إنجازات 2023 العلمية... الذكاء الاصطناعي يحقق قفزات سريعة لخدمة الإنسان

اكتشافات كونية جديدة وابتكارات مذهلة

أول عملية زرع كلية خنزير في جسم إنسان (جامعة نيويورك)
أول عملية زرع كلية خنزير في جسم إنسان (جامعة نيويورك)
TT

إنجازات 2023 العلمية... الذكاء الاصطناعي يحقق قفزات سريعة لخدمة الإنسان

أول عملية زرع كلية خنزير في جسم إنسان (جامعة نيويورك)
أول عملية زرع كلية خنزير في جسم إنسان (جامعة نيويورك)

من بين مئات الإنجازات العلمية والطبية التي سُجلت خلال 2023، حظيت تقنيات الذكاء الاصطناعي على اهتمام عالمي واسع، خاصة بعد بزوغ نجم روبوت الدردشة الشهير ChatGPT مطلع العام.

وشهد هذا العام ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي المتعددة التي سرعان ما تغلغلت في مختلف المجالات، ولم تكن مجالات العلوم والطب والصحة استثناءً.

وعلى مدار العام، كانت العناوين الرئيسية تسلط الضوء باستمرار على ما أنجزته أنظمة الذكاء الاصطناعي في الاختبارات البحثية التي تنوعت بين تشخيص الأمراض وتحسين الرعاية الشخصية وتطوير أدوية جديدة تستهدف الأمراض المستعصية، والقدرة الهائلة على تحليل البيانات والتنبؤ بالأمراض والظواهر المناخية، ووصل الأمر إلى استكشاف علامات الحياة في الفضاء.

أول هياكل اصطناعية شبيهة بالأجنة البشرية (جامعة كمبردج)cut out

فيما يلي أبرز الإنجازات والاكتشافات العلمية والطبية التي حظيت باهتمام كبير خلال عام 2023، والتي يمكنها أن تحدث ثورة في فهمنا للكون، وتحسين صحة الإنسان ورفاهيته، وتؤدي إلى تطوير تقنيات جديدة تفيد المجتمع.

انطلاقة باهرة للذكاء الاصطناعي

* طوّر علماء الأحياء الفلكية في معهد كارنيغي للدراسات نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يعطي دقة تصل إلى 90 في المائة في اكتشاف علامات الحياة على الكواكب الأخرى في الفضاء. واستُخدِمَت بيانات ضخمة متعددة الأبعاد من التحليلات الجزيئية لـ134 عينة غنية بالكربون غير الحيوي، أو الحيوي، لتدريب الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بأصل العينة الجديدة.

وبدقة عالية، نجح الذكاء الاصطناعي في تحديد العينات التي نشأت من الكائنات الحية مثل الأصداف الحديثة، والأسنان، والعظام، والحشرات، وأوراق الشجر، والأرز، وشعر الإنسان، والخلايا المحفوظة في الصخور الدقيقة الحبيبات، وبقايا الحياة القديمة التي تغيرت بسبب المعالجة الجيولوجية، أو العينات ذات الأصول غير الحيوية.

الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية ينخفض لمستويات قياسية (ناسا)

* تمكنت نماذج الذكاء الاصطناعي من التنبؤ بمسار إعصار «لي» قبل أسبوع من حدوثه وبدقة أكبر من نماذج التنبؤ التقليدية. وتشكّل إعصار «لي» في المحيط الأطلسي في 20 سبتمبر (أيلول)، حيث اشتدت العاصفة بسرعة ووصلت إلى الفئة (4). ثم اتجه الإعصار شمالاً وبدأ في الاقتراب من ساحل نيو إنغلاند. وقد حدث ذلك بفضل نموذج «Graph Cast» الذي طورته شركة «غوغل»، وهو نموذج لـ«التعلم العميق» يتم تدريبه على مجموعة بيانات ضخمة من صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الطقس الأخرى. النموذج قادر على تحديد الأنماط في هذه البيانات التي يصعب على البشر اكتشافها.

* كشفت دراسة عن أن الفحص بتقنية الذكاء الاصطناعي يمكن أن يجعل التشخيص المبكر لسرطان البنكرياس ممكناً؛ مما يؤدي إلى فاعلية أكبر في العلاج. واستخدم الباحثون نموذج التعلم الآلي لتحليل البيانات، وتعليمها التنبؤ بمخاطر الإصابة بالسرطان بناءً على الأعراض ورموز التشخيص المختلفة الموجودة في السجلات الطبية للمرضى.

أنظمة الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة لخدمة البشر (شاتر ستوك)

من جهة أخرى، خلص باحثون هولنديون إلى أن ChatGPT نجح في إجراء عمليات تشخيص في غرفة الطوارئ تضاهي الأطباء بدقتها، وفي بعض الحالات تتفوق عليهم. كما توصلت دراسة أخرى إلى أن ChatGPT تتفوق على الأطباء البشريين في التعاطف وجودة النصائح المكتوبة.

* لجأ علماء إلى الذكاء الاصطناعي للتوصل إلى مضاد حيوي جديد، يمكنه قتل أنواع مميتة من «البكتيريا الخارقة»، في خطوة قد تشكل حال نجاحها، طفرة في عالم الطب. وساعد الذكاء الاصطناعي في تقليص آلاف المواد الكيميائية المحتملة، إلى حفنة يمكن اختبارها في المختبر. وكانت النتيجة، التوصل إلى مضاد حيوي تجريبي قوي يسمى «abaucin»، والذي سيحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل استخدامه. وقال باحثون في كندا والولايات المتحدة: إن الذكاء الاصطناعي «لديه القدرة على تسريع اكتشاف عقاقير جديدة بشكل كبير».

* وجدت دراسة فرنسية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التنبؤ بتوقف القلب المفاجئ وربما منعه، عبر تحليل المعلومات الطبية في السجلات الصحية الإلكترونية. وهذه النتائج يمكن أن تقدم خطوة جديدة نحو الوقاية من هذه الحالة، وفق الباحثين.

صورة عالية الدقة لقمر إنسيلادوس التابع لزحل (ناسا)

الكون والفضاء

* لأول مرة، وبعدما سعى علماء الفلك طوال ربع قرن إلى تَتَبُعها، تمكنوا أخيراً، في يونيو (حزيران)، من رصد موجات الجاذبية التي تولدها الثقوب السوداء التي يفوق حجمها كتلة الشمس بملايين إلى مليارات الأضعاف. وما أتاح سماعها للمرة الأولى تقنية غير مسبوقة للكشف عن موجات الجاذبية، تفتح «نافذة جديدة على الكون».

وهذه النتائج هي ثمرة تعاون واسع النطاق لأكبر التلسكوبات الراديوية في العالم، التي تمكنت من التقاط هذا الاهتزاز للكون «بدقة الساعة»؛ مما أثار حماسة معدّي الدراسة المنشورة بالتزامن في أكثر من مجلة علمية.

* في يونيو، اكتشف علماء الفضاء لأول مرة، جزيء كربون يُعتقد أنه مكون أساسي لكل أشكال الحياة، التي نعرفها، وذلك بواسطة تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا). يُعرف هذا الجزيء باسم كاتيون الميثيل (CH3 )؛ وهو مهم لأنه يساعد في تكوين جزيئات أكثر تعقيداً تعتمد على الكربون. ووُجد هذا المركب في سديم الجبار، الذي يبعد نحو 1350 سنة ضوئية عن الأرض، وينتمي إلى مجرتنا، مجرة درب التبانة.

باحثون نجحوا في توجيه ونقل الروبوت الصغير عبر متاهة (جامعة واترلو)

وتشكل مركّبات الكربون أسس جميع أشكال الحياة المعروفة، وبالتالي فهي مثيرة للاهتمام بشكلٍ خاص للعلماء الذين يعملون على فهم كيفية تطور الحياة على الأرض، وكيف يمكن أن تتطور في مكانٍ آخر من الكون.

* في يوليو (تموز)، أعلن علماء الفضاء لأول مرة، أن أحد أقمار كوكب زحل يحتوي على كل عناصر ‏الحياة بالنسبة للبشر.‏ واكتشف العلماء تركيزات عالية من الفوسفور في «إنسيلادوس»، القمر التابع لكوكب زحل، وذلك في بلورات الجليد المالحة المنبعثة من محيطه الداخلي، وهو اكتشاف يزيد من قدرته على إيواء الحياة في المستقبل.

بطارية قابلة للأكل (المعهد الإيطالي للتكنولوجيا)

واستند الاكتشاف العلمي إلى البيانات التي جمعتها مركبة الفضاء «كاسيني»، التابعة لوكالة «ناسا»، وهي أول مركبة تدور حول كوكب زحل، خلال استكشافها التاريخي للكوكب الغازي العملاق وحلقاته وأقماره، التي استمرت 13 عاماً، من 2004 إلى 2017.

ولم يعثر العلماء فحسب على الفوسفور في محيط القمر التابع لكوكب زحل، بل أشارت بياناتهم إلى أنه من الممكن أن يكون هناك تركيزات أعلى منه، بما لا يقل عن 100 مرة من تلك الموجودة في محيطات الأرض.

ولا يعد الفوسفور في حد ذاته دليلاً على الحياة، ولكن وجود مركبات الفوسفور في الماء على كوكب الأرض، أمر بالغ الأهمية للنشاط البيولوجي؛ ولذا فهو جزء أساسي من تقييم ما إذا كان قمر «إنسيلادوس» قد يدعم الحياة.

أول هياكل اصطناعية شبيهة بالأجنة البشرية (جامعة كمبريدج)

العلوم البيولوجية

* أول خريطة لدماغ الحشرات. في شهر مارس (آذار)، نجح باحثون في جامعة كمبردج البريطانية في بناء أول خريطة على الإطلاق توضح كل خلية عصبية وكيفية ارتباطها ببعضها بعضاً في دماغ يرقة ذبابة الفاكهة.

وتعد الخريطة التي ترتبط بـ3016 خلية عصبية و548000 نقطة تشابك عصبي والتي تشكل دماغ ذبابة الفاكهة الصغيرة، هي أكبر شبكة عصبية كاملة تم رسمها على الإطلاق في دماغ الحشرات.

واستغرق العمل من الباحثين 12 عاماً لإكماله، واستغرق التصوير وحده يوماً تقريباً لكل خلية عصبية. وأوضح الباحثون، أن هذه الخريطة يمكن أن تقربهم أكثر من فهم آلية التفكير والسلوك، ووصفوا الاكتشاف بأنه «خطوة كبيرة إلى الأمام».

* أول «ولادة عذراء» بين التماسيح. وجد العلماء لأول مرة في التاريخ دليلاً على أن إناث التماسيح يمكن أن تضع بيضاً دون تزاوج، وذلك باتباعها استراتيجية تكاثر غريبة قد تكون لها جذورها التطورية في عصر الديناصورات. وسجّل الباحثون قيام أنثى تمساح أميركية وحيدة موجودة في محمية منذ 16 عاماً، بوضعها مجموعة بيوض تحتوي إحداها على جنين أنثى مثل والدتها.

وكشفت التحليلات الجينية التي أجراها الفريق، عن أن التمساح الأنثى أنتجت البيض دون أي تدخل من ذكر تمساح، وذلك عن طريق عملية تسمى «التوالد العذري»، والمعروفة أكثر باسم «الولادة العذراء».

* انقطاع الطمث موجود أيضاً لدى الشمبانزي. كان من السائد أن انقطاع الطمث يخص فقط البشر وبعض الحيتان القاتلة وكركدن البحر، لكنّ دراسة جديدة نشرت في أغسطس (آب)، أظهرت أن القائمة تضم أحياناً حيوانات الشمبانزي. ويوفّر هذا البحث معطيات جديدة عن تطور انقطاع الطمث لدى النساء، فالغالبية العظمى من إناث الثدييات تستمر في الإنجاب حتى نهاية حياتها، في حين ينخفض إنتاج الهرمونات التناسلية لدى الإنسان، حتى يتوقف تماماً بشكل عام عند سن الخمسين تقريباً.

وتبيّن أن إناث الشمبانزي، على عكس الشمبانزي من مجموعات أخرى، تعيش في المتوسط 20 في المائة من حياتها البالغة بعد توقف قدرتها على التكاثر، وهو ما يقل قليلاً عن البشر.

البيئة والمناخ

* 2023 الأشد حراً على الإطلاق. شهد العالم ارتفاعاً قياسياً في درجات الحرارة خلال 2023، لدرجة أنه حتى قبل نهاية العام، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، خلال الشهر الحالي، أنه العام الأكثر حرارة على الإطلاق.

كانت درجات الحرارة العالمية أعلى بنحو 1.4 درجة مئوية (2.5 فهرنهايت) عن متوسط ما قبل عصر الصناعة للأشهر العشرة الأولى من العام، وهذا يكفي لإعلانه العام الأكثر سخونةً على الإطلاق حتى مع بقاء شهر على نهاية العام.

كما رجّح علماء بمرصد كوبرنيكوس التابع للاتحاد الأوروبي أن يكون 2023 الأكثر ارتفاعاً في درجات الحرارة منذ 125 ألف عام، بعدما أظهرت بيانات أن أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كان الأشد حرارة في العالم خلال تلك السنوات.

* انحسار قياسي بجليد القطب الجنوبي. في سبتمبر، انحسر الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية ووصل لمستويات قياسية منخفضة جديدة مسجلاً رقماً مقلقاً. وبالتزامن مع تحول نصف الكرة الجنوبي إلى مناخ ربيعي، أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) و«المركز الوطني (الأميركي) لبيانات الثلوج والجليد» أن الحد الأقصى للجليد البحري في القطب الجنوبي بلغ 16.96 مليون كيلومتر مربع في الـ10 من سبتمبر. وهذا الرقم يشكل أدنى حد شتوي منذ بداية تسجيل بيانات الأقمار الاصطناعية في عام 1979، ويقل بنحو مليون كيلومتر مربع عن الرقم القياسي السابق المسجل في شتاء عام 1986. ويأتي ذلك بعد أن انحسرت مساحة الجليد البحري في «أنتاركتيكا» خلال فصل الصيف إلى مستوى قياسي في فبراير (شباط) من هذا العام، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2022.

ابتكارات جديدة

* ابتكر فريق من الباحثين في جامعة «واترلو» الكندية، مواد ذكية متقدمة قالوا إنها ستكون بمثابة اللبنات الأساسية لجيل مستقبلي من الروبوتات الطبية الدقيقة. وأوضح الباحثون، أن المادة المبتكرة عبارة عن مركبات هيدروجيل متقدمة تتضمن جزيئات السليلوز النانوية المستدامة المشتقة من النباتات، ويمكن استخدامها كوحدة بناء للأجيال القادمة من الروبوتات صغيرة الحجم. ويمكن لهذه الروبوتات أن تساعد في توصيل الأدوية والعلاجات إلى مناطق معينة من الجسم، مثل الأورام أو الخلايا المريضة، بالإضافة إلى إزالة الخلايا أو الأنسجة المريضة، مثل الأورام أو الخلايا السرطانية.

* تمكن خبراء معادن في جامعة سكولتيش الروسية من الحصول على بنى مسامية، يمكن للخلايا الحية المرور من خلالها بسهولة، وذلك باستخدام مسحوق معدني وطباعة ثلاثية الأبعاد. وتصلح هذه البنى لإنتاج غرسات مسامية لأنسجة العظام تعتمد على مركبات النيكل والتيتانيوم، والتي تشبه إلى حد كبير العظام الحقيقية.

* طور باحثون في إيطاليا نوعاً جديداً من البطاريات القابلة لإعادة الشحن مصنوعة من مواد صالحة للأكل ويمكن أن تذوب بأمان في المعدة بمجرد أن تؤدي ما عليها القيام به. وصُممت البطارية من قائمة متنوعة من المكونات؛ وهي أول بطارية وظيفية قابلة لإعادة الشحن يمكن تقديمها كوجبة خفيفة، حيث تشمل مكوناتها فيتامين ريبوفلافين لأنود البطارية، ومكملات كيرسيتين مثل الكاثود. بينما يتكون المنحل بالكهرباء (الذي يولد الشحنة الكهربائية) من محلول قائم على الماء، والفاصل (الذي يمنع الدوائر القصيرة) مصنوع من النوري (أعشاب بحرية تزخر بها مطاعم السوشي). كما يتم تضمين الفحم المنشط، الذي يستخدم غالباً لعلاج حالات التسمم لزيادة التوصيل الكهربائي، في حين أن جهات الاتصال الخارجية التي تنقل الكهرباء إلى جهاز آخر مصنوعة من شمع العسل، متصلة بذهب مزخرف من الدرجة الغذائية.

* أعلن مركز أبحاث الطاقة الكمية في كوريا الجنوبية عن تطوير موصل كهربائي جديد باسم (LK-99)، يعد أول موصل يصل لحالة الموصلية الفائقة في درجة حرارة الغرفة ومن دون أي تأثير على الضغط الجوي.

والموصلية الفائقة هي حالة تصل لها أشباه الموصلات عندما تصبح مقاومتها صفر أو مقاربة للصفر، ولا يمكن عملياً الوصول لهذا الوضع إلا عند درجات حرارة شديدة الانخفاض قد تصل إلى صفر كيلفين (273- درجة سيليزية).

ويمكن أن يؤدي نجاح تصنيع (LK-99) بصورة تجارية إلى تغيير حياتنا بشكل كامل؛ لأنه سيقود إلى توفير كميات مهولة من الطاقة المهدرة في نقل الكهرباء، وستكون البطاريات المستخدمة أكثر كفاءة، كما أن تصنيع أجهزة الكمبيوتر الكمي ستكون أقل كلفة بمراحل ولن تحتاج مراكز البيانات إلى أنظمة تبريد ضخمة كالمستخدمة حالياً.



الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

كثيراً ما يؤكد معظم مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي أنها تُسهّل حياتهم. وتحمل هذه التكنولوجيا الذكية وعوداً بتبسيط المهام وتولي مسؤولية تنفيذها على الصعيدين المهني والشخصي، سواءً أكان ذلك تلخيص الوثائق، أو صياغة التقارير، أو إنشاء رموز برمجية، أو حتى تقديم الدعم النفسي. ومع ذلك، يساور الباحثين القلق من أن الذكاء الاصطناعي يُسهّل بعض المهام أكثر من اللازم، وأن هذا سيحمل بطياته عواقب غير متوقعة.

انحسار المشاركة الفاعلة

في مقال بعنوان «ضد الذكاء الاصطناعي السلس»، نشرته دورية «علم نفس الاتصالات» (Communications Psychology) بتاريخ 24 فبراير (شباط)، ناقش علماء نفس من جامعة تورنتو ما قد يفقده الإنسان عندما يقضي الذكاء الاصطناعي على كثير من الجهد المطلوب فيما يخص إنجاز الأنشطة البشرية. وتمحورت حجتهم حول فكرة: يلعب الاحتكاك - الصعوبة، والجهد، وحتى الشعور بعدم الراحة - دوراً مهماً في التعلم، والتحفيز، والشعور بالمعنى. لطالما أظهرت الأبحاث النفسية أن المشاركة الفعالة تُعمّق الفهم وتُقوّي الذاكرة، ما يُوصف بعض الأحيان بـ«الصعوبات المرغوبة».

ويخشى باحثون من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج إجابات مُنمّقة أو محادثات سريعة الاستجابة، ربما تتجاوز عمليات التعلم والتحفيز هذه. ومن خلال توجيه الأولوية للنتائج على حساب الجهد، قد يُضعف الذكاء الاصطناعي التجارب، التي تُساعد الأفراد على تطوير مهاراتهم، وبناء علاقاتهم، وإيجاد معنى في عملهم.

في هذا الصدد، تحدثت فانيسا بيتس راميريز من مجلة «جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين» (سبيكتروم) ، مع إميلي زوهار، طالبة الدكتوراه في علم النفس التجريبي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، حول سبب تأكيدها مع زميليها عالمي النفس بول بلوم ومايكل إنزليخت على أهمية الاحتكاك، وما الذي يمكن أن يبدو عليه في نهج أكثر تركيزاً على الإنسان لدى تصميم الذكاء الاصطناعي.

حوار علمي

> عندما تتحدثين عن «الاحتكاك» ماذا تقصدين من الناحيتين المعرفية والشخصية؟

- تقول إميلي زوهار: نُعرّف الاحتكاك بأنه أي صعوبة يواجهها الإنسان في أثناء السعي إلى تحقيق هدف ما. في سياق العمل، يشتمل الاحتكاك على جهد ذهني - مثل التأمل والمثابرة، والتركيز على مشكلة ما لفترة من الوقت، الأمر الذي يُساعد على ترسيخ الأفكار والعملية الإبداعية.

أما في العلاقات، فيشتمل الاحتكاك على الاختلاف، ومحاولة التوصل إلى التسوية، وإدارة سوء الفهم، والحوار المتبادل - وهي أمور تعد طبيعية عندما لا تتفق وجهات النظر دائماً، ويُساعد على توسيع الآفاق. حتى الشعور بالوحدة له أهمية، فهو يحفز على البحث عن تفاعلات اجتماعية، لذا فإن الشعور بهذه المشاعر السلبية والصعوبات، أمرٌ مهم في السياق الاجتماعي.

> بناءً على هذا التعريف... ما المقصود بمصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس»؟

- يشير مصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس frictionless AI» إلى المحو المفرط للجهد المطلوب لإنجاز المهام المعرفية والاجتماعية. إذ إنه ومع الذكاء الاصطناعي، كما نستخدمه عادةً، يصبح من السهل للغاية الانتقال من مرحلة توليد الأفكار إلى المنتج النهائي. في الواقع، فإنك تطلب من الذكاء الاصطناعي حل مشكلة ما بمجرد توجيهك له، ليُنجز المهمة بأكملها. ويعد هذا الأمر مشكلة، لأنه يزيل الخطوات الوسيطة التي تُحفز التعلم وتُنمي الدافع، ويولي الأولوية للنتيجة، على حساب العملية. وبدلاً من العمل عبر هذه الخطوات، يتولى الذكاء الاصطناعي هذا العمل المهم نيابةً عنك.

يكشف كثير من الدراسات أن جودة العمل تتحسن مع استخدام الذكاء الاصطناعي. وهذا منطقي، فهو يمتلك كل هذه المعرفة.

ومع ذلك، فإنه يُثير قلقنا لأنه قد يُضعف شيئاً أساسياً يحمل عواقب طويلة الأمد. فإذا واجهت المشكلة نفسها في المستقبل، ولم تكن بحوزتك أداة للذكاء الاصطناعي، فلن تمتلك المعرفة اللازمة لمواجهة المشكلة في المرة المقبلة.

الجهد والمثابرة والتنمية البشرية

> ترين أن إزالة الاحتكاك قد تُضر بالتعلم والعلاقات... باعتقادك ما دور الجهد والمثابرة في التنمية البشرية؟

- في مجال التعلّم، يُطلق على هذا المصطلح «الصعوبات المرغوبة»، في إشارة إلى الجهد والعمل، ليس أي جهد، بل الجهد الذي يمكن إدارته. والمقصود هنا مواجهة مشكلات يُمكن التغلب عليها، لكن يتطلب الأمر بذل بعض الجهد ـ وهنا تكمن الفكرة الأساسية للاحتكاك. لا نريدك أن تواجه مشاكل مستعصية، وإنما نريدك أن تعمل بجد، مع تمتعك بالقدرة على التغلب عليها. ويُساعدك ذلك على استيعاب المعلومات والتعلم منها. في العلاقات الشخصية، عليك مواجهة بعض الصعوبات لمعاينة وجهات نظر أخرى والتعلم منها، وتعلّم تقبّل الآخرين. أما إذا كنت معتاداً على أن يُعزز الذكاء الاصطناعي جميع أفكارك ويتملقك، فستدخل العالم الحقيقي، وتجد نفسك غير معتاد على مطالعة أفكار أخرى. حينها، لن تعرف كيف تتفاعل اجتماعياً، لأنك ستتوقع أن يكون الناس دوماً في صفك ويوافقونك الرأي. ولن تتعلم أن الحياة لا تسير دوماً بالطريقة التي تتوقعها، وأن المحادثات لا تسير دائماً على النحو الذي تنشده.

الذكاء الاصطناعي والعمليات الإبداعية

> لطالما سعت تقنيات كثيرة إلى تقليل الجهد المبذول: الآلات الحاسبة، والغسالات، وبرامج التدقيق الإملائي... ما الذي يميز الذكاء الاصطناعي؟

- ركزت التقنيات السابقة، في أغلبها، على تقليل الجهد البدني. لم نعد مضطرين للذهاب إلى النهر لغسل ملابسنا. لقد أزالت التقنيات السابقة الحاجة إلى إنجاز المهام الروتينية، التي لم تكن تُسهم في تعلمنا ونمونا، بل كانت تُضيف عقبات غير ضرورية وتُهدر الوقت المُخصص لمهام أكثر أهمية.

إلا أن الذكاء الاصطناعي يُقلل الجهد المبذول في العمليات الإبداعية والمعرفية التي تُحفز المعنى والدافع والتعلم. هنا، يكمن الفرق الجوهري، لأنه لا يُزيل العقبات من المهام التي لا تُفيدنا، بل يُزيل العقبات من التجارب المهمة والأساسية لتطورنا.

> هل هناك سياقات يُزيل فيها الذكاء الاصطناعي العقبات المفيدة بالفعل؟ وكيف تظهر آثار تقليل العقبات بمرور الوقت؟

- أحد الأمثلة الواضحة هنا الكتابة. يعتمد الناس بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي في صياغة كل شيء، من رسائل البريد الإلكتروني إلى المقالات، ما يُزيل من الطريق كثيراً من العقبات المفيدة. وتُظهر أبحاث أن ثقة الناس بالردود تتراجع، عندما يعلمون أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأنهم يُقيّمون المنتجات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بأنها أقل إبداعاً وقيمة، ويواجهون صعوبة أكبر في تذكّر أعمالهم التي أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. كما أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة تقضي على الاحتكاك الاجتماعي والمعرفي.

ونجد مثالاً جيداً آخر البرمجة التفاعلية. إذا كنت مبرمجاً، فإنّ هذا يعني أن البرمجة جزء لا يتجزأ مما يُضفي معنى على عملك. يستمدّ الناس المعنى من عملهم، وإذا استبدلت ذلك بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يضر ذلك بهم. ويتركز الأثر السلبي للذكاء الاصطناعي السلس حول أنه يُزيل الاحتكاك من أمور بالغة الأهمية لتنمية شخصيتك ومهاراتك.

أحد المجالات التي تثير قلقي بشدة، استخدام المراهقين للذكاء الاصطناعي بشكل عام. إنها فترة نمو بالغة الأهمية للتعلّم والنموّ واكتشاف المسار الذي ستسلكه. لذا، إذا لم تكن لديك هذه التفاعلات المُثمرة مع العمل والعلاقات، التي تُعلّمك كيف تُفكّر، فستكون لذلك آثار سلبية على المدى الطويل. قد لا يتمكنون من التفكير النقدي بالطريقة نفسها، لأنهم لم يضطروا لذلك من قبل. وإذا لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي في بناء علاقاتهم الاجتماعية في هذه السن المبكرة، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع مهارات مهمة كان ينبغي عليهم تعلمها في تلك المرحلة العمرية.

«الاحتكاك البنّاء»

> ما المقصود بالاحتكاك البنّاء؟

- الاحتكاك بطبيعته متدرج، فمع قلة الاحتكاك، لا يتحقق التعلم ولا الحافز. ومع كثرته، تصبح المهمة شاقة للغاية. أما الاحتكاك البنّاء، فيقع في المنتصف، وفي إطاره يؤدي الكفاح إلى الإنجاز. إنه يتطلب جهداً، لكنه جهد ممكن، ويتطلب التفكير النقدي والعمل على حل مشكلة ما لفترة من الوقت أو مواجهة بعض الصعوبات خلال العملية.

وكان المثال الذي استخدمناه في البحث، الفرق بين ركوب «التلفريك» وتسلق الجبل سيراً على الأقدام. كلاهما يصل إلى القمة، لكن مع «التلفريك»، لا يجني المرء أي فوائد تنموية، بينما ينطوي تسلق الجبل على صعوبات وشعور بالإنجاز. يصبح الأمر أكثر ثراءً ويحمل فرصة أكبر للتعلم، مقارنةً بالشخص الذي صعد بسهولة تامة، مستعيناً بـ«التلفريك».

> هل تتصورين ذكاءً اصطناعياً يُبطئ الناس عن عمد أحياناً أو يطلب منهم الاضطلاع بجزء من العمل بأنفسهم؟

- من المهم في علم السلوك التفكير في الخيار الافتراضي، لأن الناس لا يغيرون عادةً ما هو افتراضي لديهم. لذا، فإن الوضع الافتراضي في الذكاء الاصطناعي حالياً هو تقديم الإجابة التي تلائمك، ثم دفع المستخدم لمواصلة الس-

ير في الاتجاه ذاته. إلا أنني أعتقد أنه بإمكاننا التفكير في الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة. ربما يمكننا جعل الوضع الافتراضي بناءً، على نحو أكبر؛ فبدلاً من مجرد الوصول إلى الإجابة مباشرةً، يُساعد الذكاء الاصطناعي المستخدم على التفكير في المشكلة ويُعلمه في أثناء ذلك، ما يجعله أكثر تعاوناً، وليس مصدراً لحل جاهز.

• باعتقادك كيف سيشعر مستخدمو هذه الأنظمة والشركات المطورة لها حيال هذا التحول في التصميم؟

- فيما يتعلق بمطوري هذه الأنظمة، يتركز القلق الأكبر حول ردود الفعل السلبية، فالناس اليوم أصبحوا معتادين على الحصول على الإجابة مباشرةً، وقد يُبدون مقاومة شديدة لتصميم يُجبرهم على بذل جهد أكبر. إلا أن هذا قد يُحفز مزيداً من التفاعل، لأنه يتطلب التفاعل والتواصل معاً للوصول إلى الإجابة. في نهاية المطاف، أعتقد أن الأمر يجب أن ينبع من الشركات المصنعة لهذه النماذج، إذا كان المصممون يعتقدون أن تصميماً يقوم على قدر أكبر من الاحتكاك سيفيد المستخدمين. في الواقع، فإن هذا النمط من الذكاء الاصطناعي المعقد منتج طويل الأمد. ومن الصعب الجزم ما إذا كان ذلك سيحفز الشركات على تغيير نماذجها لتتضمن قدراً معقولاً من التعقيد، لكن على المدى البعيد، أعتقد أن هذا سيكون مفيداً. لمواجهة المصاعب وبذل الجهود دور مهم في التعلم والتحفيز والشعور بمعنى الإنجازات


اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية
TT

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح فهم أمراض القلب الخِلْقية، توصل باحثون من جامعة تارتو بإستونيا إلى اكتشاف جين جديد لم يكن مرتبطاً سابقاً بأي مرض بشري، لكنه يبدو أنه يلعب دوراً حاسماً في تكوّن قلب الجنين.

وتربط النتائج التي نُشرت في دورية «Journal of Medical Genetics» في 4 مارس (آذار) 2026، جينMGRN1 بحدوث تشوهات قلبية خلقية، وذلك في اختراق علمي قد يغير طريقة تشخيص هذه الحالات، والتعامل معها مستقبلاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة؛ إذ تُعد عيوب القلب الخِلقية من أكثر التشوهات شيوعاً عالمياً؛ حيث تصيب نحو مولود واحد من كل مائة. وعلى مدى عقود، سعى العلماء لفك لغز العوامل الجينية التي تتحكم في تطور القلب؛ أملاً في الوصول إلى تشخيص مبكر وعلاج أكثر دقة. واليوم، يفتح هذا الاكتشاف باباً جديداً نحو فهم أعمق، وربما إنقاذ مزيد من الأرواح

جين مفاجئ

وما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً بشكل خاص هو أن جين MGRN1 لم يكن مرتبطاً من قبل بتطور الجنين البشري المبكر أو بأي مرض على الإطلاق، وظهوره لاعباً رئيسياً في تشكل القلب فاجأ المجتمع العلمي.

وأكدت قائدة فريق البحث لورا كاساك رئيس قسم علم الوراثة البشرية بمعهد الطب الحيوي والطب الانتقالي بجامعة تارتو بإستونيا في النتائج المنشورة، أن هذا الجين كان عملياً خارج نطاق الرادار، ولم تشِر أي دراسات سابقة إلى مشاركته في تطور القلب أو أي حالة خِلقية.

جاء هذا الاكتشاف بعد سنوات من التحليل الجيني الدقيق، قام خلالها الباحثون بفحص عينات الحمض النووي «دي إن إيه» من عائلات تأثرت بعيوب قلب خِلقية. وباستخدام تقنيات متقدمة في التسلسل الجيني، حدد الفريق تغيرات في جين MGRN1 ظهرت بتردد غير عادي لدى الأطفال الذين وُلدوا بتشوهات قلبية.

وبالنسبة للعائلات التي تواجه تشخيص مرض قلبي خِلقي فإن آثار هذا الاكتشاف عميقة. حالياً يتلقى العديد من الآباء مثل هذه التشخيصات بمعلومات محدودة عن الأسباب الكامنة؛ ما يصعّب فهم مخاطر التكرار، أو اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن تنظيم الأسرة.

إلا أن تحديد جين MGRN1 يغير هذه المعادلة تماماً؛ حيث يمكن لمقدمي الرعاية الصحية الآن فحص التغيرات في هذا الجين في أثناء الحمل؛ ما يتيح اكتشافاً أبكر للتشوهات القلبية المحتملة. ويتيح الاكتشاف الأبكر، بدوره، تحضيراً أفضل بدءاً من ترتيب رعاية متخصصة في غرفة الولادة، وصولاً إلى التخطيط للتدخلات الجراحية التي قد تكون ضرورية بعد الولادة بمدة قصيرة.

وأكدت الدكتورة ماريس لان المشاركة بالدراسة، والتي تقود مجموعة أبحاث الوراثة البشرية، أن هذا الاكتشاف يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للإرشاد الوراثي؛ فالعائلات التي عانت من ألم معاناة أطفالها من عيوب القلب الخِلقية يمكنها الآن الحصول على معلومات أكثر دقة حول احتمالية تكرار الحالة في حالات الحمل المستقبلية.

فحوصات وعلاجات جينية

تمتد التطبيقات العملية لهذا البحث إلى ما هو أبعد من المختبر، مع بدء المراكز الطبية في دمج فحوصات جين MGRN1 في بروتوكولات الفحص قبل الولادة، حيث يتوقع الأطباء تحقيق تحسينات ملموسة في كيفية التعامل مع عيوب القلب الخِلقية.

وعندما يعرف الأطباء أي المسارات الجينية تعطلت يمكنهم توقُّع الأنواع المحددة من التشوهات التي قد تتطور وتوقع المضاعفات المحتملة بشكل أفضل. وهذه المعرفة تسمح بوضع خطط رعاية أكثر تخصيصاً تتناسب مع الملف الجيني الفريد لكل مريض.

علاوة على ذلك، فإن فهم الآليات الجزيئية التي يؤثر بها جين MGRN1 في تطور القلب يخلق فرصاً لطرق علاجية جديدة تماماً. ورغم أن التدخلات العلاجية في أثناء الحمل تبقى معقدة فإن الباحثين يستكشفون بالفعل ما إذا كانت بعض الأدوية أو العلاجات الجينية قد تخفف في يوم ما آثار الطفرات الضارة لجين MGRN1 قبل الولادة.

ولا يمثل اكتشاف دور جينMGRN1 نهاية الرحلة العلمية بل بداية فصل جديد في فهم عيوب القلب الخِلقية؛ ففي جامعة تارتو يعمل الباحثون حالياً على توسيع نطاق دراساتهم لاستكشاف كيفية تفاعل هذا الجين مع شبكة واسعة من الجينات الأخرى المعروفة بتأثيرها في نمو القلب.

وقد بدأت بالفعل شراكات بحثية مع مؤسسات علمية في أوروبا وأميركا الشمالية في خطوة تعكس إدراك المجتمع العلمي لأهمية التحقق من هذه النتائج على نطاق أوسع، وفي مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

ويؤكد فريق البحث أن القلب من أكثر أعضاء الجسم تعقيداً؛ إذ يتطلب تكوّنه تناغماً دقيقاً بين مئات بل آلاف الجينات. وفي هذا السياق يقدّم جين MGRN1 نافذة جديدة لفهم هذه العملية المعقدة، نافذة لم تكن معروفة من قبل.

وبالنسبة لآلاف العائلات التي تتلقى سنوياً تشخيصاً بوجود عيب خِلقي في القلب، وللأطفال الذين قد يواجهون سلسلة من العمليات الجراحية في سنواتهم الأولى يحمل هذا الاكتشاف بارقة أمل حقيقية، واستعداداً أفضل وفرصاً أعلى لتحسين النتائج الصحية.

وكما يلخص أحد الباحثين في الفريق: «كل جين نكتشفه هو قطعة جديدة من هذا اللغز الكبير. قد لا نرى الصورة الكاملة بعد، لكننا اليوم أقرب إليها من أي وقت مضى».

وتخطط الجامعة لنشر التفاصيل المنهجية الكاملة لهذا الاكتشاف في عدد قادم من «Journal of Medical Genetics»، بما يتيح للباحثين حول العالم البناء على هذه الخطوة المهمة، ودفع حدود المعرفة الطبية إلى الأمام.


نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».