7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا

نجحت بفضل التمويل الحكومي

7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا
TT

7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا

7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا

نادراً ما يتحرك العلم في خطوط مستقيمة. و«يُطبق» العلم في بعض الأحيان لحل مشكلات محددة، مثل: دعونا نرسل الناس إلى سطح القمر؛ نحن بحاجة إلى لقاح ضد «كوفيد»، كما كتب آلان بورديك وإيميلي أنثيس*.

علوم أساسية وتمويل حكومي

في كثير من الأحيان يكون العلم «أساسياً»، ويهدف إلى فهم انقسام الخلايا وتكاثرها أو فيزياء تكوين السحب، على أمل أن تُثبت هذه المعرفة - يوماً ما وبطريقة ما - أنها مفيدة. والعلوم الأساسية هي علوم تطبيقية لم تُطبق بعد.

وتنفق الحكومة 200 مليار دولار سنوياً على مجالات البحث والتطوير، مع العلم أن المردود قد يأتي بعد عقود من الزمن؛ ومن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم بشكل حاد في ظل ميزانية الرئيس دونالد ترمب المقترحة لعام 2026.

وخير مثال على الدعم المالي الحكومي هي شركة «غوغل»، التي بدأت في عام 1994 بمنحة فيدرالية بقيمة 4 ملايين دولار للمساعدة في بناء مكتبات رقمية؛ وقد أصبحت قيمة الشركة تبلغ الآن 2 تريليون دولار.

نظم «جي بي إس»

النظام العالمي لتحديد المواقع

وفيما يلي سبعة تطورات أخرى غيّرت مجرى الحياة بفضل الاستثمارات الحكومية.

اول الاختراقات- النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS)، اذ صُنعت أول وحدة تجارية له في عام 1988، وهي عبارة عن قطعة كبيرة بحجم قطعة قرميد بقيمة 3 آلاف دولار أميركي للمتنزهين وراكبي القوارب. وقد أصبحت هذه التكنولوجيا الآن منتشرة في كل مكان - في السيارات والطائرات والهواتف والساعات الذكية التي تعمل بالتطبيقات - لدرجة أن وجودها قد يبدو أمراً محتوماً.

في واقع الأمر، كان طريقها طويلاً وغير مباشر وممهداً بأموال حكومية. البداية كانت في عام 1957: أدرك اثنان من الباحثين في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز أن بإمكانهما تحديد مكان «سبوتنيك»، القمر الصناعي الروسي الجديد الذي يدور حول الأرض، من خلال التردد المتغير لإشارته اللاسلكية أثناء تحركه.

والآن لنعكس هذا المنطق: إذا كان بإمكان جهاز استقبال ثابت على الأرض تحديد موقع قمر اصطناعي متحرك، فإن القمر الاصطناعي ذو الإحداثيات المعروفة يجب أن يكون قادراً على العثور على جهاز استقبال «مفقود» على الأرض، عندما يكون موقعه غير معروف.

تحولت هذه الفكرة، في عام 1958، إلى نظام يسمى «ترانزيت» Transit، وهو عبارة عن نظام ملاحي لتتبع الغواصات النووية، طورته جامعة جونز هوبكنز مع وزارة الدفاع. ثم جاء بعد ذلك نظام «نافستار» Navstar العالمي لتحديد المواقع، بدءاً من عام 1978، للاستخدام العسكري على نطاق أوسع؛ وفي عام 1983، تم السماح لشركات الطيران التجارية باستخدامه أيضاً.

كل هذا تطلب أقماراً اصطناعية أحدث؛ وساعات ذرية من أجل دقة أفضل؛ وصواريخ لإطلاق كل شيء إلى المدار؛ وأبحاثاً في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا ومختبر الأبحاث البحرية؛ وعقوداً حكومية لشركات مثل «روكويل إنترناشيونال» و«جنرال دايناميكس» و«بوينغ». والآن صار يُطلق عليه فقط اسم «نظام تحديد المواقع العالمي» (GPS).

«وحش جيلا»

أدوية السكري والسمنة

اليوم، يتناول ملايين الأميركيين أدوية مثل «أوزيمبيك» أو «ويغوفي» أو «مونجارو» أو أحد الأدوية الجديدة الرائجة الأخرى لعلاج مرض السكري وإنقاص الوزن، بفضل الدعم الحكومي - وبفضل سحلية بطيئة سامة يمكنها البقاء على قيد الحياة بتناول وجبات قليلة في السنة.

في عام 1980، اكتشف الدكتور جان بيير روفمان، وهو باحث يدرس سموم الحشرات والزواحف في المعاهد الوطنية للصحة، أن اسم «وحش جيلا» Gila monster له تأثير واضح على البنكرياس، إذ يدفعه إلى إفراز إنزيم هاضم. وقد أثار هذا الأمر اهتمام الدكتور جون إنغ، اختصاصي الغدد الصماء في المركز الطبي لشؤون المحاربين القدامى في برونكس بنيويورك، والذي عمل رفقة الدكتور روفمان لعزل وتحديد مركب جديد، هو مركب «إكسيندين 4» في سم السحلية. وفي عام 2005، تمت الموافقة على نسخة اصطناعية من المركب، الذي يحفز إنتاج الإنسولين ويبطئ إفراغ المعدة، لعلاج مرض السكري.

وقد كان أول دواء في فئة الأدوية المزدهرة الآن، والمعروفة باسم «ناهضات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1» GLP-1 receptor agonists، والتي تخضع للدراسة حالياً لبحث إمكانية استخدامها في علاج مجموعة واسعة من الحالات، بما في ذلك أمراض الكلى، وألزهايمر، واضطراب الإدمان الكحولي.

النقاط الكمومية

إذا كنت تقرأ هذا على الشاشة، فربما تنظر إلى المليارات من النقاط الكمومية.

والنقاط الكمومية quantum dots هي بلورات صغيرة من أشباه الموصلات، يبلغ حجمها 10 نانومترات (واحد من المليار من المتر) أو أصغر، وقد أصبحت دعامة أساسية في الإلكترونيات الاستهلاكية. ولكونها نانوية، فهي تخضع لقوانين ميكانيكا الكم الغريبة، وتمتص وتبعث الضوء بكفاءة أكبر من المواد الأخرى.

النقاط الكمومية ألوانها نابضة بالحياة، إنها مثالية لأجهزة التلفاز والهواتف الذكية وشاشات الكمبيوتر. وهي تضيء للتعرف على الخلايا السرطانية. وهي موجودة في النوافذ الشفافة التي تعمل أيضاً كألواح شمسية. وتكشف في أجهزة الاستشعار العسكرية، عن إشعاعات الميكروويف.

صُنعت النقاط الكمومية للمرة الأولى في عام 1980، ثم صُقلت وصارت قابلة للإنتاج على نطاق واسع بتمويل من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا ومعهد الجيش الأميركي للتقنيات النانوية العسكرية ووكالات أخرى. وفي عام 2023، فاز ثلاثة علماء، من بينهم كيميائي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مدعوماً بمنح من الجيش، بجائزة نوبل في الكيمياء لاكتشافهم النقاط الكمومية وتطويرها.

قاموس لغة الإشارة

عندما وصل ويليام ستوكو، أستاذ الأدب الإنجليزي، إلى كلية غالوديت في عام 1955، كانت العديد من المدارس تشترط على الطلاب الصم قراءة الشفاه والتحدث بصوت عالٍ بدلاً من استخدام لغة الإشارة، والتي كانت تُعتبر شكلاً فجاً أو أقل شأناً من أشكال التواصل. لكن بالنسبة لستوكو، الذي لم يكن أصماً، بدت لغة الإشارة التي يستخدمها طلابه ديناميكية ومعقدة.

في السنوات التالية على ذلك، استخدم ستوكو منحاً من مؤسسة العلوم الوطنية لإجراء دراسات متعمقة حول البنية اللغوية للغة الإشارة وإنشاء أول قاموس للغة الإشارة Sign Language Dictionary الأميركية، بالتعاون مع اثنين من زملائه فيما يعرف الآن بجامعة غالوديت. أرست أبحاث ستوكو الأساس للاعتراف بلغة الإشارة الأميركية كلغة كاملة.

حروف التحقق أو «الكابتشا»

هل أنت روبوت؟ ربما لا. نحن نعرف هذا - «نحن»، هو أي موقع إلكتروني تزوره ويطرح عليك هذا السؤال - بفضل تقنية أمنية تسمى «حروف التحقق: كابتشا» (CAPTCHA)، وهي لغز رقمي يستبعد الروبوتات غير البشرية التي قد تحاول تعطيل نظام الفواتير، أو قاعدة بيانات أخرى ذات قيمة.

تم اختراع «كابتشا»، والتي تعني «اختبار تورينغ العام الآلي الكامل للتفريق بين أجهزة الكمبيوتر والبشر»، في عام 2000 من قبل البشر، بما في ذلك مايكل بلوم، وهو عالم تشفير في جامعة كارنيجي ميلون، ولويس فون آهن، عالم الكمبيوتر هناك الذي دعمت أبحاثه منح مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية.

إن البشر أفضل من الحواسيب في فك تشفير الحروف والكلمات؛ حيث كانت اختبارات «كابتشا» المبكرة تعرض صورة لنص مشوه، وكان على المشاهد أن يكتبها بشكل صحيح للمتابعة. وفي عام 2007، عمل فون آهن مع صحيفة نيويورك تايمز لرقمنة قرن من المحفوظات.

جراحة العيون بالليزر

جراحة الليزك من دون شفرات

أدى خطأ مخبري إلى حدوث تقدم في جراحة الليزك، وهي عملية يخضع لها مئات الآلاف من الأميركيين كل عام لإعادة تشكيل قرنياتهم وتصحيح بصرهم.

في عام 1993، أزال ديتاو دو، وهو طالب الدراسات العليا في مركز جامعة ميشيغان للعلوم البصرية فائقة السرعة، نظارات السلامة الخاصة به لفترة وجيزة أثناء عمله مع «ليزر الفيمتو ثانية» في المختبر، فأصابت عينه نبضة طائشة من ضوء الليزر. يُصدر ليزر الفمتو ثانية نبضات قوية من الضوء تدوم لمدة جزء من كوادريليون جزء من الثانية؛ فهو يضرب مثل آلة ثقب الصخور فائقة الدقة أكثر من شفرة سكين. لم يتسبب الحادث في حدوث مشكلات كبيرة في الرؤية، لكن الدكتور رون كورتز، الذي فحص عين الطالب المتخرج، أُعجب بعمل الليزر الدقيق.

في السنوات التالية على ذلك، تعاون كورتز مع جيرار مورو وزملائه في مركز العلوم البصرية، الذي تم تمويله من قبل مؤسسة العلوم الوطنية، لتحويل الليزر إلى أداة لطب العيون. وقد أدى عملهم إلى جراحة الليزك من دون شفرة Bladeless LASIK Surgery، والتي تستخدم ليزر الفيمتو ثانية بدلاً من الشفرة لحفر عين المريض.

منفضة الغبار

خلال سنوات برنامج أبولو، لم تكن «ناسا» تريد أن يمشي الإنسان على سطح القمر فحسب، إنما أرادت أيضاً أن يعود إلى الأرض بعينات من القمر. وقد أثمر البحث عن المثقاب المثالي على القمر في نهاية المطاف إلى منتج أصبح عنصراً أساسياً في المنازل الأميركية - وساعد السكان في الحفاظ على نظافة وترتيب منازلهم.

ولجمع عينات التربة من تحت سطح القمر، احتاجت وكالة ناسا إلى تزويد رواد الفضاء بمثقاب صغير الحجم وخفيف الوزن ولاسلكي. لذلك استعانت الوكالة بشركة «بلاك آند ديكر» للمساعدة في تطوير مثقاب أبولو لسطح القمر.

وكتبت وكالة الفضاء في عدد عام 1981 من مجلة «سبينوف»، وهي مجلة متخصصة في المنتجات والابتكارات التي استفادت من أبحاث «ناسا» وتمويلها: «في سياق التطوير، استخدمت شركة بلاك آند ديكر برنامجاً حاسوبياً مطوراً خصيصاً لتحسين تصميم محرك المثقاب وضمان الحد الأدنى من استهلاك الطاقة». ومهّد عمل الشركة على المثقاب القمري الطريق لتطوير مجموعة من المنتجات الاستهلاكية اللاسلكية، بما في ذلك «داستباستر»، أو المكنسة الكهربائية المحمولة باليد التي جاءت لتقديم فئة جديدة بالكامل من منتجات التنظيف.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

علوم صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

تشهد صناعة الطاقة الشمسية تحولات متسارعة مدفوعة بالحاجة المتزايدة إلى مصادر كهرباء نظيفة ومستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ.

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر

«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

أظهرت دراسات علمية حديثة نجاح العلماء في هندسة بروتينات قادرة على الاستجابة للحقول المغناطيسية الضعيفة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
تكنولوجيا الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

دراسة علمية تكشف عن أن الرموز التعبيرية النصية قد تُربك نماذج الذكاء الاصطناعي مسببة أخطاء صامتة تؤثر على دقة الفهم والقرارات الآلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

باحثو «MIT» يطوّرون تقنية تمكّن شريحتين من توثيق بعضهما ببصمة سيليكون مشتركة دون تخزين مفاتيح خارجية لتعزيز الأمان والكفاءة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص السعودية تنتقل من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى بناء بنية تحتية سيادية واسعة النطاق تصل لغيغاواط بحلول 2030 (غيتي)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السيادة والثقة تقودان تحول الذكاء الاصطناعي في السعودية

تقول «سيسكو» إن السعودية تبني بنية تحتية سيادية للذكاء الاصطناعي بقدرات غيغاواط مع تركيز على الأمن والحوكمة وتحديث الشبكات.

نسيم رمضان (لندن)

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»


الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
TT

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)

تشهد صناعة الطاقة الشمسية تحولات متسارعة مدفوعة بالحاجة المتزايدة إلى مصادر كهرباء نظيفة ومستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ. وتُعدّ الألواح الشمسية، أو الخلايا الكهروضوئية، ركيزة أساسية في مسار التحول نحو طاقة منخفضة الكربون. ومع التوسع الكبير في نشر هذه التكنولوجيا عالمياً برزت تساؤلات متزايدة حول الأثر البيئي المرتبط بتصنيع ألواح السيليكون التقليدية من نوع «PERC».

جيل جديد من الخلايا الشمسية

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من خلايا السيليكون الشمسية يُعرف باسم «توب كون» (TOPCon)، يتميز بكفاءة أعلى وبصمة بيئية أقل مقارنة بالتقنية التقليدية. وقد صُمم هذا الجيل لتحسين الأداء في مختلف الظروف التشغيلية، وتقليل الفاقد الكهربائي، ودعم الانتشار الواسع للطاقة الشمسية دون زيادة كبيرة في التأثير البيئي.

خلايا السيليكون الشمسية لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق (جامعة سيدني)

ولحساب الأثر البيئي للتحول إلى هذه الخلايا، توصلت دراسة أجراها باحثون بجامعات «وارويك» و«نورثمبريا» و«برمنغهام» و«أكسفورد» في بريطانيا، إلى أن التحول إلى تقنية «توب كون» يمكن أن يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية العالمية بنحو 8.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035، وهو ما يعادل قرابة 14 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية السنوية الحالية، حسب النتائج التي نُشرت في عدد 16 فبراير (شباط) 2026 من دورية «Nature Communications».

وقدّمت الدراسة مقارنة شاملة لدورة حياة التصنيع لكلّ من تقنيتَي «PERC» التقليدية وخلايا «توب كون» الجديدة، بهدف تقييم ما إذا كانت التقنية الأحدث قادرة على تقليص البصمة البيئية للطاقة الشمسية بالتوازي مع زيادة انتشارها عالمياً.

وأشارت النتائج إلى أن التصنيع على نطاق «التيراواط» يتطلّب فهماً دقيقاً للأثر البيئي عبر سلسلة الإمداد، وأن إدخال تحسينات محددة في مراحل الإنتاج يمكن أن يعزّز استدامة الصناعة بشكل ملموس. وأظهرت التحليلات أن ألواح «توب كون» تسجل انخفاضاً في الأثر البيئي ضمن 15 من أصل 16 فئة تقييم مقارنة بالخلايا التقليدية، مع تقليل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنسبة 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية.

كما خلص الباحثون إلى أن الجمع بين اعتماد هذه التقنية وتحسين عمليات التصنيع قد يجنّبان العالم ما يصل إلى 25 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالإنتاج بحلول 2035، إذا ما استُخدمت هذه الألواح لاستبدال الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري.

تقنية «توب كون»

يقول الأستاذ بمركز بحوث وتطوير الفلزات في مصر، الدكتور أحمد مرتضى السمان، إن الخلايا الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق، إذ تُعد النوع الأكثر موثوقية وكفاءة في تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، رغم ظهور تقنيات أخرى مثل خلايا البيروفسكايت التي تتميز بسهولة التصنيع وكفاءة واعدة، ولكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار وطول العمر التشغيلي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تصنيع خلايا السيليكون التقليدية يظل مرتبطاً بتحديات بيئية، أبرزها استهلاك كميات كبيرة من الطاقة في عملية تحويل الرمال إلى سيليكون عالي النقاء، وغالباً ما تأتي هذه الطاقة من مصادر حرارية تقليدية، مما يؤدي إلى انبعاثات ملحوظة من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة. كما تتطلب مراحل التصنيع استخدام مواد كيميائية ومذيبات ومعادن مثل الفضة لتوصيل الكهرباء، ومع ذلك يظل الأثر البيئي لهذه الخلايا أقل بكثير مقارنة بتوليد الكهرباء من الوقود الأحفوري، خصوصاً عند دمج الطاقة المتجددة في عمليات الإنتاج.

وأوضح أن تقنية «توب كون» لا تمثل نوعاً جديداً بالكامل من الخلايا الشمسية، بل تُعد تطويراً متقدماً لخلايا السيليكون التقليدية يهدف إلى رفع كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء وتقليل الفاقد الناتج عن فقد الإلكترونات داخل الخلية، وتمثّل هذه التقنية الجيل الأحدث من خلايا السيليكون، إذ تختلف عن التصميمات التقليدية في البنية الداخلية وطريقة العمل. وبينما تعتمد الخلايا التقليدية على طبقة عازلة خلفية لتقليل فقد الإلكترونات، تستخدم خلايا «توب كون» طبقة فائقة الرقة من أكسيد السيليكون يتراوح سمكها بين 1 و2 نانومتر، تسمح بمرور الإلكترونات بكفاءة وتحدّ من فقد الشحنات غير المرغوبة، مما يحسّن أداء الخلية ويزيد إنتاجيتها لكل وحدة من ضوء الشمس، وفق السمان.

وأشار السمان إلى أن رفع كفاءة الخلايا عبر تقنية «توب كون» يحقق عدة فوائد، أبرزها تقليل عدد الألواح اللازمة لإنتاج كمية الطاقة نفسها بنحو الثلث تقريباً، مما ينعكس على خفض التكاليف. كما يُسهم في إطالة العمر التشغيلي للألواح إلى نحو 30 عاماً، وتقليل كمية السيليكون المستخدمة في تصنيع الخلايا، وبالتالي خفض تكاليف النقل والتصنيع والأثر البيئي الإجمالي.

وبيّن أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه التقنية يمكن أن تقلل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنحو 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية، نتيجة زيادة كفاءة الخلايا، وتظهر هذه الفوائد بشكل أوضح في الدول التي تعتمد على الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء، مثل الصين وعدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، لفت إلى أن التقنية لا تزال تواجه تحديات، أبرزها محدودية انتشارها الصناعي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن تبني كبرى الشركات خطوط إنتاج قائمة على تقنية «توب كون» سيسرّع انتشارها ويخفّض تكلفتها ويعزز كفاءتها. كما شدد على أهمية الاعتماد على الطاقة النظيفة في تصنيع هذه الخلايا، لتحقيق أعلى معايير الاستدامة وتقليل الأثر البيئي لصناعة الألواح الشمسية.


«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
TT

«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر

أظهرت دراسات علمية حديثة نجاح العلماء في هندسة بروتينات قادرة على الاستجابة للحقول المغناطيسية الضعيفة، وتغيير سلوكها داخل الخلايا عند تعرّضها لمجالات مغناطيسية، ونبضات راديوية دقيقة. وتُعد هذه النتائج خطوة واعدة نحو تطوير أدوات تصوير طبية أكثر دقة، وإنتاج أدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد.

وتشير الأبحاث -التي نُشرت في مجلة «Nature» في 21 يناير (كانون الثاني) 2026، وقادها باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة هارفارد ومؤسسات تقنية حيوية في الولايات المتحدة- إلى أن هذه البروتينات المصمَّمة خصيصاً تستطيع تعديل خصائصها الحيوية، مثل شدة الضوء الذي تُصدره استجابةً للمغناطيس. وقد يتيح ذلك تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بطريقة شبيهة بالتصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن باستخدام أدوات أصغر، وأقل تكلفة.

ويُمثّل هذا التقدم تحولاً في الفهم العلمي لتأثير المغناطيس على الأحياء. وكان الاعتقاد السائد لعقود أن الحقول المغناطيسية لا تؤثر تقريباً في الخلايا، وهو ما سمح باستخدامها بأمان في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. كما تشير هذه النتائج إلى إمكانية توظيف المغناطيس ليكون وسيلة نشطة للتأثير في العمليات الحيوية، وفتح آفاق جديدة للتشخيص، والعلاج الموجّه.

بروتينات مرئية بالمغناطيس

يعتمد الأطباء اليوم على أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) التي تستخدم حقولاً مغناطيسية قوية، وموجات راديوية لرؤية ما بداخل الجسم. ورغم دقة هذه التقنية، فإنها تُظهر صورة عامة للأنسجة، ولا تستطيع تتبّع جزيئات محددة، مثل البروتينات المرتبطة بمرض معيّن. ولهذا يسعى العلماء منذ سنوات إلى ابتكار طرق تمكّنهم من «رؤية» هذه البروتينات داخل الجسم الحي. وفي خطوة واعدة نحو هذا الهدف، نجح باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة -بقيادة غابرييل أبراهامز، وهاريسون ستيل من قسم العلوم الهندسية- في هندسة بروتينات فلورية (التي تشع بلون أخضر فلوري عند تعرضها لضوء أزرق اللون). تُستخدم عادة في المختبرات لإضاءة الخلايا بحيث يتغيّر سطوعها عند تعرّضها لحقول مغناطيسية ضعيفة. فعند وضع مغناطيس قريب منها تصبح هذه البروتينات أكثر خفوتاً أو سطوعاً بطريقة يمكن التنبؤ بها، ما يجعل تتبّعها ممكناً باستخدام المغناطيس.

ويعتمد هذا الابتكار على جزء بروتيني حساس للضوء يُعرف باسم LOV، وهو شائع الاستخدام في أبحاث البيولوجيا.

ومن خلال تعديل هذا الجزء وربطه ببروتينات فلورية طوّر العلماء نسخاً شديدة الحساسية للمجالات المغناطيسية أُطلق على بعضها اسم MagLOV، ويمكن لهذه البروتينات المعدّلة أن تفقد نصف شدة إضاءتها أو أكثر عند التعرّض لمجال مغناطيسي قريب.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى أعمال بحثية سابقة نُشرت عام 2024 قادها باحثون من شركة «Calico Life Sciences» في الولايات المتحدة، من بينهم أندرو يورك، وماريا إنغارامو. وقد أظهرت تلك الدراسات أن البروتينات الفلورية الشائعة -مثل البروتين الأخضر المضيء (GFP)، وبروتينات نطاق LOV - يمكن جعلها مستجيبة للمغناطيس عند تعديلها بعناية باستخدام ما يُعرف بالتطوّر الموجَّه. وفي إحدى النسخ المطوّرة تمكّن الباحثون من خفض شدة الإضاءة بنحو 75 في المائة عند التعرّض لمجالات مغناطيسية ضعيفة نسبياً.

ويرى العلماء أن هذه التقنية قد تمهّد الطريق لأدوات تصوير جديدة قادرة على تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بدقة غير مسبوقة، وربما في المستقبل تمهد لأدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد باستخدام المغناطيس، ما يفتح آفاقاً جديدة في التشخيص، والعلاج.

وسيلة تشخيص وعلاج

• تشخيص بالفيزياء الكمّية. تعود هذه الظاهرة إلى تأثيرات كمّية دقيقة داخل البروتين، حيث تتفاعل إلكترونات صغيرة عند امتصاص الطاقة. ويؤدي المجال المغناطيسي إلى تغيير طريقة تفاعل هذه الإلكترونات ما يؤثر في كمية الضوء التي يصدرها البروتين.

وفي أحدث تطوّر أظهر الباحثون أنهم يستطيعون التحكم في هذا التغيّر باستخدام نبضات ترددات راديوية شبيهة بتلك المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي. وقد مكّنهم ذلك من تحديد مواقع البروتينات الحساسة للمغناطيس بدقة أعلى حتى عندما كانت مدفونة داخل مواد صلبة.

وفي تجارب مخبرية، تمكّن العلماء من رسم خرائط لبكتيريا تحمل هذه البروتينات داخل كتل صلبة، وهو ما يشير إلى إمكانية تطبيق التقنية مستقبلاً في الكائنات الحية.

• أدوية يمكن التحكم بها عن بُعد. ولا يقتصر الأمل على التصوير فقط، بل يتعدّاه إلى تطوير علاجات يمكن تشغيلها أو تعطيلها بالمغناطيس. ففي أعمال بحثية لم تُنشر بعد أظهر العلماء أن الحقول المغناطيسية قد تُضعف أو تُعزّز قدرة الأجسام المضادة على الارتباط بأهدافها.

وقد يتيح ذلك تطوير أدوية تعمل فقط في المكان المطلوب، مثل تنشيط علاج داخل ورم سرطاني دون التأثير في الأنسجة السليمة، ما يقلل من الآثار الجانبية التي تُعد من أكبر تحديات العلاجات الحالية.

ورغم هذا التقدّم اللافت، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الاستخدام السريري. فبعض البروتينات الحالية تحتاج إلى ضوء ليزري للعمل، وهو أمر يصعب تطبيقه في أعماق الجسم. لكن الباحثين يعملون بالفعل على تطوير بروتينات تُصدر الضوء عبر تفاعلات كيميائية بدلاً من الضوء الخارجي.

ومع ذلك يرى كثيرون أن هذه الأبحاث تمثل بداية حقيقية لمجال علمي جديد، حيث لا تكتفي المغانيط بمساعدة الأطباء على رؤية الجسم، بل تصبح أداة فعّالة للتشخيص، والعلاج.