هل من حق الطبيب أن يكشف لك عن هذا المصير البيولوجي، حتى لو لم تطلبه؟

- هل نحمّل الإنسان العادي عبء معرفة الموت الإحصائي؟

- وهل كل من يعرف أنه على حافة الخطر... يملك القدرة النفسية على التعامل مع هذا الخطر؟

ثم، ما حدود هذه المعرفة؟ هل ستُصبح «الشيخوخة البيولوجية» بنداً في ملفك الطبي يلاحقك أكثر من الأمراض نفسها؟

إن الذكاء الاصطناعي لا يكشف فقط عن أسرار اللعاب، بل يفتح صندوق «باندورا الأخلاقي للمجتمعات الحديثة. ومع كل خطوة تقنية، تظهر حاجة» ملحّة إلى قوانين تحمي الإنسان من الإفراط في المعرفة... تماماً كما نحميه من الجهل.

قد تكون قطرة لعاب... أنقذت حياة. لأول مرة في تاريخ الطب، لم يعد الفم فقط بوابة للكلام أو الطعام... بل أصبح بوابة للنجاة. ومع بزوغ هذا الجيل الجديد من الطب التنبّؤي الذكي، قد نصل إلى لحظة يصبح فيها أبسط إجراء وقائي — كالمضمضة في عيادة الأسنان — سبباً في تغيير المصير، أو إطالة العمر، أو إنقاذ قلبٍ قبل أن يتوقّف، ودماغٍ قبل أن يتدهور.

إنها ثورة صامتة... لا تحتاج إلى ضجيج الأجهزة، ولا إلى ألم الإبر، بل فقط: * ذكاء يُنصت، ووعي يُقرّر، ومستقبل لا نضيّعه.



هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟
TT

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

يتزايد قلق الأطباء من أن أدوية إنقاص الوزن تُسهم في ظهور حالات جديدة من فقدان الشهية العصبي anorexia، وأنّ هناك نقصاً في الضمانات لحماية المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

أعراض متشابهة للدواء... وللاضطراب

يتناول عشرات الملايين من المرضى هذه الأدوية حالياً، والتي قد تُسبب أحياناً أعراضاً تُشابه أعراض فقدان الشهية العصبي: تساقط الشعر، والدوخة، ومشاكل في الجهاز الهضمي، ونقص حاد في السعرات الحرارية. وتقول الدكتورة كاثرين كيلي، طبيبة طب الأسرة والطب الرياضي في لونغ بيتش، كاليفورنيا: «إننا نتساءل في هذه الحالة: هل هذا فقدان شهية عصبي؟ هل هو اضطراب في الأكل؟ أم أنه مجرد أثر جانبي للدواء؟».

توصيات لرصد علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول أدوية كبح الشهية

وبناءً على «الحاجة المُلحة» إلى إرشادات، أصدر تحالف دولي من اختصاصيي طب السمنة وأطباء اضطرابات الأكل، وغيرهم من الخبراء، أخيراً توصيات جديدة بشأن وصف مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1 (GLP-1) ووصف اضطرابات الأكل. ومن بين اقتراحاتهم الموجهة للأطباء: فحص جميع المرضى بحثاً عن علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون، ومراقبة أي شخص يتناول هذه الأدوية بشكل دوري.

ولا يُعد أي من هذين الإجراءين ممارسةً مُعتمدةً حالياً. كما أن معظم الأطباء غير مُدرَّبين على التعرّف على علامات اضطرابات الأكل، ما قد يُحدّ من نطاق التوصيات الجديدة.

أدوية يسهل الحصول عليها من دون طبيب

وما يزيد الأمر تعقيداً أن العديد من الأشخاص يحصلون على هذه الأدوية عبر خدمات التطبيب عن بُعد، مع إشراف طبي محدود أو معدوم. وفي دراسة حديثة، وجد باحثون حاولوا شراء أدوية إنقاص الوزن من 49 موقعاً إلكترونياً أن ثلث هذه المواقع فقط اشترط التواصل المباشر مع طبيب قبل وصف الأدوية، وأن نصفها فقط سأل عن اضطرابات الأكل.

وقالت فانيسا لونغلي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «بيت» Beat البريطانية غير الربحية التي تُدير خطاً ساخناً لمساعدة الأشخاص الذين يُعانون من اضطرابات الأكل: «لقد بدأنا بوصف دواء خطير للغاية، في حين أننا لا نعرف تماماً جميع آثاره الجانبية».

حقن كبح الشهية تُسوَّق أحياناً من دون وصفة طبية

معدل اضطرابات الأكل بين متناولي أدوية كبح الشهية أكثر بـ6 مرات

لا تتوفر بيانات كافية حول مدى شيوع فقدان الشهية العصبي بين الأشخاص الذين يتناولون أدوية إنقاص الوزن. لكن دراسة حديثة تناولت استخدام هرمون GLP-1 بين أشخاص لا يعانون من أي حالة طبية ظاهرة، وجدت أن معدل اضطرابات الأكل في هذه المجموعة يزيد ستة أضعاف عن المعدل في عموم السكان. وتشير الأبحاث إلى أن الكثيرين يلجأون إلى هذه الأدوية لتحقيق مستويات خطيرة من فقدان الوزن. وإذا تُركت حالة فقدان الشهية العصبي من دون علاج، فقد تؤدي إلى هشاشة العظام، وكسور العظام، ومشاكل في القلب والأوعية الدموية، واضطرابات إدراكية. وقد تكون قاتلة أيضاً.

وحتى لو أفصح المريض عن تاريخه مع فقدان الشهية العصبي، فإن الأطباء لا يملكون إرشادات كافية حول الخطوة التالية. هل يصفون الدواء على أي حال؟ أم يمتنعون عن وصفه بسبب هذا الخطر، متخلين عن فوائده؟

«أوزمبيك» أم فقدان الشهية العصبي؟

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه بالنسبة لبعض الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لفقدان الشهية العصبي، فإن حالة نقص السعرات الحرارية - مثل اتباع حمية غذائية لأول مرة - قد تكون المحفز لاضطراب الأكل، إذ إن أدمغتهم مهيأة لاعتبار هذا النقص في السعرات الحرارية مُرضياً بشكل خاص، مما يخلق حلقة مفرغة تدفعهم إلى مزيد من تقييد تناول الطعام. كما لاحظ الباحثون أن جراحة السمنة قد تُسبب فقدان الشهية بهذه الطريقة.

وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن شيئاً مشابهاً قد يحدث لبعض المرضى الذين يتناولون أدوية GLP-1. وقالت سينثيا بوليك، المديرة المؤسسة لمركز التميز لاضطرابات الأكل بجامعة نورث كارولينا، والعضو في لجنة الخبراء التي أصدرت الإرشادات الجديدة: «إنها نقطة تحول حاسمة. فهي تُحفز لديهم الاستعداد الوراثي الكامن».

«أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية

ووصفت الدكتورة أماندا بانكس، الطبيبة في فيلادلفيا ومؤلفة كتاب عن العلاقة بين فقدان الشهية العصبي وأدوية إنقاص الوزن، هذه الأدوية بأنها «أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية. وهذا ما يجعلها علاجاً فعالاً للأشخاص الذين يعانون من السمنة. كما أنه أحد أسباب ظهور نتائج واعدة لهذه الأدوية لدى مرضى «اضطراب نهم الطعام binge eating disorder».

اضطراب فقدان الشهية العصبي يتسبب في أعراض ضارة بالجسم

تشخيص فقدان الشهية العصبي

يشخص الأطباء أحياناً فقدان الشهية العصبي من خلال أعراضه الجسدية: فقدان الوزن السريع والشديد، والجفاف، والدوار، وتساقط الشعر الناتج عن سوء التغذية. لكن هذه الأعراض قد تكون أيضاً من آثار هرمونات أدوية GLP-1، ما يجعل تشخيص اضطراب الأكل صعباً.

كما يصعب على الأطباء التمييز بين ما إذا كان المريض يحاول عمداً تقليل كمية الطعام التي يتناولها، أو ما إذا كان الدواء هو ما يدفعه إلى ذلك. ولا توجد إجابة قاطعة حول مقدار فقدان الوزن الذي يُعد مفرطاً عند تناول أدوية مصممة لمساعدة الناس على إنقاص الوزن.

وقال الدكتور آرون كيشين، اختصاصي اضطرابات الأكل في نوفا سكوتيا والمشارك في وضع الإرشادات الجديدة: «نشهد حالات لمرضى يعانون مما نسميه فقدان الوزن المرضي»، الذي قد يعني فقدان كمية غير صحية من الوزن. وأضاف: «وهم يتناولون هرمونات GLP-1».

لقد أصبح التمييز بين استخدام هرمونات GLP-1 واضطرابات الأكل غير واضح لدرجة أن بعض الباحثين يتساءلون عما إذا كان التعريف السريري لفقدان الشهية العصبي بحاجة إلى تغيير ليعكس أعراض هذا الاضطراب لدى من يتناولون هذه الأدوية.

الحاجة إلى ضوابط

وبينما تعد الإرشادات الجديدة محاولةً للحماية من مخاطر عقاقير GLP-1 التي قد تُلحق الضرر بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل، فإن تطبيق هذه التوصيات عملياً قد يُمثّل تحدياً، لا سيما مع ازدياد وصفات الأدوية عبر الإنترنت. وتقول بانكس: «إذا استطاع أيّ منا أن يقول: 'وزني 165 رطلاً (الرطل 453 غراماً)، وأعاني من داء السكري وارتفاع ضغط الدم'، ولم يكن أيٌّ من هذه الأمور صحيحاً، ولم يتحقق أحد من ذلك، ثمّ استطاع الحصول على الدواء عند باب منزله صباحاً، فهذه مشكلة».

وحتى الأطباء الذين يُقدّمون رعايةً مباشرةً للمرضى الذين يتناولون هذه الأدوية ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بالتعامل مع مخاطر اضطرابات الأكل. فأطباء الرعاية الأولية، الذين يصفون هذه الأدوية بشكلٍ متكرر، غالباً ما يكون وقتهم ضيقاً، ويتعيّن عليهم معالجة مجموعةٍ متنوّعةٍ من المشاكل الصحية.

الأطباء يفتقدون إلى الإرشادات

وتقول الدكتورة ميلاني جاي، مديرة برنامج NYU Langone الشامل للسمنة، إنّ أطباء السمنة واختصاصيي اضطرابات الأكل الذين يُمكنهم المساعدة في معالجة هذه المشاكل مع المرضى نادراً ما تتاح لهم فرص التفاعل فيما بينهم. ويفتقر أطباء السمنة إلى إرشادات كافية حول كيفية التعامل مع فقدان الشهية العصبي، أو حتى كيفية اكتشاف علاماته في المقام الأول.

وقالت لونغلي، رئيسة المنظمة البريطانية غير الربحية المعنية باضطرابات الأكل: «إن الخطر الأكبر لا يكمن في الدواء، بل في عدم تشخيص اضطراب الأكل الكامن أمامك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
TT

أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً

​قد تكشف قراءة واحدة تغيراً عابراً، ولكن ماذا تخبرنا مئات القراءات؟ بين الوعد بالوقاية والقلق من كل ارتفاع، يطرح انتشار الأجهزة القابلة للارتداء سؤالاً يتجاوز دقة المستشعر: هل تمنحنا مراقبة أجسامنا لحظة بلحظة قدرة أكبر على تجنب المرض؟ أم تدفعنا إلى مطاردة أرقام لا نعرف دائماً كيف نفسرها؟

برز هذا السؤال في جلسة «الأجهزة القابلة للارتداء ومراقبة الغلوكوز واقتصاد الوقاية» ضمن المنتدى الرقمي لملتقى الصحة العالمي؛ إذ بعد إعادة جدولة المعرض الحضوري إلى 25–28 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، أطلق المنظمون منتدى رقمياً يمتد من 26 أكتوبر 2026 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

جناح وزارة الصحة خلال ملتقى الصحة العالمي 2025 في الرياض (الشرق الأوسط)

ملتقى رقمي وحضور صحي عالمي

لا يقتصر المنتدى الرقمي على نقل جلسات المعرض إلى الإنترنت؛ إذ يضم برنامجه 30 ندوة مهنية و15 حواراً مع قيادات صحية، إلى جانب تقرير عن سوق الرعاية الصحية. وتكمن أهميته في إبقاء النقاش قائماً بين المختصين والمستثمرين وصنَّاع القرار، وإتاحة الوصول إلى موضوعات الصحة الرقمية والابتكار الطبي خارج حدود المكان وأيام المعرض. كما يعزز حضور المملكة العربية السعودية على الساحة الصحية العالمية، ويبرز طموحها إلى ترسيخ ريادتها في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الرعاية الصحية. ولكنه يظل مكمِّلاً للقاءات المباشرة، بما تتيحه من عرض للتقنيات وبناء للشراكات وجهاً لوجه.

وتأتي هذه النقاشات في سياق توسع ملتقى الصحة العالمي نفسه. ففي دورة 2025، استقطب أكثر من 130 ألف زائر، وعرضت فيه أكثر من 2200 علامة تجارية، وشارك 607 متحدثين، بينما أعلن المنظمون اتفاقات وصفقات تجاوزت قيمتها 35.5 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام اتساع الملتقى من معرض للأجهزة والخدمات إلى منصة تتقاطع فيها أسئلة الاستثمار والابتكار ومستقبل الرعاية الصحية.

من وخزة الإصبع إلى القراءة المستمرة

أصبحت أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز أداة مهمة لكثير من المصابين بالسكري. يُثبَّت مستشعر صغير تحت الجلد؛ حيث يقيس الغلوكوز في السائل الخلالي، ثم يرسل قراءاته إلى الهاتف أو جهاز الاستقبال. وعلى خلاف وخزة الإصبع التي تعطي قراءة في لحظة واحدة، ترصد هذه الأجهزة تغير مستويات الغلوكوز بمرور الوقت، فتساعد المريض على متابعة اتجاهها والتنبه إلى ارتفاعها أو انخفاضها، ومناقشة أثر الطعام والنشاط والعلاج مع الطبيب.

لكن استخدام التقنية اتسع ليتجاوز متابعة المصابين بالسكري، فأقبل عليها بعض الأصحاء سعياً إلى «تحسين الأداء» أو بلوغ صحة مثالية. وهنا يختلف السؤال: ماذا تعني هذه القراءات لمن لا يعاني السكري؟ وهل تكفي مراقبة تغيرات الغلوكوز لتغيير العادات بما يحسِّن الصحة فعلاً؟

ماذا تقول الأدلة لدى الأصحاء؟

في 26 يناير (كانون الثاني) 2026، نشرت مجلة «European Journal of Medical Research» مراجعة علمية تناولت 23 دراسة شملت 1074 شخصاً من غير المصابين بالسكري، وجمعت إحصائياً نتائج الدراسات التي استطاعت مقارنتها. وأظهر التحليل انخفاضاً في متوسط الغلوكوز لدى مستخدمي الأجهزة مقارنة بالمشاركين الذين لم يستخدموها، بينما ارتبط استخدامها بتغييرات غذائية وبالتزام أكبر بالتدخلات الصحية.

لكن النتائج اختلفت باختلاف المشاركين؛ فلم يظهر فرق ذو دلالة في مؤشر كتلة الجسم، ولم يُرصد تحسن واضح في ضبط الغلوكوز لدى الأصحاء ذوي المستويات الطبيعية، بينما بدت النتائج أكثر وعداً لدى المصابين بمقدمات السكري. وتشير المراجعة إلى أن الأجهزة قد تساعد ضمن برنامج منظم لتغيير نمط الحياة، لا بوصفها علاجاً مستقلاً. كما أن قصر مدة كثير من الدراسات، ودمج بعضها بين الجهاز والتثقيف الصحي، يصعِّبان تحديد أثر المستشعر وحده.

«إنفوغراف» يوضح آلية عمل أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز وملخص نتائج الدراسات لدى المصابين بالسكري وغير المصابين به

فائدة للمرضى لا تثبت الوقاية للجميع

وتوضح تجربة عشوائية نشرتها مجلة «New England Journal of Medicine» عام 2026، الفرق بين استخدام التقنية لمتابعة مرض قائم وبين تعميمها على الأصحاء. وشملت التجربة 283 بالغاً مصاباً بالسكري من النوع الثاني، لا يستخدمون الإنسولين. وبعد 26 أسبوعاً انخفض السكر التراكمي لدى مستخدمي أجهزة المراقبة المستمرة بمقدار إضافي بلغ 0.9 نقطة مئوية، مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، كما أمضوا وقتاً أطول ضمن النطاق المستهدف.

ورغم أن هذه نتيجة مهمة لهؤلاء المرضى؛ لكنها لا تثبت أن الجهاز يمنع السكري لدى الأصحاء؛ فالفئة والسؤال البحثي مختلفان. والجهاز يقيس الغلوكوز؛ لكنه لا يشخِّص المرض بمفرده، فالارتفاع المؤقت بعد وجبة لا يكفي لتشخيص اضطراب، كما أن التذبذب الطبيعي لا يعني أن الجسم فقد قدرته على تنظيم السكر.

وفي 3 أغسطس (آب) 2026، أشارت صفحة تثقيفية في مجلة «JAMA Internal Medicine» إلى عدم وجود أدلة جيدة تثبت أن أجهزة المراقبة تحسن الصحة أو تمنع السكري لدى الأصحاء. وحذَّرت من أن محاولة تجنب «القمم» (في القراءات) قد تدفع بعض المستخدمين إلى تقييد أطعمة مفيدة مثل الفاكهة، أو تجعل متابعة الأرقام مصدراً للقلق والتوتر.

الوقاية قرار صحي... ليست مستشعراً

لا يعني ذلك أن هذه الأجهزة بلا فائدة خارج عيادات السكري. فقد تساعد بعض الأشخاص على فهم أثر عاداتهم اليومية، إذا فُسرت بياناتهم بإشراف مختص ورُبطت بخطة واقعية. فقيمة التقنية لا تُقاس بكمية البيانات التي تجمعها؛ بل بما تضيفه إلى القرار الصحي.

وهنا يعود سؤال «اقتصاد الوقاية»: من يستفيد من البيانات؟ وكيف تُفسَّر؟ وهل تقود إلى تحسن ملموس؟ فالوقاية لا تتحقق بشراء مستشعر أو جمع قراءات أكثر؛ بل بعادات مستدامة في الغذاء والنشاط والنوم، وبالفحوص المناسبة لمن لديهم عوامل خطر. والطب الجيد لا يقيس كل ما يمكن قياسه؛ بل يختار ما يساعد المريض والطبيب على اتخاذ قرار أفضل.


طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض
TT

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

اكتشف علماء تغيراً جينياً نادراً قد يكون وراء اضطراب نمائي عصبي لم يكن معروفاً من قبل، في خطوة قد تساعد على تفسير حالات بعض الأطفال الذين يعانون صعوبات في النمو دون سبب واضح، وتفتح المجال أمام بحوث جديدة لفهم هذه الاضطرابات.

وتوصل باحثون من كلية بايلور للطب، ومستشفى تكساس للأطفال في الولايات المتحدة، إلى أن هذا التغير يصيب جيناً يُعرف باسم «بي إم بي آر 2» (BMPR2) ويسهم في تنظيم الإشارات التي تحتاج إليها الخلايا للنمو والتطور بصورة طبيعية.

تغير جيني رُصد لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة

ورصدت الدراسة المنشورة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026 التغير الجيني نفسه لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة. وعانى 5 منهم تأخراً في النمو شمل الحركة والكلام واللغة، بينما شُخِّص 4 باضطراب طيف التوحد. كما ظهرت لدى بعضهم مشكلات أخرى، مثل نوبات الصرع والقلق وفرط النشاط.

وتشير النتائج إلى أن هذا التغير قد يعطل عملية بيولوجية مهمة لنمو الدماغ، وهو ما قد يفسر جانباً من الصعوبات التي ظهرت لدى الأطفال.

وقال الباحث الرئيسي الدكتور شينيا ياماموتو، الأستاذ المشارك في كلية بايلور للطب، إن العثور على التغير الجيني نفسه لدى أطفال غير مرتبطين عائلياً كان دليلاً مهماً؛ لكن التأكد من تأثيره في نمو الدماغ تطلَّب إجراء تجارب إضافية.

إشارات نمو مفرطة النشاط

يساعد جين «بي إم بي آر2» الخلايا على إنتاج بروتين يعمل كمستقبل للإشارات الموجودة على سطحها، وينقل إليها التعليمات اللازمة لتنظيم النمو والتطور. وتُعد هذه العملية جزءاً من نظام إشارات حيوي يُعرف باسم مسار بروتينات مورفوجين العظم bone morphogenetic protein» (BMP) pathway» وله دور مهم في تطور أعضاء الجسم بما فيها الجهاز العصبي.

وكانت دراسات سابقة قد ربطت التغيرات التي تقلل نشاط هذا الجين بمرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي، الذي يؤثر في الأوعية الدموية داخل الرئتين.

لكن التغير المكتشف حديثاً يعمل بصورة معاكسة، فهو لا يقلل نشاط البروتين بل يجعله نشطاً بدرجة أكبر من الطبيعي، حتى من دون وصول الإشارة التي يفترض أن تشغِّله. ويُطلق العلماء على هذا النوع من التغيرات اسم «طفرة اكتساب الوظيفة» أي إنها تزيد نشاط البروتين بدلاً من إضعافه.

تجارب علمية

ولمعرفة كيف يؤثر هذا الخلل في الجهاز العصبي، استخدم الباحثون ذباب الفاكهة، وهو كائن يُستعمل كثيراً في الدراسات العلمية لفهم العمليات البيولوجية المرتبطة بالأمراض البشرية.

وأظهرت التجارب أن الطفرة تؤدي إلى زيادة غير طبيعية في نشاط مسار الإشارات المسؤول عن النمو، وتؤثر في تطور الجهاز العصبي. كما تسببت في زيادة عدد المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية الإشارات والمعلومات.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن التأثير لم يقتصر على الخلايا العصبية؛ بل امتد إلى الخلايا الدبقية، وهي خلايا تساعد على دعم الخلايا العصبية والحفاظ على وظائف الجهاز العصبي. وعندما فُعِّلت الطفرة في هذه الخلايا ظهرت زيادة أكبر في نشاط مسار الإشارات مصحوبة بتأثيرات شديدة في النمو.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة قد لا ترتبط بالخلايا العصبية وحدها؛ بل تشمل أنواعاً مختلفة من الخلايا التي تعمل معاً لضمان تطور الدماغ بصورة سليمة. كما وجد الباحثون أن الطفرة ظهرت تلقائياً لدى 5 أطفال على الأقل ولم تكن موروثة من أحد الوالدين، ما يدعم احتمال ارتباطها بالحالة.

بداية الطريق نحو علاجات محتملة

ولبحث إمكانية الحد من النشاط المفرط لهذا المسار، اختبر العلماء مُركَّبين تجريبيين طُوّرا في مركز اكتشاف الأدوية بكلية بايلور للطب. وأظهرت التجارب أن المُركَّبين استطاعا خفض نشاط الإشارات غير الطبيعية في أنسجة ذباب الفاكهة، ما يقدم دليلاً أولياً على إمكانية التحكم في هذه العملية البيولوجية.

وقال جونغ وان موك، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة بقسم الوراثة الجزيئية والبشرية، إن هذه النتائج تمثل نقطة بداية لدراسة إمكانية استهداف هذا المسار مستقبلاً، مع ضرورة التأكد من أن التدخل فيه يمكن أن يتم بصورة آمنة.

لكن الباحثين يؤكدون أن المُركَّبين لا يزالان في مرحلة التجارب البحثية، ولا يمثلان علاجاً متاحاً للأطفال. كما أن إثبات فائدتهما يتطلب دراسات إضافية لمعرفة مدى أمانهما وفاعليتهما لدى البشر.

جين واحد وطفرات بأمراض مختلفة

يسلط هذا الاكتشاف الضوء على أن التغيرات التي تصيب الجين نفسه قد تؤدي إلى أمراض مختلفة حسب تأثيرها في نشاط البروتين الذي ينتجه، فقد يؤدي انخفاض نشاط الجين إلى حالة مرضية، بينما تؤدي زيادة نشاطه إلى اضطراب مختلف تماماً.

وقد يساعد هذا الفهم على تحسين التشخيص الجيني للأطفال الذين يعانون تأخراً في النمو أو صعوبات عصبية لا يُعرف سببها، كما قد يوجه العلماء إلى مسارات بيولوجية يمكن دراستها لتطوير علاجات مستقبلية. ومع ذلك تظل النتائج أولية؛ إذ شملت الدراسة 6 أطفال فقط، واعتمدت التجارب التي فسرت تأثير الطفرة على ذباب الفاكهة، وليس على نموذج متكامل للدماغ البشري.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية على خلايا بشرية ونماذج حيوية أخرى، للتأكد من كيفية تأثير الطفرة في نمو الدماغ، وتحديد الخلايا الأكثر تأثراً بها، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تطوير تدخلات علاجية آمنة.

وبالنسبة إلى العائلات التي تبحث عن تفسير لصعوبات النمو لدى أطفالها، قد يشكل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تشخيص حالات جينية لم تكن معروفة سابقاً، بينما يمنح العلماء فرصة جديدة لفهم بعض أسباب الاضطرابات النمائية العصبية.