الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض

ضعف الذكاء الاصطناعي أمام القراصنة

الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض
TT

الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض

الهجمات الإلكترونية في الفضاء يمكن أن تهدد الحياة على الأرض

إذا تم اختراق أنظمة الفضاء مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وإيقافها عن العمل، فسوف يعود جزء كبير من العالم على الفور إلى تقنيات الاتصالات والملاحة في الخمسينات.

النظم الفضائية مهدَّدة بالاختراق والتسلل

الأمن السيبراني الفضائي

ومع ذلك، فإن الأمن السيبراني في الفضاء غير مرئي إلى حد كبير للجمهور في وقت من التوترات الجيوسياسية المتزايدة. لقد حدثت هجمات إلكترونية على الأقمار الاصطناعية منذ الثمانينات، لكن الإنذار الذي أيقظ العالم انطلق قبل عامين فقط. إذ وقبل ساعة من غزو روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، اخترق عملاء حكومتها خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية لشركة «فياسات» Viasat لقطع الاتصالات وخلق حالة من الارتباك في أوكرانيا.

أنا أدرس الأخلاقيات والتقنيات الناشئة وأعمل مستشاراً للمجلس الوطني للفضاء في الولايات المتحدة. في السابع عشر من يونيو (حزيران) 2024، أصدرت مع زملائي في مجموعة الأخلاقيات والعلوم الناشئة في جامعة ولاية كاليفورنيا بوليتكنيك تقريراً ممولاً من مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية، لشرح مشكلة الهجمات الإلكترونية في الفضاء والمساعدة في توقع سيناريوهات جديدة ومفاجئة.

الفضاء والبشر

معظم الناس لا يدركون الدور الحاسم الذي تلعبه أنظمة الفضاء في حياتهم اليومية، ناهيك عن الصراعات العسكرية. على سبيل المثال، يستخدم نظام تحديد المواقع العالمي إشارات من الأقمار الاصطناعية. ويعد التوقيت الدقيق الذي يدعمه نظام تحديد المواقع العالمي ضرورياً في الخدمات المالية، حيث يجب التقاط كل التفاصيل - مثل وقت الدفع أو السحب - وتنسيقها بدقة. حتى إجراء مكالمة هاتفية يعتمد على التنسيق الدقيق للوقت في الشبكة.

إلى جانب ذلك، هناك الملاحة للطائرات والقوارب والسيارات والأشخاص، يعد نظام تحديد المواقع العالمي مهماً أيضاً لتنسيق أساطيل الشاحنات التي تنقل البضائع إلى المتاجر المحلية كل يوم.

إن الأقمار الاصطناعية المخصصة لمراقبة الأرض هي بمثابة «عيون في السماء» تتمتع بنقطة مراقبة فريدة تساعد في التنبؤ بالطقس، ومراقبة التغيرات البيئية، وتتبع الكوارث الطبيعية والاستجابة لها، وتعزيز غلة المحاصيل الزراعية، وإدارة استخدام الأراضي والمياه، ومراقبة تحركات القوات، وأكثر من ذلك بكثير.

إن فقدان هذه الخدمات الفضائية وغيرها قد يكون قاتلاً للأشخاص المعرّضين للكوارث الطبيعية، وتضرر المحاصيل الزراعية. كما يمكن أن يعرّض الاقتصاد العالمي والأمن لخطر جسيم.

عوامل مؤثرة

حددنا العديد من العوامل التي تساهم في التهديد المتزايد للهجمات السيبرانية الفضائية. على سبيل المثال، من المهم أن ندرك أن العالم في بداية سباق فضائي جديد. وبكل المقاييس، أصبح الفضاء أكثر ازدحاماً وأكثر تنافساً. تستعد كل من الدول القومية والشركات الخاصة، التي لا تخضع للتنظيم الكافي والتي تمتلك الآن معظم الأقمار الاصطناعية في المدار، للتنافس على الموارد ومواقع البحث.

نظراً لأن الفضاء بعيد جداً ويصعب الوصول إليه، فإذا أراد شخص ما مهاجمة نظام فضائي، فمن المرجح أن يحتاج إلى القيام بذلك من خلال هجوم سيبراني.

إن الأنظمة الفضائية تشكل أهدافاً جذابة بشكل خاص؛ لأن أجهزتها لا يمكن ترقيتها بسهولة بمجرد إطلاقها، ويتفاقم هنا انعدام الأمن بمرور الوقت. وباعتبارها أنظمة معقدة؛ فقد يكون لها سلاسل توريد طويلة، كما أن زيادة الروابط في السلسلة تزيد من فرصة التعرض للثغرات الأمنية.

كما تواجه المشروعات الفضائية الكبرى تحدياً يتمثل في مواكبة أفضل الممارسات على مدى العقد أو أكثر اللازم لبنائها.

الأرض في شرنقة من الحطام الفضائي

والمخاطر عالية بشكل غير عادي في الفضاء. فالنفايات المدارية تطير بسرعة تتراوح بين 6 و9 أميال في الثانية، ويمكنها بسهولة تدمير مركبة فضائية عند الاصطدام. ويمكنها أيضاً إنهاء برامج الفضاء في جميع أنحاء العالم بالنظر إلى «»متلازمة كيسلر» المفترضة التي يتم وفقها سجن الأرض في النهاية في شرنقة من الحطام. وترجّح هذه العواقب لصالح الهجمات السيبرانية الفضائية على الهجمات المادية لأن مشكلة الحطام من المرجح أيضاً أن تؤثر على المهاجم.

وعلاوة على ذلك، ونظراً للبنية التحتية والخدمات الفضائية الحرجة، مثل نظام تحديد المواقع العالمي؛ فإن الصراعات في الفضاء يمكن أن تشعل أو تضيف المزيد من الوقود إلى صراع على الأرض، حتى تلك التي تحدث في الفضاء الإلكتروني.

على سبيل المثال، حذّرت روسيا في عام 2022 من أن اختراق أحد أقمارها الاصطناعية سيُعدّ بمثابة إعلان حرب، وهو ما كان تصعيداً دراماتيكياً عن المعايير السابقة حول الحرب.

سيناريوهات أمن الفضاء الإلكتروني

إن خبراء الأمن الذين يدركون خطورة هذا التهديد الذي يشكّله أمن الفضاء الإلكتروني يواجهون تحدياً كبيراً. ففي المنتديات غير السرية على الأقل، لا يتم النظر إلا في سيناريوهين غير محددين بشكل كافٍ: شيء غامض حول اختراق الأقمار الاصطناعية وشيء غامض حول تشويش الإشارات أو التلاعب بها.

ولكن الفشل في تصور مجموعة كاملة من الاحتمالات يمكن أن يكون مدمراً للتخطيط الأمني، وخاصة ضد المتسللين الذين يشكّلون مجموعة متنوعة من الكيانات ذات الدوافع والأهداف المتنوعة.

وهذه المتغيرات حيوية لتحديدها لأنها تكشف عن أدلة حول الاستراتيجيات التي قد يجدها المدافعون الأكثر فاعلية في الاستجابة. وعلى سبيل المثال، قد يتطلب الهجوم الذي يشنّه متسلل برعاية الدولة نهجاً مختلفاً عن الهجوم الذي يشنّه متسلل إجرامي سعياً وراء المال أو من قِبل عميل فوضوي. وللمساعدة في حل هذه القطعة من لغز الأمن؛ يقدم تقريرنا تصنيفاً،- وهو: مصفوفة إيكاروس ICARUS التي تلتقط - هذه المتغيرات ويمكنها إنشاء أكثر من أربعة ملايين تركيبة فريدة من المتغيرات، والتي نسميها مطالبات السيناريو.

إن مصطلح ICARUS هو اختصار لـتعبير «تخيل الهجمات الإلكترونية لتوقع المخاطر الفريدة في الفضاء».

سيناريوهات تسلل رئيسية

فيما يلي 3 من السيناريوهات الـ42 التي أدرجناها في التقرير.

الطابعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن تكون أو الطابعة الإضافية مورداً لا يقدر بثمن لإنشاء أجزاء بسرعة عند الطلب في المهام الفضائية.

يمكن للمتسلل الوصول إلى طابعة في محطة فضائية وإعادة برمجتها لعمل عيوب صغيرة داخل الأجزاء التي تطبعها. يمكن أن تكون بعض هذه المكونات المصممة، معدة لإفشال عمل أجزاء من أنظمة بالغة الأهمية.

إفساد بيانات مسبارات فضائية. يمكن للمتسلل إفساد البيانات من مسبار كوكبي لإظهار قراءات غير دقيقة للغلاف الجوي أو درجة الحرارة أو الماء. على سبيل المثال، يمكن للبيانات الفاسدة من مركبة المريخ أن تظهر بشكل خاطئ أن المنطقة بها جليد مائي كبير تحت السطح. سيتم إهدار أي مهمة لاحقة يتم إطلاقها لاستكشاف الموقع بشكل أكبر.

تسريب تسجيلات فضائية. في عام 1938، أثارت دراما إذاعية حول هجوم فضائي حالة من الذعر عندما لم يدرك العديد من المستمعين أنها كانت خيالية. وعلى نحو مماثل، قد يتمكن أحد القراصنة من الوصول إلى مصادر الاستماع لمشروع Messaging Extraterrestrial Intelligence (METI) وإدراج شيء يشبه لغة الكائنات الفضائية في نص المشروع. ومن الممكن أن يسرّبها بعد ذلك إلى وسائل الإعلام؛ ما قد يؤدي إلى إثارة الذعر في جميع أنحاء العالم وتحريك الأسواق المالية.

سيناريوهات متعددة. وتتضمن السيناريوهات الأخرى في تقريرنا أشياء مثل التهديدات الداخلية، وثغرات الذكاء الاصطناعي، والهجمات التي تتم تحت راية كاذبة، والإرهاب البيئي، وبرامج الفدية أثناء الإطلاق، فضلاً عن سيناريوهات أكثر بعداً حول تعدين الكويكبات، والمستعمرات خارج العالم، وقراصنة الفضاء.

كما أن صياغة سيناريوهات جديدة ومفاجئة يمكن أن تساعد في إحياء التهديد غير المرئي للهجمات الإلكترونية الفضائية، فضلاً عن تسليط الضوء على الفروق الدقيقة عبر سيناريوهات مختلفة قد تتطلب من خبراء متعددي التخصصات معالجتها معاً.

* أستاذ الفلسفة في جامعة ولاية كاليفورنيا بوليتكنيك. مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

النظم الفضائية مهدَّدة بالاختراق والتسلل


مقالات ذات صلة

«ناسا» تعيد طاقماً من محطتها الفضائية بسبب مشكلة صحية

يوميات الشرق رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)

«ناسا» تعيد طاقماً من محطتها الفضائية بسبب مشكلة صحية

أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن أربعة رواد فضاء سيعودون إلى الأرض من محطة الفضاء الدولية قبل أكثر من شهر من الموعد المقرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جبل جليدي أيقوني يدخل مرحلته الزرقاء الأخيرة (ناسا)

جبل جليدي أيقوني عملاق يقترب من «التفكك الكامل»

أحد أكبر الجبال الجليدية وأقدمها التي رصدها العلماء على الإطلاق قد تحوَّل لونه إلى الأزرق، وأصبح «على وشك التفكك الكامل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​  محطة الفضاء الدولية (أ.ب)

«ناسا» تنهي مهمة فضائية مبكرا بعد تعرض رائد لمشكلة صحية

في خطوة نادرة، قررت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) يوم الخميس إنهاء مهمة على متن محطة الفضاء الدولية مبكرا بعد تعرض أحد رواد الفضاء لمشكلة صحية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق رسم توضيحي للكوكب المُكتشف داخل الحزام الرئيسي للكويكبات مع ظهور الشمس والمشتري في الخلفية (مرصد فيرا روبن)

كويكب بقُطر 700 متر يسجل رقماً قياسياً في الدوران

تمكّن مرصد «فيرا روبن» التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم ووزارة الطاقة في الولايات المتحدة، من تسجيل اكتشاف فلكي لافت، تمثَّل في رصد كويكب بقُطر يزيد على 700 متر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الفضاء قد يكون صاخباً بالإشارات... لكننا لا نفهمها بعد (إ.ب.أ)

هل تومض الكائنات الفضائية في الفضاء كما تفعل اليراعات؟

يُرجّح العلماء أنّ كائنات فضائية متطوّرة قد تكون «تتبادل الإشارات» على مرأى من الجميع في الفضاء...

«الشرق الأوسط» (أريزونا)

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
TT

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)

يُعد التراجع المعرفي جزءاً طبيعياً من مسار التقدم في العمر، إذ تبدأ تغيراته الخفية منذ العقد الرابع، قبل أن تصبح أكثر وضوحاً في منتصف الخمسينات، حين تتكرر هفوات الذاكرة اليومية، من نسيان الأسماء إلى التوقف لحظة في منتصف الغرفة بحثاً عن سبب الدخول إليها.

غير أن دراسة علمية حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة «Nature Aging» كشفت عن أن هذا التراجع لا يسير بوتيرة ثابتة، بل يتسارع بشكل ملحوظ عند ثلاث محطات عمرية محددة هي: 57 و70 و78 عاماً.

ووفق الباحثين، فإن حدة هذا التسارع تختلف من شخص إلى آخر، لكن تعديلات بسيطة في نمط الحياة المتبع على مدار السنوات قد تحافظ على حدة ذهنك، وفقاً لصحيفة «تليغراف».

ممارسة الكتابة الحرة تساعد على تنشيط الدماغ (جامعة يوتا الأميركية)

بروتينات الدماغ تكشف عن توقيت التراجع

اعتمدت الدراسة على تحليل مستويات 13 بروتيناً في الدماغ، ثبت ارتباطها بتسارع شيخوخة الدماغ وبالأمراض العصبية التنكسية. ولاحظ الباحثون أن ارتفاع هذه البروتينات يتزامن مع تحولات بيولوجية واجتماعية كبرى، مثل التغيرات الهرمونية في منتصف العمر، أو الانتقال إلى مرحلة التقاعد.

وتوضح البروفسورة باربرا جي. ساهاكيان، أستاذة الطب النفسي بجامعة كمبردج: «أن هذه الأعمار تمثل نقاط انعطاف تبدأ عندها تغيّرات دماغية عميقة بالظهور»، مشيرةً إلى أن الاستعداد المبكر لها يمكن أن يُحدث فرقاً جوهرياً.

وتضيف: «تماماً كما نتحكم في مستويات الكوليسترول لتجنب النوبات القلبية، فإن إدخال تغييرات مدروسة في نمط الحياة قبل هذه الأعمار بعشر سنوات على الأقل قد يغيّر مستقبلنا المعرفي».

يمر نمو الدماغ البشري بـ«نقاط تحول» محورية (بيكساباي)

عند 57 عاماً... حين يبطأ «إنترنت الدماغ»

في هذه المرحلة، يبدأ تقلص حجم الدماغ بوتيرة أسرع، لا سيما نتيجة تراجع المادة البيضاء، المسؤولة عن سرعة التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. ويُشبّه الخبراء ذلك بتباطؤ شبكة الإنترنت الداخلية للدماغ.

وتشير الدكتورة سابين دوناي، المتخصصة في طب طول العمر وصحة الدماغ، إلى أن زيادة الوزن في منتصف العمر تلعب دوراً محورياً في تسريع هذا التراجع، عبر إضعاف تدفق الدم، وتقليل وصول المغذيات الأساسية، ورفع مستويات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل تُلحق ضرراً مباشراً بالخلايا العصبية.

كما تربط أبحاث متزايدة بين ارتفاع الكوليسترول في هذه المرحلة وزيادة خطر الإصابة بالخرف لاحقاً، مما يجعل الفحوصات الدورية ضرورة وليست ترفاً.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن النشاط البدني المنتظم يملك تأثيراً وقائياً واضحاً، إذ يعزز حجم «الحُصين» المرتبط بالذاكرة، ويحسن الأداء المعرفي. وتقول ساهاكيان: «أي حركة ترفع معدل ضربات القلب أفضلُ من الخمول، وأفضل برنامج رياضي هو الذي يمكن الاستمرار عليه».

عند 70 عاماً... «تأثير التقاعد»

في العقد السابع من العمر، يبدأ تراكم بروتين «تاو» المرتبط بضعف الذاكرة والتفكير، بالتوازي مع ترقق القشرة الدماغية وتراجع الروابط العصبية.

وتحذر ساهاكيان من أن الاعتماد المفرط على الخبرة السابقة دون تحديات ذهنية جديدة قد يسرّع هذا المسار، مؤكدةً أن القاعدة الذهبية لصحة الدماغ هي: «استخدمه أو ستفقده».

ما العمل؟

ينصح الخبراء بأنشطة تُحفّز الدماغ بعمق، مثل تعلم لغات جديدة، أو الرقص، أو ممارسة أنشطة تجمع بين الجهد الذهني والحركي، بدل الاكتفاء بالألغاز البسيطة. كما يشددون على أهمية العلاقات الاجتماعية، إذ تُظهر الدراسات أن العزلة قد ترفع خطر الخرف بنسبة تصل إلى 60 في المائة.

الحفاظ على صحة الدماغ من أولويات 2026 (بيكساباي)

عند 78 عاماً... نفاد «الاحتياطي المعرفي»

في هذه المرحلة، يستمر تقلص حجم الدماغ وتراجع تدفق الدم إليه، مع ارتفاع مستويات الالتهاب، ويبدأ ما يُعرف بـ«الاحتياطي المعرفي» في النفاد، وهو الرصيد الذي بناه الدماغ عبر سنوات من التعلم والتحدي.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن بناء الروابط العصبية الجديدة يظل ممكناً في أي عمر. وتدعو ساهاكيان إلى عدم تسليم المهام الذهنية للآخرين، والاستمرار في التعلم والتعليم. فيما تشدد دوناي على دور الغذاء الصحي، والنوم الجيد، وتقليل السكر والإجهاد المزمن، والحد من التعرض للملوثات.

وتختتم دوناي برسالة مطمئنة: «الدماغ مبرمج على البقاء. وإذا وفرنا له الحركة، والتغذية الجيدة، والنوم الكافي، فلا سبب للاستسلام لفكرة أن التدهور الحاد قدر لا مفر منه».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
TT

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة؛ إنه تحوّل عميق في الطريقة التي يتكوّن بها عقل الطبيب نفسه.

الذكاء الاصطناعي لم يدخل عالم التعليم الطبي بوصفه إضافة تقنية عابرة، بل كشريك تعلّم يراقب، ويحلّل، ويُقيّم، ثم يعيد تشكيل المسار التعليمي للطبيب منذ سنواته الأولى. لم يعد الطالب ينتظر «الحالة المناسبة» ليكتسب الخبرة، بل أصبح المريض الافتراضي حاضراً عند الطلب، بكل تعقيداته ومضاعفاته واحتمالات الخطأ فيه.

وهنا لا يعود السؤال: هل سيستخدم الأطباء الذكاء الاصطناعي؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف سيتغيّر معنى أن تكون طبيباً؟

الإنسان أمام مرآته الرقمية

التعليم بالذكاء الاصطناعي

تقليدياً، بُني التعليم الطبي على ما يمنحه الزمن والمصادفة: مريض حضر، حالة صادفت الفريق، تجربة استقرّت في الذاكرة. أما اليوم، فقد انتقلنا إلى نموذج مختلف جذرياً، تُبنى فيه الخبرة الطبية على بيانات واسعة، ومحاكاة ذكية، وتعلّم تكيفي.

تُستخدم في كليات الطب التابعة لكلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) وكلية الطب بجامعة ستانفورد (Stanford University School of Medicine)، أنظمة تعليمية متقدمة تُنشئ مرضى افتراضيين يتغيّرون فسيولوجياً وسلوكياً تبعاً لقرارات الطبيب المتدرّب، فيُظهرون تحسّناً أو تدهوراً، ويكشفون أخطاءً خفية قبل أن تتحوّل إلى كوارث سريرية حقيقية... لم يعد الخطأ وصمة، بل أداة تعليمية آمنة.

* الطبيب المتدرّب تحت مجهر الخوارزمية. تشير دراسات حديثة نُشرت في مجلات علمية مرموقة، مثل مجلة لانسيت للصحة الرقمية (The Lancet Digital Health) ومجلة نيتشر للطب (Nature Medicine)، إلى تحوّل نوعي في فلسفة التعليم الطبي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقيّم ما يحفظه الطالب من معلومات، بل طريقة تفكيره السريري: كيف يصل إلى القرار، ولماذا يختار مساراً دون آخر، وكيف يتعامل مع الشك والاحتمال والخطأ. لم يعد التعليم موحّداً للجميع، بل بات يتكيّف مع عقل كل طبيب على حدة؛ يرصد نقاط الضعف، ويقترح مسارات تدريب، ويعيد التقييم حتى تستقرّ المهارة، لا المعلومة وحدها.

* الجراحة: التعلّم من الخطأ قبل أن يحدث. في الجراحة، حيث الخطأ لا يُغتفر، أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف التدريب من جذوره. لم يعد الجرّاح الشاب ينتظر «الفرصة النادرة»، بل أصبح قادراً على خوض عشرات السيناريوهات المعقّدة داخل بيئات تدريب تحاكي الواقع بدقة عالية.

في مؤسسات طبية أكاديمية كبرى مثل مستشفى مايو كلينك (Mayo Clinic) ومستشفى كليفلاند كلينك (Cleveland Clinic)، يُستخدم التدريب الجراحي المعتمد على المحاكاة الرقمية ونماذج الواقع الافتراضي بوصفه أداة مساندة للتعليم، تتيح للطبيب المتدرّب مراجعة خطوات الإجراء الجراحي، والتدرّب على سيناريوهات محتملة للمضاعفات، ضمن بيئات تعليمية آمنة. وهذا النوع من التدريب لا يحلّ محل الخبرة السريرية المباشرة، لكنه يُسهم في صقل المهارة وتقليل هامش الخطأ قبل الانتقال إلى غرفة العمليات الحقيقية.

* الأشعة وعلم الأمراض: تعليم بلا حدود. في تخصصات تعتمد على الصورة والنمط، مثل الأشعة وعلم الأمراض، تحرّر التعليم من قيد الندرة. بات الطبيب المتدرّب يتعامل مع آلاف الحالات المتنوعة، ويقارِن تشخيصه بتجارب خبراء من مختلف أنحاء العالم؛ لا بما صادفه في مستشفاه فقط، بل بما تراكم عالمياً من خبرة ومعايير.

في بعض البرامج التدريبية المرتبطة بمستشفيات جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins Medicine)، بدأ المتدرّبون بالاستفادة من أدوات تعليمية رقمية ومحاكاة سريرية وقواعد بيانات بحثية موسّعة، تُكمّل الخبرة السريرية المباشرة ولا تستبدلها. وهذا التوجّه لا يهدف إلى تعميم تجربة عالمية واحدة، بل إلى رفع المستوى المرجعي للتدريب التشخيصي، والمساهمة في تقليص الفوارق التعليمية بين مراكز التدريب، مع الإبقاء على دور الطبيب وخبرته السريرية في صميم القرار الطبي.

حين يلتقي الطب الحديث بالجذور الحضارية

أخلاقيات التعليم الطبي

من يقود القرار في عصر الخوارزمية؟ ومع هذا التقدّم المتسارع، يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تجاهله: هل ندرّب أطباء يفكّرون... أم منفّذي قرارات آلية؟ تحذّر أدبيات أخلاقيات التعليم الطبي من خطرٍ خفيّ يتمثّل في تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مرجعية صامتة لا تُناقَش. فالطب ليس معادلة حسابية، والمريض ليس مجموعة أرقام، والرحمة لا تُبرمج. وكما قال ابن رشد: «الآلة قد تُحسن الحساب... لكنها لا تعرف الحكمة».

لن يُلغي الذكاء الاصطناعي الطبيب، كما لم تُلغِ السماعة الطبية الطبيب قبل قرن، لكنه سيُعيد تعريفه. الطبيب القادم لن يكون أكثر حفظاً، بل أكثر وعياً؛ لن ينافس الآلة في السرعة، بل في الحكمة، وفي القدرة على تحمّل المسؤولية الأخلاقية للقرار. وهنا تستعيد المهنة معناها الأسمى، كما قال ابن سينا: «غاية الطب ليست إطالة العمر، بل حفظ إنسانية الإنسان».

العالم العربي: إعادة بناء الطبيب

في العالم العربي، لا يأتي هذا التحوّل في التعليم الطبي متأخراً، بل في توقيتٍ حاسم. فالفجوة التي عانت منها المنطقة لعقود بين التعليم النظري والتدريب السريري المتقدّم، تفتح اليوم نافذة نادرة لإعادة البناء من الأساس، لا لمجرّد اللحاق بالركب، بل للمشاركة في صياغته.

وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع مشروع وطني أوسع لإعادة تعريف الرعاية الصحية والتعليم الطبي معاً. فبرامج التحول الصحي، وتوسّع كليات الطب، والاستثمار في البنية الرقمية، تهيّئ بيئة مثالية لتبنّي نماذج تعليمية حديثة تُدرّب الطبيب قبل دخوله الميدان، وتقلّص التفاوت بين المدن، وتمنحه خبرة عالمية وهو ما يزال في مقاعد الدراسة.

الذكاء الاصطناعي هنا لا يُقدَّم بديلاً عن الطبيب، بل وسيلة لرفع كفاءته، وحمايته من الخطأ المبكر، وإعادة الوقت والقرار إلى يده. ومع التنوّع السكاني والعبء المتزايد للأمراض المزمنة، تغدو هذه النماذج التعليمية الذكية ضرورة صحية، لا ترفاً تقنياً.

إنها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الطبيب العربي وفق معايير المستقبل، مع الحفاظ على جوهر الطب بوصفه ممارسة إنسانية قبل أن يكون علماً دقيقاً.


أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية
TT

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين، وغياب علاجات شافية حتى اليوم. ورغم التقدم الكبير في علم الوراثة ظلّ فهم العلاقة الدقيقة بين الجينات المعطوبة وما يحدث فعلياً داخل خلايا الدماغ لغزاً علمياً معقداً.

إن الدماغ ليس نسيجاً واحداً متجانساً، بل منظومة شديدة التعقيد تضم أنواعاً متعددة من الخلايا العصبية، والمساندة تختلف في وظائفها وانتشارها. وغالباً ما تُحلل عينات الدماغ بشكل مجمّع، ما يؤدي إلى ضياع إشارات جينية دقيقة تصدر عن خلايا نادرة، لكنها قد تكون محورية في تطور المرض.

في هذا السياق كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلة «Nature Communications» خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن أدوات تحليلية جديدة تمكّن العلماء من قراءة البيانات الجينية بعمق غير مسبوق، وربطها بأنواع محددة من خلايا الدماغ.

قراءة أذكى للبيانات الجينية

• أداة تحليلية جديدة. في الدراسة الأولى المنشورة في 26 نوفمبر، طوّر باحثون من كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية أداة تحليلية جديدة تُعرف باسم BASIC، وهي تقنية تدمج بين بيانات الأنسجة الدماغية الكاملة، وبيانات الخلية المفردة بدل الاكتفاء بدراسة كل نوع من الخلايا على حدة.

وتسمح هذه المقاربة الجديدة باكتشاف التأثيرات الجينية المشتركة بين عدة أنواع من خلايا الدماغ، مع الحفاظ على الخصائص الفريدة لكل نوع. ووفقاً للدكتور بيبو جيانغ الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علوم الصحة العامة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، فإن هذه الطريقة تمكّن العلماء من استخراج معلومات أعمق من البيانات المتوافرة أصلاً دون الحاجة إلى توسيع حجم العينات.

وقد أظهرت النتائج أن هذه الأداة رفعت القدرة على اكتشاف الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ بنسبة تقارب 75 بالمائة مقارنة بالطرق التقليدية، كما كشفت عن جينات جديدة مرتبطة بألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري بعضها يرتبط بمسارات دوائية معروفة.

• أداة حسابية مطورة. بهدف حل لغز قديم في أبحاث ألزهايمر، سعت الدراسة الثانية المنشورة في 1 أكتوبر، والتي قادها باحثون من جامعتي رايس وبوسطن برئاسة جان بيير روساري من قسم التشريح وعلم الأحياء العصبية بكلية الطب بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، سعت إلى حل تناقض حيّر العلماء لسنوات: فالدراسات الجينية تشير إلى تورط خلايا المناعة الدماغية الميكروغليا Microglia بوصفها خلايا مناعية دماغية، بينما تُظهر فحوصات أدمغة المرضى أن الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة هي التي تتلف فعلياً.

وللإجابة عن هذا السؤال طوّر الباحثون أداة حسابية جديدة تُعرف باسم seismic قادرة على ربط الإشارات الجينية بأنواع دقيقة جداً من خلايا الدماغ، بل وحتى بمناطق محددة داخله.

وباستخدام هذه الأداة تمكّن العلماء لأول مرة من إثبات وجود ارتباط جيني مباشر بين داء ألزهايمر وخلايا الذاكرة العصبية، ما ساعد على توحيد الصورة بين الأدلة الوراثية والواقع المرضي داخل الدماغ.

أمل جديد في مواجهة الخرف

تشير الدراستان إلى تحول مهم في أبحاث الدماغ من التركيز على الجينات بمعزل عن السياق إلى فهم المرض على مستوى الخلية نفسها. وهذا التحول يفتح آفاقاً جديدة لما يُعرف بـالطب الدقيق، حيث يمكن استهداف مسارات مرضية محددة داخل نوع خلوي معين.

كما أن إحدى النتائج اللافتة هي إمكانية إعادة توظيف أدوية معتمدة أصلاً لعلاج أمراض أخرى بعد أن تبيّن أنها تؤثر في الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ، وهو ما قد يختصر سنوات من البحث، والتجارب السريرية.

ومع تجاوز عدد المصابين بالخرف عالمياً 57 مليون شخص، تمثل هذه الأدوات الجينية المتقدمة خطوة واعدة نحو التشخيص المبكر، وربما التنبؤ بالمرض قبل ظهور أعراضه بسنوات. والأهم أنها تمنح المرضى وعائلاتهم أملاً جديداً في أن فهم الخلل على مستوى الخلية قد يكون المفتاح لإبطاء المرض، أو إيقافه مستقبلاً.

وتؤكد هذه الاكتشافات أن مستقبل أبحاث أمراض الدماغ لا يعتمد فقط على جمع المزيد من البيانات، بل على تحليلها بذكاء. ومن خلال دمج علم الوراثة، وتقنيات الخلية المفردة، وعلوم الحوسبة بدأت تتضح خريطة جديدة لأمراض الدماغ قد تغيّر أساليب تشخيصها، وعلاجها خلال السنوات المقبلة.