9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات

الصمود يتطلّب التغلّب على أكبر تحديات الحياة

9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات
TT

9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات

9 وسائل لتجاوز المحن والنكبات

المرونة والصمود أكذوبتان، فإن كان الحديد يتمتع بالقدرة على الارتداد فإن البشر لا يتمتعون بهذه القدرة. ولذا فإن عليهم التكيّف مع واقع متغيّر. لذلك يجب على الإنسان البحث للعثور على نموذج ومثل أعلى أولاً، ثم النظر في ثماني نصائح أخرى مستقاة من أحدث بحث في العلوم العصبية.

تجربة مريرة لطبيب نفسي

من بين أمور مميّزة كثيرة صاحبت المسيرة المهنية للطبيب النفسي دينيس تشارني، الباحث لمدة طويلة في مجالات الاكتئاب، وكرب ما بعد الصدمة، وعميد كلية طب «ماونت سيناي» في نيويورك، ورئيس المركز الطبي بها؛ يصعب التعرّف إلى معرفة خمس عشرة سنة من سيرته الذاتية إطلاقاً.

في صباح يوم 29 أغسطس (آب) عام 2016، وفي أثناء وجوده في ساحة انتظار لمتجر في إحدى الضواحي التي توقف عندها لشراء خبز «بيغل» بالزبدة وقهوة مثلجة، ليتمكّن من القيادة لمدة ساعة إلى محل عمله؛ أطلق أحد الباحثين في المركز الطبي -كان قد طُرد منه منذ سبع سنوات بسبب عملية احتيال تتعلّق ببيانات الأبحاث- أطلق 15 رصاصة في صدر تشارني؛ مما أدّى إلى ثقب في إحدى رئتيه، وكسر ضلع له، وتعريض كبده للخطر، لكن دون أن يمسّ القلب أي ضرر.

أدى هذا الهجوم إلى بقاء تشارني في وحدة العناية المركزة لمدة أسبوع، ومروره بتجربة تتسم بأكبر قدر من الفردية.

الصمود: التغلّب على التحديات

وبهدف اختبار الموضوع الذي خصّص له كامل حياته المهنية، وهو كيفية استعادة المرء القدرة على العمل والعيش بعد المرور بتجربة مدمّرة ممزّقة، شرع تشارني بالاشتراك مع زميل له، في تأليف كتاب عن الموضوع، وهو كتاب «الصمود: علم التغلّب على أكبر تحديات الحياة» (Resilience: The Science of Mastering Life’s Greatest Challenges)، ثم كان عليه معايشة الأحداث بسبب مرضه.

من واقع أبحاث وتجربة تشارني وغيره، هناك توافق متزايد على ما تتطلّبه النجاة من الإهانات الكبيرة والصغيرة التي تلقي بها الحياة في طريقنا، سواء كان ذلك طفولة تضمّنت معاناة من التمييز العنصري، أو فقراً وحرماناً، أو خيانة من شخص حميم، أو حادثاً تسبّب في إعاقة، أو زلزالاً، أو موت رفيق بين ذراعيك، أو هجوماً مباشراً على حياتك.

كل تلك الإهانات قادرة على سحق النظام (الخاص بحياتك)، والضغط عليه حتى نقطة الانهيار، وتحطيم الشعور بالأمان الذي يسمح للعقل والجسد بالازدهار، وكذلك زعزعة استقرار الدوائر العصبية التي تمد الحياة اليومية بالطاقة، وهو ما يؤثر فيما نلاحظه وننتبه له، ودرجة سيطرتنا على الأفكار والمشاعر والمخاوف، وشعورنا بذواتنا، وقدرتنا على الحفاظ على الهدوء الداخلي.

قدرات الارتداد المعاكس

كل ذلك قادر على وضع الناس على طريق الاضطرابات العقلية والجسدية، ومن جهة أخرى: ربما لا. فكل ذلك أيضاً قادر على إجبارنا على إعادة رسم علاقتنا بأنفسنا وبالحياة، وجعلنا نشعر بقوة أكبر من ذي قبل.

الصمود (باللاتينية Resilience)، هي كلمة مشتقة من المقطعين اللاتينيين «ري» (re)، و«سالير» (salire)، التي تعني معاً «الارتداد»، أي البدء من جديد، واستعادة التوازن والحالة الطبيعية بعد الصدمات. إنها الرؤية السائدة لكيفية تجاوز الناس للمحن والشدائد. مع ذلك إنها تبدو أكذوبة، فالناس لا يستطيعون فعل ذلك، بل يتغيّرون بلا استثناء بفعل التجربة.

على الأقل، تنقطع الوصلات العصبية، ما يُعيد ترتيب خطوط التواصل بين مراكز التحكم في المخ. وهنا على الناس إصلاح الطرق المعدلة (الجديدة) التي عادة ما دُفعوا باتجاهها، من أجل التفكير والشعور والتصرف؛ بحيث يتمكّنون من مواصلة الحياة في الواقع الجديد لبيئتهم، وذلك بعد قبول ذلك الواقع.

ما الذي يعودون إليه إذا كانوا محظوظين؟ إنها حالة الاتزان، لكنها تكون مختلفة عن سابقتها.

القدرة على التكيّف

إن الصمود في جوهره هو القدرة على التكيّف، وتحديث أنفسنا، والتكيّف مع ظروف جديدة بعد أن هدمت تجارب مفاجئة، وغير مرغوب فيها بأوجه مختلفة، وسائل أماننا القديمة. إنها قدرة ضرورية على إنشاء الخيمة البشرية في عالم متحرك بشكل كبير، ومن غير الممكن توقعه في كثير من الأحوال.

ويقول تشارني: «لا يعني ذلك ألا يعاني الناس من أعراض أو مشكلات، لكنهم يتجاوزونها. وفي كثير من الحالات ينمون ويزدهرون».

نحن ندخل العالم بقدرة معينة على الصمود، وأعصابنا مصممة لتتكيّف، وقدرتها على الاتصال بعضها مع بعض، وقوة تلك الاتصالات تستجيب للتجربة والتدريب والممارسة على الأقل إلى درجة ما.

يتمثّل الجزء الصعب في الحفاظ على عمل الوظائف الإدراكية في مواجهة فرط الإثارة العاطفية الذي يحدث نتيجة الاضطرابات الناجمة عن المحن والشدائد. في النهاية نحن بحاجة إلى قدراتنا الإدراكية لاكتشاف كيفية اجتياز ظروف الحياة المتغيّرة والإبحار فيها، رغم أن الصدمة الناجمة عن الشدائد تميل إلى الهيمنة عليها عبر دائرة الإنذار، التي تصبح في وضع رصد للتهديد، وتزيد سرعة ما يراه الباحثون في الأشعة التي يتم إجراؤها على المخ، مثل إشارات صادرة من شبكة بروز تتسم بفرط التيقظ تهيمن على شبكة تنفيذية مركزية.

تجاوز المحن وسمات الصمود

مع ذلك فإن المشكلة الكامنة في الصمود هي أنها تبدو بشكل مريب مثل مجموعة منظمة مرتبة من السمات الروحانية التي إما أن يمتلكها المرء وإما لا. وفي أعقاب أي كارثة، من السهل أن تشعر أنك لا تمتلك تلك السمات.

استغرق الباحثون عقوداً من السنين لاكتشاف أن تجاوز الشدائد والمحن هو عملية نشطة للغاية، وأحياناً تكون فوضوية للغاية.

مع ذلك يحدث تحول كبير في التفكير؛ ففي الوقت الذي يكون فيه من الضروري معالجة الاضطراب الناجم عن المحنة حين تحدث، من الممكن التحلي بالصمود؛ بحيث يتمكّن المرء من التحكم في الاختلال والارتباك الخطير حين يحدث، وهو أمر مؤكّد بدرجة كبيرة. ويقلّل التعرض المبكر لتحدي ما فرط نشاط نظام الاستجابة للتوتر والضغط النفسي؛ بحيث تكون المعاناة من الاضطراب أقل، وكذلك إدراك الفاجعة.

لا توجد قدرة أو ملكة سحرية واحدة للصمود؛ إذ يحتاج الأمر إلى استخدام مجموعة من القدرات، والانتقال من واحدة إلى أخرى، حسب ما تستدعي الحاجة من أجل إعادة ضبط أنظمة الجسم والمخ.

وفي داخل وحدة العناية المركزة تمسّك تشارني بأنشودة بروس سبرينغستين «أقوى من البقية»، وبإلهام من عنوانها أخذ يتذكّر: «ظللت أقول لنفسي إنني سوف أكون أقوى من بقية الناس في كيفية التعافي... وصدّق أو لا تصدّق، كان تكرار ذلك لنفسي نافعاً للغاية».

استراتيجيات الصمود

مما لا شك فيه أن تجاوز المحن والشدائد صراع ونضال على المرء أن يكون عازماً على خوضه، متحلياً فيه بالإيمان بقدرته على العبور إلى الجانب الآخر. فيما يلي تسع استراتيجيات للصمود يمكن أن تساعد في عبور المرء للأزمات، حسب ما يوضح البحث.

01- > اعثر على مثل أعلى. دائماً ما تكون معرفة أن شخصاً آخر قد مرّ بالتحدي نفسه الذي مررت به أمراً يبعث على الطمأنينة؛ حيث يهدّئ ذلك من وطأة الشعور بالاغتراب الذي تثيره المصاعب. وما يفيد أكثر هو معرفة أن هؤلاء الأشخاص قد اجتازوا المحنة، وكذا معرفة كيفية قيامهم بذلك.

سواء كان هؤلاء الناس بشراً من لحم ودم، أو أشخاصاً في سير حياة، أو شخصيات خيالية، تقدّم النماذج دليلاً ملموساً على إمكانية اجتياز المحن والفواجع، وكذا الإلهام لفعل ذلك.

من الحقائق البديهية المقررة للنفسية البشرية أنه نادراً ما نحاول فعل ما لا نؤمن بقدرتنا على فعله. لذا فإن النماذج والمثل العليا مهمة للغاية؛ لأنها تقدّم إلينا خريطة طريق توضح كيفية اجتياز ما نواجهه، على حد قول تشارني.

02-> اطلب وامنح: الدعم الاجتماعي. نظراً إلى أن النظام البشري قائم على الاتصال الاجتماعي، يتدهور الأفراد عقلياً ونفسياً في غيابه. ويقرّ أي دليل جزئي يتضمّن الوسائل التي يعزّز بها الاتصال الاجتماعي الإيجابي السلامة والصحة، بأنه واحد من أقوى المحركات الإنسانية؛ حيث يدعم تقدير الذات، ويعزّز المناعة، ويخفّض ضغط الدم، ويساعد القلب.

واجه محنتك

03-> واجه محنتك. يُعد الهروب من المواجهة سمة مميزة لاضطرابات القلق. وللأسف يمنع تفادي مواقف متصلة بتجربة محزنة ومفجعة التعافي، ويحول دون حدوثه. إنه شكل من أشكال الهزيمة، فالخوف من المخاطر الذي تنتج إشاراته من اللوزة الدماغية المثيرة للمخاوف، يتحكّم فيما تفعله، بل خصوصاً فيما لا تفعله.

تضخم صور وأشكال التفادي حالة الخوف، وتشوّش الدماغ، وتمنعه من تعلم التمييز بين التهديد والخطر الماضي السابق، والخطر الحاضر الحالي. ومع عدم الاتصال بالفص الأمامي للدماغ بفعل المستويات المرتفعة من «النورابينفرين»، تضعف القدرة على تقييم المواقف بشكل عقلاني، والتوصل إلى طريقة للتكيّف، والمضي قدماً.

04-> قم بأمور صعبة. التعرّض المتعمد لمواقف تتضمّن تحدياً كبيراً في الطفولة، وربما إلى حد ما في مرحلة البلوغ؛ يكون تقبلاً نفسياً وبدنياً للضغوط والتوترات.

ويغيّر التعرّض لظروف صعبة بدرجة معتدلة، حسب ما توضح الدراسات، المحور تحت المهادي النخامي الكظري؛ مما يكبح رد الفعل اللاحق للمحور، ويقلّل الهرمونات التي تضع النظام في وضع الخطر، ومدة تأثيرها. إنه يخفّف من إدراك المرء أنه في حالة انهزام وحزن.

05-> خفّف قبضتك على نفسك. القوة ورباطة الجأش إحدى الطرق المؤدية إلى الصمود، لكنّ هناك طريقاً آخر، وهو ما يطلق عليه اختصاصي العلوم العصبية في جامعة «ويسكونسن»، ريتشارد ديفيدسون، «المسار الهادئ» (quiet path). فعوضاً عن كبح مشاعر الحزن، يتم بناء مهارات السلامة النفسية، ومصادقة الذات من خلال «استراتيجيات التصادق». وبعد ذلك حين تحدث فاجعة أو محنة، وهو أمر مؤكد، فستكون عملية التعافي سريعة. هذا مهم، كما يوضح ديفيدسون؛ لأن سرعة التعافي تحمي من ترسخ القلق وحالة الاختلال العصبي.

الوعي العميق والبحث عن معنى

06-> الوعي العميق. العماد الأول لديفيدسون هو القدرة على تركيز الانتباه نحو مقاومة التشتيت. ويتضمّن أيضاً ما وراء الوعي، ومعرفة ما تتطلّع إليه أذهاننا.

يبدأ الأمر بقبول ما هو حاضر، وتعميق الوعي به، وهو ما يزيد من شدة الشعور بالألم لفترة زمنية، ثم يسرّع عملية التعافي بعد ذلك. يصف ديفيدسون التبصر بوصفه معرفة للذات يقودها حب الاطلاع: «إنها الكيان الذي صنعناه ونطلق عليه (نفسي) أو (أنا)، ويحرر ذلك الناس من الحديث السلبي للذات، الذي يسبّب لكثيرين الشعور بالهزيمة والاكتئاب».

07-> ابحث عن معنى. كتب فيكتور فرنكل في «بحث الإنسان عن معنى»: «من بعض الأوجه تنتهي المعاناة في اللحظة التي نعثر فيها على معنى. ليست الظروف هي التي تجعل الحياة غير محتملة، بل انعدام الشعور بغاية أو هدف، حيث يبني الشعور بغاية، والالتزام بالقيم التي تدعمها، هيكل شيء إيجابي. ويصبح دليلاً على أن جزءاً منك لم يتدمر بفعل المحنة أو الفاجعة».

إن الغاية هي ما تدفع الناس نحو الأمام، فهي قوة تحفيزية تعمل حتى عند مواجهة المصاعب، بل ربما بشكل خاص عند مواجهة تلك المصاعب. وعلى الرغم من أنها مصنّفة بشكل أدنى ضمن مجال الروحانيات فإن لديها آثاراً حيوية على الجسم.

08-> اعكس وضع عقلك. في جوهر وقلب التكيّف، توجد الجاهزية والاستعداد التي يمكن للمرء بها التنقل بانتقائية بين العمليات العقلية الذهنية من أجل توليد استجابات سلوكية تلبي متطلبات موقف ما وتتناسب معه. تتولّى شبكة التحكم التنفيذية عملية فهم أي موقف، وتقييم ما هو ضروري، واختيار الاستراتيجيات النافعة وتطبيقها، وهو أمر ضروري لإنجاز الكثير من المهام؛ لكن الأهم من ذلك قدرته على تعديل مخرج اللوزة الدماغية، المسؤولة عن إطلاق الإنذار بوجود مخاطر وتهديدات، والمشاعر السلبية التي تطلق تلك اللوزة عنانها.

«بصمة الصمود الميكروبية»

09->حافظ على توازن الكائنات الدقيقة المتعايشة داخل جسمك. يتم النظر إلى الصمود بوجه عام بوصفه ظاهرة نفسية، ويستهدف أكثر المناهج والطرق نحو الصمود، العقل.

مع ذلك أوضحت أبحاث جديدة بطريقة مقنعة أن الصمود ظاهرة تشمل الجسم كله، وتحدث واحدة من أكثر العمليات نشاطاً داخل الأمعاء. ومن أجل الوصول إلى دماغ صامد، فإنك بحاجة إلى تأمين كائنات دقيقة صامدة متعايشة داخل جسمك؛ حيث تطلق تلك الكائنات الموجودة داخل الأمعاء «microbiome» مجموعة من المواد الكيميائية الحيوية التي تعمل من خلال المحور الأمعاء - الدماغ gut - brain axis، وتشكّل الدوائر العصبية الكهربائية للمخ، وتحدد كيفية عملها وأدائها للوظائف.

وقد اكتشف باحثون في جامعة «كاليفورنيا لوس أنجليس» أخيراً أن مجموعة محددة من البكتيريا، تُسمّى «بصمة الصمود الميكروبية» (microbial signature of resilience)، تمكّن المركز التنفيذي داخل الدماغ، والموجود في القشرة الأمامية للدماغ، من كبح جماح المراكز العاطفية النشطة بشكل مفرط التي تعمل بصورة سريعة. وتقول الطبيبة النفسية، المديرة المشاركة لمركز الكائنات الدقيقة المتعايشة داخل جسم الإنسان في جامعة «كاليفورنيا لوس أنجليس»، أربانا غوبتا: «لا توجد منطقة وحيدة داخل المخ تعمل بشكل منعزل ومنفصل».

* مجلة «سايكولوجي توداي»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»



تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية
TT

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

أدى ازدهار مجال الصحة والعافية إلى ظهور مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية تَعِد بتحسين الصحة والسعادة، إلا أن الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن يتحدث مع غريس ويد عن ثلاثة اتجاهات يجب الحذر منها، ويشير إلى أسبابها.

في عام 1893، قتل راعي البقر كلارك ستانلي أفاعي الجرس في معرض شيكاغو العالمي، ثم قام بغليها وبيع الدهون المستخلصة منها كمنشط لعلاج العديد من المشاكل الصحية، ما أدى إلى ظهور قصة «زيت الأفعى» الشهيرة. قد تبدو هذه الحيلة أقل إقناعاً اليوم، ومع ذلك، أصبح التمييز بين الدجل والطب أكثر صعوبة؛ إذ تتنافس الإرشادات الصحية الآن مع قطاع صناعة منتجات الصحة والعافية غير المحددة المعالم، التي تعززها إذاعات المؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي.

رحلة لفهم عالم الصحة

في كتابه «اجعلني بصحة جيدة: رحلة لفهم عالم العافية المُربك» Make Me Well: A quest to understand the confusing world of wellness، يُحقق الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن Xand van Tulleken في هذه الصناعة غير الخاضعة للتنظيم القانوني إلى حد كبير. ويُوضح الأشياء التي تُحافظ على صحة الناس، والأشياء التي لا تُحافظ عليها.

• غريس ويد: ما «العافية» تحديداً؟

- زاند فان توليكن: تُعنى العافية بكيفية شعورنا: تحسين الأداء، وتحسين وظائف الجسم، وربما تقليل خطر الإصابة بالأمراض. لكن ممارسات تأمين العافية لا تقع في إطار الرعاية الصحية.

• إن قطاع صناع منتجات العافية الحديثة يحاول جاهداً طمس الحدود بين الصحة والعافية. ولكن ما الفرق؟

-الفرق أن العافية تعدُّ بمثابة تحسين الصحة. وقد دفعني تعمد هذا القطاع طمس الحدود بين الصحة والعافية، والالتباس الحاصل، لكتابة «اجعلني بصحة جيدة».عادةً ما تنطوي جوانب الصحة على مشكلة مُحددة وقابلة للقياس، بينما تُعنى الرعاية الصحية بالوقاية من حالات مُعينة أو علاجها. أما العافية فتركز على أهداف يصعب قياسها: الشعور بتحسن، وتحسين الأداء، وتحسين المظهر.

باستثناء الادعاءات الخاضعة لرقابة صارمة - مثل قدرة فيتامين سي على تقليل التعب - لا يُمكن لقطاع صناعات العافية الادعاء بأن المنتجات تُعالج مشاكل طبية. مع ذلك، لا تمنع قواعد الإعلان المؤثرين من تقديم آرائهم على أنها نصائح.

وبينما يحمي قطاع الرعاية الصحية «الحد الأدنى»، محافظاً على صحة الناس ضمن النطاق الطبيعي، يروج قطاع الصحة والعافية لـ«الحد الأقصى»، داعياً إياهم إلى تخيل أفضل نسخة من أنفسهم.

• هل توجد منتجات صحية تُحسّن الصحة؟

- بالتأكيد. لقد فحصتُ المكملات الغذائية، والأجهزة القابلة للارتداء، والاختبارات التجارية. تُشبه هذه المنتجات الأدوية، ولكن بالنسبة لمعظمها، تختفي الأدلة الداعمة عند التدقيق. وهذه المنتجات ليست مُصممة لعلاج الأمراض أو تشخيصها، ولا تتطلب عموماً أي دليل على فاعليتها أو سلامتها؛ لأن الشركات المصنعة تتجنب الادعاء بأنها تُقدم أي فائدة طبية.

والمشكلة أنه لا يزال بإمكان الشركات الإيحاء بفوائد صحية عبر قنوات أقل خضوعاً للتدقيق: فقد لا تحمل العبوة أي ادعاء، بينما يُمكن لمقدم بودكاست أن يُعلن عنه.

• هل هناك أي ضرر من تجربة هذه المنتجات، كالفيتامينات مثلاً؟

- نعم، الفيتامينات ضرورية، لكن الأصحاء عادةً لا يحتاجون إلى مكملات غذائية. وقد شكل قبول فكرة أن المكملات الغذائية لا تُفيد الأصحاء تحدياً لمعتقداتي الشخصية (بصفتي طبيباً).

كان الأطباء يعتقدون سابقاً أن المكملات الغذائية آمنة، وأن السيطرة على فائض العناصر الغذائية أمرٌ سهل. إلا أن تجارب سريرية واسعة النطاق أُجريت في العقد الثاني من الألفية الثانية أظهرت أن الفيتامينات المتعددة لا تُقلل الوفيات الناجمة عن الأمراض الخطيرة، بينما زادت بعض مكملات مضادات الأكسدة معدل الوفيات بنسبة تتراوح بين 4 و16 في المائة، وذلك بحسب نوعها وجرعتها.

قد تُسهم مكملات مضادات الأكسدة في حماية الخلايا السرطانية من التلف. يبقى سبب عدم تسبب الفواكه والخضراوات في نفس المخاطر غير واضح؛ إذ يبدو أن الجسم يُعالج العناصر الغذائية في الأطعمة الكاملة بطريقة مختلفة.

لا تزال الفيتامينات علاجات قيّمة لحالات النقص المُشخّصة، بما في ذلك نقص فيتامين بي في مرض البري بري beriberi ونقص فيتامين دي في الكساح.

يُعدّ الاشتباه في نقص أي عنصر غذائي من اختصاص الرعاية الصحية. فالطبيب لا يُعالج نقص الحديد فحسب، على سبيل المثال، بل يبحث أيضاً عن أسباب أخرى مثل أمراض الأمعاء، وفقر الدم الخبيث، وعدم انتظام الدورة الشهرية، وهي أسئلة لا يُبدي مروجو المكملات الغذائية أي دافع لطرحها.

فحوصات منزلية وتقنيات قابلة للارتداء

• ماذا عن الفحوصات المنزلية؟ يبدو أنها ستكون مفيدة، وليست ضارة للكشف عن حالات النقص والأمراض.

- تُغطي الفحوصات التجارية السرطان، وانقطاع الطمث، والهرمونات، ومستويات الفيتامينات. مع ذلك، قد لا يُسفر الفحص الشامل دون وجود دواعٍ طبية عن إنقاذ الأرواح، بل قد يُؤدي إلى تدهور صحة الأفراد.

في تجربة سريرية فنلندية واسعة النطاق لاختبارات الدم للكشف عن سرطان البروستاتا، لم يتم تأكيد سوى ثلث النتائج الإيجابية تقريباً عن طريق الخزعة. قد يُؤدي إجراء الاختبارات دون وجود دواعٍ أخرى للشك، إلى إجراء فحوصات ضارة، وتلف الأعصاب، وقلق لا داعي له.

يُجري الأطباء الاختبارات بعد تقدير احتمالية إصابة الشخص بالمرض. ويعتمد تفسير النتائج على الأعراض والتاريخ المرَضي والسياق.

لستُ ضدّ الاهتمام بالصحة العامة، إنما أرغب فقط في توفير الوقت والمال للناس، ومنحهم حرية القيام بما يهمهم.

• وماذا عن التقنيات القابلة للارتداء؟

- ساعتي الذكية معي هنا، ورغم أنني أشك في مدى فائدة هذه البيانات المتعلقة بمعدل ضربات قلبي ومستويات التوتر والنوم، فإنني لا أعتقد أنها أضرتني.

تُبسّط الأرقام التي توفرها الأجهزة القابلة للارتداء تعقيدات الحياة إلى نتيجة مطمئنة. مثلاً على دراجة التمرين، أعرف معدل ضربات قلبي ومستوى قوتي بدقة، بينما لا توفر التجارب العادية مقياساً موضوعياً مماثلاً.

قد تُشجع الأجهزة القابلة للارتداء على التركيز المفرط على البيانات، أو السعي وراء عدد الخطوات، أو الاعتماد على التمارين الرياضية. وبالنسبة لمعظم الناس فإنها ببساطة تُقدم أرقاماً، ولا يوجد دليل على أنها تُحسّن لياقة المستخدمين.

مع ذلك، أؤيد توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات الصحية الشخصية. مثل موازين الحمام؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء أن تُظهر ما إذا كان الأمر يسير في اتجاه مفيد بشكل عام.

يبدأ الخطر عندما تقوم الأجهزة الاستهلاكية بفحص الأمراض. على الرغم من أن بعض الأجهزة القابلة للارتداء مُعتمدة كأجهزة طبية، فإن الأطباء وشركات الصحة يستخدمونها بشكل مختلف تماماً. قد يكون جهاز مراقبة الغلوكوز منقذاً لحياة مرضى السكري، لكن مستخدمي تطبيقات الصحة والعافية قد يعتبرون ارتفاعات سكر الدم الطبيعية خطيرة. ولكي يتجنبوا هذه الارتفاعات فإنهم قد يندفعون للابتعاد عن الفاكهة والبقوليات والحبوب الكاملة، والتوجه نحو تناول المزيد من الجبن واللحوم، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

اختبرتُ إحدى خدمات التغذية الشخصية مرتين في الوقت نفسه، باستخدام جهازين لمراقبة الغلوكوز، وعينات براز متطابقة، وعينات دم من كل ذراع، وبيانات شخصية متطابقة. أظهرت الخدمة نتائج مختلفة لسكر الدم والميكروبيوم، ونصائح غذائية متضاربة، ما يشير إلى عدم موثوقية النتائج.

خرافات صحية

• إذا كانت صناعة الصحة والعافية مليئة بالخرافات، فلماذا برأيك ازداد الاهتمام بها بشكل كبير في السنوات الأخيرة؟

- يتحمل القطاع الطبي جزءاً من مسؤولية ازدياد الاهتمام بالصحة والعافية. قد يكون الوصول إلى الرعاية الصحية صعباً؛ فحتى في المملكة المتحدة، المواعيد نادرة وقصيرة بسبب قلة عدد الأطباء.

كما أن الرعاية الصحية لا تلبي احتياجات بعض الفئات، وخاصة النساء والأقليات، الذين قد يجدون صعوبة في الحصول على العلاج المناسب.

يُظهر انقطاع الطمث هذه الفجوة بوضوح: ينفق المستهلكون مليارات على المكملات الغذائية، بينما لا يحظى البحث العلمي إلا بتمويل ضئيل نسبياً.

تنفق الولايات المتحدة نحو 57 مليون دولار سنوياً على أبحاث انقطاع الطمث، وهو مبلغ أقل بكثير من المطلوب وهو 100 مليون دولار، بينما لا يُسجّل الإنفاق في المملكة المتحدة أصلاً، وهو في الواقع ضئيل جداً.

عندما تشتدّ أعراض انقطاع الطمث ويبدو العلم غير مهتم، يصبح اللجوء إلى «منتجات العافية» أمراً مفهوماً. قد تبدو الرعاية الصحية أبوية ومُقيّدة، بينما تُوفّر العافية شعوراً بالسيطرة.

كما أن الطب يُعبّر عن عدم اليقين بصدق. وهنا يُقدّم المُكمّل الغذائي وعوداً بإمكانية حدوث شيء ما؛ بينما قد يُوضّح الطبيب أن الدواء يُقدّم فقط تقليلاً محدوداً للمخاطر المُستقبلية وله آثار جانبية.

• ما نصيحتك لمن يرغبون في تحسين صحتهم؟

- استشر مُختصّي الرعاية الصحية قبل شراء مُنتجات العافية. احرص على حضور الفحوصات المُوصى بها، واعرف ضغط دمك، وتناول الخضراوات؛ فهذه الأساسيات البسيطة تُحسّن الصحة.

يجب أن تتجاوز مُنتجات الصحة. يُمكن أن يأتي الشعور بالرضا من المجتمع، والعائلة، والصداقة، والنمو الشخصي. أنا لست ضد منتجات العافية؛ أريد أن يوفر الناس وقتهم وأموالهم ويركزوا على ما يهم حقاً.

ابحث عن شيء تحبه - فنون قتالية، حياكة، رقص، أو صناعة فخار - وانخرط فيه بشغف. قد يكون هذا أنجع وسيلة للحفاظ على صحتك. لا بأس بممارسة التعديل الحيوي كهواية، لكن لا تتوقع أن تُطيل المنتجات، أو المكملات الغذائية، أو العلاجات الخاصة، أو برامج الخلايا الجذعية، عمرك.

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»

من حيلة فوائد «زيت الحية» إلى إذاعات المؤثرين لا تتوقع أن تُطيل المنتجات عمرك


خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين
TT

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

تكشف دراسة علمية جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطريقة التي يُنظِّم بها الحمض النووي خلايا الجهاز المناعي بعدما نجح باحثون في رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد على مستوى الخلية لجينوم اللوزتين البشريتين.

ويأمل العلماء أن تساعد هذه الخريطة التي تصف التنظيم المعقد للمادة الوراثية داخل آلاف الخلايا في فهم الطريقة التي تتطور بها المناعة ولماذا يمكن أن تتحول بعض العمليات المناعية الطبيعية أحياناً إلى مصدر للطفرات المرتبطة بالسرطان. ونشرت الدراسة في مجلة «Science» في 23 يوليو (تموز) 2026، وأجراها فريق بحثي من كلية الطب بجامعة ييل في الولايات المتحدة بقيادة عالم المناعة ديفيد شاتز من قسم البيولوجيا المناعية بالتعاون مع عالم الوراثة سيوان (ستيفن) وانغ من قسم علم الوراثة في الكلية نفسها.

«معكرونة» داخل نواة الخلية

ورغم أن الحمض النووي في خلايا الجسم يمكن أن يصل طوله إلى نحو مترين، فإنه يجب أن يُحشر داخل نواة مجهرية؛ ولذلك لا يكون الحمض النووي مستقيماً، بل يلتف وينثني ويتشابك في بنية معقدة تشبه بحسب الباحثين «كرة ضخمة من المعكرونة». لكن هذه الفوضى الظاهرية ليست عشوائية، فطريقة طي المادة الوراثية وتنظيمها تختلف من نوع خلية إلى آخر ويمكن أن تحدد أي الجينات تعمل ومتى تعمل ومدى نشاطها.

ولفهم هذا التنظيم استخدم فريق وانغ تقنية تصوير متقدمة طورها في مختبره تُعرف باسم التصوير المتعدد لبنى النوكليوم Multiplexed Imaging of Nucleome Architectures (MINA) وتتيح التقنية تصوير الحمض النووي (دي إن إيه) DNA والحمض النووي الريبي RNA والبروتينات داخل الخلايا، وهي لا تزال في بيئتها الطبيعية داخل نسيج اللوزتين.

ويقول الباحثون إن هذه الطريقة مكّنتهم من بناء أول أطلس ثلاثي الأبعاد لجينوم اللوزتين البشري على مستوى الخلية، كما تمثل أول خريطة جينومية ثلاثية الأبعاد قائمة على التصوير لنسيج عضو بشري.

كيف تصنع الخلايا أجساماً مضادة أفضل؟ تؤدي اللوزتان دوراً مهماً في جهاز المناعة؛ إذ تستقر فيهما خلايا مناعية متخصصة تساعد الجسم على التعرف إلى مسببات الأمراض ومواجهتها.

كما ركز العلماء بشكل خاص على الخلايا البائية cells B التي تنتج الأجسام المضادة. وبعد تعرض هذه الخلايا لمحفزات مناعية يمكن أن تخضع عملية تعرف باسم فرط الطفرات الجسدية somatic hypermutation حيث تحدث تغييرات عشوائية في الجينات المسؤولة عن تصنيع الأجسام المضادة.

وقد تكون بعض هذه التغييرات مفيدة؛ لأنها تجعل الجسم المضاد أكثر قدرة على التعرف إلى العامل الممرض، ومن ثم تساعد على تكوين استجابة مناعية أقوى.

لكن السؤال الذي حير العلماء هو لماذا تحدث هذه الطفرات في مناطق معينة من الجينوم أكثر من غيرها؟

وقف الطفرات الجينية

وأظهرت الخريطة الجديدة أن المناطق التي تكون أكثر عرضة للطفرات تبدو مرتبطة بتنظيم ثلاثي الأبعاد خاص للحمض النووي حيث تنثني أجزاء منه لتشكّل حلقات تحافظ عليها بروتينات متخصصة. وعندما عطّل الباحثون بسرعة أحد البروتينات المسؤولة عن تشكيل هذه الحلقات توقفت عملية فرط الطفرات الجسدية تماماً.

وتشير النتيجة إلى أن التنظيم المكاني للحمض النووي داخل النواة ليس مجرد طريقة لترتيب المادة الوراثية، بل قد يكون جزءاً أساسياً من الآلية التي تسمح للخلايا المناعية بتطوير أجسام مضادة أكثر فاعلية. ومع ذلك اكتشف العلماء مفاجأة مهمة هي أن اختفاء الطفرات لم يؤدِّ إلى اختفاء جميع الحلقات الجينية، بل ظلت بعض التفاعلات موجودة لمدة أطول. وهذا يعني أن الحلقات وحدها لا تفسر العملية كاملة وأن هناك آليات أخرى لم تُكتشف بعد.

وقد تحمل النتائج أهمية خاصة لفهم بعض سرطانات الخلايا البائية مثل الأورام اللمفاوية؛ فعلى الرغم من أن فرط الطفرات الجسدية يستهدف عادة الجينات الخاصة بالأجسام المضادة فإنه قد يصيب أحياناً مناطق أخرى من الجينوم ما يؤدي إلى طفرات غير ضرورية وربما خطرة يمكن أن تسهم في نشوء السرطان.

ويأمل الباحثون أن يساعد الأطلس الجديد في تحديد العوامل التي تتحكم في هذه العملية وفهم ما يحدث عندما تخرج آليات الطفرات عن السيطرة.

وبالنسبة للعلماء، فإن فك لغز «المعكرونة الجينية» genetic spaghetti داخل الخلايا لا يتعلق بفهم شكل الحمض النووي فحسب بل بكشف الطريقة التي تتحكم بها هندسة الجينوم في المناعة والتعبير الجيني وتكاثر الخلايا وهو ما قد يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة في الطب والأمراض مستقبلاً.


كيف تنجو الدول من أزمات الغذاء بعد الكوارث الطبيعية؟

مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
TT

كيف تنجو الدول من أزمات الغذاء بعد الكوارث الطبيعية؟

مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)

في عالم باتت فيه الفيضانات والحرائق والزلازل والأوبئة أحداثاً متكررة تهدد حياة الملايين، قد لا تقتصر الخسائر على المنازل والبنية التحتية؛ بل تمتد إلى الغذاء الذي تعتمد عليه المجتمعات للبقاء؛ فقد تدمر الفيضانات المحاصيل، ويهدد الجفاف الثروة الحيوانية، بينما تؤدي الصراعات إلى قطع طرق الإمداد وتعطيل وصول الغذاء إلى الأسواق، ما قد يحول الصدمة المفاجئة إلى أزمة غذائية واسعة. لكن دراسة دولية تقدم إجابة أكثر تفاؤلاً؛ إذ تشير إلى أن استعداد الدول وقدرتها على الصمود يمكن أن يساعدا في الحد من آثار الكوارث والحماية من تدهور الأمن الغذائي.

قدرات واستعدادات

حلل فريق دولي من الباحثين بيانات عشرات الدول جُمعت على مدى أكثر من عقد، وخلص إلى أن قدرة الدول على التعامل مع الصدمات لا تتحدد فقط بمستوى تطورها الاقتصادي، أو بعدد الكوارث التي تتعرض لها وشدتها، وإنما تتأثر بدرجة كبيرة بالقدرات التي تبنيها مسبقاً لمواجهة الاضطرابات.

ولاحظ الباحثون أن عدداً من الدول، خصوصاً في آسيا، تمكن من تحسين أمنه الغذائي رغم تعرضه للكوارث بدرجة أكبر من مناطق أخرى. وأظهرت النتائج أن تعدد طرق الحصول على الغذاء، إلى جانب فاعلية الحكومات ورأس المال الاجتماعي، يمكن أن يقللا من مخاطر تحول الصدمات إلى أزمات غذائية. ونُشرت الدراسة في سبتمبر (أيلول) الماضي بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم».

ويعرّف الباحثون «القدرة على الصمود» بأنها قدرة الأفراد والمجتمعات والنظم الغذائية على تحمل الاضطرابات ومواصلة أداء وظائفها رغم الصدمات والكوارث. ويقول كريستوف بينيه، كبير العلماء ومستشار السياسات الأول في «تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية» في روما والباحث الرئيسي للدراسة، إن القدرة على الصمود لا يمكن اختزالها في ثراء الدولة، موضحاً أن التحليل لم يجد علاقة مباشرة تعني أن الدول الأكثر ثراءً تكون بالضرورة أكثر قدرة على تحمل الصدمات.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «التنمية الاقتصادية تظل مهمة، خصوصاً أن تحسن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي داخل الدولة ارتبط بتحسن نتائج الأمن الغذائي، لكن الثروة وحدها لا تضمن الصمود».

وأوضح بينيه أن فاعلية الحكومات وتنويع مصادر الإمدادات الغذائية من أبرز العوامل المرتبطة بقدرة الدول على مواجهة الأزمات؛ فالمؤسسات الفعالة تساعد في تنسيق الاستجابة، والحفاظ على الخدمات الأساسية، والتحرك سريعاً عند وقوع الكارثة، والاستثمار مسبقاً في القدرات اللازمة لمواجهة المخاطر.

وفي الوقت نفسه، يقلل تنوع مصادر الغذاء من الاعتماد على مصدر أو مسار واحد؛ إذ يتيح للدول الجمع بين الإنتاج المحلي والواردات والمخزونات وقنوات الإمداد البديلة عند تعطل أحدها.

وعن الأولوية التي ينبغي للحكومات التركيز عليها، قال بينيه إن تعزيز فاعلية المؤسسات وبناء القدرات الحكومية يمثلان نقطة بداية مهمة، مع التأكيد على أن تحليل الدراسة لا يسمح بترتيب عوامل المرونة إحصائياً، والقول إن أحدها أهم بصورة قاطعة من غيره.

استراتيجيات «مرنة»

يرى وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بكلية العلوم في جامعة عين شمس، أن الدراسة تبرز أهمية الاستعداد والمرونة في الحد من تداعيات الكوارث على الأمن الغذائي، لكن لا يمكن عدّها حلاً موحداً لجميع الدول؛ إذ تختلف المخاطر والظروف البيئية والموارد المائية والزراعية والبنية التحتية والقدرات المؤسسية، ما يستدعي تصميم استراتيجيات مرنة تتناسب مع طبيعة كل منطقة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «التركيز على الاستجابة للصدمات يجب ألا يأتي على حساب الوقاية من أسباب زيادة هشاشة النظم الغذائية؛ مثل تدهور التربة، وشح المياه، وفقد التنوع الحيوي، والاعتماد المفرط على مصدر واحد للإنتاج أو الاستيراد»، مشيراً إلى أن تعزيز أمن الغذاء يتطلب الجمع بين الإنذار المبكر، وتنويع الإنتاج ومصادر الإمداد، وتحسين إدارة المياه والموارد الطبيعية، ورفع كفاءة المؤسسات، بحيث تصبح المرونة جزءاً من التخطيط طويل الأجل وليست مجرد استجابة مؤقتة بعد وقوع الكارثة.

وتدعم أبحاث حديثة أخرى هذه الرؤية بإضافة أدوات عملية للوقاية والاستجابة؛ فقد بحث فريق دولي بقيادة جامعة أكسفورد البريطانية كيفية استخدام نماذج التحسين لتوجيه الموارد قبل وقوع الكوارث، بما في ذلك التحويلات النقدية وتوزيع الموارد، بحيث يتحول الإنذار المبكر إلى إجراءات فعلية.

وفي جانب آخر، تشير أبحاث إلى أهمية مرونة سلاسل الإمداد والنقل؛ فقد خلص فريق من جامعة نانجينغ الزراعية في الصين إلى أن الاعتماد الكبير على نقل الغذاء لمسافات طويلة يمثل أحد التحديات أمام مرونة النظام الغذائي، واقترح شبكة تجمع بين التنسيق المركزي والتوزيع المحلي.

كما وجد باحثون من كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة بالولايات المتحدة، أن الاستعداد المسبق والاحتياطيات المالية وتنوع مصادر الاستجابة والمرونة وقوة العلاقات والاتصالات بين الجهات المختلفة، ارتبطت بقدرة أفضل على الاستجابة لاضطرابات الغذاء خلال المراحل الأولى من جائحة «كوفيد-19».