«الشرق الأوسط» تحاور باحثين مشرفين على التجارب الفضائية السعودية

ريانة برناوي وعلي القرني يختبران المناعة في مواجهة الأوبئة

TT

«الشرق الأوسط» تحاور باحثين مشرفين على التجارب الفضائية السعودية

رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني (أ.ف.ب)
رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني (أ.ف.ب)

عادة ما تفرض وكالات الفضاء حجراً صحياً على المسافرين إلى المحطة الدولية للتأكد من خلوهم من الأمراض المعدية، ولكن مع زيادة الرحلات إلى الفضاء سواء للسياحة أو مهام علمية، والاتجاه في المستقبل نحو تعمير الفضاء، قد يكون من الصعب تنفيذ مثل هذا الإجراء، وتكون بيئة الفضاء، مثلها مثل الأرض، عرضة لانتقال مسببات الأمراض... فهل ستكون المناعة البشرية في بيئة الفضاء قادرة على توفير الحماية للبشر؟ وهل ستكون الأدوية فعالة في العلاج؟

ومن شأن بعض التجارب التي بدأ رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي، وعلي القرني في تنفيذها بـ«محطة الفضاء الدولية» أن تقدم إسهاماً في تقديم إجابة عن الأسئلة السابقة وغيرها، حيث تتطرق في جانب منها إلى «علوم الخلية»، من خلال دراسة الاستجابة الالتهابية للخلايا المناعية البشرية في بيئة الجاذبية الصغرى بمحطة الفضاء الدولية.

رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني (أ.ف.ب)

ويشرف الدكتور، خالد أبو خبر، رئيس «برنامج الجزيئات الحيوية» بمركز الأبحاث في «مستشفى الملك فيصل التخصصي» بالرياض، على التجارب التي يجريها القرني وبرناوي.

وشرح أبو خبر لـ«الشرق الأوسط»، تفاصيل التجارب الجاري تنفيذها في الفضاء من قبل الرائدين السعوديين، قائلاً: «أرسلنا مع رواد الفضاء خلايا الدم البيضاء المناعية مجمدة عند درجة 80 تحت الصفر، وبعد منحها فرصة التكيف مع بيئة الفضاء خلال 48 ساعة من وصولها إلى محطة الفضاء الدولية، بدأت التجارب عليها».

وتشمل التجارب، كما يوضح أبو خبر، «تعريض الخلايا لمركب ميكروبي (غير معدي)، لرصد استجابة الخلايا للالتهاب والعدوى». مضيفاً: «هذا المركب الميكروبي يقوم بتشغيل الكثير من نشاط الجينات، التي نريد رصدها، وهل هناك اختلاف بين ما يحدث في الأرض والفضاء، كما سيتم رصد تأثير تفاعل الخلايا المناعية مع المركب الميكروبي على الحمض النووي الريبوزي المرسال (الرنا مرسال) الموجود بالخلايا، وتحديد عمره بدقه».

يقول أبو خبر: «تبرز أهمية (الرنا مرسال) باعتباره جزيئاً حيوياً يلعب دوراً مهما في نقل وتشفير وفك تشفير وتنظيم التعبير عن المعلومات الوراثية وتحفيز العديد من التفاعلات الكيميائية، ومن المهم رصد تفاصيل ما يحدث فيه خلال التفاعل مع المركب الميكروبي في بيئة الفضاء».ولا تكتفي التجارب برصد المشكلة، لكنها أيضا تقترح العلاج، وفق ما يفيد أبو خبر الذي يوضح: «سنختبر أيضا استخدام علاج افتراضي، وهو مادة كيميائية تشبه العلاجات المتاحة، حيث سيتم استخدامها مع الخلايا المناعية التي تعرضت للمركب الميكروبي، لنرى هل تستجيب للعلاج في بيئة الفضاء أم لا».

تجارب غير مسبوقة

والتجارب بهذه التفاصيل، تبدو «غير مسبوقة»، وفق أبو خبر، حيث لم يسبق أن أجرتها «ناسا» أو أي وكالة فضاء أخرى، ويشرح: «ليس من المنطقي مع هذا الحدث التاريخي، أن نقوم بتنفيذ تجارب سبق وعمل عليها آخرون».

ويعتقد الخبير السعودي أن تجارب بلاده «تتضمن الكثير من نقاط التميز»، مرجعاً ذلك إلى أن مركز الأبحاث الذي يعمل به «لديه تاريخ من العمل البحثي في مجال (الرنا مرسال)». مضيفاً «نحن نستفيد من هذه الخبرة البحثية في تلك التجارب، ولم يسبق أن أجرت (ناسا) أو أي وكالة فضاء أخرى، أبحاثاً تتعلق بقياس عمر (الرنا مرسال) في الخلايا، كما أننا نتميز أيضا باستخدام المركب الميكروبي لرصد الاستجابة الالتهابية، واستخدام مادة تثبط المركب الميكروبي (علاج افتراضي) لرصد ما يحدث، وكل هذه التجارب جديدة من نوعها».

وبشأن إمكانية أن تكون نتائج أبحاثهم مفيدة في مواجهة خطر انتقال فيروسات مثل «كوفيد - 19» إلى الفضاء، قال أبو خبر إنها «ستكون مفيدة في إعطاء تصور عن المناعة ضد الفيروسات في بيئة الفضاء ومدى فاعلية الأدوية في النطاق نفسه، كما ستفيد أيضا في إعطاء تصور حول إمكانية إنتاج لقاحات في الفضاء باستخدام تقنيات (الرنا مرسال)، مثل المستخدمة في لقاحات (كوفيد - 19) مثل لقاحي (فايزر وموديرنا)، حيث يوجد توجه لبناء محطات إنتاجية لبعض المواد في الفضاء». الحصول على نفس التفاصيل الدقيقة لبيئة الفضاء».ويقول: «إذا أردنا اختبار ما يحدث في بيئة الفضاء، فلا بديل عن الذهاب إلى هناك، حتى نستطيع الحصول على نتائج دقيقة».

الجهاز العصبي

وإذا كانت تلك الأبحاث يتم إجراؤها باستخدام خلايا مناعية تم استقدامها من الأرض، فإن هناك أبحاثاً أخرى سيتم إجراؤها على رواد الفضاء أنفسهم، بقيادة بدر شيرة، الباحث المتخصص في طب الفضاء بشركة «سديم» للبحث والتطوير المتخصصة في «طب الفضاء».

ويقول شيرة لـ«الشرق الأوسط»، إن الأبحاث التي ستجرى تحت إشرافه «ستركز على الجهاز العصبي، حيث ستشمل قياس تدفق الدم إلى الدماغ والنشاط الكهربائي به، وتقييم الضغط داخل الجمجمة عن طريق التقييم غير الجراحي لـ(بؤبؤ العين)، ومراقبة التغيرات في العصب البصري بمرور الوقت».

ويوضح أن التجارب ستشمل أيضا، «أخذ عينات الدم والعينات الحيوية لفحص المؤشرات الحيوية المتعلقة برحلات الفضاء ولرسم خريطة التغيرات في الطول والبنية والتخلق الوراثي للكروموسومات». ويضيف أن نتائج تلك الأبحاث «ستساعد في تحسين مراقبة الصحة العصبية لجعل الرحلات الفضائية أكثر أمانا في المستقبل والسماح بتطوير المراقبة السريعة وغير الغازية، فضلا عن التدخلات المبكرة وتطوير التدابير الوقائية».

ولا تمثل تلك التجارب، بحسب شيرة، أي خطر على صحة رواد الفضاء، لأنها «تعتمد على أجهزة قياس حديثة وجديدة من نوعها، ولا تسبب أي تفاعلات ضارة، ويقتصر دورها على توفير مؤشرات حيوية تساعد، على فهم ما يحدث في بيئة الفضاء».

المطر الاصطناعي

وإلى جانب الأبحاث الصحية، توجد أبحاث من نوع آخر، وهي تجربة المطر الاصطناعي، التي تتم تحت إشراف أشرف فرحات، الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

ووفق بيان لـ«هيئة الفضاء السعودية»، فإن هذه التجربة ستشمل «تكثيف بخار الماء على العوالق وذرات الملح في الجاذبية الصغرى لمحاكاة عملية استمطار السحب المستخدمة في المملكة العربية السعودية والعديد من الدول الأخرى لزيادة معدلات هطول الأمطار».

ويقول البيان إن «هذه التجارب ستساعد على ابتكار طرق جديدة لتوفير ظروف مناسبة للإنسان، بما في ذلك عمل المطر الاصطناعي للعيش في مستعمرات فضائية على سطح القمر والمريخ، كما ستساهم في تحسين فهم الباحثين لتقنية البذر المطري مما سيسهم في زيادة هطول الأمطار في العديد من الدول».

اقتصاد الفضاء

ولأن الذهاب إلى الفضاء سيصبح أمراً معتاداً في المستقبل القريب، لأسباب سياحية واقتصادية وعلمية، يرى الباحثون أن هناك مردوداً اقتصادياً كبيراً لهذه الأبحاث، ويقول أبو خبر، إن «أي دولار يتم إنفاقه على مثل هذه الأبحاث، سيكون مردوده الاقتصادي في المستقبل عشرة دولارات».

ويضيف «أبحاث الفضاء بعضها سيكون مفيدا فقط لرحلات الفضاء، والبعض الآخر يمكن أن يكون له انعكاس على الحياة بكوكب الأرض، فأبحاثنا مثلا في التفاعلات المناعية بالفضاء، يمكن أن تساعد في فهم أشياء تحدث على الأرض، كما كانت أبحاث (الجي بي إس) التي هي في أساسها أبحاث فضائية، مفيدة للحياة على الأرض».

ويؤكد شيرة على المعنى ذاته، قائلا، إن «تلك الأبحاث تتماشى مع (رؤية المملكة العربية السعودية 2030)، والتي تتضمن إسهام قطاع الفضاء في تحول المملكة نحو اقتصاد قائم على الابتكار». مشيرا إلى أن «المملكة تسعى لأن يصبح قطاع الفضاء محفزاً للاستثمار، ويساعد في خلق أسواق جديدة تكون رافداً للتنوع الاقتصادي وخلق وظائف جديدة».


مقالات ذات صلة

مئات آلاف الأقمار الاصطناعية تهدد سلامة الفضاء

علوم صورة تخيّلية للحطام الفضائي

مئات آلاف الأقمار الاصطناعية تهدد سلامة الفضاء

قد يكون الفضاء هو «المجهول الأخير»، كما قال أحدهم ذات مرة، إلا أنه يزداد ازدحاماً بشكل ملحوظ. وسيزداد هذا الأمر ويصبح أشد وضوحاً،

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)
يوميات الشرق تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)

اكتشاف كوكب شبيه للمشتري خارج مجموعتنا الشمسية

توصل فريق من علماء الفلك إلى اكتشاف سحب من جليد الماء على كوكب بعيد يشبه المشتري خارج مجموعتنا الشمسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض عام 2029.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟


طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
TT

طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)

ينتج العالم نحو 400 مليون طن من نفايات البلاستيك سنوياً، كما تتكدس ملايين البطاريات المستهلكة، ورغم ذلك فإن نسبة إعادة تدوير تلك النفايات لا تتجاوز 18 في المائة، في حين يُحرق الباقي أو يُدفن في مكبات النفايات أو يتسرب إلى البيئة.

وهنا يُطرح سؤال: هل يمكن لنوع من النفايات أن يتحول إلى حل للتخلص من نوع آخر؟ تأتي الإجابة من مختبرات جامعة كمبريدج البريطانية، حيث نجح باحثون في تحويل الحمض المستعاد من البطاريات القديمة ومخلفات البلاستيك المستعصية إلى وقود هيدروجيني نظيف، في ابتكار يعكس مفهوم الاقتصاد الدائري، ويفتح آفاقاً جديدة لإنتاج الطاقة من قلب المهملات، حسب الفريق.

وطوّر الفريق البحثي مفاعلاً يعمل بالطاقة الشمسية قادراً على تفكيك أنواع البلاستيك الصعبة في إعادة التدوير، مثل زجاجات المشروبات والأقمشة النايلون، باستخدام الحمض المستعاد من بطاريات السيارات القديمة، وتحويله إلى وقود هيدروجيني نظيف ومواد كيميائية صناعية قيّمة، ونُشرت النتائج في عدد 6 أبريل (نيسان) 2026 من دورية «Joule».

يتميز المفاعل بأنه يعمل بالطاقة الشمسية، مما يجعله بديلاً أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة بأساليب التدوير الكيميائية التقليدية.

آلية العمل

تعتمد أساليب التدوير الكيميائي التقليدية على معالجة البلاستيك باستخدام حرارة عالية أو مواد كيميائية قوية لإعادة تشكيله إلى منتجات جديدة، وغالباً ما تكون هذه العمليات مكلفة وتتطلّب طاقة كبيرة، كما تنتج أحياناً مواد ثانوية ضارة بالبيئة.

أما الطريقة التي طورها الفريق فتستفيد من الطاقة الشمسية لتشغيل المفاعل، مع استخدام الحمض المستعاد من البطاريات المستهلكة لتفكيك سلاسل البوليمرات الطويلة إلى مواد كيميائية أساسية.

وصمّم الفريق محفزاً ضوئياً يتحمّل الظروف التآكلية الشديدة للحمض المستخرج من البطاريات، مما يسمح بتشغيل المفاعل لإنتاج الهيدروجين والمواد الكيميائية دون تلف المعدات. وأثبت المفاعل قدرة على التشغيل المتواصل لأكثر من 260 ساعة دون فقدان الأداء، مع إنتاج عالٍ للهيدروجين وانتقائية كبيرة لإنتاج حمض الأسيتيك.

ويشير الباحثون إلى أن الطريقة لا تعمل مع الحمض النقي فقط، بل تعمل أيضاً مع الحمض المستعاد من بطاريات السيارات، الذي يشكّل 20-40 في المائة من حجم البطاريات التي تُستبدل سنوياً بأعداد ضخمة حول العالم، وعادة ما يُستخرج الرصاص من هذه البطاريات لإعادة بيعه، في حين يتحول الحمض إلى نفايات بعد تحييده.

وتُعدّ هذه التقنية أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر استدامة؛ إذ تحول النفايات إلى هيدروجين نظيف ومواد كيميائية قيمة، في حين تقلل الأثر البيئي المصاحب لعمليات التدوير التقليدية.

ووفق النتائج، تغطي هذه الطريقة نطاقاً واسعاً من أنواع البلاستيك بما في ذلك الأصعب حالياً في إعادة التدوير، مثل النايلون والبولي يوريثان، المستخدمَين في بدائل الخشب والرخام الصناعي وقطع غيار السيارات، وهذا يمثّل توسعاً كبيراً مقارنة بتقنيات إعادة التدوير التقليدية التي تركز غالباً على البلاستيك المستخدم في زجاجات المشروبات والأغلفة وبعض الأقمشة الصناعية.

المفاعل الجديد يتميز بأنه يعمل بالطاقة الشمسية (جامعة كمبريدج)

طرق متعددة

في السياق ذاته، تعمل عدة فرق بحثية في الصين والولايات المتحدة وأوروبا على تطوير تقنيات تحفيزية تحول المخلفات البلاستيكية مباشرة إلى هيدروجين نظيف.

وتشمل هذه الطرق التحفيز الحراري والضوئي والكهربائي، بالإضافة إلى أساليب مختلطة تمكّن من تفكيك البوليمرات البلاستيكية لإنتاج الهيدروجين إلى جانب مواد كيميائية قيمة، مما يدمج بين معالجة النفايات وتوليد الطاقة النظيفة.

كما تطورت تقنيات التحلل الحراري لتصبح من أكثر الطرق نضجاً على المستوى الصناعي، حيث يتم تسخين البلاستيك في غياب الأكسجين لإنتاج وقود سائل وغازات تفاعلية، ويمكن دمجها مع التحفيز الكيميائي لإنتاج هيدروجين نظيف أو وقود للسيارات، وتشمل الأساليب الحديثة استخدام الميكروويف لتحسين كفاءة الإنتاج وجودة الهيدروجين الناتج.

أما المسارات الأكثر استدامة فتتركز على التحفيزَيْن الضوئي والكهروضوئي، اللذَيْن يستخدمان الطاقة الشمسية والمحفزات الكيميائية لدفع التفاعلات دون الحاجة إلى حرارة عالية، مما يسمح بإنتاج الهيدروجين النظيف مع مواد كيميائية جانبية مفيدة، وهو ما استخدمه فريق جامعة كمبريدج، في محاولة لإعادة تدوير البلاستيك المعقّد والصعب التحلل.

يقول أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في القاهرة، الدكتور وحيد إمام، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع النفايات، خصوصاً البلاستيك الذي يشكل أحد أكبر التحديات البيئية عالمياً.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: تحويل المخلفات البلاستيكية، إلى جانب الاستفادة من نفايات خطرة مثل أحماض بطاريات السيارات، إلى وقود نظيف مثل الهيدروجين، يعكس توجهاً متقدماً نحو تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري الذي لا تتوقف أهميته عند تقليل حجم النفايات فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الحد من التلوث البيئي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ويستدعي انخفاVض معدلات إعادة تدوير البلاستيك عالمياً البحث عن حلول غير تقليدية للتعامل مع الأنواع صعبة التدوير، وفق إمام الذي أكد أن هذه التقنيات قد تمثّل جزءاً من الحل إذا ثبتت جدواها على نطاق صناعي، لكن التحدي الأكبر يكمن في نقل تلك الابتكارات من التجارب المعملية إلى التطبيق الفعلي.