9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات

الصمود يتطلّب التغلّب على أكبر تحديات الحياة

9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات
TT

9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات

9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات

المرونة والصمود أكذوبتان، فإن كان الحديد يتمتع بالقدرة على الارتداد فإن البشر لا يتمتعون بهذه القدرة. ولذا فإن عليهم التكيّف مع واقع متغيّر. لذلك يجب على الإنسان البحث للعثور على نموذج ومثل أعلى أولاً، ثم النظر في ثماني نصائح أخرى مستقاة من أحدث بحث في العلوم العصبية.

تجربة مريرة لطبيب نفسي

من بين أمور مميّزة كثيرة صاحبت المسيرة المهنية للطبيب النفسي دينيس تشارني، الباحث لمدة طويلة في مجالات الاكتئاب، وكرب ما بعد الصدمة، وعميد كلية طب «ماونت سيناي» في نيويورك، ورئيس المركز الطبي بها؛ يصعب التعرّف إلى معرفة خمس عشرة سنة من سيرته الذاتية إطلاقاً.

في صباح يوم 29 أغسطس (آب) عام 2016، وفي أثناء وجوده في ساحة انتظار لمتجر في إحدى الضواحي التي توقف عندها لشراء خبز «بيغل» بالزبدة وقهوة مثلجة، ليتمكّن من القيادة لمدة ساعة إلى محل عمله؛ أطلق أحد الباحثين في المركز الطبي -كان قد طُرد منه منذ سبع سنوات بسبب عملية احتيال تتعلّق ببيانات الأبحاث- أطلق 15 رصاصة في صدر تشارني؛ مما أدّى إلى ثقب في إحدى رئتيه، وكسر ضلع له، وتعريض كبده للخطر، لكن دون أن يمسّ القلب أي ضرر.

أدى هذا الهجوم إلى بقاء تشارني في وحدة العناية المركزة لمدة أسبوع، ومروره بتجربة تتسم بأكبر قدر من الفردية.

الصمود: التغلّب على التحديات

وبهدف اختبار الموضوع الذي خصّص له كامل حياته المهنية، وهو كيفية استعادة المرء القدرة على العمل والعيش بعد المرور بتجربة مدمّرة ممزّقة، شرع تشارني بالاشتراك مع زميل له، في تأليف كتاب عن الموضوع، وهو كتاب «الصمود: علم التغلّب على أكبر تحديات الحياة» (Resilience: The Science of Mastering Life’s Greatest Challenges)، ثم كان عليه معايشة الأحداث بسبب مرضه.

من واقع أبحاث وتجربة تشارني وغيره، هناك توافق متزايد على ما تتطلّبه النجاة من الإهانات الكبيرة والصغيرة التي تلقي بها الحياة في طريقنا، سواء كان ذلك طفولة تضمّنت معاناة من التمييز العنصري، أو فقراً وحرماناً، أو خيانة من شخص حميم، أو حادثاً تسبّب في إعاقة، أو زلزالاً، أو موت رفيق بين ذراعيك، أو هجوماً مباشراً على حياتك.

كل تلك الإهانات قادرة على سحق النظام (الخاص بحياتك)، والضغط عليه حتى نقطة الانهيار، وتحطيم الشعور بالأمان الذي يسمح للعقل والجسد بالازدهار، وكذلك زعزعة استقرار الدوائر العصبية التي تمد الحياة اليومية بالطاقة، وهو ما يؤثر فيما نلاحظه وننتبه له، ودرجة سيطرتنا على الأفكار والمشاعر والمخاوف، وشعورنا بذواتنا، وقدرتنا على الحفاظ على الهدوء الداخلي.

قدرات الارتداد المعاكس

كل ذلك قادر على وضع الناس على طريق الاضطرابات العقلية والجسدية، ومن جهة أخرى: ربما لا. فكل ذلك أيضاً قادر على إجبارنا على إعادة رسم علاقتنا بأنفسنا وبالحياة، وجعلنا نشعر بقوة أكبر من ذي قبل.

الصمود (باللاتينية Resilience)، هي كلمة مشتقة من المقطعين اللاتينيين «ري» (re)، و«سالير» (salire)، التي تعني معاً «الارتداد»، أي البدء من جديد، واستعادة التوازن والحالة الطبيعية بعد الصدمات. إنها الرؤية السائدة لكيفية تجاوز الناس للمحن والشدائد. مع ذلك إنها تبدو أكذوبة، فالناس لا يستطيعون فعل ذلك، بل يتغيّرون بلا استثناء بفعل التجربة.

على الأقل، تنقطع الوصلات العصبية، ما يُعيد ترتيب خطوط التواصل بين مراكز التحكم في المخ. وهنا على الناس إصلاح الطرق المعدلة (الجديدة) التي عادة ما دُفعوا باتجاهها، من أجل التفكير والشعور والتصرف؛ بحيث يتمكّنون من مواصلة الحياة في الواقع الجديد لبيئتهم، وذلك بعد قبول ذلك الواقع.

ما الذي يعودون إليه إذا كانوا محظوظين؟ إنها حالة الاتزان، لكنها تكون مختلفة عن سابقتها.

القدرة على التكيّف

إن الصمود في جوهره هو القدرة على التكيّف، وتحديث أنفسنا، والتكيّف مع ظروف جديدة بعد أن هدمت تجارب مفاجئة، وغير مرغوب فيها بأوجه مختلفة، وسائل أماننا القديمة. إنها قدرة ضرورية على إنشاء الخيمة البشرية في عالم متحرك بشكل كبير، ومن غير الممكن توقعه في كثير من الأحوال.

ويقول تشارني: «لا يعني ذلك ألا يعاني الناس من أعراض أو مشكلات، لكنهم يتجاوزونها. وفي كثير من الحالات ينمون ويزدهرون».

نحن ندخل العالم بقدرة معينة على الصمود، وأعصابنا مصممة لتتكيّف، وقدرتها على الاتصال بعضها مع بعض، وقوة تلك الاتصالات تستجيب للتجربة والتدريب والممارسة على الأقل إلى درجة ما.

يتمثّل الجزء الصعب في الحفاظ على عمل الوظائف الإدراكية في مواجهة فرط الإثارة العاطفية الذي يحدث نتيجة الاضطرابات الناجمة عن المحن والشدائد. في النهاية نحن بحاجة إلى قدراتنا الإدراكية لاكتشاف كيفية اجتياز ظروف الحياة المتغيّرة والإبحار فيها، رغم أن الصدمة الناجمة عن الشدائد تميل إلى الهيمنة عليها عبر دائرة الإنذار، التي تصبح في وضع رصد للتهديد، وتزيد سرعة ما يراه الباحثون في الأشعة التي يتم إجراؤها على المخ، مثل إشارات صادرة من شبكة بروز تتسم بفرط التيقظ تهيمن على شبكة تنفيذية مركزية.

تجاوز المحن وسمات الصمود

مع ذلك فإن المشكلة الكامنة في الصمود هي أنها تبدو بشكل مريب مثل مجموعة منظمة مرتبة من السمات الروحانية التي إما أن يمتلكها المرء وإما لا. وفي أعقاب أي كارثة، من السهل أن تشعر أنك لا تمتلك تلك السمات.

استغرق الباحثون عقوداً من السنين لاكتشاف أن تجاوز الشدائد والمحن هو عملية نشطة للغاية، وأحياناً تكون فوضوية للغاية.

مع ذلك يحدث تحول كبير في التفكير؛ ففي الوقت الذي يكون فيه من الضروري معالجة الاضطراب الناجم عن المحنة حين تحدث، من الممكن التحلي بالصمود؛ بحيث يتمكّن المرء من التحكم في الاختلال والارتباك الخطير حين يحدث، وهو أمر مؤكّد بدرجة كبيرة. ويقلّل التعرض المبكر لتحدي ما فرط نشاط نظام الاستجابة للتوتر والضغط النفسي؛ بحيث تكون المعاناة من الاضطراب أقل، وكذلك إدراك الفاجعة.

لا توجد قدرة أو ملكة سحرية واحدة للصمود؛ إذ يحتاج الأمر إلى استخدام مجموعة من القدرات، والانتقال من واحدة إلى أخرى، حسب ما تستدعي الحاجة من أجل إعادة ضبط أنظمة الجسم والمخ.

وفي داخل وحدة العناية المركزة تمسّك تشارني بأنشودة بروس سبرينغستين «أقوى من البقية»، وبإلهام من عنوانها أخذ يتذكّر: «ظللت أقول لنفسي إنني سوف أكون أقوى من بقية الناس في كيفية التعافي... وصدّق أو لا تصدّق، كان تكرار ذلك لنفسي نافعاً للغاية».

استراتيجيات الصمود

مما لا شك فيه أن تجاوز المحن والشدائد صراع ونضال على المرء أن يكون عازماً على خوضه، متحلياً فيه بالإيمان بقدرته على العبور إلى الجانب الآخر. فيما يلي تسع استراتيجيات للصمود يمكن أن تساعد في عبور المرء للأزمات، حسب ما يوضح البحث.

01- > اعثر على مثل أعلى. دائماً ما تكون معرفة أن شخصاً آخر قد مرّ بالتحدي نفسه الذي مررت به أمراً يبعث على الطمأنينة؛ حيث يهدّئ ذلك من وطأة الشعور بالاغتراب الذي تثيره المصاعب. وما يفيد أكثر هو معرفة أن هؤلاء الأشخاص قد اجتازوا المحنة، وكذا معرفة كيفية قيامهم بذلك.

سواء كان هؤلاء الناس بشراً من لحم ودم، أو أشخاصاً في سير حياة، أو شخصيات خيالية، تقدّم النماذج دليلاً ملموساً على إمكانية اجتياز المحن والفواجع، وكذا الإلهام لفعل ذلك.

من الحقائق البديهية المقررة للنفسية البشرية أنه نادراً ما نحاول فعل ما لا نؤمن بقدرتنا على فعله. لذا فإن النماذج والمثل العليا مهمة للغاية؛ لأنها تقدّم إلينا خريطة طريق توضح كيفية اجتياز ما نواجهه، على حد قول تشارني.

02-> اطلب وامنح: الدعم الاجتماعي. نظراً إلى أن النظام البشري قائم على الاتصال الاجتماعي، يتدهور الأفراد عقلياً ونفسياً في غيابه. ويقرّ أي دليل جزئي يتضمّن الوسائل التي يعزّز بها الاتصال الاجتماعي الإيجابي السلامة والصحة، بأنه واحد من أقوى المحركات الإنسانية؛ حيث يدعم تقدير الذات، ويعزّز المناعة، ويخفّض ضغط الدم، ويساعد القلب.

واجه محنتك

03-> واجه محنتك. يُعد الهروب من المواجهة سمة مميزة لاضطرابات القلق. وللأسف يمنع تفادي مواقف متصلة بتجربة محزنة ومفجعة التعافي، ويحول دون حدوثه. إنه شكل من أشكال الهزيمة، فالخوف من المخاطر الذي تنتج إشاراته من اللوزة الدماغية المثيرة للمخاوف، يتحكّم فيما تفعله، بل خصوصاً فيما لا تفعله.

تضخم صور وأشكال التفادي حالة الخوف، وتشوّش الدماغ، وتمنعه من تعلم التمييز بين التهديد والخطر الماضي السابق، والخطر الحاضر الحالي. ومع عدم الاتصال بالفص الأمامي للدماغ بفعل المستويات المرتفعة من «النورابينفرين»، تضعف القدرة على تقييم المواقف بشكل عقلاني، والتوصل إلى طريقة للتكيّف، والمضي قدماً.

04-> قم بأمور صعبة. التعرّض المتعمد لمواقف تتضمّن تحدياً كبيراً في الطفولة، وربما إلى حد ما في مرحلة البلوغ؛ يكون تقبلاً نفسياً وبدنياً للضغوط والتوترات.

ويغيّر التعرّض لظروف صعبة بدرجة معتدلة، حسب ما توضح الدراسات، المحور تحت المهادي النخامي الكظري؛ مما يكبح رد الفعل اللاحق للمحور، ويقلّل الهرمونات التي تضع النظام في وضع الخطر، ومدة تأثيرها. إنه يخفّف من إدراك المرء أنه في حالة انهزام وحزن.

05-> خفّف قبضتك على نفسك. القوة ورباطة الجأش إحدى الطرق المؤدية إلى الصمود، لكنّ هناك طريقاً آخر، وهو ما يطلق عليه اختصاصي العلوم العصبية في جامعة «ويسكونسن»، ريتشارد ديفيدسون، «المسار الهادئ» (quiet path). فعوضاً عن كبح مشاعر الحزن، يتم بناء مهارات السلامة النفسية، ومصادقة الذات من خلال «استراتيجيات التصادق». وبعد ذلك حين تحدث فاجعة أو محنة، وهو أمر مؤكد، فستكون عملية التعافي سريعة. هذا مهم، كما يوضح ديفيدسون؛ لأن سرعة التعافي تحمي من ترسخ القلق وحالة الاختلال العصبي.

الوعي العميق والبحث عن معنى

06-> الوعي العميق. العماد الأول لديفيدسون هو القدرة على تركيز الانتباه نحو مقاومة التشتيت. ويتضمّن أيضاً ما وراء الوعي، ومعرفة ما تتطلّع إليه أذهاننا.

يبدأ الأمر بقبول ما هو حاضر، وتعميق الوعي به، وهو ما يزيد من شدة الشعور بالألم لفترة زمنية، ثم يسرّع عملية التعافي بعد ذلك. يصف ديفيدسون التبصر بوصفه معرفة للذات يقودها حب الاطلاع: «إنها الكيان الذي صنعناه ونطلق عليه (نفسي) أو (أنا)، ويحرر ذلك الناس من الحديث السلبي للذات، الذي يسبّب لكثيرين الشعور بالهزيمة والاكتئاب».

07-> ابحث عن معنى. كتب فيكتور فرنكل في «بحث الإنسان عن معنى»: «من بعض الأوجه تنتهي المعاناة في اللحظة التي نعثر فيها على معنى. ليست الظروف هي التي تجعل الحياة غير محتملة، بل انعدام الشعور بغاية أو هدف، حيث يبني الشعور بغاية، والالتزام بالقيم التي تدعمها، هيكل شيء إيجابي. ويصبح دليلاً على أن جزءاً منك لم يتدمر بفعل المحنة أو الفاجعة».

إن الغاية هي ما تدفع الناس نحو الأمام، فهي قوة تحفيزية تعمل حتى عند مواجهة المصاعب، بل ربما بشكل خاص عند مواجهة تلك المصاعب. وعلى الرغم من أنها مصنّفة بشكل أدنى ضمن مجال الروحانيات فإن لديها آثاراً حيوية على الجسم.

08-> اعكس وضع عقلك. في جوهر وقلب التكيّف، توجد الجاهزية والاستعداد التي يمكن للمرء بها التنقل بانتقائية بين العمليات العقلية الذهنية من أجل توليد استجابات سلوكية تلبي متطلبات موقف ما وتتناسب معه. تتولّى شبكة التحكم التنفيذية عملية فهم أي موقف، وتقييم ما هو ضروري، واختيار الاستراتيجيات النافعة وتطبيقها، وهو أمر ضروري لإنجاز الكثير من المهام؛ لكن الأهم من ذلك قدرته على تعديل مخرج اللوزة الدماغية، المسؤولة عن إطلاق الإنذار بوجود مخاطر وتهديدات، والمشاعر السلبية التي تطلق تلك اللوزة عنانها.

«بصمة الصمود الميكروبية»

09->حافظ على توازن الكائنات الدقيقة المتعايشة داخل جسمك. يتم النظر إلى الصمود بوجه عام بوصفه ظاهرة نفسية، ويستهدف أكثر المناهج والطرق نحو الصمود، العقل.

مع ذلك أوضحت أبحاث جديدة بطريقة مقنعة أن الصمود ظاهرة تشمل الجسم كله، وتحدث واحدة من أكثر العمليات نشاطاً داخل الأمعاء. ومن أجل الوصول إلى دماغ صامد، فإنك بحاجة إلى تأمين كائنات دقيقة صامدة متعايشة داخل جسمك؛ حيث تطلق تلك الكائنات الموجودة داخل الأمعاء «microbiome» مجموعة من المواد الكيميائية الحيوية التي تعمل من خلال المحور الأمعاء - الدماغ gut - brain axis، وتشكّل الدوائر العصبية الكهربائية للمخ، وتحدد كيفية عملها وأدائها للوظائف.

وقد اكتشف باحثون في جامعة «كاليفورنيا لوس أنجليس» أخيراً أن مجموعة محددة من البكتيريا، تُسمّى «بصمة الصمود الميكروبية» (microbial signature of resilience)، تمكّن المركز التنفيذي داخل الدماغ، والموجود في القشرة الأمامية للدماغ، من كبح جماح المراكز العاطفية النشطة بشكل مفرط التي تعمل بصورة سريعة. وتقول الطبيبة النفسية، المديرة المشاركة لمركز الكائنات الدقيقة المتعايشة داخل جسم الإنسان في جامعة «كاليفورنيا لوس أنجليس»، أربانا غوبتا: «لا توجد منطقة وحيدة داخل المخ تعمل بشكل منعزل ومنفصل».

* مجلة «سايكولوجي توداي»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»



«تشات جي بي تي هيلث» يدخل ميدان الصحة الرقمية

يقدم «تشات جي بي تي هيلث» نصائح غذائية مخصصة لكل مستخدم
يقدم «تشات جي بي تي هيلث» نصائح غذائية مخصصة لكل مستخدم
TT

«تشات جي بي تي هيلث» يدخل ميدان الصحة الرقمية

يقدم «تشات جي بي تي هيلث» نصائح غذائية مخصصة لكل مستخدم
يقدم «تشات جي بي تي هيلث» نصائح غذائية مخصصة لكل مستخدم

أطلقت شركة «أوبن إيه آي» منتج «تشات جي بي تي هيلث» ChatGPT Health، الذي يتيح للمستخدمين ربط سجلاتهم الطبية، وتطبيقات الصحة والعافية، بروبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي، بهدف الحصول على إرشادات صحية مُخصصة.

من سجلات المريض إلى النصائح الطبية

تُتيح هذه الميزة، التي كُشف عنها يوم أمس الأربعاء، مساحةً مُنفصلةً داخل «تشات جي بي تي» للاستفسارات والمناقشات الصحية، حيث يُمكن للمستخدمين جمع البيانات من تطبيقاتهم الصحية المتصلة، مثل تطبيقات اللياقة البدنية، بالإضافة إلى تخزين ملفاتهم الصحية.

ويُمكن للمستخدمين، وفقاً للشركة، الاتصال بسجلاتهم الطبية الإلكترونية من خلال شراكة مع B.well Connected Health.

ربط «جي بي تي» بالتطبيقات الصحية الشخصية

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمستخدمين ربط تطبيق «تشات جي بي تي هيلث» بتطبيقات الصحة والعافية، بما في ذلك «أبل هيلث» Apple Health و«ماي فيتنس بال»، وغيرها.

وتقول الشركة إن أكثر من 230 مليون شخص حول العالم يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

سنتان من التطوير الطبي

وتضيف الشركة أنها طورت «تشات جي بي تي هيلث» على مدار عامين بالتعاون مع أكثر من 260 طبيباً يمارسون المهنة في 60 دولة، حيث جمعوا أكثر من 600 ألف تعليق على مخرجات النموذج.

ويستمد المنتج الجديد ذكاءه من نموذج صحي متخصص. وبالتعاون مع الأطباء، أنشأت الشركة أيضاً أداة تقييم تُسمى Health Bench، والتي تستخدمها لاختبار النموذج الصحي.

حماية الخصوصية الطبية

وتؤكد الشركة أن البيانات في «تشات جي بي تي هيلث» محمية باستخدام تشفير مصمم خصيصاً لهذا الغرض، وأن المحادثات الصحية في مجال الصحة لا تُستخدم لتدريب نماذج. غير أن دعاة الخصوصية ما زالوا قلقين بشأن مخاطر مشاركة البيانات الصحية الشخصية ضمن بيئة روبوت محادثة.

مخاوف مشروعة

ويقول أندرو كروفورد، كبير المستشارين في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا بواشنطن العاصمة، في بيان: «على الرغم من تأكيد (أوبن إيه آي) على عدم استخدامها للمعلومات المُشاركة مع «تشات جي بي تي هيلث» في محادثات أخرى، فإن شركات الذكاء الاصطناعي تُركز بشدة على التخصيص كقيمة مضافة. ولذلك يصبح من الضروري الفصل التام بين هذا النوع من البيانات الصحية والذكريات التي يلتقطها (تشات جي بي تي) من المحادثات الأخرى للمستخدمين».

مواعيد الأطباء وقراءة نتائج الفحوصات

وتُشير «أوبن إيه آي» إلى أن مُستهلكي الخدمات الصحية يُمكنهم استخدام «تشات جي بي تي هيلث» للاستعداد لمواعيد الأطباء، وفهم نتائج الفحوصات السريرية، والحصول على نصائح غذائية ورياضية، وتقييم خيارات التأمين بناءً على أنماط رعايتهم الصحية.

وتجدر الإشارة إلى أن «تشات جي بي تي هيلث» غير مُعتمد من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، لذا يجب عدم الخلط بينه وبين التشخيص والعلاج الطبي الحقيقي.

قائمة تسجيل للاشتراك

في الوقت الحالي، تتوفر هذه الميزة الجديدة فقط لمجموعة صغيرة من مُشتركي «تشات جي بي تي» والمستخدمين المجانيين. وتخطط الشركة لتوسيع نطاق الوصول وإتاحة مساحة الصحة لجميع المُستخدمين على الويب ونظام iOS خلال الأسابيع المقبلة. ويمكن التسجيل في قائمة الانتظار لطلب الوصول.

وبشكل عام، يُمثل طرح «تشات جي بي تي هيلث» فتح جبهة أخرى في حرب منصات «أوبن إيه آي» المتنامية مع شركات التكنولوجيا التقليدية مثل «أبل» و«غوغل» و«ميتا».

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

أكثر من 260 طبيبًا ممارسين في 60 دولة

ساهموا مع خبراء "اوبن ايه آي" في تطوير "تشات جي بي تي هيلث"  على مدار عامين


الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم
TT

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

تتجه حكومات عدة إلى نشر برامج الدردشة الآلية في المدارس. ويُحذِّر بعض الخبراء من أن هذه الأدوات قد تُضعف عملية التعليم والتعلم.

الذكاء الاصطناعي في التعليم

في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستُزوِّد ​​أكثر من مائتي ألف طالب ومعلم في الإمارات العربية المتحدة بأدوات وتدريبات في مجال الذكاء الاصطناعي.

وبعد أيام، أعلنت شركة خدمات مالية في كازاخستان عن اتفاقية مع «أوبن إيه آي» لتوفير خدمة «تشات جي بي تي التعليمية» (ChatGPT Edu)، الخدمة المُخصصة للمدارس والجامعات، لـ165 ألف مُعلِّم في كازاخستان.

وفي الشهر الماضي، أعلنت «إكس إيه آي» (xAI) شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك، عن مشروع أكبر مع السلفادور لتطوير نظام تعليمي قائم على الذكاء الاصطناعي، باستخدام برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للشركة، لأكثر من مليون طالب في آلاف المدارس هناك.

وبدعم جزئي من شركات التكنولوجيا الأميركية، تتسابق الحكومات حول العالم لنشر الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ من حيث الأنظمة والتدريب في المدارس والجامعات.

قدرات تعليمية متميزة

يقول بعض رواد التكنولوجيا في الولايات المتحدة، إن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي -القادرة على إنشاء رسائل بريد إلكتروني شبيهة بالرسائل البشرية، وإعداد اختبارات صفَّية، وتحليل البيانات، وكتابة رموز برمجية- يمكن أن تُشكل إضافة قيِّمة للتعلُّم. ويجادلون بأن هذه الأدوات تُوفر وقت المعلمين، وتُخصِّص تجربة التعلم للطلاب، وتُساعد في إعداد الشباب لاقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي.

مخاطر على تنمية الشباب

لكن بعض منظمات الأطفال والصحة تُحذِّر من أن الانتشار السريع لمنتجات الذكاء الاصطناعي الجديدة قد يُشكل مخاطر على تنمية الشباب ورفاهيتهم:

- إضعاف التفكير النقدي: فقد وجدت دراسة حديثة أجرتها «مايكروسوفت» وجامعة «كارنيغي ميلون» أن روبوتات الدردشة الشائعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تُضعف التفكير النقدي؛ إذ يُمكن لهذه الروبوتات أن تُنتج أخطاءً ومعلومات مُضللة تبدو وكأنها موثوقة.

- انتشار الغش: كما يُواجه بعض المعلمين مشكلة انتشار الغش الطلابي بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

كومبيوترات المدارس لم تحسِّن المهارات المعرفية

لطالما سعى خبراء وادي السيليكون سنوات إلى إدخال أدوات تكنولوجية -مثل أجهزة الكومبيوتر المحمولة وتطبيقات التعلم- إلى الفصول الدراسية، واعدين بتحسين فرص الحصول على التعليم وإحداث ثورة في عملية التعلُّم.

ومع ذلك، لم تُسفر الجهود العالمية لتوسيع نطاق استخدام أجهزة الكومبيوتر في المدارس -وهو برنامج يُعرف باسم «حاسوب محمول لكل طفل»- عن تحسين المهارات المعرفية للطلاب أو تحصيلهم الدراسي، وفقاً لدراسات أجراها أساتذة وخبراء اقتصاديون في مئات المدارس في بيرو.

تراجع مهارات الطلاب

والآن، بينما يُقدِّم بعض مُروِّجي التكنولوجيا حججاً مماثلة بشأن إتاحة استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم، تُطالب منظمات حقوق الطفل -مثل «اليونيسف»-بتوخي الحذر، وتُطالب بتوفير مزيد من الإرشادات للمدارس.

وكتب ستيفن فوسلو، اختصاصي السياسات الرقمية في «اليونيسف»، في منشور حديث: «مع برنامج (حاسوب محمول لكل طفل)، شملت التداعيات السلبية هدراً للموارد وضعفاً في نتائج التعلُّم. وقد يُؤدي الاستخدام غير المُوجَّه لأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تراجع مهارات الطلاب والمعلمين».

تجارب تعليمية أميركية

وتتعاون الأنظمة التعليمية في جميع أنحاء العالم بشكل متزايد مع شركات التكنولوجيا لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي وبرامج التدريب.

وفي الولايات المتحدة؛ حيث تُقرر الولايات والمناطق التعليمية عادة ما يتم تدريسه، أدخلت بعض الأنظمة المدرسية البارزة أخيراً روبوتات محادثة شائعة الاستخدام لأغراض التعليم والتعلُّم. في ولاية فلوريدا وحدها، أطلقت مدارس مقاطعة ميامي-ديد العامة، ثالث أكبر نظام تعليمي في الولايات المتحدة، برنامج الدردشة الآلي «جيميناي» من «غوغل» لأكثر من مائة ألف طالب في المرحلة الثانوية. كما قدمت مدارس مقاطعة بروارد العامة، سادس أكبر منطقة تعليمية في البلاد، برنامج الدردشة الآلي «كوبايلوت» من «مايكروسوفت» لآلاف المعلمين والموظفين.

تجارب عالمية

خارج الولايات المتحدة، أعلنت «مايكروسوفت» في يونيو (حزيران) عن شراكة مع وزارة التعليم في تايلاند لتوفير دروس مجانية عبر الإنترنت في مهارات الذكاء الاصطناعي لمئات الآلاف من الطلاب. وبعد أشهر عدة، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستوفر أيضاً تدريباً في مجال الذكاء الاصطناعي لـ150 ألف معلم في تايلاند. وتعهدت منظمة «أوبن إيه آي» بإتاحة برنامج «تشات جي بي تي» للمعلمين في المدارس الحكومية في جميع أنحاء الهند.

مبادرة استونيا- نهج مختلف

وتتبنى استونيا (إحدى دول البلطيق) نهجاً مختلفاً، من خلال مبادرة وطنية جديدة واسعة النطاق في مجال تعليم الذكاء الاصطناعي، تُسمى «قفزة الذكاء الاصطناعي». وجاء إطلاق البرنامج جزئياً استجابة لاستطلاع رأي أُجري حديثاً، أظهر أن أكثر من 90 في المائة من طلاب المدارس الثانوية في استونيا يستخدمون بالفعل برامج الدردشة الآلية الشائعة مثل «تشات جي بي تي» لأداء واجباتهم المدرسية، ما أثار مخاوف من أن بعض الطلاب بدؤوا في تفويض مهامهم الدراسية إلى الذكاء الاصطناعي.

- الإجابة عن الاستفسارات بدلاً من الإجابات المباشرة: ضغطت استونيا على عمالقة التكنولوجيا الأميركية لتكييف تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم مع الاحتياجات والأولويات التعليمية المحلية. وقد تعاون باحثون من جامعة «تارتو» مع شركة «أوبن إيه آي» لتعديل خدمة الشركة باللغة الاستونية المخصصة للمدارس، بحيث تجيب على استفسارات الطلاب بأسئلة بدلاً من تقديم إجابات مباشرة.

- التثقيف بالمزايا والمخاطر: يهدف برنامج «قفزة الذكاء الاصطناعي» الذي طُبِّق هذا العام الدراسي إلى تثقيف المعلمين والطلاب حول استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي، وحدودها وتحيزاتها ومخاطرها. وفي مرحلته التجريبية، تلقى المعلمون في استونيا تدريباً على برنامجَي الدردشة الآليين «تشات جي بي تي» و«جيميناي».

تطوير الذكاء الاصطناعي للتناغم مع النُّظم التعليمية

وقال إيفو فيساك، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «ليب»، وهي مؤسسة استونية غير ربحية تُساعد في إدارة برنامج التعليم الوطني: «إنها معرفة أساسية بالذكاء الاصطناعي... يكمن جوهر الأمر في الفهم الواضح أن هذه الأدوات قد تكون مفيدة، ولكنها في الوقت نفسه قد تُسبب كثيراً من الضرر».

كما نظَّمت استونيا أخيراً يوماً تدريبياً وطنياً لطلاب بعض المدارس الثانوية. وأوضح فيساك أن بعض هؤلاء الطلاب يستخدمون الآن برامج الدردشة الآلية في مهام مثل توليد الأسئلة لمساعدتهم في الاستعداد للاختبارات المدرسية. وأضاف: «لو ركَّزت هذه الشركات جهودها؛ ليس فقط على الترويج لمنتجات الذكاء الاصطناعي؛ بل أيضاً على تطوير هذه المنتجات بالتعاون مع الأنظمة التعليمية حول العالم، لأصبحت بعض هذه المنتجات مفيدة للغاية».

مشروع آيسلندا التجريبي

في هذا العام الدراسي، بدأت آيسلندا مشروعها التجريبي الوطني للذكاء الاصطناعي في المدارس. ويُجري الآن مئات المعلمين في أنحاء البلاد تجارب على برنامج الدردشة الآلي «جيميناي»، أو «كلود» من «أنثروبيك» في مهام مثل تخطيط الدروس، بهدف اكتشاف استخدامات مفيدة وتحديد أوجه القصور.

- باحثون جامعيون يدققون في تجارب الذكاء الاصطناعي: سيقوم باحثون في جامعة آيسلندا بدراسة كيفية استخدام المعلمين لبرامج الدردشة الآلية. ولن يستخدم الطلاب برامج الدردشة الآلية في الوقت الحالي، جزئياً، بسبب مخاوفهم من أن الاعتماد عليها في الفصول الدراسية قد يُضعف عناصر مهمة من عملية التعليم والتعلم.

وسيقوم باحثون في جامعة آيسلندا بدراسة كيفية استخدام المعلمين لبرامج الدردشة الآلية. وقالت ثورديس سيغورداردوتير، مديرة مديرية التعليم والخدمات المدرسية في آيسلندا: «إذا قلَّ استخدامك لقدراتك العقلية أو تفكيرك النقدي -أو أي شيء يجعلنا أكثر إنسانية- فهذا بالتأكيد ليس ما نريده».

- تجارب المعلمين: تقول تينا أرناردوتير وفريدا جيلفادوتير (وهما معلمتان مشاركتان في البرنامج التجريبي بمدرسة ثانوية خارج ريكيافيك) إن أدوات الذكاء الاصطناعي ساعدتهما على إنشاء دروس تفاعلية بسرعة أكبر.

استخدمت السيدة أرناردوتير -وهي معلمة إدارة أعمال وريادة أعمال- برنامج «كلود» لإنشاء لعبة استكشاف مهني لمساعدة طلابها على تحديد ما إذا كانوا أكثر ملاءمة لوظائف المبيعات أو التسويق أو الإدارة.

من جهتها قالت جيلفادوتير -وهي معلمة لغة إنجليزية- إنها حمَّلت بعض قوائم المفردات، ثم استخدمت برنامج الدردشة الآلية للمساعدة في إنشاء تمارين لطلابها.

وأضافت جيلفادوتير: «لدي ألعاب كلمات تتضمن ملء الفراغات، وألعاب مطابقة الكلمات، وألعاب تحدي السرعة. لذلك أشعر أنهم أكثر استعداداً قبل خوضهم الامتحان».

- مشكلة الثقة العمياء بالذكاء الاصطناعي: أضافت جيلفادوتير أنها قلقة من أن تُنتج برامج الدردشة الآلية معلومات مضللة، لذا قامت بفحص الألعاب والدروس المُصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقتها، قبل أن تطلب من طلابها تجربتها.

وقالت جيلفادوتير وأرناردوتير إنهما قلقتان أيضاً من أن بعض الطلاب قد أصبحوا يعتمدون بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي خارج المدرسة، أو يثقون بها ثقة عمياء.

وأكدتا أن هذا الأمر زاد من تصميم المعلمات الآيسلنديات على مساعدة الطلاب في تعلم التقييم النقدي لبرامج الدردشة الآلية واستخدامها.

وقالت السيدة أرناردوتير: «إنهم يثقون بالذكاء الاصطناعي ثقة عمياء. ربما يفقدون الحافز لبذل الجهد في التعلم، ولكن علينا أن نعلمهم كيف يتعلمون باستخدام الذكاء الاصطناعي».

ولا يزال المعلمون يفتقرون إلى الدراسات الدقيقة التي تُوجه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس. وقد بدأ الباحثون للتو في تتبع الآثار طويلة المدى لبرامج الدردشة الآلية على المراهقين وطلاب المدارس.

افتقار المعلمين الى الدراسات حول الذكاء الاصطناعي

يفتقر المعلمون حالياً إلى دراسات دقيقة كافية لتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس. وقال درو بنت، مسؤول التعليم في شركة «أنثروبيك»: «تجرب مؤسسات كثيرة الذكاء الاصطناعي. لقد وصلنا الآن إلى مرحلة نحتاج فيها إلى التأكد من أن هذه الأمور مدعومة بنتائج ملموسة، وأن نحدد ما ينجح وما لا ينجح».

* ساهمت كيت كونغر في إعداد هذا التقرير، خدمة «نيويورك تايمز».


كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
TT

كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات

في كل صباح، ينتابنا ضحكٌ خفيف أو ابتسامة خجولة تخرج من أعماق الجسد، قبل أن يستحضر العقل سببها. ربما كان قصة طريفة مرَّت في الذهن، أو مشهداً عابراً على شاشة الهاتف، أو تفاعلاً اجتماعياً بسيطاً مع إنسان آخر. ولكن هذا السلوك البسيط ظلَّ طويلاً في هامش الطب، بوصفه انفعالاً اجتماعياً لا مكان له في غرف التشخيص المزدحمة بالأرقام والفحوص.

غير أن العلم الحديث -وخصوصاً خلال العقد الأخير- بدأ يعيد النظر في هذه النظرة. فالضحك لم يعد يُفهم اليوم بوصفه صوتاً عابراً أو حركة تلقائية للوجه؛ بل استجابة فسيولوجية معقَّدة تُحدِث تغيُّرات داخل الجسد قبل أن يعيها العقل الواعي.

الضحك استجابة بيولوجية تلقائية تسبق التفكير الواعي

الضحك ليس مزحة... بل فسيولوجيا دقيقة

عندما يضحك الإنسان ضحكة صادقة، يدخل الجسد في حالة بيولوجية متكاملة تشبه إعادة ضبط داخلية لأنظمة متداخلة. ففي تلك اللحظات، ينخفض مستوى هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول (Cortisol) المرتبط بالإجهاد المزمن واضطراب المناعة. وفي المقابل، يزداد إفراز الإندورفينات (Endorphins)، وهي مواد طبيعية يفرزها الدماغ تعمل كمسكنات ألم داخلية، وتمنح إحساساً بالارتياح وتحسِّن المزاج.

ويشبِّه بعض الباحثين الضحك بتمرين بدني خفيف، ولكنه تمرين يحدث من الداخل؛ إذ يحسِّن الضحك العميق تدفُّق الهواء الغني بالأكسجين إلى الرئتين والدماغ، ويحفِّز القلب والعضلات دون إجهاد، كما يساعد على إرخاء العضلات بعد انقباضها، في دورة شدٍّ واسترخاء طبيعية تعيد للجسد توازنه الفيزيولوجي.

ماذا يحدث في جهاز المناعة عندما نضحك؟

لا يقتصر أثر الضحك على الجهاز العصبي؛ بل يمتد إلى جهاز المناعة نفسه، فحسب مراجعات علمية صادرة عن «مايو كلينك»، يسهم الضحك الصادق في تعزيز تدفُّق بعض الأجسام المضادَّة (Antibodies)، وتحسين أداء الخلايا الدفاعية، ولا سيما الخلايا القاتلة الطبيعية، كما يساعد على خفض مستويات الالتهاب المزمن المرتبط بكثير من الأمراض.

وتتأكد هذه النتائج عبر بحوث تطبيقية حديثة، فقد نشرت «المجلة الطبية البريطانية» (BMJ) في أغسطس (آب) 2024 دراسة سريرية، أظهرت أن تمارين الضحك العلاجية أسهمت في تخفيف أعراض جفاف العين الوظيفي، وحققت نتائج قريبة من بعض التدخلات العلاجية التقليدية. وقد نقلت هذه الدراسة الضحك من إطار الرفاهية النفسية إلى مجال البحث السريري التطبيقي، مؤكدة أنه قد يشكِّل مؤشراً بيولوجياً مساعداً لفهم صحة الإنسان بوصفه كُلّاً متكاملاً.

الضحك والدماغ: رسالة تسبق التفكير

الضحك ليس دائماً قراراً واعياً يتخذه العقل؛ بل كثيراً ما يكون استجابة عصبية تسبق الإدراك الواعي. فقبل أن يُحلِّل الدماغ سبب الطرافة، تكون شبكات عصبية عميقة قد بدأت بالفعل بإطلاق «استجابة الضحك»، وكأن الجسد يلتقط الإشارة قبل أن يصوغها العقل في كلمات.

داخل الدماغ، تتفاعل عدة مناطق في آنٍ واحد: مناطق ترتبط بالعاطفة والشعور بالمكافأة، وأخرى مسؤولة عن الحركة والتواصل الاجتماعي. ولهذا لم يعد الضحك في نظر علوم الأعصاب مجرد إحساس لطيف؛ بل أصبح سلوكاً دالّاً يمكن أن يعكس المزاج العام، ودرجة الارتياح النفسي، وقدرة الدماغ على التكيف مع الضغوط.

الدماغ بين الضحك والخوارزمية: تفاعل العاطفة مع الذكاء الاصطناعي

حين يفهم الذكاء الاصطناعي الضحكة

في السنوات الأخيرة، بدأ الذكاء الاصطناعي يتعامل مع الضحك بوصفه بيانات سلوكية قابلة للتحليل. فباستخدام تقنيات التعلُّم العميق، باتت الخوارزميات قادرة على تحليل مكوِّنات الضحك الصوتية والبصرية، وربطها بأنماط نفسية وعصبية معقَّدة.

وفي دراسة بحثية نُشرت على منصة «أركايف» (arXiv) في يوليو (تموز) 2024، طوَّر باحثون نموذجاً يعتمد على الدمج بين الصوت والصورة للتعرُّف على الضحك في سياقات اجتماعية مختلفة، محققين دقة أعلى من النماذج التقليدية، مع إمكانات واضحة لاستخدامه في تقييم الصحة النفسية والتفاعل الاجتماعي.

كما تشير بحوث في اللغويات الحاسوبية (Computational Linguistics) نُشرت عام 2025، إلى أن نماذج لغوية متقدمة أصبحت قادرة على تحليل الفكاهة وتوقُّع الاستجابة العاطفية لها؛ بل وإحداث استجابات ضحك قريبة إحصائياً من تلك التي تولِّدها النكات البشرية.

من نيويورك إلى مختبرات الذكاء الصحي

في هذا السياق، تبرز جامعات نيويورك بوصفها مراكز رائدة في البحوث التي تربط بين الذكاء الاصطناعي والصحة. فقد نظَّم «مركز لانغون الصحي» بجامعة نيويورك (NYU Langone Health) في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 مؤتمراً بحثياً بعنوان تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لتحويل الرعاية الصحية، ركَّز على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى، وقراءة الإشارات غير اللفظية، مثل نبرة الصوت وتعابير الوجه والضحك، ضمن التقييم الصحي الشامل.

كما يعمل قسم التحليل التنبؤي والذكاء الاصطناعي (Predictive Analytics & Artificial Intelligence) في جامعة نيويورك، على تطوير نماذج رقمية تدعم القرار الطبي، عبر دمج البيانات السريرية التقليدية مع مؤشرات سلوكية ونفسية، في اتجاه يعكس تحوّلاً واضحاً نحو طبٍّ أكثر شمولاً وإنسانية.

تناغم العقل والجسد

ضحكة واحدة ليست وصفة سحرية للشفاء، ولكنها تذكيرٌ صامت للجسد بأن الطريق إلى الصحة يبدأ من التناغم بين العقل والجسم. فالضحك ليس لحظة بهجة عابرة؛ بل جسرٌ دقيق يصل الجسد بالعقل، ويصل الطبيعة الإنسانية بالتقنيات المستقبلية التي تسعى إلى جعل الرعاية الصحية أكثر إنصاتاً لما لا تقوله الأرقام وحدها.

وكما قال ابن سينا: «الطب علمٌ تُعرف به أحوال بدن الإنسان... لتُحفظ به الصحة، ويُستردَّ به زوالها».