دراسة: الحبل الشوكي يتعلّم ويتذكر بشكل مستقل عن الدماغ !

دراسة: الحبل الشوكي يتعلّم ويتذكر بشكل مستقل عن الدماغ !
TT

دراسة: الحبل الشوكي يتعلّم ويتذكر بشكل مستقل عن الدماغ !

دراسة: الحبل الشوكي يتعلّم ويتذكر بشكل مستقل عن الدماغ !

كشفت أبحاث الحبل الشوكي بمركز «RIKEN» لعلوم الدماغ (CBS) في اليابان، بقيادة آيا تاكيوكا، عن رؤى ثورية حوله، ما يدل على قدرته على التعلم الحركي المستقل والذاكرة.

وقد حدد الخبراء مجموعتين رئيسيتين من الخلايا العصبية داخل الحبل الشوكي؛ واحدة ضرورية لاكتساب مهارات حركية جديدة، وأخرى لاستعادة هذه المهارات المكتسبة.

قدرات العمود الفقري

تقليديا، كان يعتقد أن دور الحبل الشوكي في التحكم الحركي هو مجرد دور رجعي، ويعتمد على أوامر الدماغ. ومع ذلك، فإن الأدلة من الطبيعة، مثل الحشرات مقطوعة الرأس التي لا تزال قادرة على التكيف مع حركات أرجلها، تشير إلى وظيفة أكثر استقلالية.

وحتى الآن، ظلت الآليات الكامنة وراء مثل هذه الظواهر لغزا.

وفي هذا يوضح تاكيوكا «ان اكتساب نظرة ثاقبة حول الآلية الأساسية أمر ضروري إذا أردنا فهم أسس تلقائية الحركة لدى الأشخاص الأصحاء واستخدام هذه المعرفة لتحسين التعافي بعد إصابة النخاع الشوكي». وذلك وفق ما نقل موقع «earth.com» عن مجلة «العلوم» المرموقة.

الفئران تتعلم حركات الساق عبر الحبل الشوكي

وللتعمق أكثر في هذه القدرة الذاتية، ابتكر فريق تاكيوكا تجربة باستخدام الفئران. حيث خلق ظروفًا تمكّن الحبل الشوكي للفأر أن يتعلم ويتذكر حركات الساق دون تدخل الدماغ.

وتعرضت الفئران للتحفيز الكهربائي بناءً على موضع رجليها الخلفيتين.

ومن الجدير بالذكر أنه إذا تدلت ساق الفأر، فإن ذلك يؤدي إلى تحفيز، ومحاكاة حدث ضار من الطبيعي أن يرغب الحيوان في تجنبه.

التعلم الدائم للعمود الفقري

لقد كانت النتائج مذهلة؛ إذ انه بعد عشر دقائق فقط من هذا الإعداد، قامت الفئران التجريبية بتعديل أوضاع أرجلها لتجنب التحفيز.

ويعد هذا السلوك مثالًا واضحًا للتعلم الحركي الذي يحدث مباشرة على مستوى العمود الفقري.

علاوة على ذلك، لم يكن هذا التعلم عابرًا؛ فبعد يوم واحد فقط احتفظت الفئران نفسها بأوضاع أرجلها المعدلة، حتى عندما تم عكس الأدوار مع فئران التحكم.

مزيد من الاستكشاف

وفي وقت لاحق، توصل الفريق إلى اكتشاف مهم هو تعطيل الخلايا العصبية في الجزء العلوي من الحبل الشوكي، وخاصة تلك التي تعبر عن الجين Ptf1a، الذي يعيق قدرة الفئران على التكيف مع حركاتها. ونتيجة لذلك، لم تتمكن الفئران من تجنب الصدمات الكهربائية بشكل فعال.

وعلى العكس من ذلك، أثبتت الخلايا العصبية الموجودة في الجزء السفلي البطني من الحبل الشوكي، والتي تعبر عن جين En1، أنها حاسمة في عملية التعلم هذه.

كما كان لإسكات هذه الخلايا العصبية بعد يوم من التكيف الأولي تأثير كبير؛ فلقد جعل الحبل الشوكي غير قادر على تذكر ما تم تعلمه، ما أدى إلى محو «الذاكرة» بشكل فعال.

وفي اكتشاف مهم، كان لتحفيز هذه الخلايا العصبية المعبرة عن En1 أثناء مرحلة الاستدعاء تأثير كبير؛ فلم يقم التحفيز بإعادة السلوك المكتسب فحسب، بل عزز أيضًا سرعة الاستجابة بنسبة 80 في المائة. وهذا يشير إلى قدرة تذكر متضخمة.

نقلة نوعية في التعلم الحركي

وتتحدى هذه النتائج الرائدة وجهة النظر التقليدية القائلة إن التعلم الحركي والذاكرة يتمحوران بشكل حصري حول الدماغ.

من أجل ذلك يقول تاكيوكا «لا تتحدى هذه النتائج فقط الفكرة السائدة بأن التعلم الحركي والذاكرة يقتصران فقط على دوائر الدماغ، ولكننا أظهرنا أنه يمكننا التلاعب في الاسترجاع الحركي للحبل الشوكي؛ الأمر الذي له آثار على العلاجات المصممة لتحسين التعافي بعد تلف الحبل الشوكي».

ويؤكد تاكيوكا «ان هذه الدراسة تعيد تشكيل فهمنا لدور الحبل الشوكي في الوظيفة الحركية. بالإضافة إلى ذلك، انها تفتح آفاقًا جديدة لاستراتيجيات إعادة التأهيل بعد إصابات العمود الفقري، ما يوفر الأمل لتعزيز التعافي والاستقلال لدى الأفراد المتضررين».

التطبيقات المحتملة للحبل الشوكي في التعلم الحركي

يعد استخدام الحبل الشوكي للتعلم، خاصة في سياق الوظائف الحركية، مجالًا مثيرًا لعلم الأعصاب يمكن أن تكون له آثار كبيرة على إعادة التأهيل وتعزيز القدرات الحركية.

إليك كيف يمكننا تسخير قدرات التعلم في الحبل الشوكي:

إعادة التأهيل بعد إصابات العمود الفقري

إن فهم أن الحبل الشوكي يمكن أن يتعلم ويتذكر المهام الحركية بشكل مستقل يفتح طرقًا مبتكرة لإعادة التأهيل بعد إصابات الحبل الشوكي.

يمكن لبرامج إعادة التأهيل المصممة خصيصًا والتي تتضمن التعلم الحركي للعمود الفقري أن تساعد المرضى على استعادة الوظائف الحركية. وقد تتضمن تمارين متكررة ومحددة المهام تشجع الحبل الشوكي على «إعادة تعلم» الحركات حتى في حالة تلف بعض المسارات من الدماغ إلى الحبل الشوكي.

تعزيز اللدونة العصبية

يمكن أن تركز العلاجات على تعزيز اللدونة العصبية داخل الحبل الشوكي.

قد يشمل ذلك الأساليب الدوائية التي تعزز نمو وتقوية الروابط العصبية أو عوامل التغذية العصبية التي تدعم صحة الخلايا العصبية ونموها.

علاجات التحفيز الكهربائي

مثل تحفيز العصب الكهربائي عبر الجلد (TENS) أو العمود الفقري.

يمكن أن يوفر هذا النهج تحكمًا أكثر سهولة في الأطراف الاصطناعية، حيث يمكن للحبل الشوكي أن يتعلم ويتكيف مع الأطراف الصناعية كما لو كان جزءًا طبيعيًا من الجسم.

التدريب الرياضي التكيفي

بالنسبة للرياضيين، وخاصة أولئك الذين يتكيفون مع التغيرات في الحركة أو أولئك الذين يستخدمون الأجهزة المساعدة، يمكن تصميم برامج التدريب لتعظيم قدرات التعلم الحركي للحبل الشوكي.

من شأن هذا التدريب أن يحسن قدرة الحبل الشوكي على تنسيق الحركات المعقدة الخاصة بالرياضات المختلفة، ما يعزز الأداء وكفاءة الحركة.

الارتجاع العصبي والبيولوجي

يمكن استخدام التقنيات التي توفر تعليقات في الوقت الفعلي حول نشاط الحبل الشوكي لتدريب الأفراد على تعديل استجابات الحبل الشوكي لتحسين التحكم الحركي.

كما يمكن أن يكون هذا مفيدًا بشكل خاص في تدريس مهارات حركية جديدة أو في سيناريوهات التعافي؛ حيث تكون الأساليب التقليدية التي تركز على الدماغ أقل فعالية.

البحوث التي تنطوي على الحبل الشوكي والتعلم الحركي

إن الاستمرار في البحث عن قدرات التعلم في الحبل الشوكي يمكن أن يؤدي إلى نماذج جديدة من الوظائف الحركية والاضطراب.

يمكن لهذه النماذج تحسين فهمنا وعلاجنا لمختلف الحالات التي تؤثر على التحكم الحركي، بدءًا من الشلل وحتى ضمور العضلات.

ومن خلال الاستفادة من قدرة الحبل الشوكي على التعلم والتكيف بشكل مستقل عن الدماغ، يمكننا تطوير استراتيجيات وتقنيات علاجية أكثر فعالية تعمل على تحسين القدرة على الحركة، وتعزيز الأداء، وتقديم أمل جديد للأفراد الذين يعانون من إعاقات حركية.

.


مقالات ذات صلة

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

صحتك قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الحبوب الكاملة والجبن ارتبطت بزيادة أسرع نسبياً في تراجع بعض مؤشرات الدماغ (بيكسباي)

مفاجأة... أطعمة صحية شائعة قد تسرّع تدهور وظائف المخ

كشفت دراسة حديثة استمرت عشر سنوات عن نتائج مفاجئة، حيث تبيّن أن بعض الأطعمة التي تُعد جزءاً من نظام غذائي صحي قد تكون مرتبطة بتدهور أسرع في بعض وظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُنصح بالابتعاد عن تناول الأطعمة الحارة والمُهيّجة بكثرة لتفادي الإصابة بالتهابات المسالك البولية (رويترز)

5 أمور يجب على مريض التهاب المسالك البولية تجنبها

يبرز الوعي بالسلوكيات اليومية بوصفه عاملاً حاسماً في الوقاية من مرض التهابات المسالك البولية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الحليب من أفضل المشروبات لدعم صحة العظام وتقويتها لأنه غني بالكالسيوم والبروتين وفيتامين «د - D» (بيكسباي)

أفضل مشروب لدعم صحة العظام وتقويتها

من أفضل المشروبات لدعم صحة العظام وتقويتها... الحليب؛ لأنه غني بالكالسيوم والبروتين وفيتامين «د (D)»، وهي عناصر أساسية لبناء العظام والحفاظ على قوتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
TT

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة، خصوصاً إذا بدأ يؤثر على الأداء اليومي في العمل أو الدراسة واتخاذ القرارات.

وفيما يلي أبرز أعراض ضعف التركيز والحلول، ومتى يجب أن نقلق، حسبما نقل موقع «هيلث لاين» العلمي:

أولاً: أبرز الأعراض

تشمل علامات ضعف التركيز:

* عدم القدرة على تذكر الأحداث التي وقعت منذ وقت قصير.

* صعوبة التفكير بوضوح.

* كثرة فقدان الأشياء أو صعوبة تذكر أماكنها.

* التردد في اتخاذ القرارات.

* ضعف القدرة على إنجاز المهام المعقدة.

* الشعور بالإرهاق الذهني أو البدني.

* ارتكاب أخطاء غير مقصودة.

* نسيان المواعيد والالتزامات.

ثانياً: الأسباب المحتملة

ترتبط صعوبة التركيز بعدة عوامل، منها:

* اضطرابات مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه.

* القلق والاكتئاب والضغط النفسي.

* انقطاع التنفس في أثناء النوم.

* مشكلات السمع أو البصر.

* الإرهاق أو الألم الجسدي.

* التغيرات الهرمونية مثل انقطاع الطمث.

* المعاناة من الوسواس القهري.

* الإفراط في شرب الكحول.

* بعض الأدوية مثل المهدئات ومسكنات الألم ومضادات الاكتئاب.

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز (بيكسلز)

ثالثاً: نصائح لتحسين التركيز

يمكن تقليل المشكلة من خلال:

* التخلص من المشتتات:

رتِّب مكتبك، وأغلق إشعارات هاتفك، واستمع إلى الموسيقى فقط إذا كانت تساعدك على التركيز.

* ملاحظة أوقات فقدان التركيز

قد يساعدك تحديد هذا الأمر على تحديد أصل المشكلة وحلها، وقد يحفزك على التركيز بشكل أفضل.

* مراجعة أدويتك مع مختص

قد تؤثر بعض الأدوية والمكملات الغذائية على تفكيرك. استشر طبيبك إذا شعرت بأن أدويتك قد تؤثر على تركيزك.

* تنظيم وقتك بين العمل والراحة

خطِّط للعمل لمدة ساعة، ثم استرح أو مارس تمارين التمدد لمدة 5 دقائق.

* تناول الفاكهة بدلاً من الوجبات الخفيفة السكرية

يمكن للسكر أن يرفع ويخفض ​​مستوى السكر في الدم بسرعة، مما يجعلك تشعر بانخفاض الطاقة بعد فترة. الفاكهة تُشبع رغبتك في تناول الحلويات دون التأثير على مستوى السكر في الدم بنفس القدر.

* حافظ على نشاط عقلك

مارس الألغاز والألعاب أو غيرها من الأنشطة التي تُبقي ذهنك نشطاً.

* مارس التأمل

يُساعد التأمل الواعي على تدريب أفكارك وتعزيز تركيزك بشكل ملحوظ.

* اعتنِ بجسمك

يُمكن للرياضة واتباع نظام غذائي متنوع غني بالعناصر الغذائية الأساسية أن يُعزز صحتك البدنية وقد يُساعد على تحسين صحتك النفسية.

* كتابة المهام وتحديد أهداف واضحة

تُساعدك القوائم والخطط والأهداف المكتوبة على تحديد أولوياتك وتذكر المهام التي تحتاج إلى إنجازها دون تشتيت ذهنك.

رابعا: متى تجب مراجعة الطبيب؟

يُنصح بزيارة الطبيب في الحالات الآتية:

* مشكلات متزايدة في الذاكرة.

* تراجع ملحوظ في الأداء.

* صعوبات في النوم.

* إرهاق غير معتاد.

* فقدان الوعي.

* تنميل في جانب من الجسم.

* ألم شديد في الصدر.

* صداع حاد.

* فقدان مفاجئ للذاكرة.

* صعوبة في الكلام أو إدراك المكان الذي توجد فيه.

Your Premium trial has ended


القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
TT

القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)

تزداد الأسئلة العلمية حول التأثيرات طويلة الأمد للقنب، في وقتٍ لا يزال يُنظر إليه على نطاقٍ واسع بوصفه مخدّراً منخفض المخاطر. غير أن دراسة حديثة تُسلط الضوء على جانبٍ أقل تداولاً، مشيرةً إلى أن الاستخدام اليومي المنتظم قد يرتبط بتغيّراتٍ بنيويةٍ في الدماغ، خصوصاً في المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط، وفقاً لصحيفة «التايمز».

ووجد الباحثون أن الاستخدام طويل الأمد قد يؤدي إلى ترقّقٍ في القشرة الجبهية، وهي منطقة محورية فيما يُعرف بالوظائف التنفيذية، مثل التخطيط والذاكرة العاملة وتنظيم السلوك. ويرى العلماء أن هذا الترقّق قد يعكس تراجعاً في الخلايا العصبية أو في كفاءة الروابط بينها، ما قد يؤثر، بشكلٍ تدريجي، في أداء المهام المعقّدة.

ورغم أن هذه التأثيرات قد لا تكون واضحةً بشكلٍ مباشر لدى المستخدمين، فإن الدماغ، وفقاً للدراسة، قد يحتاج إلى بذل جهدٍ أكبر لإنجاز المهام اليومية، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية ومستوى التركيز. كما تشير النتائج إلى احتمال وجود علاقةٍ بين الاستخدام المنتظم للقنب وانخفاض الدوافع، ما قد يؤدي إلى تراجع المبادرة في الحياة العملية.

يواجه المراهقون الذين يتعاطون القنب خطراً مضاعفاً للإصابة باضطرابات نفسية خطيرة (رويترز)

الدراسة، التي عُرضت خلال المؤتمر الأوروبي للطب النفسي في براغ، ركزت على مجموعةٍ من البالغين بمتوسط عمر 31 عاماً، استخدموا القنب لفتراتٍ طويلة وصلت إلى نحو عشر سنوات، مع استخدامٍ يوميّ لعدة سنوات. وجرت مقارنة أدمغتهم عبر فحوصاتٍ بالرنين المغناطيسي مع أشخاصٍ نادراً ما استخدموا القنب، لتظهر فروق ملحوظة في سماكة القشرة الجبهية، ولا سيما في الجزء الأمامي الأيمن.

ويرجّح الباحثون أن تعود هذه التغيّرات إلى وجود كثافةٍ عاليةٍ من مستقبِلات «CB1»

في هذه المنطقة من الدماغ، وهي المستقبِلات التي تتفاعل مع المادة الفعالة في القنب والمسؤولة عن الإحساس بالنشوة، ما يجعلها أكثر عرضةً للتأثر بالاستخدام المتكرر.

في المقابل، يشدّد الباحثون على أن هذه النتائج لا تزال بحاجةٍ لمزيدٍ من الدراسات لتحديد ما إذا كانت هذه التأثيرات دائمةً أو قابلةً للتراجع بعد التوقف عن الاستخدام، وكذلك لفهم العلاقة السببية بشكلٍ أدق.

تأتي هذه المعطيات في ظلّ نقاشاتٍ متزايدة حول تقنين القنب في عددٍ من الدول، ما يمنح هذه الدراسات أهميةً خاصةً في دعم قرارات الصحة العامة ببياناتٍ علميةٍ موضوعية.

في المحصّلة، لا تحسم الدراسة الجدل بقدر ما تدعو إلى نظرةٍ أكثر توازناً، تأخذ في الحسبان ليس فحسب الاستخدام الآني، بل أيضاً ما قد يتركه من أثرٍ ممتد على الدماغ ووظائفه.

Your Premium trial has ended


اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)
TT

اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)

كشفت بيانات حديثة صادرة عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) ارتفاعٍ لافت في حالات الإحالة للعلاج من اضطراب تشوّه صورة الجسم، إذ تضاعفت 4 مرات منذ بدء تسجيل هذه البيانات مع اندلاع جائحة «كوفيد-19»، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً لدى الأوساط الطبية، وفقاً لصحيفة «تلغراف».

وبحسب الأرقام، ارتفعت حالات الإحالة من 266 حالة خلال عام 2020 - 2021 إلى 1028 حالة في 2024 - 2025، في زيادةٍ متسارعة تعكس، وفق خبراء، تحولاً عميقاً في علاقة الأفراد بأجسادهم وصورتهم الذاتية.

ويرى مسؤولون صحيون أن «المعايير غير الواقعية بشكل مفرط للجمال» التي تروّجها منصات التواصل الاجتماعي باتت عاملاً ضاغطاً، يضيف «وقوداً إضافياً» إلى هذه الظاهرة، خصوصاً بين فئة الشباب.

ويُعد اضطراب تشوّه صورة الجسم حالةً نفسية تدفع المصابين إلى الانشغال القهري بعيوبٍ متخيَّلة أو طفيفة في مظهرهم، غالباً لا يلحظها الآخرون. وتتجلى الأعراض في سلوكيات متكررة، مثل التدقيق المفرط في جزءٍ معين من الجسد، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، أو الإفراط في استخدام المرآة أو تجنّبها تماماً إلى جانب محاولات متكررة لتصحيح المظهر، أحياناً بطرقٍ مؤذية.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليشمل تداعياتٍ أعمق، من بينها الاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء النفس، وقد يصل في بعض الحالات إلى أفكارٍ انتحارية، ما يستدعي تدخلاً مبكراً ودعماً متخصصاً.

«الجسم الصحي لم يعد كافياً»

في هذا السياق، قال الدكتور أدريان جيمس، المدير الطبي الوطني للصحة النفسية والتنوع العصبي في «NHS»، إن الاضطراب يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الكمالية ومفاهيم الجمال وتقدير الذات، فضلاً عن المبالغة في ربط القبول الاجتماعي بالمظهر الخارجي.

وأضاف أن الضغوط الخارجية لعبت دوراً محورياً في هذا الارتفاع، موضحاً: «لم نَعِش من قبل في زمنٍ يسهل فيه إلى هذا الحد التعرض المستمر لمعايير جسدية غير واقعية، وفي الوقت نفسه يُقال للناس إن أجسامهم الصحية تماماً ليست جيدة بما يكفي».

وأشار إلى أن هذا التأثير يطول بشكلٍ خاص الأطفال والشباب، الذين لا يزالون في طور تشكيل هويتهم، ما يجعلهم أكثر عرضةً لتبني صورٍ ذهنية قاسية عن ذواتهم.

وتقدّر «NHS» أن الأعداد الفعلية للمصابين قد تكون أعلى من المعلن، في ظل تردد كثيرين في طلب المساعدة أو عدم إدراكهم لطبيعة ما يعانون منه. وفي محاولةٍ لمواجهة ذلك، أطلقت الهيئة مؤخراً حملةً واسعة لتشجيع الملايين على طلب الدعم النفسي، بمن فيهم مَن يعانون من اضطرابات القلق وتشوه صورة الجسم.

قصص إنسانية... من العزلة إلى التعافي

وفي بُعدٍ إنساني يعكس عمق المعاناة، شارك نجم تلفزيون الواقع تشارلي كينغ تجربته الشخصية مع الاضطراب، مشيراً إلى أن رحلته مع العلاج كانت نقطة تحوّل في حياته.

وقال إن مشاركته في «نصف ماراثون معالم لندن» جاءت بعد فترةٍ من الإحباط وفقدان الدافعية، مضيفاً: «حتى التسجيل في السباق كان مرهقاً بالنسبة لي، ولم أكن واثقاً من قدرتي على إكماله».

وأوضح أن الاضطراب دفعه في أسوأ مراحله إلى العزلة، قائلاً: «كنت أختبئ خلف قبعة، وأحياناً كان مجرد النظر إلى نفسي في المرآة يجرّني إلى دوامةٍ من الأفكار السلبية». غير أن العلاج النفسي، كما يروي، ساعده على فهم ذاته وتغيير أنماط تفكيره، مضيفاً: «عند عبوري خط النهاية شعرت بفخرٍ لم أعرفه منذ زمن. تعلّمت أن التقدم، مهما كان بطيئاً، يظل تقدماً».

من جهتها، تروي نيكولا كوفالتشوك، وهي طالبة جامعية، معاناتها التي بدأت في سن الخامسة عشرة، حين كانت «محاصَرة داخل أفكارها»، على حد وصفها. وتقول إنها كانت تتفقد مظهرها باستمرار أو تخفي نفسها تحت الملابس، قبل أن تلجأ لاحقاً إلى العلاج النفسي عبر طبيبها العام. وأضافت: «العلاج بالكلام غيّر كل شيء. منحني أدوات عملية وثقةً بنفسي، وأشعرني أنني لست وحدي في هذه المواجهة».

وتختم حديثها بنبرةٍ يغلّفها الأمل: «اليوم أستطيع الاستمتاع بوقتي مع عائلتي، وأجد سعادةً في تفاصيل بسيطة، بدلاً من القلق الدائم بشأن مظهري وهو أمرٌ لم أكن أتصور يوماً أنه ممكن».