آثار البشر في الطبيعة تخلّف كنوزاً جينية

بقايا الحمض النووي البيئي للإنسان ترصد أنسابه وتحدد أمراضه

آثار البشر في الطبيعة تخلّف كنوزاً جينية
TT

آثار البشر في الطبيعة تخلّف كنوزاً جينية

آثار البشر في الطبيعة تخلّف كنوزاً جينية

أراد دايفيد دافي، عالم الوراثة المتخصص في الحياة البريّة في جامعة فلوريدا، تطوير طريقة أفضل لمراقبة أمراض السلاحف البحرية فقط... ولكنّه عثر على الحمض النووي البشري في كلّ مكان.

حمض نووي بيئي

طوّر علماء الحياة البريّة خلال العقد الماضي تقنياتٍ لرفع الحمض النووي البيئي environmental DNA أو eDNA، وهو عبارة عن كميّات ضئيلة من المواد الوراثية التي تتركها المخلوقات الحيّة خلفها. يعتبر علماء البيئة أنّ هذه الأداة الفعّالة وغير المكلفة موجودة في كلّ مكان، في الهواء، والمياه، والثلج، والعسل، وحتّى في فنجان الشاي.

ويستخدم الباحثون هذه الوسيلة لرصد الأنواع التدخلية الغازِية قبل سيطرتها، ولتعقّب مجموعات الحياة البريّة الهشّة أو المفرزة، وحتّى لإعادة اكتشاف أنواع يُعتقد أنّها انقرضت. وتُستخدم تقنية الحمض النووي البيئي أيضاً في أنظمة مراقبة مياه الصرف لرصد الفيروسات مثل الكوفيد.

وعثر العلماء الذين يستخدمون الحمض النووي البيئي طوال فترات عملهم على كميات من الحمض النووي البشري التي يعتبرونها نوعاً من التلوّث، أو نوعاً من الوجود العرضي للجينات البشرية التي تلطّخ بياناتهم.

أثر بشري

الآن، ما الذي قد يحصل إذا تعمّد أحدهم جمع الحمض النووي البيئي العائد للبشر؟

تشير إيرين مورفي، أستاذة القانون في كليّة الحقوق في جامعة نيويورك والمتخصصة في استخدام التقنيات الجديدة في القانون الجنائي، إلى أنّ مسؤولي إنفاذ القانون ينجذبون إلى تقنيات جمع الحمض النووي الجديدة، حيث سارعت أجهزة الشرطة إلى الاستفادة من أدوات غير مثبتة الفاعلية، كاستخدام الحمض النووي لوضع رسوم محتملة للمشتبه بهم.

يترتّب على هذا الأمر حصول معضلات على مستوى الخصوصية والحريّات المدنية، خصوصاً وأنّ التطوّرات التقنية باتت تتيح جمع المزيد من المعلومات من عيّنات أصغر فأصغر من الحمض النووي البيئي. استخدم دافي وزملاؤه تقنية متوفرة وغير مكلفة لمعرفة كمّ المعلومات الذي قد يحصلون عليه من حمضٍ نووي بشري جُمع من ظروف بيئة متنوّعة مثل الممرّات المائية الخارجية والهواء داخل أحد المباني.

وأظهرت نتائج بحثهم، الذي نُشر في 15 مايو (أيّار) في دورية «نيتشر إيكولوجي آند إيفولشن»، أنّ العلماء يستطيعون الحصول على معلومات طبية وأخرى متعلّقة بالنّسب من كسرات من الحمض النووي البشري المنتشر في البيئة المحيطة.

يقول علماء الأخلاقيات الجنائية والقانون إنّ نتائج بحث فريق جامعة فلوريدا تبرز ضرورة وضع قوانين للخصوصية الجينية الشاملة. وتسلّط هذه النتائج الضوء أيضاً على غياب التوازن في القواعد الضابطة لهذه التقنيات في الولايات المتحدة - الأمر الذي يسهّل على مسؤولي إنفاذ القانون توظيف تقنيات غير ناضجة؛ وذلك مقابل الصعوبات التي يواجهها الباحثون للحصول على تراخيص للدراسات المطلوبة لإثبات فعالية نظام معيّن جديد.

مهملات أم كنوز جينية؟

اتّضح منذ عقود أنّ كسرات من حمضنا النووي منتشرة في كلّ مكان، ولكنّ الأمر لم يبدُ مهماً في الماضي. فقد اعتقد العلماء أنّ الحمض النووي المنتشر في البيئة المحيطة متفكّك وأصغر بكثير من أن يكون لرفعه تأثير، وأضعف بكثير من أن يُستخدم لتحديد هوية إنسان إلّا في حال كان صادراً من عيّنات واضحة المعالم كبقعة دم أو جسمٍ ما لمسه أحدهم.

ولكنّ الباحثين في مجال الحياة البريّة اهتمّوا بالحمض النووي البيئي لأنّهم في الأصل يبحثون عن أجزاء صغيرة جداً من الحمض النووي لمسح ما يسمّونه «الباركود» (الرمز الخطي الرقمي) الذي يحدّد النوع الحيّ الذي تنتمي إليه المخلوقات باستخدام عيّنة. ولكن بعد العثور على مستويات «مفاجئة» من الحمض النووي البشري في عيّناتهم خلال مراقبتهم مرضاً تعاني منه السلاحف البحرية في فلوريدا، قرّر دافي وزملاؤه العمل لرسم صورة أدقّ عن حالة الحمض النووي البشري في البيئة المحيطة، ولتبيان كمّ المعلومات التي قد يكشفها عن النّاس في المنطقة.

لإثبات نجاح تقنيتهم في واحدة من تجاربهم، رفع الفريق عيّنة من المياه بحجم قدح كبير من جدول ماء في منطقة سانت أوغسطين في فلوريدا، ومن ثمّ أدخلوا المادّة الجينية التي رفعوها من العيّنة في جهاز يتيح للباحثين قراءة وصلات أطول من الحمض النووي. يأتي الجهاز، الذي استخدموه وتبلغ تكلفته 1000 دولار، بحجم ولّاعة السجائر ويتصل باللابتوب كمحرّك الذاكرة الفلاشية.

رفع الفريق من العيّنات حمضاً نووياً بشرياً أوضح وأدقّ ممّا توقّعوا في وقتٍ بات توسّع المعرفة في مجال الجينات البشرية يضمن كشف كمٍّ هائل من المعلومات من تحليل عيّنات محدودة.

رفع الباحثون حمضاً نووياً ميتوكندريّاً (نسبةً للميتوكندريا - منطقة تحيط بالخلية البشرية) كافياً - انتقل مباشرةً من الأمّ إلى الطفل في آلاف الأجيال - لرسم صورة للنسب الجيني لمجموعة بشرية تعيش حول الجدول، وبالكاد تتوافق مع التكوين العرقي الوارد في أحدث إحصاء بياني للمنطقة (رغم أنّ الباحثين يعتبرون أنّ الهوية العرقية عاملٌ ضعيف في النسب الجيني). ووجد الباحثون أنّ عيّنة ميتوكندرية واحدة كانت كافية لتلبية شروط قاعدة البيانات الفيدرالية للمفقودين. كما وجدوا طفرات بارزة تحمل مخاطر عالية للإصابة بالسكري، ومشاكل القلب، وأمراض عدّة في العينين.

تحاليل جنائية

من جهتها، قالت آنّا لويس، باحثة في جامعة هارفارد متخصّصة في التبعات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية للبحث الجيني، إنّ الحمض النووي البيئي لم يُناقش بشكلٍ مستفيض على مستوى خبراء أخلاقيات علم الأحياء. ولكنّ هذا النقاش سيحصل حتماً بعد نتائج بحث دافي وزملائه.

وأضافت لويس أنّ التقنية التي ترتكز على الحمض النووي البيئي يمكن استخدامها لمتابعة بعض أنواع النّاس - كالأشخاص الذين يتحدّرون من أنساب معيّنة مثلاً أو يعانون أمراضاً أو إعاقات محدّدة.

ويوافق الباحثون على أنّ تبعات هذه الاستخدامات تتوقّف على من يستخدم التقنية ولماذا. صحيحٌ أنّ عيّنات الحمض النووي البيئي المرفوعة من المحيط قد تساعد باحثي الصحّة العامّة في تحديد نسبة حصول طفرة مسبّبة لمرضٍ ما، إلّا أنّ هذه العيّنة نفسها قد تساهم في تحديد مواقع الأقليّات العرقية واضطهادها.

ترى لويس أنّ «هذا الأمر يمنح السلطات أداةً فعّالة جديدة. عالمياً، توجد أسباب كثيرة للشعور بالقلق»، لافتةً إلى أنّ دولاً كالصين بدأت في إجراء ملاحقات جينية واسعة وصريحة للأقليّات، وأنّ الأدوات الشبيهة بتحليل الحمض النووي البيئي تسهّل هذه الملاحقات.

قد تتحوّل الأبحاث في الحمض النووي البيئي البشري أيضاً إلى حقل ألغام أخلاقي. إلا أن ذلك يعتمد على مدى قدرة هذه الأبحاث على تحديد هويّة الفرد، الأمر الذي بات ممكناً في بعض الحالات.

كشف روبرت أوبراين، عالم أحياء جنائي في جامعة فلوريدا الدولية ومحلّل سابق للحمض النووي في أحد المختبرات الجنائية، عن أنّ نوع البيانات الجينية التي رفعها دافي وزملاؤه من أماكن عامّة لا تنفع في الوسائل التي يستخدمها عناصر إنفاذ القانون حالياً في الولايات المتحدة لتحديد هوية الأفراد.

وشرح أوبراين أنّه عندما يقارن محلّلو الحمض النووي العاملون في مجال إنفاذ القانون عيّنة من مسرح الجريمة بمشتبهٍ به، يدقّقون في 20 علامة مختلفة في الجينوم البشري يتمّ التحقّق منها في نظام برنامج فهرسة الحمض النووي الوراثي الموحد التّابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي المعروف بـ«كوديس». ولكنّ هذه العلامات تنفع فقط في حال تأكّد تحدّر عددٍ منها من الشخص نفسه. ولكنّ أجزاء الحمض النووي البيئي التي درسها دافي لا تستطيع رصد أكثر من علامة واحدة في كلّ مرّة.

في المقابل، يرجّح الباحثون الجنائيون أن تحديد هوية الأفراد باستخدام الحمض النووي البيئي باتت ممكنة في الأماكن المغلقة التي يتواجد فيها عددٌ قليل من الأشخاص. وكان فريقٌ بحثي من مركز الأبحاث الجنائية التّابع لمستشفى أوسلو الجامعي قد اختبر في أكتوبر (تشرين الأوّل) الماضي تقنية جديدة لرفع الحمض النووي البشري من عيّنات من الهواء، ونجح في بناء ملفات حمض نووي وراثية كاملة من حمض نووي انتقل عبر الهواء في داخل أحد المكاتب.

* خدمة «نيويورك تايمز»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».