143 مليون أميركي يشربون «مواد كيميائية أبدية» من مياه الصنبور

مستوياتها تخرق المعايير الصحية رغم وقوعها ضمن الحدود القانونية

143 مليون أميركي يشربون «مواد كيميائية أبدية» من مياه الصنبور
TT

143 مليون أميركي يشربون «مواد كيميائية أبدية» من مياه الصنبور

143 مليون أميركي يشربون «مواد كيميائية أبدية» من مياه الصنبور

أصدرت «مجموعة العمل البيئي» غير الربحية للتو تحديثاً لقاعدة بيانات مياه الصنبور الخاصة بها، حيث وجدت أن ما يقرب من نصف سكان أميركا يشربون مياهاً تحتوي على ما يُعرف باسم «المواد الكيميائية الأبدية PFAS»، كما كتبت غريس سنيلينغ (*).

وتكرس «مجموعة العمل البيئي» مهمتها لمراقبة الإعانات الزراعية والمواد الكيميائية السامة وملوثات مياه الشرب. وظلت تعمل على إنشاء قاعدة بيانات مياه الصنبور منذ ما يقرب من عقدين من الزمان، مع إصدارها آخر تقرير في عام 2021.

بيانات حديثة

ولإنشاء أحدث قاعدة بيانات لها، قامت «مجموعة العمل البيئي» بمراجعة بيانات جودة المياه مما يقرب من 50 ألف مؤسسة أميركية لضخ المياه بين عامي 2021 و2023. وحددت 324 ملوثاً - مثل النترات والزرنيخ ومنتجات التطهير الثانوية - في مياه الشرب في جميع أنحاء البلاد، «بمستويات يمكن اكتشافها في جميع أنظمة المياه المجتمعية تقريباً».

مستويات تلوث تهدد المعايير الصحية

في كثير من الحالات، يشير التقرير إلى أن هذه المستويات القابلة للكشف تقل عن الحدود القانونية التي حددتها وكالة حماية البيئة، لكنها مع ذلك تتجاوز «المعايير الصحية» التي وضعها فريق العمل البيئي نفسه.

وعلى الرغم من الجهود الفيدرالية الأخيرة لتنظيم PFAS في مياه الصنبور، وجدت المجموعة أن نسبة كبيرة من الأميركيين يستهلكون مواد كيميائية أبدية على أساس يومي.

ويقول سيدني إيفانز، كبير المحللين العلميين في فريق العمل البيئي: «السبب وراء نشرنا هذه القاعدة البيانات هو أن الناس يدركون أن مياه الشرب الخاصة بهم تحتوي على ملوثات. وحتى ولو كانت ضمن الحدود القانونية تماماً، توجد الملوثات في معظم الحالات بتركيزات مرتبطة بالضرر الصحي».

مواد كيميائية أبدية في الماء

ما هي المواد الكيميائية الأبدية في مياه الصنبور؟ PFAS، أو مواد البيرفلوروألكيل والبولي فلوروألكيل perfluoroalkyl and polyfluoroalkyl substances، هي فئة من المواد الكيميائية الاصطناعية المستخدمة عادة في السلع الاستهلاكية مثل المقالي غير اللاصقة والأقمشة المقاومة للبقع.

مركبات مسرطنة

في السنوات الأخيرة، ارتبطت هذه المواد بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وتأخر النمو، وانخفاض الخصوبة، وغيرها من التأثيرات الصحية. ولجعل الأمور أسوأ، فإن هذه المواد الكيميائية مستمرة: فهي تدوم لآلاف السنين في كل مرة، ويصعب تدميرها، وهي موجودة بالفعل في دم معظم الأميركيين.

في أبريل (نيسان) الماضي، وضعت وكالة حماية البيئة أول حدود فيدرالية على الإطلاق لستة أنواع من PFAS في مياه الشرب. وكانت «الحدود هي: أقل من قطرة ماء في ألف حمام سباحة من الحجم الأولمبي. وهو ما يشير إلى سمّية المواد الكيميائية». ووضعت أمام أنظمة ضخ المياه العامة مهلة حتى عام 2027 لاستكمال مراقبة هذه المواد «الأبدية»؛ لأن إزالتها عملية شاقة من المتوقع أن تتطلب مليارات الدولارات كل عام.

انتشار متزايد في شبكات المياه

بشكل عام، ارتفع تركيز PFOS في إمدادات المياه الوطنية بمرور الوقت: إذ بينما أظهرت قاعدة بيانات مياه الصنبور لعام 2021 التابعة لمجموعة العمل البيئي وجود المواد في 28 ولاية (929 مرفقاً يخدم 28 مليون شخص)، فهي الآن موجودة في 45 ولاية (4486 مرفقاً يخدم 104 ملايين شخص). ومن المتوقع أن تزداد هذه الأرقام مع استمرار الاختبار.

وقالت تاشا ستويبر، الباحثة البارزة في «مجموعة العمل البيئي»: «كلما زاد عدد الاختبارات التي نجريها على PFAS، زاد عدد الأماكن التي نجدها فيها».

تراجع الاهتمام بالبيئة في أميركا

أصبح مصير تنظيم PFAS في مياه الصنبور غامضاً نسبياً الآن؛ نظراً لأن الكثير من المعينين حديثاً من قِبل الرئيس دونالد ترمب في وكالة حماية البيئة لديهم تاريخ في معارضة لوائح الحد من مستوياتها. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن تبدو أجندة مشروع 2025 المحافظة تبدو وكأنها تدعو إلى اتخاذ عدد أقل من اللوائح التنظيمية الكيميائية.

ويقول إيفانز: «مع الإدارة الجديدة، فإن الكثير من هذه الحماية لمياه الشرب معرضة للخطر... هناك احتمال أن يتم رفع حدود مستويات (PFAS) الفيدرالية، أو أن اللوائح يمكن أن تتراجع، وهو ما نعتقد أنه سيكون خطوة كبيرة إلى الوراء لمثل هذا الفوز الكبير الذي رأيناه لصحة البيئة على مدى السنوات القليلة الماضية».

توصيات للجمهور بمرشحات تصفية المياه

كيف يمكنني اختبار وتصفية مياهي؟ تسمح قاعدة بيانات مياه الصنبور التابعة لمجموعة العمل البيئي للمستخدمين بالبحث حسب نظام المياه المحلي لاكتشاف أي ملوثات تم الإبلاغ عنها. وسيوصي موقع المجموعة الإلكتروني بمرشح مياه مناسب بناءً على النتائج.

كما اختبرت مجموعة العمل البيئي عدداً من مرشحات المياه لاقتراح أفضل الخيارات لإزالة «المواد الأبدية»، وهي المرشحات filters التي تستخدم الكربون المنشَّط activated carbon، وراتينج التبادل الأيوني ion exchange resin، والتناضح العكسي reverse osmosis هي كلها خيارات محتملة أثبتت فاعليتها.

ويقول إيفانز، إن المسؤولية عن هذه الملوثات الأبدية يجب أن تقع على عاتق الأنظمة التي تخلقها وتنظمها، وليس على عاتق الأميركيين العاديين. ويضيف: «لا ينبغي أن تقع على عاتق الفرد مسؤولية ضمان سلامة مياه الشرب التي يشربها».

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

مصر: حادث «أكياس المياه» يكشف خطر الأخبار المضللة على «المنصات»

شمال افريقيا مجموعة من الشباب أثناء إلقاء أكياس معبأة بالمياه من شرفة منزلهم (فيديو متداول للواقعة)

مصر: حادث «أكياس المياه» يكشف خطر الأخبار المضللة على «المنصات»

تحول مشهد لمجموعة من الشباب وهم يلقون من شرفة منزلهم أكياساً معبأة بالمياه على تجمع للمُصلين بعد انتهائهم من صلاة العيد بالقاهرة لمادة متداولة على منصات التواصل

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق شجرة الشعب... قصة مشتركة من التصميم (أ.ب)

ما مستقبل شجرة «سيكامور غاب» التي جرى قطعها؟

طُلب من الجمهور في منطقة «نورثمبرلاند» البريطانية التصويت لاختيار أحد الفنانين الستة المرشحين لإبداع عمل فني من خشب شجرة «سيكامور غاب»، التي تعرضت للقطع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ناشط من منظمة «غرينبيس» يحمل لافتة على سطح شاحنة خلال احتجاج خارج قمة الطاقة النووية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في باريس (أ.ب)

ناشطان من منظمة «غرينبيس» يقتحمان منصة قمة نووية في فرنسا

اقتحم ناشطان من منظمة «غرينبيس» المنصة ​في بداية قمة نووية عالمية في فرنسا، اليوم الثلاثاء، وقاطعا الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

ما هي محاذير ومخاطر الجسيمات الميكروبلاستيكية في فرشاة الأسنان؟

تؤدي إلى الإخلال بالتوازن الميكروبي للفم وتُسبب الالتهابات وتُتلف الحمض النووي

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.