الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال

الأفيال والدلافين تطلق التسمّيات على أفراد قطيعها

الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال
TT

الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال

الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال

بالنسبة لي، فإن أفضل شيء فعلته اللغة لنا على الإطلاق، هو منحنا القدرة على التحدث مع بعضنا بعضاً، وعن بعضنا بعضاً.

الأسماء ضرورية

الكلمات ليست مهمة. فما أهميتها إذا كنت لا تستطيع جذب انتباه صديقك في شارع مزدحم مثلاً. وهذا يعني أن اللغة ستكون عديمة الفائدة إلى حدٍ كبير... من دون أسماء. وبمجرد أن تصبح مجموعة من الأفراد أكبر، تصبح الأسماء ضرورية: فالإشارة إلى الشخص الذي يشاركك الكهف أو نار المخيم باسم «هذا الرجل» لا تفيد شيئاً.

وربما لأن الأسماء مهمة للغاية وشخصية، فإن تسمية الأشياء يمكن أن تبدو إنسانية بشكل فريد. وقبل ما يزيد قليلاً عن عقد من الزمن فقط، كان العلماء يعتقدون في الغالب أن هذا صحيح. ثم، في عام 2013، افترضت دراسة أن «الدلافين قارورية الأنف» bottlenose dolphins تستخدم نداءات تشبه الأسماء. وقد وجد العلماء منذ ذلك الحين أدلة على أن الببغاوات، وربما الحيتان والخفافيش، تستخدم نداءات تحدد هويتها كأفراد أيضاً.

وفي يونيو (حزيران) الماضي أظهرت دراسة نشرت في مجلة Nature Ecology & Evolution أن الأفيال تفعل الشيء نفسه.

الاسم ليس بشرياً فقط

ترتبط الأسماء بالهوية بشكل لا ينفصم بين البشر على الأقل. وحقيقة أننا لسنا فريدين في استخدامها، هي علامة محيرة على أننا لسنا الكائنات الوحيدة التي يمكنها التعرف على أنفسنا ومن حولنا كأفراد.

تولد العديد من الحيوانات ولديها القدرة على إصدار مجموعة محددة من الأصوات، مثل نداءات الإنذار التي ترتبط بالحيوانات المفترسة الجوية أو التهديدات على الأرض. لكن «الأسماء، بحكم تعريفها، يجب تعلمها»، كما أخبرني ميكي باردو، باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة ولاية كولورادو، الذي قاد دراسة الأفيال.

إن كل الأنواع التي تستخدم أسماء سمعية (أو معرّفات تشبه الأسماء) يجب بالضرورة أن تكون قادرة على ما يسميه العلماء «تعلم الإنتاج الصوتي» – أي القدرة على تعلم وإنتاج أصوات جديدة أو تعديل الأصوات الموجودة.

وحقيقة أن العديد من الأنواع المختلفة القادرة على تعلم الإنتاج الصوتي تستخدم نداءات تشبه الأسماء - وخاصة الأنواع ذات السلالات التطورية المختلفة - تؤكد مدى أهمية التسمية.

في الواقع، قال باردو، من المعقول أن مثل هذه المخلوقات اكتسبت القدرة على تعلم أصوات جديدة خصيصاً لغرض تسمية بعضها بعضاً. في حالة البشر، افترض باردو، أن المهارات التي تم تمكينها من خلال التسمية ربما «سمحت لنظام الاتصال لدينا بأن يصبح أكثر تطوراً حتى أصبح لدينا لغة».

كائنات اجتماعية

حتى الآن، فإن الأنواع التي تستخدم الأسماء (أو أي شيء مثلها)، بما في ذلك نحن البشر، هي كائنات اجتماعية للغاية. إذ إننا نعيش جميعاً في مجموعات مرنة: في بعض الأحيان يقضي الأفراد وقتاً مع العائلة والأصدقاء أو الشركاء المرتبطون بهم بشكل وثيق، وفي أحيان أخرى يكونون محاطين بالغرباء أو المعارف.

أخبرتني ستيفاني كينغ، الأستاذة المشاركة في جامعة بريستول بإنجلترا، والمؤلفة الرئيسية للبحث حول الدلافين قارورية الأنف، أن الأسماء في مثل هذه المجتمعات تؤدي وظيفة عملية. إنها تسمح لك بتتبع رفاقك الاجتماعيين ومخاطبتهم، سواء كانوا بالقرب منك أو انفصلت عنهم. وهذا مفيد بشكل خاص إذا كنت تعتمد على تعاون الآخرين في البحث عن الصغار أو الاعتناء بهم.

وقالت كينغ: «بالنسبة للدلافين، من المهم تتبع من يمكنك الاعتماد عليه لمساعدتك في أوقات الصراع».

ويمكن أن يكون للأسماء أيضاً أغراض عاطفية أكثر. وقال باردو إنه بين الأفيال والدلافين، قد يكون استدعاء الأسماء علامة على التقارب: يبدو أن الأفراد من كلا النوعين أكثر ميلاً إلى استخدام أسماء الحيوانات الأخرى التي يرتبطون بها.

عاشت الأسامي

يمكن للبشر أيضاً استخدام الأسماء لإظهار العلاقة الحميمة أو خلقها. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، كان الناس أكثر ميلاً إلى تقديم خدمة مجانية لشخص يتذكر اسمهم. عندما أقابل شخصاً ما وأريد البقاء على اتصال به، أبذل قصارى جهدي لمعرفة اسمه وتذكره.

ولعل هذا يعطي بعض المصداقية لنصيحة ديل كارنيجي في كتابه «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس لمعرفة أسماء الآخرين؟»: «اسم الشخص هو بالنسبة لذلك الشخص أحلى وأهم صوت في أي لغة».

وتدعم التجربة الشخصية لي، هذه النظرية. إذ في كثير من الأحيان، كان اسمي Tove، سبب لي المتاعب. نظراً لأنه إسكندنافي، فهو يتناغم مع نوفا Nova، أكثر من تناغمه مع كلمة Stove، مما يعني أنني أقضي ساعات لا حصر لها من حياتي في نطق اسمي وتهجئة الناس عندما أفضل التحدث عن أي شيء آخر.

ولكن بقدر ما يزعجني ذلك، فلن أغير اسمي أبداً - فهو اسمي - وأهتم بأن يفهمه الآخرون بشكل صحيح.

بالنسبة للبشر، لا يمكن فصل أهمية الأسماء عن مفاهيم الهوية والفردية.

يمكننا أن نتجول ونصف بعضنا بعضاً باستخدام التسميات مثل: أميركي، امرأة، طفل، خباز، مشاة - لكن الناس عموماً لا يحبون أن تتم مخاطبتهم أو الإشارة إليهم بهذه الطريقة. وقالت لي لوريل ساتون، رئيسة جمعية الأسماء الأميركية: «إنها تجعلك تشعر بأنك أقل من إنسان»، ربما لأن مثل هذه الصفات تفشل في التمييز بين الفرد والمجموعة...نحن فرديون للغاية كنوع.

أدلة على أن الببغاوات وربما الحيتان والخفافيش تستخدم نداءات تحدد هويتها كأفراد

تسميات بين الحيوانات

لا يعرف العلماء حتى الآن ما إذا كانت الأسماء قد اكتسبت مثل هذه الأهمية العميقة بين الأنواع الأخرى. لكن مجرد وجود تسميات بين الحيوانات هو إشارة إلى أن لديها شعوراً بأنها منفصلة عن العالم من حولهم. وهذا ليس الدليل الأول الذي توصل إليه العلماء حول مثل هذا الاحتمال.

منذ سبعينات القرن العشرين، اجتازت حيوانات الشمبانزي - والدلافين وحتى أسماك الشعاب المرجانية، حسب بعض الروايات - «اختبار المرآة» «mirror test» المثير للجدل، الذي يتفاعل فيه الحيوان مع علامة توضع على جسده ويمكن رؤيتها في المرآة.

لكن لمس نقطة حمراء على جبهتك لا يزال مختلفاً تماماً عن فهم أن كل فرد من جنسك هو فرد. لا شك أن الأسماء واختبار المرآة ليست الوسيلة الوحيدة التي تُظهر بها الحيوانات وعياً بشيء يقترب من الهوية.

يمكن للأفراد من جميع الأنواع التعرف على نسلها وزملائها. قد تكون الدلافين قادرة على التعرف على رفاقها المألوفة بناءً على بولها في الماء. من المحتمل أن تستخدم الخفافيش التوقيعات المشفرة في مكالمات تحديد الموقع بالصدى للتمييز بين أفرادها الأخرى.

وبرغم أنه قد يكون من المغري العثور على نظائر للسلوك البشري بين الحيوانات، فقد حذرت كينغ من المبالغة في مثل هذه الحجج. وقالت: «من المثير للاهتمام أن ننظر إلى كيف ولماذا تتصرف الحيوانات كما تفعل في نظامها».

اسم الشخص هو بالنسبة له أحلى وأهم صوت في أي لغة

تحادث الإنسان مع الحيوان

ربما تكون دراسة سلوكيات تسمية الحيوانات أكثر قيمة للطرق التي تسمح بها للعلماء بمعرفة المزيد عن الأنواع الأخرى وكيفية تكيفها مع بيئاتها.

على سبيل المثال، قالت كينغ، إن صافرة توقيع الدلفين - اسمه - تكون منفصلة، في حين أن استدعاء اسم الفيل يشفر معلومات أخرى إلى جانب هوية الفيل.

وهي تفترض أن هذا الاختلاف ربما نشأ بسبب الطريقة التي ينتقل بها الصوت تحت الماء أو كيف يغير الضغط قدرة الدلافين على النطق. ولكن يمكن أن ينبع ذلك أيضاً من حقيقة أن الدلافين تواجه بشكل منتظم عدداً أكبر من الأفراد، مما يعني أنها تحتاج إلى تقديمات أكثر كفاءة.

إن العثور على الإجابة من شأنه أن يخبر العلماء بالمزيد عن مجتمعات هذه الأنواع واحتياجاتها التطورية، وليس فقط كونها تفعل شيئاً مشابهاً للبشر. ومع ذلك، لا يسعني إلا أن أشعر بإحساس بالارتباط عندما أعلم أن نوعاً جديداً قد انضم إلى صفوف أصحاب الأسماء. كما كتبت عالمة النبات روبن وول كيميرر في كتابها Braiding Sweetgrass، «الأسماء هي الطريقة التي نبني بها نحن البشر العلاقات، ليس فقط مع بعضنا بعضاً ولكن مع العالم الحي». وأسماء الأنواع الأخرى تجعلني آمل في احتمال أن تصبح هذه العلاقات أكثر تبادلية.

إن فكرة القدرة يوماً ما على مخاطبة الفيل بطريقة يمكن أن يفهمها هي فكرة سحرية تماماً. لأقول له: «مرحباً، أنا توفا. من فضلك قل لي اسمك».

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الفضول أم الجوع؟ الراكون يختار رغم غياب المكافأة

يوميات الشرق الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)

الفضول أم الجوع؟ الراكون يختار رغم غياب المكافأة

تشتهر حيوانات الراكون بفضولها الشديد، وأظهرت دراسة حديثة قدرتها على حلّ الألغاز حتى من دون توقُّع أي مكافأة في النهاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ليست أسطورة «بانش» أوَّلها... قصص حب بين صغار الحيوانات والدُمى p-circle 01:26

ليست أسطورة «بانش» أوَّلها... قصص حب بين صغار الحيوانات والدُمى

وراء كل حيوان يلجأ إلى دمية بحثاً عن الدفء والحنان، قصة حزينة عنوانها اليُتم والتخلّي. ليس القرد «بانش» النموذج الأول ولا الأخير عن تلك الحالة.

كريستين حبيب (بيروت)
علوم امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

تُعرف الكلاب بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ استئناسها، وهي تنحدر من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق «بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

ما حكاية القرد «بانش» الذي يشكّل ظاهرة تغزو وسائل التواصل؟ وكيف تحوّلت حيوانات صغيرة إلى نجوم بسبب قصصها المؤثّرة؟

كريستين حبيب (بيروت)

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه
TT

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة غالوب أن الشباب أصبحوا أقل تفاؤلاً وأكثر غضباً تجاه الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت تعتقد أن الشباب يندفعون بحماس نحو مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي... فعليك أن تفكّر مرة أخرى، كما كتبت كالي هولترمان(*).

استخدام شائع

يستخدم أكثر من نصف أبناء جيل زد (الأشخاص المولودون من عام 1997 إلى عام 2012) المقيمين في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام، لكن مشاعرهم تجاه هذه التقنية تتجه نحو السلبية، وفقاً لاستطلاع جديد نشرته مؤسسة غالوب، ومؤسسة والتون فاميلي، وشركة GSV Ventures الاستثمارية العاملة في مجال تكنولوجيا التعليم.

انحسار التفاؤل وتراجع الحماس

انخفضت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً والذين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن الذكاء الاصطناعي بشكل حاد منذ العام الماضي، من 27 في المائة إلى 18 في المائة. كما تراجع حماس الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي، وأشار ما يقرب من ثلث المشاركين إلى أن هذه التقنية تُشعرهم بالغضب.

وأُجري استطلاع الرأي الذي شمل أكثر من 1500 شخص خلال شهري فبراير (شباط) ومارس(آذار) الماضيين. وتشير نتائجه إلى أن العداء الأميركي تجاه الذكاء الاصطناعي يمتد ليشمل جيلاً أصغر سناً، وهو جيل يكافح حالياً لإيجاد مكانه في سوق العمل.

تأثير سيء على الإبداع والتفكير النقدي

يقول زاك هرينوفسكي، باحث تربوي أول في مؤسسة غالوب، الذي شارك في إعداد الاستطلاع: «في معظم هذه الحالات، أصبح أبناء جيل زد أكثر تشككاً وسلبية، بعد أن كانوا في العام الماضي غير متفائلين بشأنه».

وأضاف أنه فوجئ بالتغير الملحوظ في مواقف الشباب. وأوضح أن العديد من المشاركين أقروا بأن الذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أكثر كفاءة في الدراسة والعمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن تأثير هذه التقنية على إبداعهم ومهاراتهم في التفكير النقدي.

في العمل: مخاطره تفوق فوائده

وكان الشباب العاملون أكثر تشككاً، حيث قال ما يقرب من نصف المشاركين إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده المحتملة في مكان العمل، بزيادة قدرها 11 نقطة عن العام السابق. وقال 15 في المائة فقط إنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي... كفائدة صافية.

تأتي هذه النتائج في وقتٍ يتناقش فيه الآباء والطلاب وصناع السياسات حول مدى الدور الذي ينبغي أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الشباب.

استخدامات الشباب

ويلجأ أفراد جيل زد إلى برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» للحصول على نصائح في العلاقات والمساعدة في الواجبات المدرسية. ويستخدم البعض هذه الأدوات لتفويضه اتخاذ قرارات معقَّدة وهامة، مثل اختيار الجامعة.

في الدراسة، أفاد نحو نصف الشباب باستخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل يومي أو أسبوعي، وهو ما يُشابه العام الماضي. بينما قال أقل من 20 في المائة إنهم لا يستخدمونه.

وقال هرينوفسكي: «لم نشهد زيادة في استخدام هذه الأدوات خلال العام الماضي، على الرغم من أنني أعتقد أن المزيد من أبناء جيل زد يقولون إنهم يمتلكون هذه الأدوات»، وأضاف أن أصغر أفراد هذا الجيل هم الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي بشكل متكرر.

تهديد الوظائف واستبدال التفاعل البشري

في المقابلات التي أجريت مع الشباب، ذكر شبابٌ بالغون أسباباً عديدةً لتحفظاتهم بشأن الذكاء الاصطناعي، منها تهديده للوظائف المبتدئة، واستبداله للتفاعل البشري، وانتشار المعلومات المضللة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصورات فردية

وقالت سيدني جيل (19 عاماً)، وهي طالبةٌ في السنة الأولى بجامعة رايس في هيوستن، إنها كانت متفائلةً بشأن الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تعليميةٍ عندما كانت في المدرسة الثانوية. أما الآن، ومع محاولتها اختيار تخصصها الجامعي، فقد أصبحت نظرتها أقل تفاؤلاً. وقالت: «أشعر أن أي شيءٍ أهتم به مُعرَّضٌ للاستبدال، حتى في السنوات القليلة المقبلة».

من جهتها، قالت أبيجيل هاكيت (27 عاماً)، التي تعمل في قطاع السياحة والضيافة بالقرب من أنكوريج، إنها وجدت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي موفرةً للوقت في العمل. غير أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتها الشخصية، لأنها لا تريد أن تضعف مهاراتها الاجتماعية.

وأضافت هاكيت، التي شاركت في استطلاع «غالوب»: «ما زلت أشعر بالتردد في استخدامه لصياغة رسائلي للآخرين، لأنني أعتقد أن بعض هذه الأمور إنسانية للغاية، وأود أن تبقى كذلك».

ومن بين المشاركين الآخرين في الاستطلاع، ريان غوكيان (30 عاماً) المتخصص في اختبار البرمجيات في ديترويت. وكان أكثر حماساً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إنه يستخدم «جي بي تي» يومياً لمهام البحث.

أهمية إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي

على الرغم من مشاعرهم المُختلطة، يعتقد العديد من الشباب أن إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، ولو بدرجة معينة، سيكون أمراً بالغ الأهمية مع نضوجهم. وتوقع ما يقرب من نصف المشاركين الذين لم يتخرجوا في المدرسة الثانوية بعد، أنهم سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مساراتهم المهنية المستقبلية.

وقد يكون هناك مجال لتطور مواقف الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي. ومن بين جميع ردود الفعل العاطفية التي رصدها الاستطلاع، كان الفضول وحب الاستطلاع... الأكثر شيوعاً بين المشاركين.

* خدمة «نيويورك تايمز».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

في العادة، ننظر إلى الوجه بوصفه مرآة للمشاعر: ابتسامة عابرة، قلق خفي، أو دهشة مفاجئة.

الوجه... لغة لا ننتبه لها

لكن ما لا نراه في هذا المشهد اليومي، أن الوجه يحمل طبقات أعمق من المعنى... إشارات دقيقة لا يدركها الإنسان، لكنها تعكس تغيرات بيولوجية وصحية تجري في صمت داخل الجسد. فحركة عضلات الوجه، وتبدّل لون الجلد، واتساع حدقة العين، وحتى الاختلال الطفيف في التناسق بين جانبي الوجه... ليست مجرد تعابير عابرة، بل قد تكون انعكاساً دقيقاً لما يحدث في الدماغ أو الجهاز العصبي، بل وحتى في أعماق الحالة النفسية.

وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في قراءة ما لا نقرأه نحن.

الوجه بين القياس والفهم

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «الذكاء الاصطناعي الطبي الرقمي» (JMIR AI)، قادها الباحث شينغو يوشيهارا من معهد أبحاث الصحة الرقمية في طوكيو باليابان، ظهر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية، مع توافق لافت مع التقييم البشري، ما يعزز إمكانية استخدامها كأداة مساعدة في التقييم النفسي والسريري، لا سيما في الحالات التي تعتمد على قراءة الإشارات الدقيقة غير المرئية.

ولا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود الدقة التقنية، بل تمتد لتعيد تعريف دور الوجه نفسه؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعبير... بل قد يتحول إلى مصدر بيانات تشخيصية صامتة، تحمل في ملامحه ما لا تقوله الكلمات.

كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الوجه؟

على عكس الإنسان، الذي يرى الوجه كوحدة متكاملة ويُدركه كصورة واحدة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتفكيكه إلى شبكة معقدة من النقاط والقياسات. ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية، يُعاد بناء الوجه رقمياً عبر ما يُعرف بـ«المعالم الوجهية» (Facial Landmarks)، وهي عشرات — وأحياناً مئات — النقاط الدقيقة التي تحدد مواقع العينين، وحواف الشفاه، وانحناءات الحاجبين، وتفاصيل العضلات الدقيقة.

لكن القراءة لا تقف عند حدود الشكل. فالخوارزميات الحديثة تحلل أيضاً التغيرات الديناميكية في الوجه: سرعة الحركة، وزمن الاستجابة العضلية، والتناسق بين جانبي الوجه، وحتى التغيرات الدقيقة في تدفق الدم تحت الجلد، والتي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُستدل من تغيرات طفيفة في اللون باستخدام تقنيات تصوير دقيقة.

التصوير الضوئي الحيوي

وفي هذا السياق، تعتمد بعض النماذج على ما يُعرف بالتصوير الضوئي الحيوي عن بُعد (Remote Photoplethysmography)، حيث يتم استخراج مؤشرات فسيولوجية مثل معدل نبض القلب أو مستوى الإجهاد من تغيرات لونية شبه غير مرئية في الوجه أثناء الفيديو.

ومن خلال تدريب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف — بل ملايين — الوجوه، وفي ظروف وإضاءة وثقافات مختلفة، تصبح قادرة على التعرف إلى أنماط دقيقة ومعقدة لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، مثل بطء التفاعل العضلي، أو اختلال التناسق الحركي، أو تغيرات طفيفة في الإيقاع التعبيري قد ترتبط باضطرابات عصبية أو نفسية.

وبهذا، لا يعود الوجه مجرد صورة نراها، بل يتحول إلى إشارة فسيولوجية متعددة الطبقات، تُقرأ وتُحلَّل، وتكشف ما يخفيه الجسد في صمت.

حين تصبح الكاميرا طبيباً والوجه إشارة إنذار مبكرة

هل يصبح الوجه أداة تشخيص؟

مع هذا التطور، لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن استخدام الوجه في الطب، بل متى سيصبح ذلك جزءاً من الممارسة اليومية. فالتقنيات التي كانت حتى وقت قريب محصورة في المختبرات البحثية، بدأت تقترب تدريجياً من الاستخدام العملي في الحياة اليومية.

قد يأتي وقت تصبح فيه كاميرا الهاتف أو الحاسوب قادرة على تحليل وجه المستخدم بشكل غير ملحوظ، لرصد تغيرات دقيقة في التعبير أو اللون أو الإيقاع الحركي، قد تشير إلى إرهاق عصبي، أو بداية اضطراب نفسي، أو حتى مؤشرات مبكرة لخلل فسيولوجي لم تظهر أعراضه بعد.

وفي هذا النموذج الجديد، لا يعود التشخيص حدثاً مرتبطاً بزيارة الطبيب فقط، بل يتحول إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، تراقب الإشارات الصامتة التي يصدرها الجسد، وتحوّلها إلى تنبيهات مبكرة قد تُعيد تعريف مفهوم الوقاية نفسه.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي ما يعنيه الوجه؟

رغم هذا التقدم، يظل هناك سؤال جوهري: هل قراءة الوجه تعني فهم الإنسان؟

فالوجه لا يعكس المرض فقط، بل يعكس أيضاً الثقافة التي تشكّله، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي مرّ بها. قد تحمل الإشارة نفسها معاني مختلفة بين شخص وآخر؛ فما يبدو توتراً في وجهٍ ما، قد يكون سمةً طبيعية في وجهٍ آخر، وما يُقرأ كحزنٍ في سياق، قد يكون مجرد تأمل في سياقٍ مختلف.

وهنا تتضح حدود الذكاء الاصطناعي: فهو قادر على القياس... لكنه لا يملك دائماً القدرة على الفهم. يلتقط الإشارة، لكنه لا يدرك معناها الكامل خارج سياقها الإنساني.

الطب بين الرؤية والفهم

في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءة الوجه بدقة مذهلة.

لكن هذه القراءة تظل ناقصة دون السياق الإنساني الذي يمنحها معناها الحقيقي. فالبيانات قد تكشف ما يحدث... لكنها لا تفسّر دائماً لماذا يحدث. ترصد الإشارة، لكنها لا تدرك التجربة التي تقف خلفها.

وهنا يظل دور الطبيب مختلفاً: لا يكتفي بأن يرى، بل يحاول أن يفهم... ولا يقرأ الوجه فقط، بل يقرأ الإنسان الذي يحمله.

ما الذي يتغير؟

ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقرأ وجوهنا، بل ما إذا كنا مستعدين لأن تتحول ملامحنا إلى بيانات تُحلَّل وتُفسَّر خارج وعينا. وفي هذا التحول، قد يصبح الوجه أحد أهم المؤشرات الحيوية في الطب الحديث.

إن هذا التحول ليس بديلاً عن الطبيب، بل نافذة جديدة تمنحه قدرة أوسع على الرؤية، وفرصة أعمق للفهم. لكن ما سيحسم مستقبل هذا التحول، ليس ما تستطيع الخوارزميات أن تراه... بل ما يستطيع الإنسان أن يفهمه منها.


اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».