مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

«الدهون قصيرة السلسلة»... مراسِلات تلعب دوراً وقائياً حاسماً

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية
TT

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» مواد تتولد في أغلبها من الميكروبات. وهي نجوم في محور الميكروبيوم والأمعاء والدماغ.

أنتم تعرفون الآن أن الأمعاء ومليارات الميكروبات التي تعيش فيها لها تأثير قوي في عمليات أعضاء أخرى كثيرة من الجسم، بما فيها الدماغ، وربما في الدماغ بشكل خصوصي. ولكن إذا كنت ترغب في فهم كيفية عمل كل ذلك، فانتبه إلى 3 مواد تُعرف مجتمعة باسم «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» (SCFAs) short-chain fatty acids: الأسيتات acetate ، والبروبيونات propionate ، والبوتيرات butyrate.

مراسِلات الأمعاء للدماغ

يبدو أن هذه المواد مراسلات رئيسية لدماغك من أمعائك، وتؤثر في فسيولوجيا الدماغ وسلوكه بصفة مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك من خلال الجهاز المناعي. فهي تؤثر في مستوى طاقتك، وشهيتك، واستجابتك للأحداث المجهدة، وحالتك المزاجية، وأكثر من ذلك.

على عكس معظم الدهون التي يحتاجها الجسم، لا يتم توفير «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الثلاثة مباشرة عن طريق الطعام. بدلاً من ذلك، يتم إنتاجها من قبل أنواع محددة من البكتيريا التي تعتمد على الألياف الغذائية، وهي منيعة إلى حد بعيد في وجه الإنزيمات الهضمية؛ بحيث تصل إلى القولون سليمة. وهناك، شريطة أن تكون قد تناولت الطعام بشكل جيد، تكمن تلك البكتيريا الشجاعة قيد الانتظار لتخمير الألياف، وإطلاق الطاقة، والغازات، وعدد قليل من المستقلبات، وهي «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

تعتمد كمية «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» المنتجة في أمعائك على مقدار الطعام الغني بالألياف الذي تستهلكه للحفاظ على البكتيريا التي تتغذى عليها. والأسيتات هي النوع الأكثر وفرة من «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، وتُشكل 60 في المائة من الإجمالي، مع البروبيونات بنسبة 25 في المائة، والبوتيرات بنسبة 15 في المائة.

حماية الأمعاء والدماغ

تُستهلك «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» بوصفها مصدراً للطاقة من قبل الخلايا المبطنة للأمعاء. كما أنها تحفّز الإنتاج الموضعي للمخاط، وتحافظ على خلايا جدار الأمعاء مترابطة بإحكام حتى لا تتسرب المواد من الأمعاء إلى مجرى الدم.

من المهم معرفة التأثيرات الموضعية في الأمعاء؛ لأن لها آثاراً كثيرة على عمليات الدماغ. فالأمعاء المتسربة، على سبيل المثال، تسمح للبكتيريا والسموم بالهرب عبر جدار الأمعاء والوصول إلى الدماغ، حيث تكون قادرة على إطلاق رد فعل التهابي يمكنه تعطيل وظيفة الأعصاب، وتشكيل خطر الاكتئاب، والقلق، وجنون الارتياب (الذُهان الكبريائي) والصعوبات الإدراكية، وحتى الذُهان والخرف.

العناية الموضعية بالأمعاء هي مجرد جزء من الوصف الوظيفي الذي لا يزال يتكشف عن دور «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة». تعمل البروبيونات موضعياً أيضاً على تحفيز إفراز الهرمونات التي تنظم الشهية في الأمعاء مثل (ببتيد واي واي)، مما يُبطئ إفراغ المعدة، ويجعلك تشعر بالشبع بصورة أسرع. إضافة إلى ذلك، تؤثر «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» في استقلاب الدهون. ولكن من جانبها، تؤثر البوتيرات في عملية التمثيل الغذائي الجهازي من خلال زيادة حساسية الإنسولين، وتقليل خطر الإصابة بمرض السكري.

تدخل «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» جميعها إلى مجرى الدم من الأمعاء، ثم تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتصل مباشرة إلى الدماغ. هناك، توسع تأثيراتها في الأيض من خلال العمل على الخلايا العصبية في منطقة ما تحت المهاد لتنظيم توازن الطاقة.

وتمتلك البوتيرات، على وجه الخصوص، عدداً قليلاً من المواهب الخاصة. ويمكنها أن تفعل للدماغ ما تفعله للأمعاء - المحافظة على سلامة الحاجز، وإقصاء العناصر السيئة. وبطبيعتها الكيميائية، فهي جزيء مضاد للالتهابات، يعمل على خفض الالتهاب.

في الأمعاء والدماغ، تستهدف البوتيرات والبروبيونات من «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الخلايا المناعية بغرض تنظيم رد الفعل الالتهابي. وهي توجه إنتاج الخلايا المضادة للالتهابات، وتقلل إنتاج السيتوكينات المضادة للالتهابات. وهذا العمل، كما تشير الدلائل، يحمي الدماغ من كل من الاكتئاب والألم المزمن.

تنمية الخلايا العصبية

علاوة على ذلك، فإن المستقبلات العصبية الخاصة بالبروبيونات، عند تنشيطها، تعمل على زيادة إنتاج الناقل العصبي «نورإبينفرين»، وهو مهم لتثبيط آلام الاعتلال العصبي والاكتئاب. تزيد البوتيرات من مستويات عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ في قشرة الفص الجبهي، مما يُحفز نمو الخلايا العصبية لفتح مسارات السلوك للخروج من الاكتئاب.

بمجرد دخول «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» إلى مجرى الدم، تتخذ إجراءات مهمة ضد هرمونات التوتر. وتُظهر الدراسات أنها «تخفف بشكل كبير» من استجابة الكورتيزول للإجهاد النفسي والاجتماعي الحاد. كلما ارتفعت مستويات «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، انخفضت استجابة الكورتيزول، وقلّ تفاعلك مع التوتر.

مع ذلك، ربما من خلال العصب المبهم أن يكون «للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» أكبر تأثير في الدماغ والسلوك. فالعصب المبهم هو الأطول في الجسم، وينشأ في جذع الدماغ ويمتد إلى البطن، حاملاً الإشارات من وإلى الأحشاء؛ وهو يمكّن الأعضاء من التكيف الفوري مع متطلبات البيئة الداخلية والخارجية. ويبدو أن العصب المبهم هو الطريق السريعة الرئيسية بين العقل والجسم، وهو القناة الرئيسية للتواصل بين الأمعاء والدماغ؛ ومن المرجح أن تكون «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» بمثابة سائقي الشاحنات على المسافات الطويلة.

بادئ ذي بدء، فإنها تعمل على تنشيط العصب الحائر مباشرة، وتحفّز وتيسر الاتصال المعوي الدماغي. تشير الدراسات إلى أن البوتيرات تزيد من معدل قدرة الخلايا العصبية الحائرة على نقل الإشارات إلى الدماغ، لا سيما الإشارات ذات الصلة بالشبع. تعمل البوتيرات عبر المسارات الحائرة، ولكن يبدو أيضاً أنها تنقل التفضيلات الغذائية إلى الدماغ، وتُغير مستقبلات الأومامي (أحد المذاقات الخمس الأساسية)، وربما المذاقات الأخرى، وتشكل التفضيلات الغذائية.

نظراً لأن ميكروبات الأمعاء يجب أن تعيش على الطعام الذي نستهلكه، فإن النظام الغذائي البشري يؤثر مباشرة في تركيب البكتيريا في البيوم (الحَيَّوم أو التجمع الأحيائي). الميكروبات التي تعيش في القولون والتي تنتج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» لديها متطلبات غذائية محددة للغاية: الألياف والنشا المقاوم للهضم، أي المواد الموجودة في جدران خلايا النباتات. يزيد النظام الغذائي الغني بالألياف من عدد البكتيريا التي تتحول إلى «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

ونظراً لأنها تحفّز نمو البكتيريا النافعة، فإن مواد مثل الألياف تُعرف أيضاً باسم «بريبيوتك: مغذيات المعينات الحيوية» (تماماً كما يُشار إلى «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» أحياناً باسم ما بعد البريبيوتك). تتضمن البريبيوتك الأكثر توثيقاً على نطاق كبير النشا المقاوم للهضم، المتوفر بكثرة في جذور الهندباء البرية، والموز غير الناضج، والثوم، والخرشوف، والشوفان، وسكريات الأليغو الفركتوزية (FOS)، الموجودة في الفواكه، والبصل، والملفوف، والهليون، والغالاكتو-أوليغوساكاريدات (GOS)، الموجودة في حليب البقر، والبقوليات. تعزز هذه من نمو أنواع مختلفة من البكتيريا «العصية اللبنية» أو بكتيريا «بيفيدوباكتيريوم» التي تنتج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

التركيب الميكروبي المعوي

لسوء الحظ، إحدى السمات المميزة للنظام الغذائي الغربي هو نقص الألياف. ويُنظر إلى العوامل المؤثرة في سلامة التركيب الميكروبي المعوي على أنها قوة خفية وراء ارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وسرطان القولون والمستقيم، وأمراض نفسية مثل القلق، والاكتئاب، والاضطرابات التنكسية العصبية.

ومن ناحية أخرى، يرتبط استهلاك الألياف بانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب. ويعتقد بأن إنتاج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» من نظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي الغني بالنباتات يمثل عديداً من الفوائد الصحية العقلية والبدنية.

تعدّ إضافة الأطعمة الغنية بالبريبيوتك إلى النظام الغذائي واحداً من أكثر التدابير المتاحة لتعزيز الصحة العقلية والبدنية. لكن البريبيوتك تستخرج أيضاً من الأطعمة وتتوفر بوصفها مكملات غذائية. يستكشف العلماء حالياً تركيبات البريبيوتك الخاصة بالاضطرابات لعلاج الاكتئاب، والقلق، والإجهاد، واضطرابات النوم، وداء ألزهايمر، ولكن هذا لا يمنع التركيبات ذات الأغراض العامة من تعزيز صحة الدماغ الآن.

حقائق عن «الدهون قصيرة السلسلة»

- ثبت أن التمارين البدنية تزيد من مستويات البكتيريا المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» داخل الأمعاء.

- تعزز «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» القدرة على التحمل، على الأقل لدى الفئران.

- يؤدي النظام الغذائي الغني بالدهون إلى تغيير تركيبة الأمعاء وتقليل الميكروبات المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، وتقليل الإشارات المعوية الدماغية.

- يعيق نقص «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الدماغ عن إزالة الحُطام (الشظايا الصغيرة جداً) المرتبط بالأمراض العصبية التنكسية.

- يؤدي الحرمان من النوم إلى استنزاف البكتيريا المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، ما يعزز الالتهاب ويضعف الإدراك.

- تحافظ «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» في الأمعاء على إبقاء البكتيريا المسببة للأمراض تحت السيطرة، وتخفف من حدة ضراوتها.

• مجلة «سايكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»



فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض
TT

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

كشفت دراسة سكانية واسعة أن تحليل الحمض النووي من بضع قطرات من الدم المأخوذة من كعب الطفل بعد الولادة قد يساعد في اكتشاف طفرات وراثية تزيد خطر الإصابة ببعض سرطانات الطفولة قبل ظهور الأعراض.

وقاد الدراسة باحثون من مركز دانا - فاربر/بوسطن للأطفال لأمراض السرطان والدم بالتعاون مع باحثين من Mass General Brigham، وهو نظام صحي أكاديمي غير ربحي في الولايات المتحدة يجمع بين رعاية المرضى والبحث الطبي والتعليم.

وتشير النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 12 أغسطس (آب) 2026 إلى أن إضافة الفحص الجيني إلى برامج فحوصات حديثي الولادة قد تتيح التعرف إلى الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات منذ الأيام الأولى من حياتهم، ما يفتح المجال أمام مراقبة طبية مبكرة، واكتشاف الأورام في مراحل أكثر قابلية للعلاج.

قطرة دم قد تكشف الخطر مبكراً

ويخضع الأطفال حديثو الولادة في الولايات المتحدة حالياً لفحوصات روتينية للكشف عن مجموعة من الأمراض النادرة، والقابلة للعلاج، من خلال تحليل بضع قطرات من الدم تؤخذ من كعب الطفل بعد نحو 24 ساعة من ولادته.

لكن هذه الفحوصات لا تبحث حالياً عن خطر الإصابة بالسرطان، لأن ذلك يتطلب تحليل تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه). ويرى الباحثون أن عينات الدم نفسها يمكن أن توفر فرصة للكشف عن طفرات وراثية موروثة -أو جديدة- تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة بطريقة تشبه الفحوصات الجينية التي تحدد لدى البالغين خطر الإصابة ببعض السرطانات، مثل سرطان الثدي، أو القولون.

نحو 7 % يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان

كما حلل الباحثون عينات دم مجففة محفوظة لـ1948 طفلاً ولدوا في ولاية ميشيغان، ثم أصيبوا لاحقاً بورم صلب، أو ورم في الدماغ قبل بلوغ سن الثامنة. وباستخدام فحص شمل 11 جيناً كلها معروفة بارتباطها بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال، اكتشف الفريق طفرات مرضية، أو يُرجح أن تكون مرضية لدى 132 طفلاً، أي نحو 7 في المائة من المجموعة.

وكانت الغالبية العظمى من هذه الطفرات مرتبطة بنوع الورم الذي أصيب به الطفل لاحقاً، إذ كان الجين مرتبطاً بنوع السرطان الذي تطور لدى 130 من أصل 132 طفلاً. ويقدر الباحثون أن تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع في الولايات المتحدة يمكن أن يساعد في تحديد نحو ألف طفل سنوياً قد يستفيدون من المراقبة المبكرة، والعلاج في الوقت المناسب.

السرطان ظهر في عمر أصغر

ومن أبرز النتائج أن الأطفال الذين يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان أصيبوا بالمرض في سن أصغر بكثير من الأطفال الذين لم تظهر لديهم هذه الطفرات. فقد بلغ متوسط العمر الوسيط عند التشخيص 14 شهراً لدى الأطفال الذين اكتُشفت لديهم طفرة مقارنة بـ32 شهراً لدى الأطفال الذين لم تكن لديهم طفرة مكتشفة.

ويرى الباحثون أن هذا الفارق يبرز أهمية معرفة الخطر مسبقاً، خصوصاً أن بعض الأورام قد تتطور خلال فترة قصيرة جداً من حياة الطفل.

سرطان العين نموذج واضح

وقدم سرطان الشبكية Retinoblastoma مثالاً واضحاً على الفائدة المحتملة للفحص الجيني المبكر.

فقد اكتشف الباحثون طفرات في جين RB1 لدى 69 طفلاً أصيب 68 منهم لاحقاً بسرطان الشبكية. وكان الأطفال الذين يحملون الطفرة يُشخّصون في عمر وسطي يبلغ 9 أشهر مقارنة بـ23 شهراً لدى المصابين الذين لم تظهر لديهم الطفرة.

ولو تم التعرف إلى هؤلاء الأطفال منذ الولادة لكان بالإمكان إخضاعهم لفحوصات منتظمة للعين بهدف اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على البصر، وتقليل الحاجة إلى علاجات أكثر شدة، مثل استئصال العين، أو العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي.

خطوة نحو الوقاية قبل ظهور المرض

وظهرت أقوى الروابط الوراثية في بعض السرطانات التي يُعرف مسبقاً ارتباطها بمتلازمات وراثية محددة. فقد حمل جميع الأطفال الستة الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية النخاعي طفرة موروثة في جين RET، بينما ظهرت طفرة RB1 لدى 40 في المائة من الأطفال المصابين بسرطان الشبكية.

ولا يعني اكتشاف طفرة وراثية أن الطفل سيصاب بالسرطان حتماً، لكنه قد يشير إلى ارتفاع الخطر، ويتيح وضع خطة مراقبة خاصة بالحالة. ويعمل الباحثون حالياً على تطوير آليات لإدخال فحوصات جينية للكشف عن مخاطر السرطان ضمن برامج فحص حديثي الولادة، بحيث يمكن تحويل الأطفال الذين تظهر لديهم طفرات خطرة إلى برامج متابعة متخصصة.

وقد يمثل هذا النهج تحولاً مهماً من انتظار ظهور أعراض السرطان إلى البحث عن خطره منذ الولادة، بما قد يتيح اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وعلاجها بطرق أقل سمية، وأكثر فاعلية.


«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
TT

«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية

من بين الابتكارات الطبية اللافتة التي يعرضها مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، تبرز يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) التي طورتها شركة «سايونيك» (PSYONIC) الأميركية، وهي يد اصطناعية بيونية متقدمة تحاكي بعض وظائف اليد البشرية؛ إذ تستجيب للإشارات الكهربائية الصادرة عن عضلات المستخدم لتحريك الأصابع والإمساك بالأشياء، كما تتيح استشعار اللمس من خلال مستشعرات مدمجة في أطراف الأصابع. ويقدم هذا الابتكار نموذجاً للتطور المتسارع في الأطراف الاصطناعية، وللتقارب المتزايد بين جسم الإنسان والتقنيات الذكية.

الدكتور عديل أختر مؤسس «سايونيك»

يد «تستمع» إلى العضلات

ويستعرض الدكتور عديل أختر (Aadeel Akhtar)، مؤسس شركة «سايونيك» ورئيسها التنفيذي، هذه التقنية خلال اليوم الثاني من «ليب 2026»، في جلسة ضمن «تيك أرينا» (Tech Arena) بعنوان «اليد البيونية التي تتعلم منك» (The Bionic Hand That Learns From You)، موضحاً كيف يمكن للإشارات العضلية والتغذية الحسية الراجعة أن تمنح الأطراف الاصطناعية قدرة أكبر على التفاعل الطبيعي مع المستخدم والعالم المحيط.

تستجيب يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) للإشارات الكهربائية الدقيقة التي تولدها العضلات، والمعروفة باسم تخطيط كهربائية العضلات (Electromyography – EMG).

وتلتقط أنظمة التحكم هذه الإشارات من العضلات المتبقية لدى المستخدم، ثم تترجمها إلى أوامر تحرك أصابع اليد الاصطناعية وتتيح أنماطاً مختلفة من الإمساك. وتضم اليد خمسة أصابع متعددة المفاصل وإبهاماً قابلاً للدوران، بينما يبلغ وزنها نحو 490 غراماً، بما يجعل تصميمها قريباً من حيث الوزن والحركة من اليد البشرية.

لكن الجانب الطبي الأكثر إثارة لا يقتصر على الحركة؛ فاليد مزودة بمستشعرات للضغط في أطراف الأصابع ترصد مقدار القوة المستخدمة عند ملامسة الأشياء والإمساك بها، ثم تنقل هذه المعلومات إلى المستخدم في صورة تغذية حسية راجعة (Sensory Feedback) عبر الاهتزاز. وهكذا لا تبقى العلاقة مجرد أمر ترسله العضلات إلى طرف اصطناعي لينفذه، بل تتحول إلى حلقة تفاعل ثنائية الاتجاه: ترسل العضلات الإشارة، فتتحرك اليد وتستشعر الضغط، ثم تعيد جزءاً من المعلومات الحسية إلى المستخدم.

من إشارات العضلات إلى حركة اليد: كيف تعمل الأطراف الاصطناعية الذكية؟

الذكاء الاصطناعي المادي

ولا تتوقف أهمية هذه التقنية عند تعويض الطرف المفقود واستعادة بعض وظائف اليد، بل تفتح نافذة على مفهوم آخذ في الانتشار هو «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي انتقال الذكاء الاصطناعي من عالم الكلمات والصور والبيانات على الشاشات إلى أنظمة مادية تستطيع الاستشعار والحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة.

واللافت أن انتقال المعرفة لا يسير في اتجاه واحد من التكنولوجيا إلى الإنسان، بل بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ من حركة الإنسان وتفاعله مع الأشياء إلى الروبوتات. ففي مارس (آذار) 2026، أعلنت شركة «سايونيك» تعاوناً مع شركة «إنفيديا» لدمج يد «أبيليتي هاند» في منصة «إسحاق لاب» (Isaac Lab) المخصصة لتدريب وتطوير الأنظمة الروبوتية، بما يتيح للباحثين دراسة حركات اليد وأنماط الإمساك والتفاعل مع الأشياء، والاستفادة منها في تطوير روبوتات أكثر مهارة ودقة.

وهكذا، فإن اليد المعروضة في «ليب 2026» لا تقدم مجرد صورة عن مستقبل الأطراف الاصطناعية، بل تشير إلى تحول أوسع تصبح فيه الحركة واللمس والتفاعل الجسدي جزءاً من البيئة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي ويتعامل معها. فالحدود التي فصلت طويلاً بين الذكاء الرقمي والآلة المادية بدأت تصبح أقل وضوحاً.

حدود السلامة... والاستقلالية

ومع اقتراب هذه الأنظمة أكثر من جسم الإنسان، يبرز سؤال طبي لا يقل أهمية عن قدراتها التقنية: كيف نضمن سلامتها ودقتها، وأين نضع حدود استقلاليتها؟ فالخطأ في إجابة يولدها نموذج للذكاء الاصطناعي على شاشة يمكن مراجعته أو تجاهله، أما الخطأ في نظام ذكي يتحرك ويلامس الإنسان ويتفاعل مباشرة مع العالم المادي، فقد تكون له عواقب مختلفة تماماً. ولذلك، فإن الانتقال نحو «الذكاء الاصطناعي المادي» لا يحتاج إلى هندسة أكثر تطوراً فحسب، بل إلى معايير أكثر صرامة للسلامة والاختبار والحوكمة.


مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟
TT

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

من قلب ملهم، شمال الرياض، انطلقت اليوم أعمال «ليب 2026» وسط مشهد يعكس حجم التحول الذي يشهده عالم التقنية.

من قلب «ليب»... سؤال يتجاوز التقنية

آلاف المتخصصين، وصنّاع التكنولوجيا، والمستثمرين، وشركات تتسابق لعرض جيل جديد من الأنظمة الذكية؛ من الذكاء الاصطناعي الوكيل، والنماذج الأكثر قدرة واستقلالية، إلى الروبوتات، والأنظمة التي بدأت تنقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى البنية التشغيلية للمؤسسات.

وبين أروقة المؤتمر وعروضه تبدو الصورة للوهلة الأولى احتفالاً بما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على فعله. لكن بالنسبة إلى الرعاية الصحية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح من الصعب على النظام الصحي أن يعمل من دونه؟

«ليب 2026» في الرياض... الذكاء الاصطناعي يدخل عصر البنية التحتية

طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي

هنا يبدأ تحول أعمق من مجرد ظهور خوارزمية أكثر دقة. فعندما يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة يستدعيها الطبيب عند الحاجة، ويصبح جزءاً من البنية التي تعتمد عليها المؤسسة في تحليل المعلومات، وترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد، والمشاركة في اتخاذ القرار، فإننا لا نكون أمام تقنية جديدة فحسب، بل أمام طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي.

«إشكالية» كبرى

والفارق جوهري. خوارزمية تساعد طبيباً على قراءة صورة أشعة يمكن تقييمها بوصفها أداة سريرية محددة. لكن ماذا عن منظومة من الأنظمة الذكية تشارك في التشخيص، والفرز السريري، ومراقبة المرضى، وتوقع المخاطر، وإدارة تدفقها، وتوزيع الموارد، ثم تمتد إلى القرارات التشغيلية التي تحدد كيف يعمل المستشفى نفسه؟

عند هذه النقطة يتغير السؤال من «هل الخوارزمية دقيقة؟» إلى سؤال أكبر: هل المؤسسة التي تعتمد عليها قادرة على حكمها؟

وهذا هو السؤال الذي يحمله «ليب 2026» من عالم التقنية إلى قلب الطب. فحين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التحتية للرعاية الصحية، لا تعود الحوكمة مسألة تأتي بعد شراء التقنية، أو اعتمادها، بل تصبح جزءاً من البنية نفسها.

الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرق باب المستشفى... إنه يبدأ في الدخول إلى عقله.

سلطان المريشد رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في «البحر الأحمر الدولية» متحدثاً خلال جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» في «ديب فيست»

حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»

ومن قلب فعاليات «ليب 2026» في الرياض، حضرت «الشرق الأوسط» جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» The Future of Intelligence and Enterprise AI، ضمن فعاليات «ديب فيست»، التي ناقشت كيف يعيد الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI والنماذج التأسيسية تشكيل الصناعات، ودفع أنظمة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، وبناء الجيل المقبل من البنية التحتية الذكية. وشارك في الجلسة سلطان المريشد، رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في شركة «البحر الأحمر الدولية Red Sea Global»، إلى جانب إيزابيل كومار، المذيعة السابقة في «يورونيوز»، وناثان هانكوك، نائب الرئيس لمنطقة المملكة المتحدة وآيرلندا والشرق الأوسط في «أدوبي».

وعقب الجلسة، التقت «الشرق الأوسط» سلطان المريشد في حديث خاص، وطرحت عليه ثلاثة أسئلة حول موقع المملكة في سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الأخلاقيات والحوكمة يجب أن تصبحا جزءاً أصيلاً من هذه البنية، وإلى أين يمكن أن تصل المملكة خلال السنوات الخمس المقبلة؟

السعودية الأولى في المنطقة

وفي إجابته عن السؤال الأول، قال المريشد إن المملكة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، وفي إطار تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، من بناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «أستطيع أن أقول إننا نعدّ الأول في المنطقة، والثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة، والصين».

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تعد جزءاً من هذه البنية التحتية، أجاب أن «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً مهماً من البنية التحتية لأي ذكاء اصطناعي». وأشار إلى تجربة شركة «البحر الأحمر»، موضحاً أن مشاريع الذكاء الاصطناعي لديها تقترن باختيار جهة متخصصة تتولى تنظيم الجوانب المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

أما السؤال الثالث، فتوجه إلى المستقبل: أين يمكن أن تكون المملكة بعد خمس سنوات؟ وأوضح المريشد أن شركة «البحر الأحمر» تمكنت من إنجاز مشاريع كبيرة في الذكاء الاصطناعي، شملت العمل على الوكلاء، والبنية التحتية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، قبل أن يضيف: «أعتقد أنه بعد خمس سنوات ستكون المملكة الأولى عالمياً في امتلاك أقوى بنية تحتية للذكاء الاصطناعي».

معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي

وتكشف إجابات المريشد عن معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فهي لم تعد تقتصر على مراكز البيانات، والرقائق، والقدرة الحاسوبية، والاتصال، بل تمتد إلى الحوكمة، والأخلاقيات، وآليات الرقابة البشرية. فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الانتقال من تقديم الإجابة إلى اتخاذ الفعل، أصبح بناء الضوابط التي تحكم ذلك الفعل جزءاً من البنية التحتية نفسها، لا إضافة تنظيمية تأتي بعد اكتمالها.

لكن ما يُناقش هنا بوصفه تحولاً في مستقبل المؤسسات قد تكون له دلالة أعمق في الرعاية الصحية. فالمستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في قراءة الصور، والتنبؤ بالمخاطر، والفرز السريري، وإدارة تدفق المرضى؛ لا يضيف مجموعة من الأدوات الرقمية المنفصلة فحسب؛ إنه يبدأ، تدريجياً، في بناء طبقة من الذكاء داخل بنيته التشغيلية.

وهنا بدأت الأدبيات العلمية تطرح سؤالاً مختلفاً. فالتحدي لم يعد تطوير خوارزمية أكثر دقة، أو جمع مزيد من البيانات فقط، وإنما بناء البيئة التي تستطيع تشغيل هذه الأنظمة، ومراقبتها، والتحقق من أدائها، والتعلم منها باستمرار دون أن تفقد المؤسسة القدرة على التدخل، والمساءلة.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عقل المستشفى... الحوكمة نفسها تتحول إلى بنية تحتية

تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي

وفي دراسة حديثة نشرتها مجلة «npj Health Systems»، طرح الباحثون مفهوم «مرفق التعلّم» (Learning Utility)، معتبرين أن أحد أهم الاختناقات أمام الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لم يعد نقص البيانات، أو الخوارزميات، بل غياب البنية التقنية، والبشرية، والثقافية التي تسمح بتحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي.

وهنا يصبح الفرق أساسياً: امتلاك الذكاء الاصطناعي شيء، وبناء مؤسسة قادرة على التعلم منه والتحكم به شيء آخر تماماً.

المستشفى لا يحتاج خوارزمية فقط

وهنا تتغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى دخول الذكاء الاصطناعي إلى المستشفى. فشراء نظام متطور، مهما بلغت دقته، لا يجعل المؤسسة «ذكية» تلقائياً؛ لأن القيمة الحقيقية للخوارزمية لا تتحدد بما تستطيع فعله في يوم تشغيلها الأول، بل بقدرة المستشفى على معرفة ما إذا كانت ستظل آمنة وموثوقة بعد أشهر وسنوات من الاستخدام.

إن المرضى يتغيرون، والبيانات تتغير، والممارسات السريرية تتطور، وحتى البيئة التي تعمل فيها الخوارزمية قد تختلف عن تلك التي اختُبرت فيها أصلاً. وقد يتراجع الأداء تدريجياً من دون أن يكون ذلك واضحاً للطبيب الذي يستخدم النظام في عمله اليومي. ولهذا يحتاج المستشفى إلى ما هو أبعد من شراء التقنية: آليات لمراقبة الأداء، واكتشاف تراجع الدقة، والتعامل مع الأخطاء، وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية، وتدريب العاملين، والأهم من ذلك امتلاك القدرة على التدخل عندما لا يعمل النظام بالطريقة المتوقعة.

مراقبة مستمرة لأداء الذكاء الاصطناعي

وتدعم هذا الاتجاه دراسة نشرتها «npj Digital Medicine» في فبراير (شباط) 2026، إذ قدمت إطاراً ينظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها منظومة مترابطة، وليست قراراً تقنياً منفرداً. وتبرز أهمية هذا المنظور في أن مسؤولية المؤسسة لا تنتهي عند اختبار النظام، والموافقة على استخدامه؛ فبعد دخوله البيئة السريرية تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، هي المراقبة المستمرة لأدائه، ورصد التغيرات التي قد تظهر مع الاستخدام الفعلي.

وهذا ربما يكون أحد أهم الفروق بين شراء الذكاء الاصطناعي وبناء مستشفى قادر على استخدامه بأمان. فالأول يمكن أن يحدث بقرار شراء وتركيب نظام، أما الثاني فإنه يحتاج إلى معرفة بشرية، وعمليات واضحة، ومراقبة مستمرة، وثقافة تسمح بالتساؤل، والاعتراض، والتدخل.

وهنا تظهر إحدى مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: يمكن للمستشفى أن يشتري خوارزمية متقدمة، لكنه لا يستطيع شراء الجاهزية المؤسسية معها في الصندوق نفسه.

عندما تصبح البنية الذكية خطراً نظامياً

لكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية يغيّر أيضاً طبيعة الخطأ الطبي نفسه. فالطبيب قد يخطئ في تشخيص حالة، أو اتخاذ قرار، ويبقى أثر الخطأ -في العادة- محصوراً بعدد المرضى، والقرارات التي يستطيع التعامل معها. أما عندما يكون الخطأ مدمجاً داخل نظام ذكي يعمل عبر مستشفى كامل، أو شبكة من المستشفيات، فقد لا يحدث مرة واحدة؛ بل يمكن أن يتكرر آلياً عبر آلاف الحالات، وبسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها.

وهذه القدرة على التوسع هي في الوقت نفسه إحدى أعظم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الخوارزمية جيدة، فإنه يمكنها أن تنشر المعرفة، وتدعم قرارات سريرية متسقة على نطاق لم يكن ممكناً من قبل. وإذا كانت المشكلة كامنة داخلها، فإن النطاق نفسه يستطيع تضخيمها.

وهنا تكمن المفارقة: ما يمنح الذكاء الاصطناعي قدرته على توسيع الفائدة، يمنحه أيضاً القدرة على توسيع الخطأ.

اكتشاف أخطاء النظم الذكية

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع ظهور النماذج العامة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث قد لا يبقى النموذج محصوراً في مهمة واحدة، بل تُستخدم القدرات نفسها عبر تطبيقات متعددة. ولهذا اقترح باحثون في «npj Digital Medicine» في مايو (أيار) الماضي نهجاً جديداً للمراقبة يركز على قدرات النموذج، وليس فقط على المهمة المحددة التي يؤديها، بهدف اكتشاف الأخطاء النظامية، والسلوكيات الناشئة التي قد تمتد آثارها عبر أكثر من استخدام.

وهذا يفرض تحولاً مهماً في مفهوم السلامة. فمراقبة أداء نظام واحد في مهمة واحدة قد لا تعود كافية عندما تكون القدرة الذكية نفسها مشتركة بين عشرات التطبيقات.

فحين تتوسع قدرة الذكاء الاصطناعي يجب أن تتوسع معها قدرة النظام الصحي على مراقبته.

الحوكمة نفسها يجب أن تصبح بنية تحتية

وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أكثر أهمية من التقنية نفسها: هل إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً دائماً من البنية التي تعمل من خلالها الرعاية الصحية، فهل يمكن أن تظل حوكمته نشاطاً دورياً: لجنة تجتمع عند الحاجة، أو سياسة تُكتب عند اعتماد النظام، ثم يُفترض أنها ستظل صالحة بينما تتغير التكنولوجيا من حولها؟

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ذلك لن يكون كافياً. ففي يوليو (تموز) 2026، أكد باحثون في «npj Digital Medicine» أن مجرد وجود الطبيب «داخل الحلقة» لا يضمن بالضرورة رقابة بشرية فعالة. فوجود الإنسان يصبح بلا قيمة حقيقية إذا لم يمتلك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يفعله النظام، والوقت الكافي للتفكير في توصيته، والسلطة للاعتراض على التوصية، والقدرة العملية على التدخل عندما يكون القرار غير مناسب للمريض.

الحوكمة يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية

وهنا يتغير معنى الحوكمة نفسها. فهي لم تعد مجرد مجموعة من القواعد التي تسبق استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت قدرة تشغيلية مستمرة ترافق النظام طوال دورة حياته: من اختياره، والتحقق منه قبل الاستخدام، إلى مراقبة أدائه بعد دخوله العيادة، واكتشاف التغيرات، والأخطاء، وتحديد من يملك سلطة التدخل، وصولاً إلى إيقافه عندما تصبح سلامة المريض موضع شك.

وهذا يقود إلى فكرة قد تبدو غير مألوفة اليوم، لكنها قد تصبح بديهية في المستشفى الذكي مستقبلاً: الحوكمة نفسها يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية.

فكما لا يستطيع المستشفى الحديث أن يعمل من دون الكهرباء، والمياه، والشبكات، والأنظمة الرقمية، فإن المستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي قد لا يستطيع استخدامه بأمان من دون بنية دائمة للمراقبة، والتحقق، والمساءلة، والتدخل البشري. والفرق أن هذه البنية الجديدة لا تنقل الكهرباء، أو البيانات، بل تحمي شيئاً أكثر حساسية: الثقة في القرارات التي تمس صحة الإنسان.

وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر اندماجاً في عمل المستشفى، لم يعد السؤال فقط كيف نحكم الخوارزمية... بل كيف نبني الحوكمة داخل النظام الذي أصبحت الخوارزمية جزءاً منه.

من «ليب» إلى المستشفى

وسط ما يعرضه «ليب 2026» من نماذج أكثر قدرة، وأنظمة أكثر استقلالية، ورؤية لمستقبل تصبح فيه البنية التحتية نفسها أكثر ذكاءً، يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية للرعاية الصحية من السؤال عن قدرات الخوارزمية: هل أصبحت المؤسسات التي ستستخدم هذا الذكاء أكثر استعداداً للتحكم به؟ فالانتقال من الخوارزمية إلى البنية التحتية لا يغير طريقة استخدام التقنية فحسب، بل يغير طبيعة المسؤولية عنها. وعندما تصبح الأنظمة الذكية جزءاً من التشخيص، والفرز، والمراقبة، وتوزيع الموارد، والقرارات التشغيلية اليومية؛ فإنه لا يمكن أن تبقى الحوكمة مرحلة تأتي بعد الابتكار؛ بل يجب أن تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرة هذه الأنظمة، وتأثيرها.

وقد لا يكون السباق الحقيقي في السنوات المقبلة بين المؤسسات التي تمتلك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل بين تلك التي تستطيع تحويل هذه النماذج إلى قيمة حقيقية من دون أن تفقد القدرة على مراقبتها، ومساءلتها، والتدخل عندما تخطئ.

ومن هنا، فإن ما نشاهده اليوم في «ليب» لا يتعلق فقط بمستقبل التقنية. إنه يفتح نقاشاً أوسع حول شكل المؤسسة الذكية نفسها: مؤسسة لا تكتفي بامتلاك الذكاء الاصطناعي، بل تمتلك أيضاً المعرفة، والأنظمة، والمسؤولية اللازمة للتحكم به.

وإذا كان الجيل المقبل من التقنية يبني بنية تحتية ذكية، فإن الرعاية الصحية ستحتاج، بالتوازي معها، إلى بنية تحتية للحوكمة، فالذكاء الاصطناعي قد يصبح جزءاً من عقل النظام الصحي... لكن مسؤولية التحكم بذلك العقل يجب أن تبقى بشرية.