الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض

ضعف الذكاء الاصطناعي أمام القراصنة

الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض
TT

الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض

الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض

إذا تم اختراق أنظمة الفضاء مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وإيقافها عن العمل، فسوف يعود جزء كبير من العالم على الفور إلى تقنيات الاتصالات والملاحة في الخمسينات.

النظم الفضائية مهدَّدة بالاختراق والتسلل

الأمن السيبراني الفضائي

ومع ذلك، فإن الأمن السيبراني في الفضاء غير مرئي إلى حد كبير للجمهور في وقت من التوترات الجيوسياسية المتزايدة. لقد حدثت هجمات إلكترونية على الأقمار الاصطناعية منذ الثمانينات، لكن الإنذار الذي أيقظ العالم انطلق قبل عامين فقط. إذ وقبل ساعة من غزو روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، اخترق عملاء حكومتها خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية لشركة «فياسات» Viasat لقطع الاتصالات وخلق حالة من الارتباك في أوكرانيا.

أنا أدرس الأخلاقيات والتقنيات الناشئة وأعمل مستشاراً للمجلس الوطني للفضاء في الولايات المتحدة. في السابع عشر من يونيو (حزيران) 2024، أصدرت مع زملائي في مجموعة الأخلاقيات والعلوم الناشئة في جامعة ولاية كاليفورنيا بوليتكنيك تقريراً ممولاً من مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية، لشرح مشكلة الهجمات الإلكترونية في الفضاء والمساعدة في توقع سيناريوهات جديدة ومفاجئة.

الفضاء والبشر

معظم الناس لا يدركون الدور الحاسم الذي تلعبه أنظمة الفضاء في حياتهم اليومية، ناهيك عن الصراعات العسكرية. على سبيل المثال، يستخدم نظام تحديد المواقع العالمي إشارات من الأقمار الاصطناعية. ويعد التوقيت الدقيق الذي يدعمه نظام تحديد المواقع العالمي ضرورياً في الخدمات المالية، حيث يجب التقاط كل التفاصيل - مثل وقت الدفع أو السحب - وتنسيقها بدقة. حتى إجراء مكالمة هاتفية يعتمد على التنسيق الدقيق للوقت في الشبكة.

إلى جانب ذلك، هناك الملاحة للطائرات والقوارب والسيارات والأشخاص، يعد نظام تحديد المواقع العالمي مهماً أيضاً لتنسيق أساطيل الشاحنات التي تنقل البضائع إلى المتاجر المحلية كل يوم.

إن الأقمار الاصطناعية المخصصة لمراقبة الأرض هي بمثابة «عيون في السماء» تتمتع بنقطة مراقبة فريدة تساعد في التنبؤ بالطقس، ومراقبة التغيرات البيئية، وتتبع الكوارث الطبيعية والاستجابة لها، وتعزيز غلة المحاصيل الزراعية، وإدارة استخدام الأراضي والمياه، ومراقبة تحركات القوات، وأكثر من ذلك بكثير.

إن فقدان هذه الخدمات الفضائية وغيرها قد يكون قاتلاً للأشخاص المعرّضين للكوارث الطبيعية، وتضرر المحاصيل الزراعية. كما يمكن أن يعرّض الاقتصاد العالمي والأمن لخطر جسيم.

عوامل مؤثرة

حددنا العديد من العوامل التي تساهم في التهديد المتزايد للهجمات السيبرانية الفضائية. على سبيل المثال، من المهم أن ندرك أن العالم في بداية سباق فضائي جديد. وبكل المقاييس، أصبح الفضاء أكثر ازدحاماً وأكثر تنافساً. تستعد كل من الدول القومية والشركات الخاصة، التي لا تخضع للتنظيم الكافي والتي تمتلك الآن معظم الأقمار الاصطناعية في المدار، للتنافس على الموارد ومواقع البحث.

نظراً لأن الفضاء بعيد جداً ويصعب الوصول إليه، فإذا أراد شخص ما مهاجمة نظام فضائي، فمن المرجح أن يحتاج إلى القيام بذلك من خلال هجوم سيبراني.

إن الأنظمة الفضائية تشكل أهدافاً جذابة بشكل خاص؛ لأن أجهزتها لا يمكن ترقيتها بسهولة بمجرد إطلاقها، ويتفاقم هنا انعدام الأمن بمرور الوقت. وباعتبارها أنظمة معقدة؛ فقد يكون لها سلاسل توريد طويلة، كما أن زيادة الروابط في السلسلة تزيد من فرصة التعرض للثغرات الأمنية.

كما تواجه المشروعات الفضائية الكبرى تحدياً يتمثل في مواكبة أفضل الممارسات على مدى العقد أو أكثر اللازم لبنائها.

الأرض في شرنقة من الحطام الفضائي

والمخاطر عالية بشكل غير عادي في الفضاء. فالنفايات المدارية تطير بسرعة تتراوح بين 6 و9 أميال في الثانية، ويمكنها بسهولة تدمير مركبة فضائية عند الاصطدام. ويمكنها أيضاً إنهاء برامج الفضاء في جميع أنحاء العالم بالنظر إلى «»متلازمة كيسلر» المفترضة التي يتم وفقها سجن الأرض في النهاية في شرنقة من الحطام. وترجّح هذه العواقب لصالح الهجمات السيبرانية الفضائية على الهجمات المادية لأن مشكلة الحطام من المرجح أيضاً أن تؤثر على المهاجم.

وعلاوة على ذلك، ونظراً للبنية التحتية والخدمات الفضائية الحرجة، مثل نظام تحديد المواقع العالمي؛ فإن الصراعات في الفضاء يمكن أن تشعل أو تضيف المزيد من الوقود إلى صراع على الأرض، حتى تلك التي تحدث في الفضاء الإلكتروني.

على سبيل المثال، حذّرت روسيا في عام 2022 من أن اختراق أحد أقمارها الاصطناعية سيُعدّ بمثابة إعلان حرب، وهو ما كان تصعيداً دراماتيكياً عن المعايير السابقة حول الحرب.

سيناريوهات أمن الفضاء الإلكتروني

إن خبراء الأمن الذين يدركون خطورة هذا التهديد الذي يشكّله أمن الفضاء الإلكتروني يواجهون تحدياً كبيراً. ففي المنتديات غير السرية على الأقل، لا يتم النظر إلا في سيناريوهين غير محددين بشكل كافٍ: شيء غامض حول اختراق الأقمار الاصطناعية وشيء غامض حول تشويش الإشارات أو التلاعب بها.

ولكن الفشل في تصور مجموعة كاملة من الاحتمالات يمكن أن يكون مدمراً للتخطيط الأمني، وخاصة ضد المتسللين الذين يشكّلون مجموعة متنوعة من الكيانات ذات الدوافع والأهداف المتنوعة.

وهذه المتغيرات حيوية لتحديدها لأنها تكشف عن أدلة حول الاستراتيجيات التي قد يجدها المدافعون الأكثر فاعلية في الاستجابة. وعلى سبيل المثال، قد يتطلب الهجوم الذي يشنّه متسلل برعاية الدولة نهجاً مختلفاً عن الهجوم الذي يشنّه متسلل إجرامي سعياً وراء المال أو من قِبل عميل فوضوي. وللمساعدة في حل هذه القطعة من لغز الأمن؛ يقدم تقريرنا تصنيفاً،- وهو: مصفوفة إيكاروس ICARUS التي تلتقط - هذه المتغيرات ويمكنها إنشاء أكثر من أربعة ملايين تركيبة فريدة من المتغيرات، والتي نسميها مطالبات السيناريو.

إن مصطلح ICARUS هو اختصار لـتعبير «تخيل الهجمات الإلكترونية لتوقع المخاطر الفريدة في الفضاء».

سيناريوهات تسلل رئيسية

فيما يلي 3 من السيناريوهات الـ42 التي أدرجناها في التقرير.

الطابعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن تكون أو الطابعة الإضافية مورداً لا يقدر بثمن لإنشاء أجزاء بسرعة عند الطلب في المهام الفضائية.

يمكن للمتسلل الوصول إلى طابعة في محطة فضائية وإعادة برمجتها لعمل عيوب صغيرة داخل الأجزاء التي تطبعها. يمكن أن تكون بعض هذه المكونات المصممة، معدة لإفشال عمل أجزاء من أنظمة بالغة الأهمية.

إفساد بيانات مسبارات فضائية. يمكن للمتسلل إفساد البيانات من مسبار كوكبي لإظهار قراءات غير دقيقة للغلاف الجوي أو درجة الحرارة أو الماء. على سبيل المثال، يمكن للبيانات الفاسدة من مركبة المريخ أن تظهر بشكل خاطئ أن المنطقة بها جليد مائي كبير تحت السطح. سيتم إهدار أي مهمة لاحقة يتم إطلاقها لاستكشاف الموقع بشكل أكبر.

تسريب تسجيلات فضائية. في عام 1938، أثارت دراما إذاعية حول هجوم فضائي حالة من الذعر عندما لم يدرك العديد من المستمعين أنها كانت خيالية. وعلى نحو مماثل، قد يتمكن أحد القراصنة من الوصول إلى مصادر الاستماع لمشروع Messaging Extraterrestrial Intelligence (METI) وإدراج شيء يشبه لغة الكائنات الفضائية في نص المشروع. ومن الممكن أن يسرّبها بعد ذلك إلى وسائل الإعلام؛ ما قد يؤدي إلى إثارة الذعر في جميع أنحاء العالم وتحريك الأسواق المالية.

سيناريوهات متعددة. وتتضمن السيناريوهات الأخرى في تقريرنا أشياء مثل التهديدات الداخلية، وثغرات الذكاء الاصطناعي، والهجمات التي تتم تحت راية كاذبة، والإرهاب البيئي، وبرامج الفدية أثناء الإطلاق، فضلاً عن سيناريوهات أكثر بعداً حول تعدين الكويكبات، والمستعمرات خارج العالم، وقراصنة الفضاء.

كما أن صياغة سيناريوهات جديدة ومفاجئة يمكن أن تساعد في إحياء التهديد غير المرئي للهجمات الإلكترونية الفضائية، فضلاً عن تسليط الضوء على الفروق الدقيقة عبر سيناريوهات مختلفة قد تتطلب من خبراء متعددي التخصصات معالجتها معاً.

* أستاذ الفلسفة في جامعة ولاية كاليفورنيا بوليتكنيك. مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

النظم الفضائية مهدَّدة بالاختراق والتسلل


مقالات ذات صلة

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

يوميات الشرق طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة لا تختلف كثيراً عما يجري على الأرض، فهم يأكلون الفطائر ويلتقطون صوراً بهواتفهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ بعثة أرتيميس 2 في طريقها إلى القمر (ناسا - أ.ف.ب)

رواد رحلة «أرتيميس 2» أصبحوا في منتصف المسافة بين الأرض والقمر

وصل رواد الفضاء الأربعة في رحلة «أرتيميس 2» إلى منتصف الطريق بين الأرض والقمر، ويواصلون الاقتراب منه تمهيدا للدوران حوله في الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
علوم عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

أعلنت شركة «سبيس بايونير» الصينية المتخصصة في تطوير الصواريخ، الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
علوم يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك بقايا شديدة الكثافة، لكن بعضها قد يكون قوياً لدرجة أنه لا يترك أي شيء مطلقاً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟