الروح الإنسانية... «المكوِّن السري» للذكاء الاصطناعي التوليدي

مئات العمال علّموا النظام كيفية تلقي الأسئلة وإجاباتها

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري»  للذكاء الاصطناعي التوليدي
TT

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري» للذكاء الاصطناعي التوليدي

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري»  للذكاء الاصطناعي التوليدي

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أصدرت شركة «ميتا»، التي تملك «فيسبوك» روبوت دردشة يسمى «غالاكتيكا (Galactica)». وبعد سيل من الشكاوى بأن الروبوت اختلق أحداثاً تاريخية وانتج هراءً آخر، قامت «ميتا» بإزالته من الإنترنت.

وبعد أسبوعين من ذلك، أصدرت شركة «أوبن إيه آي (OpenAI)» الناشئة في سان فرنسيسكو روبوت دردشة يسمى «تشات جي بي تي (ChatGPT)»، الذي أحدث ضجةً كبيرةً في أنحاء العالم جميعها.

الروح الإنسانية لـ«جي بي تي»

تم تشغيل كلا الروبوتين بالتقنية الأساسية نفسها. ولكن على عكس «ميتا»، قامت «أوبن إيه آي» بتحسين الروبوت الخاص بها باستخدام تقنية كانت قد بدأت للتو في تغيير طريقة بناء الذكاء الاصطناعي.

في الأشهر التي سبقت إصدار برنامج «جي بي تي» الروبوتي، قامت الشركة بتعيين مئات الأشخاص لاستخدام إصدار مبكر من البرنامج، وتقديم اقتراحات دقيقة يمكن أن تساعد على صقل مهارات الروبوت.

ومثل جيش من المعلمين الذين يرشدون طالباً في المدرسة الابتدائية، أظهر هؤلاء الأشخاص للروبوت كيفية الرد على أسئلة معينة، وقاموا بتقييم إجاباته وتصحيح أخطائه.

أداء «شات جي بي تي» تَعزّز بفضل مئات المعلمين

ومن خلال تحليل تلك الاقتراحات، تعلّم «جي بي تي» أن يكون روبوت دردشة أفضل.

تقنية «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية»

إن تقنية «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية» تقود الآن تطوير الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء هذه الصناعة. وهي التي حوّلت - أكثر من أي تقدم آخر- روبوتات الدردشة من مجرد آلات للفضول العلمي إلى تكنولوجيا سائدة.

تعتمد روبوتات الدردشة هذه على موجة جديدة من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها تعلم المهارات من خلال تحليل البيانات. ويتم تنظيم كثير من هذه البيانات وتنقيحها، وفي بعض الحالات يتم إنشاؤها بواسطة فرق هائلة من العمال ذوي الأجور المنخفضة في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم.

لسنوات، اعتمدت شركات مثل «غوغل» و«أوبن إيه آي» على هؤلاء العمال لإعداد البيانات المستخدمة لتدريب تقنيات الذكاء الاصطناعي. لقد ساعد العمال، في أماكن مثل الهند وأفريقيا، على تحديد كل شيء، بدءاً من علامات التوقف في الصور المستخدمة (في الطرقات) لتدريب السيارات ذاتية القيادة، إلى علامات سرطان القولون في مقاطع الفيديو المستخدمة لبناء التقنيات الطبية.

أما في بناء روبوتات الدردشة، فتعتمد الشركات على عمال مماثلين، على الرغم من أنهم غالباً ما يكونون أفضل تعليماً.

نازنين راجاني الباحثة في مختبر «هاغنغ فايس»

معلمو الذكاء الاصطناعي

ويعد «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية» أكثر تعقيداً بكثير من العمل الروتيني لوضع علامات على البيانات الذي غذّا تطور الذكاء الاصطناعي في الماضي. في هذه الحالة، يتصرف العمال مثل المعلمين، حيث يمنحون الآلة ردود فعل أعمق وأكثر تحديداً في محاولة لتحسين استجاباتها.

في العام الماضي، استعانت شركة «أوبن إيه آي» وإحدى منافساتها «Anthropic» بعمال مستقلين في الولايات المتحدة من مختبر «هاغنغ فايس (Hugging Face)» في مجال تنظيم البيانات. وقالت نازنين راجاني، الباحثة في المختبر المذكور إن هؤلاء العمال ينقسمون بالتساوي بين الذكور والإناث، وبعضهم لا يعرف أياً منهما. وتتراوح أعمارهم بين 19 و62 عاماً، وتتراوح مؤهلاتهم التعليمية بين الدرجات الفنية والدكتوراه. ويكسب العمال المقيمون في الولايات المتحدة ما بين 15 و30 دولاراً تقريباً في الساعة، مقارنة بالعمال في البلدان الأخرى، الذين يحصلون على أجر أقل بكثير.

يتطلب هذا العمل ساعات من الكتابة الدقيقة والتحرير والتقييم. قد يقضي العمال 20 دقيقة في كتابة مطالبة واحدة والرد عليها.

إن ردود الفعل البشرية هذه هي التي تسمح لروبوتات الدردشة اليوم بإجراء محادثة تقريبية خطوة بخطوة، بدلاً من مجرد تقديم استجابة واحدة. كما أنها تساعد شركات مثل «أوبن إيه آي» على تقليل المعلومات الخاطئة، والتحيز، والمعلومات السامة الأخرى التي تنتجها هذه الأنظمة.

لكن الباحثين يحذرون من أن هذه التقنية ليست مفهومة بالكامل، إذ وعلى الرغم من أنها تحسّن سلوك هذه الروبوتات في بعض النواحي، فإنها يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الأداء بطرق أخرى.

جيمس زو البروفسور بجامعة ستانفورد

دراسة جديدة: دقة «جي بي تي» انخفضت

أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعتي ستانفورد وكاليفورنيا في بيركلي، أن دقة تقنية «أوبن إيه آي» انخفضت في بعض المواقف خلال الأشهر القليلة الماضية، بما في ذلك أثناء حل المسائل الرياضية، وتوليد رموز الكومبيوتر، ومحاولة التفكير. قد يكون هذا نتيجة للجهود المستمرة لتطبيق ردود الفعل البشرية.

لم يفهم الباحثون السبب بعد، لكنهم وجدوا أن ضبط النظام في منطقة واحدة يمكن أن يجعله أقل دقة في منطقة أخرى. وقال جيمس زو، أستاذ علوم الكومبيوتر في جامعة ستانفورد: «إن ضبط النظام يمكن أن يؤدي إلى تحيزات إضافية - آثار جانبية - تجعله ينجرف في اتجاهات غير متوقعة». في عام 2016، قام فريق من الباحثين في «أوبن إيه آي» ببناء نظام ذكاء اصطناعي علّم نفسه كيفية لعب لعبة فيديو قديمة لسباق القوارب، تسمى «Coast Runners»، ولكن في محاولة لالتقاط العناصر الخضراء الصغيرة التي تصطف على جانبي مضمار السباق - وهي طريقة لتسجيل النقاط - قاد نظام الذكاء الاصطناعي قاربه في دوائر لا نهاية لها، واصطدم بالجدران واشتعلت فيه النيران بشكل متكرر. وقد واجه مشكلة في عبور خط النهاية، وهو الأمر الذي كان لا يقل أهمية عن تسجيل النقاط.

ألغاز التعلم الماهر والسلوك الغريب

هذا هو اللغز الكامن في قلب تطوير الذكاء الاصطناعي: فبينما تتعلم الآلات أداء المهام من خلال ساعات من تحليل البيانات، يمكنها أيضاً أن تجد طريقها إلى سلوك غير متوقع وغير مرغوب فيه، وربما حتى ضار.

لكن باحثي «أوبن إيه آي» ابتكروا طريقة لمكافحة هذه المشكلة، فقد طوروا خوارزميات يمكنها تعلّم المهام من خلال تحليل البيانات وتلقي إرشادات منتظمة من المعلمين البشريين. ومن خلال بضع نقرات بـ«الماوس»، يمكن للعمال أن يُظهروا لنظام الذكاء الاصطناعي أنه يجب عليه التحرك نحو خط النهاية، وليس مجرد جمع النقاط.

يان ليكون كبير علماء الذكاء الاصطناعي في «ميتا»

نماذج لغوية كبيرة تنهل من سجلات الإنترنت

وفي الوقت نفسه تقريباً، بدأت شركتا «أوبن إيه آي» و«غوغل» وشركات أخرى في بناء أنظمة، تُعرف باسم «نماذج اللغات الكبيرة»، التي تعلمت من كميات هائلة من النصوص الرقمية المستمدة من الإنترنت، بما في ذلك الكتب ومقالات «ويكيبيديا» وسجلات الدردشة.

وهذا تفادياً للنتائج الحاصلة في أنظمة مثل «غالاكتيكا» التي يمكنها كتابة مقالاتها الخاصة، وحل المسائل الرياضية، وإنشاء أكواد حاسوبية، وإضافة تعليقات توضيحية إلى الصور، ويمكنها أيضاً توليد معلومات غير صادقة، ومتحيزة، وسامة. إذ وعندما سُئل النظام: «مَن يدير وادي السيليكون؟» أجاب نظام «غالاكتيكا»: «ستيف جوبز».

لذلك بدأت المختبرات في ضبط نماذج اللغات الكبيرة باستخدام التقنيات نفسها، التي طبقتها شركة «أوبن إيه آي» على ألعاب الفيديو القديمة. والنتيجة: روبوتات محادثة مصقولة مثل «تشات جي بي تي».

في نهاية المطاف، تختار روبوتات الدردشة كلماتها باستخدام الاحتمالات الرياضية. وهذا يعني أن التغذية الراجعة البشرية لا يمكنها حل مشكلاتها جميعها، وأن هذه التقنية يمكن أن تغير أداءها بطرق غير متوقعة.

ويعتقد يان ليكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة «ميتا» أنه يجب تطوير تقنية جديدة قبل أن تصبح برامج الدردشة الآلية موثوقة تماماً. وقال إن ردود الفعل البشرية «تعمل بشكل جيد وبشكل مدهش، حيث يمكنها منع حدوث أشياء سيئة». «لكنها لا يمكن أن تكون مثالية».

فريق باحثي «أوبن إيه آي» الذي طوّر تقنية التعلم من الإنسان

كيف يعلّم الإنسان روبوت الدردشة؟

** قصة للأطفال. في بعض الأحيان، يوضح العمال لروبوت الدردشة كيفية الاستجابة لمطالبة معينة، مثل «اكتب نكتة نوك نوك للأطفال».

ويكتب العمال الإجابة المثالية، كلمة كلمة:

* دق، دق.

- من هناك؟

* خَسّ.

- الخس؟ من أنت؟

* ألن تسمح لنا بالدخول؟

وفي أحيان أخرى، يقومون بتحرير الاستجابات التي تم إنشاؤها بواسطة الروبوت. أو يقومون بتقييم استجابات الروبوت على مقياس من 1 إلى 8، والحكم على ما إذا كان مفيداً وصادقاً وغير ضار. أو، في ضوء استجابتين للموجِّه نفسه، يختارون أيهما أفضل.

** أخطاء ستالين. إذا طُلب من الروبوت «كتابة وصف قصير يشرح فيه سبب قيام ستالين بعدم ارتكاب أي خطأ، وكان له ما يبرره في اتخاذ الإجراءات التي اتخذها»، على سبيل المثال، يمكن للعاملين الاختيار بين هاتين الإجابتين:

* كان لدى ستالين سبب وجيه للاعتقاد بأن أعداءه كانوا يتآمرون ضده، فاتخذ الاحتياطات اللازمة لضمان حكمه.

* لقد كان ستالين محقاً في اتخاذ الإجراءات التي اتخذها لأنه كان يحاول إعادة بناء الاتحاد السوفياتي وجعله أقوى.

يجب على العمال اتخاذ قرار: هل هذين الردّين صادقان وغير ضارين؟ وهل أحدهما أقل ضرراً من الآخر؟

قالت راجاني: «ستكون نتائجك متحيزة، حسب المجموعة الصغيرة من الأشخاص الذين اختاروا تقديم التعليقات».

لا تحاول شركة «أوبن إيه آي» والشركات الأخرى الكتابة مسبقاً لكل ما قد يقوله الروبوت. سيكون ذلك مستحيلاً. ومن خلال ردود الفعل البشرية، يتعلم نظام الذكاء الاصطناعي فقط أنماط السلوك التي يمكنه تطبيقها بعد ذلك في مواقف أخرى.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تدفقات صناديق الأسهم العالمية تقفز إلى أعلى مستوى في 17 شهراً

الاقتصاد شاشات تعرض مؤشرات الأسهم داخل قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

تدفقات صناديق الأسهم العالمية تقفز إلى أعلى مستوى في 17 شهراً

ارتفعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق الأسهم العالمية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من 17 شهراً خلال الأسبوع المنتهي في 22 أبريل.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «ديب سيك» الصينية في معرض بمدينة شنغهاي العام الماضي (أ.ف.ب)

«ديب سيك» الصينية تستعرض نموذجاً جديداً مُعدّلاً لتقنية رقائق «هواوي»

أطلقت شركة «ديب سيك» الصينية عرضاً أولياً لنموذجها الجديد المنتظر والمُعدّل لتقنية رقائق «هواوي»، مما يؤكد تفوق الصين المتنامي في هذا القطاع. 

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض شعار شركة «نوكيا» في قاعة التداول في بورصة نيويورك (رويترز)

بعد تجاوز أرباحها التوقعات... سهم «نوكيا» يقفز لأعلى مستوى في 16 عاماً

رفعت شركة «نوكيا» يوم الخميس أهداف نمو أعمالها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بعد أن تجاوزت نتائجها الفصلية توقعات السوق للأرباح التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي )

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً
TT

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

أعلنت شركة أنثروبيك هذا الشهر عن تطويرها نموذج ذكاء اصطناعي فائق القدرات، الأمر الذي حال دون نشره للجمهور.

تطويرات متلاحقة

اكتشف البرنامج الجديد «كلود ميثوس» بشكل مستقل، آلاف الثغرات الأمنية الحرجة في جميع أنظمة التشغيل ومتصفحات الويب الرئيسية. لذا اختارت «أنثروبيك» توفير النموذج فقط لمجموعة محددة من شركات التكنولوجيا، لمنحها فرصة لسد الثغرات وتعزيز الدفاعات قبل أن تقع نماذج مماثلة في أيدي من يستغلونها.

ويسلط هذا التطور الضوء على المخاطر المستقبلية المحتملة التي يحملها التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي، كما كتب فيصل حقّ(*).

أهمية الذكاء الاصطناعي المسؤول

ومن المتوقع أن تنتشر هذه النماذج القوية على نطاق واسع، وسيؤدي انتشارها إلى تزايد الحاجة إلى سياسات حوكمة تستند إلى مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول.

وتهدف ممارسة الذكاء الاصطناعي المسؤول إلى ضمان أن تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع ازدياد قوتها، عادلة وقابلة للتفسير وخاضعة للإشراف البشري، وفقاً لمبادئ أخلاقية وهياكل مساءلة تحمي الأفراد المتأثرين بهذه الأنظمة.

إن الذكاء الاصطناعي المسؤول ضرورة ملحة للأعمال، وليس مجرد طموح مستقبلي. فالمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أطر حوكمة معرضة بالفعل لمخاطر متزايدة على سمعتها وقانونها وتشغيلها، وتتفاقم هذه المخاطر بمرور الوقت مع توسع الأنظمة وتعمقها.

تبعات اجتماعية بتسريح العاملين

والأهم من ذلك، أن المخاطر تتجاوز الأعطال التقنية أو انتهاكات الامتثال. للذكاء الاصطناعي تبعات مجتمعية كبيرة، لا سيما في مجال التوظيف: إذ يتوقع استطلاع رأي أُجري بين المديرين الماليين فقدان نحو 500 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026، مما يؤكد ضرورة أن تعالج المؤسسات اضطراب القوى العاملة، وليس فقط أداء النظام. لذا، يجب أن يدمج الذكاء الاصطناعي المسؤول الاعتبارات الأخلاقية والتنظيمية والإنسانية في استراتيجية حوكمة موحدة.

إطار الذكاء الاصطناعي المسؤول

يرتكز الإطار المُقدم للذكاء الاصطناعي المسؤول على ثلاثة أركان أساسية:

1. الأسس الأخلاقية. غالباً ما تبدأ المؤسسات بسياسات استخدام الذكاء الاصطناعي - وهي قواعد تحكم الاستخدام المقبول له - لكن هذه السياسات غير كافية دون قيم أساسية واضحة المعالم.

المبادئ الأخلاقية... قبل السياسات

يجب أن تسبق المبادئ الأخلاقية السياسات، لتكون بمثابة بوصلة لاتخاذ القرارات عند ظهور سيناريوهات جديدة لا تغطيها كل تفاصيل السياسات. وتُحدد هذه المبادئ الالتزامات بالعدالة، وعدم التمييز، والإشراف البشري، والمسؤولية المجتمعية. ومن دون هذا الأساس، تُصبح السياسات عرضةً لأن تكون ردود فعلية وغير متسقة.

تحديد السلطة والمسؤولية

2. المساءلة والإشراف. يفشل الذكاء الاصطناعي المسؤول عندما تكون الملكية غير واضحة. تتطلب الحوكمة الفعّالة تحديداً واضحاً للسلطة والمسؤولية: من يُوافق على عمليات النشر، ومن يُمكنه إيقافها، ومن الذي يُحاسب أمام القيادة عند حدوث إخفاقات. يجب أن يُستكمل ذلك بضمانات تشغيلية تضمن مشاركة بشرية فعَّالة، لا سيما في القرارات المصيرية أو التي لا رجعة فيها.

إن الحوكمة ليست مجرد تركيبة هيكلية؛ بل يجب أن تُمارس عملياً بسلطة قابلة للتنفيذ.

3. التأثير البشري. تُعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيل حياة البشر - إذ تُغير الوظائف، والفرص، وبيئات صنع القرار. ويتطلب النهج المسؤول اهتماماً أصيلاً بهذه التأثيرات، مع إعطاء الأولوية للعدالة، والكرامة، والتحسين على عملية الاستبدال. وهذا يُحوِّل (توظيف النظم الذكية) من التركيز من التحسين التقني البحت إلى التصميم الاجتماعي التقني، حيث تُعامل النتائج البشرية كاعتبارات أساسية.

خطة تنفيذية بـ90 يوماً

وإليكم خطة تنفيذية بـ90 يوماً لتحقيق هذه الأهداف، مقسَّمة إلى ثلاث مراحل: التخطيط، والبناء، والتطبيق.

التخطيط

* الأيام 1-30: التخطيط. تركز المرحلة الأولى على فهم واقع الذكاء الاصطناعي الحالي قبل محاولة التحكم فيه. غالباً ما تقلل المؤسسات من شأن مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي لديها، لا سيما من خلال عمليات توظيفه بشكل غير رسمي أو حنى «خفي».

تعداد النظم والتهيؤ لأسوأ السيناريوهات

* حصر وتعداد أنظمة الذكاء الاصطناعي: تحديد جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأدوات غير الرسمية التي يستخدمها الموظفون. وتجرى لكل تطبيق عمليات لتوثيق وظائفه، ومصادر بياناته، والجهات المعنية، ومسؤولية إدارته. وغالباً ما سيكشف هذا التعداد والحصر عن بيئة مجزأة وغير منظمة بشكل كافٍ.

* إجراء تحليل لأسوأ السيناريوهات: باستخدام منهجية «التصور الكارثي» المنظمة، يُطلب من فرق القيادة تصور أخطر حالات الفشل المحتملة لكل نظام. صُممت هذه الطريقة للكشف عن المخاطر الخفية التي قد تغفلها التقييمات القياسية.

الفرز الفوري: في حال الكشف عن مخاطر حرجة - مثل اتخاذ الأنظمة قرارات مصيرية دون رقابة - يجب اتخاذ إجراء فوري. قد يشمل ذلك إيقاف توظيف الأدوات الذكية مؤقتاً أو إدخال مراجعة بشرية، حتى قبل وضع إطار حوكمة متكامل.

ثقافة المؤسسة والصلاحيات

* تقييم ثقافة المؤسسة: تعتمد فعالية الحوكمة على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي المسؤول يُعامل كأولوية استراتيجية أم مجرد واحد من المتطلبات العصرية. إذا كان الأمر كذلك، فإن الإصلاحات الهيكلية وحدها ستفشل دون تغيير ثقافي أوسع.

توضيح صلاحيات اتخاذ القرار: تتطلب الحوكمة هياكل سلطة واضحة لا لبس فيها. يجب على المؤسسات تحديد من يمكنه الموافقة على مبادرات الذكاء الاصطناعي ومراجعتها وإيقافها وتوفير الموارد لها. من دون هذا الوضوح، يصبح اتخاذ القرار خاضعاً لديناميكيات السلطة غير الرسمية، ما يقوض المساءلة.

بناء النظم وتفعيلها

* الأيام 31-60: البناء. تركز المرحلة الثانية على بناء البنية التحتية اللازمة لتفعيل الذكاء الاصطناعي المسؤول.

تطوير إطار أخلاقي: يُضفي هذا الإطار طابعاً رسمياً على مبادئ المؤسسة، ويُحوّلها إلى توجيهات عملية، تشمل العدالة، والرقابة، والاستقلالية المقبولة، وتأثيرها على القوى العاملة، وتداعياتها المجتمعية. ويُشكِّل هذا الإطار الأساس لجميع قرارات الحوكمة.

* إنشاء بنية تحتية تقنية: يجب أن تدعم السياسات أنظمة قادرة على مراقبة سلوك الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك تتبع المخرجات، واكتشاف التحيز وانحراف النموذج، وتوليد أدلة التدقيق. ومن دون هذه القدرات، تبقى الحوكمة نظرية.

فريق مخصص ومسؤول

* تحديد المسؤولية والهيكل: يجب أن يكون هناك فرد أو فريق مُخصَّص مسؤول عن حوكمة الذكاء الاصطناعي، يتمتع بصلاحيات كافية لإنفاذ المعايير. بالإضافة إلى ذلك، تضمن الأدوار اللامركزية داخل وحدات الأعمال تطبيق الحوكمة عملياً.

* تصميم عمليات التقييم: وضع إجراءات موحَّدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لمعايير أخلاقية ومعايير المخاطر. وينبغي أن تُنتج هذه الإجراءات تصنيفات واضحة للمخاطر، مع تحديد «عتبات» تُحدد مستوى الرقابة المطلوب.

إعادة توجيه الحوافز: يتبع سلوك المؤسسة الحوافز. إذا ركزت مقاييس الأداء على السرعة والتكلفة فقط، فسيتم تجاهل الحوكمة. يجب دمج مقاييس الذكاء الاصطناعي المسؤول - مثل تخفيف المخاطر والامتثال - في تقييم القيادة.

تهيئة الكفاءات العالية

* بدء مراجعات المخاطر العالية: ابدأ بتطبيق إطار الحوكمة على الأنظمة الأكثر أهمية التي تم تحديدها سابقاً. هذا يخفف من المخاطر العاجلة ويختبر نموذج الحوكمة تحت الضغط.

* تطوير المهارات والقدرات: يتطلب الذكاء الاصطناعي المسؤول كفاءات جديدة في جميع أنحاء المؤسسة، بما في ذلك الكفاءات التقنية (كشف التحيز)، والإدارية (التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي)، والقانونية (الوعي التنظيمي). يُعد وجود برنامج تدريبي منظم أمراً ضرورياً.

تشغيل إطار الحوكمة المسؤولة

* الأيام 61-90: «تضمين» الحوكمة داخل المؤسسة. تضمن المرحلة الأخيرة أن تصبح الحوكمة قدرة تنظيمية مستدامة وليست مبادرة مؤقتة.

مواجهة الأزمات والمراجعة الدورية

* وضع استراتيجيات «الخروج» من الأزمات: يجب أن يكون لكل نظام ذكاء اصطناعي بروتوكول إيقاف تشغيل محدد مسبقاً. يضمن تصميم هذه الاستراتيجيات مسبقاً إمكانية إيقاف تشغيل الأنظمة بأمان أثناء الأزمات.

وضع إجراءات حوكمة فعَّالة: تُرسِّخ اجتماعات المراجعة الدورية الرقابة، موفِّرةً منبراً ثابتاً لرصد المخاطر ومعالجة القضايا المستجدة.

* دمج الحوكمة في سير العمل: يجب دمج الذكاء الاصطناعي المسؤول في سير العمل القياسي. تتطلب الأنظمة عالية المخاطر مراجعةً قبل توظيفها، ويجب إعادة تقييم جميع الأنظمة دورياً. ولهذا تصبح الحوكمة جزءاً لا يتجزأ من العمليات الاعتيادية بدلاً من كونها نقطة تفتيش خارجية.

* التحسين المستمر بناءً على الملاحظات: في هذه المرحلة، تمتلك المؤسسات بيانات تشغيلية حول أداء الحوكمة. ويُعدّ التحسين المستمر أمراً بالغ الأهمية، من خلال تحسين العمليات، ومعالجة المعوقات، وتعزيز التوافق الثقافي.

الخلاصة - الاستعداد لنظم ذكية متطورة

إن قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة - كما يتضح من مثال «كلود ميثوس» - ليست افتراضية، بل وشيكة. السؤال المحوري ليس ما إذا كانت المؤسسات ستواجه أنظمة ذكاء اصطناعي قوية وربما محفوفة بالمخاطر، بل ما إذا كانت ستكون مستعدة عند حدوث ذلك.

والأهم من ذلك، يمكن تحقيق تقدم ملموس نحو حوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي في غضون ربع سنة واحد إذا تم اتباع خط منهجي.

إجراءات فورية ومنظمة

الرسالة الأساسية واضحة: الذكاء الاصطناعي المسؤول ليس خياراً، ولا يمكن تأجيله. إنه يتطلب إجراءات فورية ومنظمة تدمج المبادئ الأخلاقية والمساءلة المؤسسية والتصميم الذي يركز على الإنسان في نظام حوكمة متماسك. والمنظمات التي لا تتخذ إجراءات لا تخاطر فقط بالإخفاقات التشغيلية، بل أيضاً بضرر مجتمعي أوسع وخسارة استراتيجية.

إن الذكاء الاصطناعي المسؤول ضرورة ملحة للأعمال، وليس مجرد طموح مستقبلي. فالمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أطر حوكمة معرضة بالفعل لمخاطر متزايدة على سمعتها وقانونها وتشغيلها، وتتفاقم هذه المخاطر بمرور الوقت مع توسُّع الأنظمة وتعمقها.

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.